النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: من مصابيح الدجى

  1. #1
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 14,240
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي من مصابيح الدجى

    من مصابيح الدجى
    اويس الفرني
    ***
    اسمه:
    هو القدوة الزاهد، سيد التابعين في زمانه، أبو عمرو، أويس بن عامر، بن جزء، بن مالك القرني، المرادي، اليماني، وقرن بطن من مراد.

    بعض أخباره وفضائله:
    وفد على عمر، وروى قليلاً عنه، وعن علي، وروى عنه يسير بن عمرو، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو عبد رب الدمشقي، وغيرهم حكايات يسيرة. ما روى شيئاً مسنداً ولا تهيأ أن يحكم عليه بلين، وقد كان من أولياء الله المتقين، ومن عباده المخلصين. وعن أسير بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس، فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال نعم، قال: من مراد، ثم من قرن ؟، قال: نعم، قال: فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: ألك والدة؟ قال: نعم، قال سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم -يقول: (يأتي عليكم أويس بن عامر، مع أمداد اليمن من مراد، ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه، إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل). فاستغفر لي؟، قال: فاستغفر له، فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي!!. قال: فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم، فوافق عمر، فسأله عن أويس، فقال: تركته رث الهيئة، قليل المتاع، قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن، من مراد، ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لا بره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل). فأتى أويساً، فقال: استغفر لي؟ قال: أنت أحدث عهداً بسفر صالح، فاستغفر لي، قال: استغفر لي؟ قال: لقيت عمر؟ قال: نعم، قال: فاستغفر له، قال: ففطن له الناس، فانطلق على وجهه، قال أسير: وكسوته بردة، وكان كل من رآه، قال: من أين لأويس هذه البردة؟!. وعن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه وزاد فيها, ثم أنه غزا أذربيجان فمات فتنافس أصحابه في حفر قبره. وقال أبو أحمد بن عدي في "الكامل " : أويس ثقة صدوق، ومالك ينكر أويساً، ثم قال: ولا يجوز أن يشك فيه ".
    وقد ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وقال: " كان ثقة ". وذكره البخاري فقال: " في إسناده نظر ". وأخباره وفضائله كثيرة.

    مصادر الترجمة:
    السير (4/19). والحلية (2/79). وأسد الغابة (1/151).


  2. #2
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 14,240
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    ابو هريرة / عبد الرحمن بن صخر
    *******
    اسمه ونسبه وكنيته :
    أحد أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، اشتُهر بكنيته، وقد اختُلف في اسمه اختلافاً كثيراً، ولعل الراجح أن اسمه عبد الرحمن بن صخر، لما قاله ابن إسحاق: قال لي بعض أصحابنا عن أبي هريرة :كان اسمي في الجاهلية عبد شمس بن صخر، فسماني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الرحمن، وكنيت أبا هريرة؛ لأني وجدت هرة فحملتها في كمي، فقيل لي أبو هريرة.
    وقال النووي في مواضع من كتبه: اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولاً.
    وقال الطبراني: وأمه - رضي الله عنها - هي ميمونة بنت صبيح.

    بعض أخباره وفضائله:
    من المكثرين من رواية الحديث، ومن أحفظ الصحابة له، قال عنه الذهبي في ترجمته: " الإمام الفقيه، المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو هريرة الدوسي، اليماني سيد الحفاظ الأثبات " .
    وقال البخاري -رحمه الله - : روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث في عصره.
    وعن أبي صالح قال: كان أبو هريرة أحفظ أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - .
    وقال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره.
    وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: لم يكن من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر حديثاً مني إلا عبد الله بن عمر، فإنه كان يكتب ولا أكتب.
    وقال الحاكم أبو أحمد: كان من أحفظ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وألزمهم له صحبة على شبع بطنه، فكانت يده مع يده يدور معه حيث دار إلى أن مات، ولذلك كثر حديثه.
    وقد كان حريصاً على تعلم العلم بشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فقد أخرج البخاري في الصحيح من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة قلت : يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: (لقد ظننت ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث).
    وقد بين - رضي الله عنه - سبب إكثاره من رواية الحديث، ففي الصحيح عن الأعرج قال: قال أبو هريرة: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والله الموعد إني كنت امرأ مسكينا أصحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من النبي - صلى الله عليه وسلم - مجلساً فقال: (من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه إليه فلن ينسى شيئا سمعه مني). فبسطت بردة علي حتى قضى حديثه ثم قبضتها إليّ، فو الذي نفسي بيده ما نسيت شيئاً سمعته منه بعد.
    ومن فضائله؛ ما جاء في الصحيح في قصة أصحاب الصفة؛ عنه -رضي الله عنه - قال: والله إن كنت لأعتمد على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت على طريقهم فمر بي أبو بكر فسألته عن آية في كتاب الله ما أسأله إلا ليستتبعني، فمر ولم يفعل، فمر عمر فكذلك حتى مر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعرف ما في وجهي من الجوع، فقال: (أبو هريرة) ، قلت: لبيك يا رسول الله، فدخلت معه البيت، فوجد لبناً في قدح، فقال: (من أين لكم هذا ؟) قيل: أرسل به إليك فلان، فقال: (يا أبا هريرة انطلق إلى أهل الصفة فادعهم). وكان أهل الصفة أضياف الإسلام، لا أهل ولا مال إذا أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -صدقة أرسل بها إليهم، ولم يصب منها شيئاً، وإذا جاءته هدية أصاب منها، وأشركهم فيها، فساءني إرساله إياي، فقلت: أي في نفسه - كنت أرجو أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، وما هذا اللبن في أهل الصفة، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بدٌّ، فأتيتهم فأقبلوا مجيبين، فلما جلسوا. قال: (خذ يا أبا هريرة فأعطهم). فجعلت أعطي الرجل فيشرب حتى يروى، حتى أتيت على جميعهم، وناولته رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرفع رأسه إلي متبسماً، وقال: (بقيت أنا وأنت ؟!) . قلت : صدقت يا رسول الله، قال : ( فاشرب ) فشربت، فقال: ( اشرب ) فشربت، فما زال يقول: ( اشرب ) فأشرب حتى قلت: والذي بعثك بالحق ما أجد له مساغاً، فأخذ فشرب من الفضلة.
    وقد كان أبو هريرة -رضي الله عنه - قواماً لليل، قال أبو عثمان النهدي : تضيفت أبا هريرة سبعاً، فكان هو وامرأته وخادمه يقسمون الليل أثلاثاً، يصلي هذا ثم يوقظ هذا.
    وكان يكثر من ذكر الله، ويحاسب نفسه، ويتهمها بالتقصير، فعن عكرمة أن أبا هريرة كان يسبح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، يقول: أسبح بقدر ذنبي.
    وعن أبي هريرة : أنه لما حضرته الوفاة بكى فسئل فقال من قلة الزاد وشدة المفازة. رواه البغوي.
    وقد أخذ عليه شعبة أنه كان يدلس، فقال يزيد بن هارون سمعت شعبة يقول: كان أبو هريرة يدلس. ولكن تدليس الصحابة لا يضر لأنهم كلهم عدول، كما يقرره العلماء، قال الذهبي: " قلت: تدليس الصحابة كثير، ولا عيب فيه، فإن تدليسهم عن صاحب أكبر منهم، والصحابة كلهم عدول ". وكان بعضهم بقول: ما كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة إلا ما كان حديث جنة أو نار ".
    قال الذهبي حافظ عصره :" قلت: هذا لا شيء بل احتج المسلمون قديماً وحديثاً بحديثه لحفظه وجلالته، وإتقانه وفقهه، وناهيك أن مثل ابن عباس يتأدب معه، ويقول: أفت يا أبا هريرة. وأصح الأحاديث ما جاء عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. وما جاء عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
    وما جاء عن ابن عون وأيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة. وأين مثل أبي هريرة في حفظه وسعة علمه؟!. وقد كان يضرب به المثل في بره بأمه، وقد دعا له النبي- صلى الله عليه وسلم - بأن يحبه الناس، فعنه - رضي الله عنه -، قال: والله ما خلق الله مؤمناً يسمع بي إلا أحبني، قلت: وما علمك بذلك؟ قال: إن أمي كانت مشركة وكنت أدعوها إلى الإسلام، وكانت تأبى علي فدعوتها يوماً فأسمعتني في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أكره، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي فأخبرته، وسألته أن يدعو لها، فقال: (اللهم اهد أم أبي هريرة ). فخرجت أعدوا أبشرها، فأتيت فإذا الباب مجاف، وسمعت خضخضة الماء، وسمعت حسي، فقالت: كما أنت، ثم فتحت، وقد لبست درعها، وعجلت عن خمارها، فقالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وقال: فرجعت إلى رسول الله أبكي من الفرح؛ كما بكيت من الحزن، فأخبرته، وقلت: ادع الله أن يحببني وأمي إلى عباده المؤمنين؟ فقال: (اللهم حبب عبدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين وحببهم إليهما). وفضائله ومناقبه كثيرة جداً.
    وفاته:
    وقال أبو سليمان بن زبر في تاريخه: عاش أبو هريرة ثمانياً وسبعين سنة. وقال هشام بن عروة وخليفة وجماعة: توفي أبو هريرة سنة سبع وخمسين. وقال الهيثم بن عدي وأبو معشر وضمرة بن ربيعة: مات سنة ثمان وخمسين. وقال الواقدي وأبو عبيد وغيرهما : مات سنة تسع وخمسين . وقد تردد البخاري في تاريخ وفاته، فقال: " مات سنة سبع وخمسين ". وقد رجح ابن حجر قول هشام ابن عروة، فقال: "والمعتمد في وفاة أبي هريرة قول هشام بن عروة ". وهو أنه مات سنة سبع وخمسين.
    مصادر الترجمة:
    الإصابة (4/202 – 211). والسير (2/578). والمستدرك (3/506 – 114). وحلية الأولياء (1/376- 385). وأسد الغابة (6/318). والبداية والنهاية (8/103 – 115). وشذرات الذهب (1/63).

  3. #3
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 14,240
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    سفينة مولى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)

    ***
    اسمه وكنيته ولقبه:
    هو سفينة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أبو عبد الرحمن. كان عبداً لأم سلمة فأعتقته، وشرطت عليه خدمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما عاش. لقب بسفينة واسمه مهران، وقيل رومان. وقيل قيس.

    سبب تلقيبه بسفينة:
    ولتسميته بسفينة سبب، فقيل إنه حمل مرة متاع الرفاق، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ما أنت إلا سفينة ) . فلزمه ذلك.

    روايته للحديث:
    روي له في أربعة عشر حديثاً، وحديثه مخرج في الكتب سوى صحيح البخاري، حدث عنه ابناه عمر وعبد الرحمن، والحسن البصري، وسعيد بن جمهان، ومحمد بن المنكدر، وأبو ريحانة عبد الله بن مطر، وسالم بن عبد الله، وصالح أبو الخليل، وغيرهم.

    وفاته :
    توفي بعد سنة سبعين.

    مصادر الترجمة:
    السير (3/172). والمستدرك (3/606). والإصابة2/58).

  4. #4
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 14,240
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    أنس بن مالك

    ***
    اسمه وكنيته:
    هو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار.
    كنيته: أبو حمزة الأنصاري الخزرجي.
    بعض مناقبه:
    خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحد المكثرين من الرِّوايةِ عنه. صحَّ عنه أنه قالَ: قدم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ وأنا ابن عشر سنين، وأنَّ أمَّه أمَّ سُلَيم أتتْ به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا قدم، فقالتْ له: هذا أنسٌ غلامٌ يخدمك، فقبله، وأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كنَّاهُ أبا حمزة ببقلةٍ كان يجتنيها، ومازحه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، فقالَ له: (ياذا الأُذنينِ). وقال محمدُ بن عبد الله الأنصاريُّ: خرجَ أنسُ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى بدرٍ وهو غلامٌ يخدمُهُ. قال ابنُ حَجَر – رحمه الله - : " قلتُ: وإنما لم يذكروه في البدريين؛ لأنه لم يكن في سنِّ مَن يُقاتل ". وقال الذهبيُّ: روى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عِلْماً جماً... وقد سردَ صاحبُ التَّهذيبِ نحو مئتي نفسٍ من الرُّواةِ عن أنس.. فصحب أنسٌ نبيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أتمَّ الصُّحبةِ، ولازمَهُ أكملَ الملازمةِ منذُ هاجرَ وإلى أنْ ماتَ، وغزا معه غيرَ مرةٍ، وبايعَ تحتَ الشَّجرةِ.
    وقال أبُو هُريرة – رضي الله عنه - : ما رأيتُ أحداً أشبه بصلاةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن ابنِ أُمِّ سليم يعني أنساً. وقال أنس بن سِيرين: كان أنس بن مالك أحسنَ النَّاسِ صلاةً في الحضرِ والسَّفَرِ.
    وعن أبي خلدة قالَ: قلتُ لأبي العالية: أسمعَ أنسٌ من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؟ قالَ: خَدَمَهُ عشر سنين، ودعا له النبيُّ- صلى الله عليه وسلم -، وكان له بستان يحمل الفاكهة في السَّنَّة مرتين، وكان فيه ريحان، ويجيء منه ريح المسك، وكانت إقامته بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، ثم شهد الفتوح، ثم قطن البصرة، ومات بها . وعن إسحاق بن عثمان قال: سألت موسى بن أنس كم غزا أنس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال: ثماني غزوات. رواه البخاري.
    وروى بن السكن من طريق صفوان بن هبيرة عن أبيه قال: قال لي ثابت البناني، قال لي أنس بن مالك: هذه شعرة من شعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضعها تحت لساني؟ قال: فوضعتها تحت لسانه، فدفن وهي تحت لسانه. وقال معتمر عن أبيه سمعت أنس بن مالك يقول: لم يبق أحد صلى القبلتين غيري.
    وعن حفصة عن أنس قال: قالت أم سليم يا رسول الله أدع الله لأنس؟ فقال: اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيه. قال أنس: فلقد دفنت من صلبي سوى ولد ولدي مائة وخمسة وعشرين، وإنَّ أرضي لتثمر في السَّنَّةِ مَرَّتينِ. ومناقب أنس وفضائله -رضي الله عنه- كثيرة جداً.
    وفاته:
    قال عليُّ بن المديني: كان آخرُ الصَّحابةِ موتاً بالبصرة. وقال جرير بن حازم قلت: لشعيب بن الحبحاب: متى مات أنس؟ قال: سنة تسعين . ومعتمر بن سليمان مات سنة إحدى وتسعين. وفي رواية : وكان عمره مائة سنة إلا سنة. وقال ابن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن زيد بن الهذلي أنه حضر أنس بن مالك سنة اثنتين وتسعين. وقال أبو نعيم الكوفي مات سنة ثلاث وتسعين، وفيها أرَّخه المدائنيُّ وخليفةُ، وزادَ: وله مائة وثلاث سنين.
    مصادر الترجمة:
    الإصابة(1/71). والسير (3/395). والمستدرك(3/573). وأسد الغابة(1/151). والبداية والنهاية(9/88). وشذرات الذهب(1/100 – 101).

  5. #5
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 14,240
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    ابو ذر الغفاري
    ***
    أبو ذر الغفاري الزاهد المشهور، الصادق اللهجة، مختلف في اسمه واسم أبيه، والمشهور أنه جندب بن جنادة بن سكن. واسم أمه رملة بنت الوقيعة غفارية أيضاً.

    قصة إسلامه:
    وردت قصة إسلامه على صفتين: الصفة الأولى: في البخاري، والصفة الثانية: في مسلم، وبينهما اختلاف ظاهر
    الصفة الأولى تقول كما في البخاري من طريق أبي حمزة عن بن عباس قال: لما بلغ أبا ذر مبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني، فانطلق الأخ حتى قدم وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبا ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، ويقول كلاماً ما هو بالشعر، فقال: ما شفيتني مما أردت، فتزود وحمل شَنة فيها ماء حتى قدم مكة، فأتى المسجد فالتمس النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل فاضطجع فرآه عليٌّ، فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد وظل ذلك اليوم ولا يرى النبي - صلى الله عليه وسلم- حتى أمسى فعاد إلى مضجعه، فمر به عليّ، فقال: أما آن للرجل أن يعرف منزله؟ فأقامه فذهب به معه لا يسأل أحدهما صاحبه عن شيء حتى كان اليوم الثالث فعل مثل ذلك فأقامه فقال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهداً وميثاقاً أن ترشدني فعلت ففعل فأخبره، فقال: إنه حق وإنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا أصبحت فاتبعني فإني إن رأيت شيئاً أخافه عليك قمت كأني أريق الماء فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي ففعل فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ودخل معه وسمع من قوله فأسلم مكانه، فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم -: (ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري). فقال: "والذي نفسي بيده لأصرخنَّ بها بين ظهرانيهم"، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله. فقام القوم إليه فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكب عليه، وقال: "ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار, وأنه من طريق تجارتكم إلى الشام؟" فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه.

    والصفة الثانية تقول: كما في مسلم من طريق عبد الله بن الصامت عن أبي ذر في قصة إسلامه، وفي أوله: صليت قبل أن يبعث النبي -صلى الله عليه وسلم - حيث وجهني الله، وكنَّا نزلا مع أمنَّا على خال لنا، فأتاه رجل، فقال له: إن أنيساً يخلفك في أهلك فبلغ أخي، فقال: والله لا أساكنك، فارتحلنا، فانطلق أخي فأتى مكة، ثم قال لي: أتيت مكة فرأيت رجلاً يسميه الناس الصابئ هو أشبه الناس بك، قال: فأتيت مكة فرأيت رجلاً، فقلت: أين الصابئ؟ فرفع صوته علي فقال: صابئ صابئ؟!. فرماني الناس حتى كأني نصب أحمر، فاختبأت بين الكعبة وبين أستارها، ولبثت فيها بين خمس عشرة من يوم وليلة، ما لي طعام ولا شراب إلا ماء زمزم، قال: ولقينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم -وأبو بكر وقد دخلا المسجد، فو الله إني لأول الناس حياة بتحية الإسلام فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فقال: (وعليك السلام ورحمة الله، من أنت؟) . فقلت: رجل من بني غفار، فقال: صاحبه ائذن لي يا رسول الله في ضيافته الليلة، فانطلق بي إلى دار في أسفل مكة، فقبض لي قبضات من زبيب، قال: فقدمت على أخي فأخبرته أني أسلمت قال: فإني على دينك، فانطلقنا إلى أمنا، فقالت: فإني على دينكما، قال: وأتيت قومي فدعوتهم، فتبعني بعضهم. ولقصة إسلامه رواية ثالثة، كما قال ابن حجر: "وروينا في قصة إسلامه خبراً ثالثاً ".

    بعض فضائله:
    قال الذهبي عنه: " أحد السابقين الأولين، من نجباء أصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم -، قيل كان خامس خمسة في الإسلام، ثم إنه رد إلى بلاد قومه فأقام بها بأمر النبي- صلى الله عليه وسلم -له بذلك، فلما أن هاجر النبي- صلى الله عليه وسلم -هاجر إليه أبو ذر -صلى الله عليه وسلم - ولازمه وجاهد معه.. وكان يفتي في خلافة أبي بكر, وعمر, وعثمان. وكان رأساً في الزهد والصدق والعلم والعمل، قوالاً بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم على حدة فيه.. وقد شهد فتح بيت المقدس مع عمر "نعم هو أصدق لهجة بشهادة النبي – صلى الله عليه وسلم -، فعن عمرو سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم -يقول: (ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر). ومن فضائله ما جاء في حديث ابن مسعود- رضي الله عنه -، قال: لما سار رسول الله- صلى الله عليه وسلم -إلى تبوك جعل لا يزال يتخلف الرجل فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان، فيقول: دعوه إن يكن فيه خير فسيلحقكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه، حتى قيل: يا رسول الله تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره، قال: وتلوم بعير أبي ذر، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره، وخرج يتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونظر ناظر فقال: إن هذا لرجل يمشي على الطريق، فقال رسول الله: (كن أبا ذر)، فلما تأمله القوم، قالوا: هو والله أبو ذر، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: (رحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده)، فضرب الدهر من ضربه، وسير أبو ذر إلى الرَّبَذة، فلما حضرته الوفاة، أوصى امرأته وغلامه، فقال: إذا مت فاغسلاني وكفناني وضعاني على الطريق، فأول ركب يمرون بكم فقولا: هذا أبو ذر، فلما مات فعلا به ذلك، فاطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركائبهم توطأ السرير، فإذا عبد الله بن مسعود في رهط من أهل الكوفة فقال: ما هذا؟ قيل: جنازة أبي ذر، فاستهل ابن مسعود يبكي، وقال: صدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: (يرحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده). فنزل فوليه بنفسه حتى أجنه. وقال المعْرور بن سويد: نزلنا الربذة فإذا برجل عليه برد وعلى غلامه مثله، فقلنا: لو عملتهما حلة لك واشتريت لغلامك غيره، فقال: سأحدثكم كان بيني وبين صاحب لي كلام، وكانت أمه أعجمية فنلت منها، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم : "ساببت فلاناً ". قلت: "نعم"، قال:" ذكرت أمه" . قلت: من ساب الرجال ذكر أبوه وأمه، فقال: " إنك امرؤ فيه جاهلية ". وعن إبراهيم بن الأشتر أن أبا ذر حضره الموت بالربذة فبكت امرأته، فقال:وما يبكيك؟ قالت: أبكي أنه لا بد من تغييبك، وليس عندي ثوب يسعك كفناً، قال: لا تبكي، فإني سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، وأنا عنده في نفر يقول: (ليموتن رجل منكم بفلاة تشهده عصابة من المؤمنين). فكلهم مات في جماعة وقرية، فلم يبق غيري، وقد أصبحت بالفلاة أموت، فراقبي الطريق فإنك سوف ترين ما أقول، ما كذبت ولا كذبت، قالت: وأنى ذلك، وقد انقطع الحاج؟!. قال "راقبي الطريق " ، فبينا هي كذلك، إذ هي بالقوم " تخب بهم رواحلهم " كأنهم الرخم، فأقبلوا حتى وقفوا عليها، قالوا: مالك؟ قالت: رجل من المسلمين تكفنونه وتؤجرون فيه، قالوا: ومن هو؟ قالت: أبو ذر، ففدوه بآبائهم وأمهاتهم، ووضعوا سياطهم في نحورها يبتدرونه، فقال: أبشروا أنتم النفر الذين قال فيكم رسول الله- صلى الله عليه وسلم -ما قال، سمعته يقول: (ما من امرأين من المسلمين هلك بينهما ولدان أو ثلاثة فاحتسبا وصبرا فيريان النار أبداً)، ثم قال: وقد أصبحت اليوم حيث ترون، ولو أن ثوباً من ثيابي يسعني لم أكفن إلا فيه، أنشدكم الله أن لا يكفنني رجل منكم كان أميراً أو عريفاً أو بريداً، فكل القوم كان نال من ذلك شيئاً إلا فتى من الأنصار، قال: أنا صاحبك، ثوبان في عيبتي من غزل أمي، وأحد ثوبي هذين اللذين عليَّ، قال: أنت صاحبي، فكفني.

    وفاته :
    كانت وفاته بالربذة سنة إحدى وثلاثين. وقيل في التي بعدها وعليه الأكثر. ويقال إنه صلى عليه عبد الله بن مسعود.

    من مصادر الترجمة:
    الإصابة (4/62 –64). والسير (2/46). والمستدرك (3/337- 346). وحلية الأولياء(1/156- 170). وأسد الغابة (1/357، 6/99 – 101).

  6. #6
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 14,240
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    " أسامة بن زيد - الحبّ بن الحبّ "
    جلس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقسّم أموال بيت المال على المسلمين .. وجاء دور عبد الله بن عمر، فأعطاه عمر نصيبه .. ثم جاء دور أسامة بن زيد، فأعطاه عمر ضعف ما أعطى ولده عبد الله ..
    وذا كان عمر يعطي الناس وفق فضلهم، وبلائهم في الاسلام، فقد خشي عبد الله بن عمر أن يكون مكانه في الاسلام آخرا، وهو الذي يرجو بطاعته، وبجهاده، وبزهده، وبورعه، أن يكون عند الله من السابقين ..
    هنالك سأل أباه قائلا : " لقد فضّلت عليّ أسامة، وقد شهدت مع رسول الله ما لم يشهد " .. ؟
    فأجابه عمر : " ان أسامة كان أحبّ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك .. وأبوه كان أحب الى رسول الله من أبيك " .. !
    فمن هذا الذي بلغ هو وأبوه من قلب الرسول وحبه ما لم يبلغه ابن عمر، وما لم يبلغه عمر بذاته .. ؟؟
    انه أسامة بن زيد ..
    كان لقبه بين الصحابة : الحبّ بن الحبّ ..
    أبوه زيد بن حارثة خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي آثر الرسول على أبيه وأمه وأهله، والذي وقف به النبي على جموع أصحابه يقول : " أشهدكم أن زيدا هذا ابني، يرثني وأرثه " ..
    وظل اسمه بين المسلمين زيد بن محمد حتى أبطل القرآن الكريم عادة التبنّي ..
    أسامة هذا ابنه ..
    وأمه هي أم أيمن ، مولاة رسول الله وحاضنته ..
    لم يكن شكله الخارجي يؤهله لشيء .. أي شيء ..
    فهو كما يصفه الرواة والمؤرخون : أسود، أفطس ..
    أجل .. بهاتين الكلمتين، لا أكثر يلخص التاريخ حديثه عن شكل أسامة .. !!
    ولكن، متى كان الاسلام يعبأ بالأشكال الظاهرة للناس .. ؟
    متى .. ورسوله هو الذي يقول : " ألا ربّ أشعث، أعبر، ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبرّه " ..
    فلندع الشكل الخارجي لأسامة اذن ..
    لندع بشرته السوداء، وأنفه الأفطس، فما هذا كله في ميزان الاسلام مكان ..
    ولننظر ماذا كان في ولائه .. ؟ ماذا كان في افتدائه .. ؟ في عظمة نفسه، وامتلاء حياته .. ؟!
    لقد بلغ من ذلك كله المدى الذي هيأه لهذا الفيض من حب رسول الله عليه الصلاة والسلام وتقديره : " ان أسامة بن زيد لمن أحبّ الناس اليّ، واني لأرجو أن يكون من صالحيكم، فاستوصوا به خيرا " .
    كان أسامة رضي الله عنه مالكا لكل الصفات العظيمة التي تجعله قريبا من قلب الرسول.. وكبيرا في عينيه .. فهو ابن مسلمين كريمين من أوائل المسلمين سبقا الى الاسلام، ومن أكثرهم ولاء للرسول وقربا منه ..
    وهو من أبناء الاسلام الحنفاء الذين ولدوا فيه، وتلقوا رضعاتهم الأولى من فطرته النقية، دون أن يدركهم من غبار الجاهلية المظلمة شيء ..
    هو رضي الله عنه على حداثة سنه، مؤمن، صلب، ومسلم قوي، يحمل كل تبعات ايمانه ودينه، في ولاء مكين، وعزيمة قاهرة ..
    وهو مفرط في ذكائه، مفرط في تواضعه، ليس لتفانيه في سبيل الله ورسوله حدود ..
    ثم هو بعد هذا، يمثل في الدين الجديد، ضحايا الألوان الذين جاء الاسلام ليضع عنهم أوزار التفرقة وأوضارها ..
    فهذا الأسود الأفطس يأخذ في قلب النبي، وفي صفوف المسلمين مكانا عليّا، لأن الدين الذي ارتضاه الله لعباده قد صحح معايير الآدمية والأفضلية بين الناس فقال : " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ "..
    وهكذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل مكة يوم الفتح العظيم ورديفه هذا الأسود الأفطس أسامة بن زيد .. ثم رأيناه يدخل الكعبة في أكثر ساعات الاسلام روعة، وفوزا، وعن يمينه ويساره بلال ، وأسامة.. رجلان تكسوهما البشرة السوداء الداكنة، ولكن كلمة الله التي يحملانها في قلبيهما الكبيرين قد أسبغت عليهما كل الشرف وكل الرفعة ..
    وفي سن مبكرة، لم تجاوز العشرين، أمر رسول الله أسامة بن زيد على جيش، بين أفراده وجنوده أبو بكر وعمر..!!
    وسرت همهمة بين نفر من المسلمين تعاظمهم الأمر، واستكثروا على الفتى الشاب، أسامة بن زيد، امارة جيش فيه شيوخ الأنصار وكبار المهاجرين ..
    وبلغ همسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصعد المنبر، وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال : " ان بعض الناس يطعنون في امارة أسامة بن زيد .. ولقد طعنوا في امارة أبيه من قبل .. وان كان أبوه لخليقا للامارة .. وان أسامة لخليق لها .. وانه لمن أحبّ الناس اليّ بعد أبيه .. واني لأرجو أن يكون من صالحيكم .. فاستوصوا به خيرا " ..
    وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتحرّك الجيش الى غايته ولكنه كان قد ترك وصيته الحكيمة لأصحابه : " أنفذوا بعث أسامة .. أنفذوا بعث أسامة .. "
    وهكذا قدّس الخليفة أبو بكر هذه الوصاة، وعلى الرغم من الظروف الجديدة التي خلفتها وفاة الرسول، فان الصدّيق أصرّ على انجاز وصيته وأمره، فتحرّك جيش أسامة الى غايته، بعد أن استأذنه الخليفة في أن يدع عمر ليبقى الى جواره في المدينة ..
    وبينما كان امبراطور الروم هرقل، يتلقى خبر وفاة الرسول، تلقى في نفس الوقت خبر الجيش الذي يغير على تخوم الشام بقيادة أسامة بن زيد، فحيّره أن يكون المسلمون من القوة بحيث لا يؤثر موت رسولهم في خططهم ومقدرتهم .. وهكذا انكمش الروم، ولم يعودوا يتخذون من حدود الشام نقط وثوب على مهد الاسلام في الجزيرة العربية ..
    وعاد الجيش بلا ضحايا .. وقال عنه المسلمون يومئذ : " ما رأينا جيشا أسلم من جيش أسامة " .. !!
    وذات يوم تلقى أسامة من رسول الله درس حياته .. درسا بليغا، عاشه أسامة، وعاشته حياته كلها منذ غادرهم الرسول الى الرفيق الأعلى الى أن لقي أسامة ربه في أواخر خلافة معاوية ..
    قبل وفاة الرسول بعامين بعثه عليه السلام أميرا على سريّة خرجت للقاء بعض المشركين الذين يناوئون الاسلام والمسلمين ..
    وكانت تلك أول امارة يتولاها أسامة ..
    ولقد أحرز في مهمته النجاح والفوز، وسبقته أنباء فوزه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرح بها وسر ..
    ولنستمع الى أسامة يروي لنا بقية النبأ : " .. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اتاه البشير بالفتح، فاذا هو متهلل وجهه .. فأدناني منه ثم قال : حدّثني .. فجعلت أحدّثه .. وذكرت أنه لما انهزم القوم أدركت رجلا وأهويت اليه بالرمح، فقال لا اله الا الله فطعنته وقتلته .. فتغيّر وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال : ويحك يا أسامة .. ! فكيف لك بلا اله الا الله .. ؟ ويحك يا أسامة .. فكيف لك بلا اله الا الله .. ؟ فلم يزل يرددها عليّ حتى لوددت أني انسلخت من كل عمل عملته .. واستقبلت الاسلام يومئذ من جديد .. فلا والله لا أقاتل أحدا قال لا اله الا الله بعدما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
    هذا هو الدرس العظيم الذي وجّه جياة أسامة الحبيب بن الحبيب منذ سمعه من رسول الله الى أن رحل عن الدينا راضيا مرضيّا ..
    وانه لدرس بليغ ..
    درس يكشف عن انسانية الرسول، وعدله، وسموّ مبادئه، وعظمة دينه وخلقه ..
    فهذا الرجل الذي أسف النبي لمقتله، وأنكر على أسامة قتله، كان مشركا ومحاربا ..
    وهو حين قال : لا اله الا الله .. قالها والسيف في يمينه، تتعلق به مزغ اللحم التي نهشها من أجساد المسلمين .. قالها لينجو بها من ضربة قاتلة، أو ليهيء لنفسه فرصة يغير فيها اتجاهه ثم يعاود القتال من جديد ..
    ومع هذا، فلأنه قالها، وتحرّك بها لسانه، يصير دمه حراما وحياته آمنة، في نفس اللحظة، ولنفس السبب .. !
    ووعى أسامة الدرس الى منتهاه ..
    فاذا كان هذا الرجل، في هذا الموقف، ينهى الرسول عن قتله لمجرّد أنه قال : لا اله الا الله .. فكيف بالذين هم مؤمنون حقا، ومسلمون حقا .. ؟
    وهكذا رأيناه عندما نشبت الفتنة الكبرى بين الامام علي وأنصاره من جانب، ومعاوية وأنصاره من جانب آخر، يلتزم حيادا مطلقا ..
    كان يحبّ عليّا أكثر الحب، وكان يبصر الحق الى جانبه .. ولكن كيف يقتل بسيفه مسلما يؤمن بالله وبرسله، وهو لذي لامه الرسول لقتله مشركا محاربا قال في لحظة انكساره وهروبه : لا اله الا الله .. ؟؟!!
    هنالك أرسل الى الامام علي رسالة قال فيها : " انك لو كنت في شدق الأسد ، لأحببت أن أدخل معك فيه .. ولكن هذا أمر لم أره " .. !!
    ولزم داره طوال هذا النزاع وتلك الحروب ..
    وحين حاءه بعض أصحابه يناقشونه في موقفه قال لهم : " لا أقاتل أحدا يقول لا اله الا الله أبدا " .
    قال أحدهم له : ألم بقل الله : " وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه " .. ؟؟
    فأجابهم أسامة قائلا : " أولئك هم المشركون، ولقد قاتلناهم حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله " ..
    وفي العام الرابع والخمسين من الهجرة .. اشتاق أسامة للقاء الله، وتلملمت روحه بين جوانحه، تريد أن ترجع الى وطنها الأول ..
    وتفتحت أبواب الجنان، لتستقبل واحدا من الأبرار المتقين ..

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •