النتائج 1 إلى 8 من 8
Like Tree1Likes
  • 1 Post By أم عز الدين

الموضوع: سلسلة قادة مسلمين غيروا الدنيا ( متجدد )

  1. #1

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,587
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي سلسلة قادة مسلمين غيروا الدنيا ( متجدد )

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    هذا الموضوع منقول جزى الله من قام بإعداده كل خير

    ( 1 ) ساموري توري

    قبل الغربيون في القرن التاسع عشر الميلادي من كل حدب وصوب على قارة أفريقيا طمعًا في خيراتها وثرواتها، وعملوا على تقسيمها فيما بينهم؛ فاحتلت فرنسا الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا، واحتلت إيطاليا ليبيا، واحتلت انجلترا مصر. ولم يكتفوا بهذا بل زحفوا على قلب القارة السوداء فاقتسموها بينهم، فكانت منطقة نهر النيجر الكبرى من نصيب الفرنسيين لكنهم لم يستولوا عليها إلا بعد مقاومة عنيفة شديدة من الإمام الكبير والمجاهد العظيم ساموري توري .

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



    من هو الإمام ساموري توري ؟

    يُعد
    ساموري توري من الزعماء الأفارقة المسلمين الذين لعبوا دورًا مهمًا في غرب القارة قبل الاستعمار وبعده، وقد استمر يحارب الغزاة الاستعماريين حوالي سبعة عشر عاما.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


    نشأة ساموري توري

    ولد
    ساموري توري عام 1835م في سانكورو في جمهورية غينيا كوناكري، وهو ينتمي إلى مجتمع الديولا التجاري، ولما بلغ سنه السابعة ذهب للعيش مع خالته على بعد عشرين ميلا في إحدى القرى المجاورة، وعندما بلغ 18 عاما أرسله أبوه إلى صديق له بدولة ساحل العاج ليتعلم تجارة السلاح، ومن خلال ذلك عرف ساموري أماكن الحصول على السلاح ؛ فبدأ يفكر في بناء إمبراطوريته ، ومن خلال هذه المرحلة سافر إلى عدة مناطق في غرب إفريقيا فاطلع على نظام حياة عدة مجتمعات هناك.

    وفي عام 1852م أُسرت والدته من قبل ملك بيساندوغو الوثنى وعند سماعه هذا الخبر أخذ يفكر في أفضل الطرائق لإنقاذ والدته من الأسر، وقرر خدمة ذلك الملك لسبع سنوات مقابل الإفراج عن والدته ، ومن خلال تلك المرحلة استطاع أن يتعلم طرق الدبلوماسية بالإضافة إلى تدربه على فن قيادة الإغارة والحروب.


    كون
    ساموري جماعة تولى رئاستها بنفسه وأقسم على بناء دولة إسلامية في تلك المنطقة ثم قام ساموري بتدريب رجاله على فنون القتال وتم تسليحهم، ومن ثم بدأ نفوذه يمتد.

    في عام 1874م بدأ الغزو التدريجي لكل القرى المجاورة لعاصمته، وتحالف مع المسلمين في مدينة كانكان، وبهذا استطاع أن يهزم جماعات مهمة من القبائل، وازدادت سيطرته على كافة فوتاجالون، ونجح في تحطيم كل القوى المنافسة له، وصار أكبر قائد لإمبراطورية إسلامية عرفها شعب المالينك.


    في الخامس والعشرين من يوليو سنة 1884م جمع
    ساموري توري أهله في احتفال وأعلن لهم أنه سيلقب نفسه بلقب الإمام، وطلب من أهله ورعاياه أن يعتنقوا الإسلام .
    وفي نوفمبر من العام نفسه منع الخمر شربًا وبيعًا في مملكته، ومنع العادات الوثنية، وبدأ في تطبيق الشريعة الإسلامية.


    كان عامة جيش
    ساموري توري من المشاة وقليل منهم من الفرسان، وسلّحهم بأسلحة أوروبية حديثة كان يشتريها من البريطانيين في فريتون مقابل بيع الذهب والعاج وأسرى الحروب، وكان حرسه الشخصي مكونًا من 500 رجل، وكان لأخيه مالنكي تورو قوة خاصة تقدر بمائتي فارس وألف راجل.

    كان الفرنسيون قد عزموا على الاستيلاء على كل المنطقة التي يجري فيها نهر النيجر، فأتاهم الله بهذا البطل
    ساموري توري الذي كبدهم من الخسائر في الأموال والرجال ما لم يتوقعوه، حتى أن بيروز peroz وهو من كبار عساكر الفرنسيين لقبه بنابليون السودان، وهذا البطل العظيم هو في الحقيقة فوق هذا اللقب بكثير، فقد دوّخ الفرنسيين بجهاد جليل دام ثلاثة عشر عامًا بالرغم من بدائية أسلحته أمام آلة الحرب الفرنسية الجبارة، لكنه الإيمان إذا وقر في القلوب فلا يقوم أمامه شيء.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


    دولة ساموري توري

    وتفصيل إنشائه الدولة ومقاومته الجليلة -رحمه الله تعالى- للفرنسيين أنه اتخذ من بلدة بيساندوجو Bissandougou عاصمة لملكه، وأقامها على الجهاد في سبيل الله تعالى وأحكام الشريعة الإسلامية، وهذا ما أكسبه حيوية وطاقة متجددة لا تنضب، واضطر أن يهادن جيرانه من الإنجليز حتى لا يفتح عليه بابًا ثالثًا هو في غنى عنه فيكفيه أعداءه.

    أنشأ ساموري توري جيشًا قويًا نسبيًا قسمه ثلاثة أقسام، على النحو التالي:
    أفضلها وأعظمها قوة جعلها قائمة في وجه الفرنسيين ليمنعهم من التدخل في البلاد
    والقسم الثاني جعله لحفظ الأمن في بلاده.
    والقسم الثالث جعله للتوسعات والفتوحات الجديدة للقضاء على الوثنية ونشر الإسلام.

    وبلغ من حرصه على جيشه أنه استطاع أن يصنع بعض الأسلحة وقطع الغيار محليًا،
    وباقي الأسلحة يشتريها من مدينة فريتون بسيراليون.

    وقد فرض ساموري توري على زعيم كل قرية أن يأتيه بمجموعة من الشباب الصالحين للجندية، وفي أوقات السلم كانت القوات الاحتياطية تُسرّح ستة أشهر لتعمل في فلاحة الأرض وإجراء المنافع، لتعود بعد ذلك، فإن كان في حاجة لها أبقاها وإلا سرّحها مدة أخرى وهكذا.

    قسم
    ساموري توري بلاده تقسيمًا إداريًا منضبطًا إلى اثنين وستين ومائة إقليم، في كل منه عشرون قرية على كل منها زعيم، وفوق الزعيم حاكم الإقليم، وفوق حكام الأقاليم الإمام الذي من مهامه نشر الإسلام والقضاء على الوثنية، وتقوية الدولة والمحافظة عليها.
    وقد أكثر ساموري توري رحمه الله تعالى من بناء المدارس والمساجد، ونشر الوعاظ، واهتم بتحفيظ القرآن الكريم.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


    خيانة تيبا لـ ساموري توري

    ابتُلي
    ساموري توري بعدو مسلم واسمه تيبا Tieba حاكم كندوجو kenedougou كدر عليه جهاده، واتفق مع عدوه ضده، وكان تيبا عدوه الأول لكنه ليس الوحيد فقد ابتلي بغيره لكن كان ذلك هو العدو اللدود الذي ساعد الفرنسيين كثيرًا في ضرب ساموري بحيث كان الفرنسيون يهجمون عليه
    من جهة فيهجم عليه تيبا من جهة أخرى ليصير
    ساموري بين المطرقة والسندان.
    وما درى هؤلاء الحكام المساكين أن استعانتهم بالكفار على هذا الوجه والتنسيق معهم لضرب المسلمين هو تمزيق لعقيدة الولاء والبراء، وإذهاب لقوة المسلمين أدراج الرياح، وسرور الأعداء وشماتتهم لكن قاتل الله الحرص على الكراسي فكم جلب من المآسي، واستعصى انتزاعه على الآسي.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


    حروب ساموري توري مع فرنسا :

    توسعت فرنسا في غرب إفريقيا لتسترد هيبتها التي فقدت عقب هزيمتها في 1870م أمام روسيا، وأيضًا استفادت من مقررات مؤتمر برلين سنة 1302/1884م الذي سمح بتنظيم الاحتلال الأوروبي للقارة السوداء، فوضعت فرنسا نصب عينها مملكة الإمام
    ساموري توري، ووجدت الفرصة سانحة عندما ارتمى في أحضانها عدوه تيبا المسلم حاكم كندوجو!!

    فكانت فرنسا تنسق مع تيبا ليحرك قواته إذا حركت هي قواتها حتى تُضعِف من مقاومة
    ساموري، وما زالت فرنسا تحاربه حتى اضطر لهدنة تنجلي بموجبها قواته من الضفة اليسرى لنهر النيجر تماماً ويعترف باستيلاء فرنسا عليها وعلى مناجم الذهب في بوريه وإرغامه على التعامل مع المراكز التجارية الفرنسية، ومقابلها تعترف له فرنسا بملكيته للضفة اليمنى من النهر.

    بعد المعاهدة توجه ساموري توري إلى عدوه تيبا ليقضي عليه وحاصره ستة أشهر في عاصمته سيكاسو لكنه أخفق في فتحها، ولجأ الفرنسيون إلى الحيلة ليخففوا عن حليفهم تيبا الحصار ففك الإمام حصاره عن العاصمة وعاد إلى بلاده لكن بعد أن تحمل خسائر كبيرة فقد قُتل سبعة آلاف من جنده واثنين من أشهر قادته ، وثار بعض شعبه عليه في أعقاب هذه الحملة، وعارضوا مطالبه بزيادة الجند.

    تولى قيادة الجيش الفرنسي في المنطقة قائد شديد العداوة للإسلام والمسلمين اسمه أرشينار ، فرض على
    ساموري معاهدة أخرى سنة 1307/1889م تنازل فيها ساموري توري عن بعض الأراضي وتعهد بعدم الإغارة على البلاد التي احتلتها فرنسا، وقبلها ساموري توري ؛ لأنه كان في حالة ضعف ولم يشأ أن يصطدم مع الفرنسيين آنذاك.

    وأراد القائد الفرنسي أن يستغل تيبا في صراعه مع الإمام مرة أخرى، خاصة أن تيبا أرسل له رسالة يقول له فيها: " إني على ثقة من حسن استقبال أهل البلاد لكم فهم لن يخافوكم، ولن يخشوا إغاراتكم، وسوف يتغير رأيهم فيكم، وتتلاشى كراهيتهم عندما يتفهمونكم ويدركون أغراضكم"!!
    وهذه خيانة من تيبا لشعبه المسلم، وخيانة لحاكم مسلم آخر، ولشعب مسلم عريض؛ لكن حب الرئاسة يعمي ويصم.

    وحاول أرشينار أن يستميل
    ساموري توري وأن يغريه بمعسول القول في رسائل عديدة أرسلها له واقتراحات اقترحها عليه لكن كان الإمام يقظًا فواجهها بالاحتقار الذي تستحقه.
    وقد استطاع القائد أرشينار أن يحتل مدينتين من مدن ساموري توري، وهما: كانكان، وبيساندوجو، لكن عندما دخلها وجدهما أكوامًا من الرماد فقد أحرقهما الإمام حتى لا يستفيد منهما بشيء. وكانت مملكة ساموري تدعوها فرنسا بالإمبراطورية المتنقلة؛ لأن ساموري كان كلما فقد جزءًا من مملكته عوضه بأجزاء أخرى من الممالك الوثنية المجاورة فكأنه لم يفقد شيئًا وإنما غير حدود مملكته بهذا.

    غيرت الحكومة الفرنسية القائد أرشينار وأتت بقائد آخر اسمه بونييه Bonnerr بغية تحقيق نصر سريع بعد أن طالت مدة مقاومة
    ساموري، وجرد القائد الجديد حملة بقيادة مونتي Monteil لكنها منيت بهزيمة ساحقة من قوات الإمام ساموري وأسر من الجند الفرنسيين عدد كبير .
    ثم أرسلت فرنسا حملة أخرى فهزمت ولله الحمد كما هزمت سابقتها، فجنحت فرنسا للسلم، وأرسلت حاكم السنغال الفرنسي ليعقد معاهدة مع الإمام الذي قبلها لحاجته إلى الراحة والإعداد وللتفرغ لنشر الإسلام بين الوثنيين، لكن الفرنسيين لجأوا إلى الحيلة والخداع في هذه المعاهدة وتمكنوا على إثرها من تعقب الإمام في معركة كبيرة في يوليو سنة 1898م كسبها
    ساموري ضد القائد الفرنسي لارتيج Lartigue لكنه أخطأ فتحرك غرباً
    فدخل الغابات الاستوائية وجبال الدان في فصل الأمطار فأصابت جنده المجاعة وتشتتوا فلم يجتمعوا بعد هذا.


    أراد
    ساموري أن يعود إلى ساننكورو لكن الفرنسيين رفضوا إلا أن يأتيهم بأبنائه رهينة ويسلم أسلحته فعظم عليه ذلك فواصل القتال حتى قبض عليه غدراً ونفي إلى جزيرة أوجويه Ougoue في سنة 1317/1898م وقيل نفي إلى الجابون، وتوفي في سنة 1319/1900 رحمه الله تعالى، واستقرت فرنسا في غرب إفريقيا عقب هذا الانتصار المفاجئ.

    وقد ترك حفيده أحمدوا سيكوتوري ليتولى المقاومة من بعده وليصبح أول رئيس لغينيا التي حصلت على استقلالها سنة 1958م.
    أما عدوه تيبا فقد استولى الفرنسيون على بلاده، وهذه عاقبة كل خائن عميل.

    وقد انتصرت فرنسا لثلاثة أسباب رئيسة:
    • العداء بين القادة المسلمين والخيانة والعمالة من بعضهم.
    • مساعدة الوثنيين لهم.
    • القوة الحربية كانت لصالحهم في السلاح والعتاد.

    لكن يكفي ساموري شرفًا وفخرًا أن أقام دولة نشرت الإسلام وحاربت الوثنية كل تلك المدة، ويكفيه أنه وقف أمام دولة عظمى آنذاك ثلاثة عشر عامًا أذاقها الهزيمة مرات عديدة، ووحد شعب المانديجو بعد أن كان قبائل متناثرة وعشائر متناحرة فرحمه الله ورضي عنه، وأعلى درجته في عليين.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


    موقف جليل في حياة ساموري توري:

    هناك موقف عظيم في حياة الإمام
    ساموري توري رأيت أن آتي به مذيلاً سيرته حتى يبرز ولا يُنسى ، وهو أن الفرنسيين اختطفوا ولده وساوموه على رده بمساومات لم يرضها فلم يقبل فأخذوه إلى فرنسا ست سنوات ، واستطاعوا التأثير عليه وتغيير أفكاره ليصبح منهجه مخالفاً لمنهج أبيه تماماً وأرسلوه إلى أبيه ليقنعه بترك الجهاد ، وهنا تجرد ساموري توري لله تعالى، وعظمت عنده عقيدة الولاء والبراء، وقتل ولده في مشهد عام بين الناس
    حتى لا يؤثر على حركة الجهاد، وهذا الصنيع العظيم يصدق فيه قول الله تعالى:
    {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ
    إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ}

    [المجادلة:22]

    فلله در هذا الإمام العظيم.


    المصدر
    منتدى ستارتايمز
    شخصيات تاريخية
    قسم الاسلامي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    التعديل الأخير تم بواسطة أم عز الدين ; 17-01-19 الساعة 02:20 PM

  2. #2

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,587
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    ( 2 ) عز الدين القسام


    هو الشيخ المجاهد الشهيد عز الدين القسام ، إذا ذكرته تذكَّرت فلسطين ، وإذا ذكرت فلسطين ذكرت الأبطال ؛ ومنهم عز الدين القسام ، الذي سطر التاريخ مجدهم ، وكتبت الدواوين ترثيهم ، وخاضوا معارك تُهزم بها جيوش في مواجهة قتلة الأنبياء اليهود .

    لقد كان
    القسام علمًا من أعلام الجهاد يتردَّد اسمه في بلاد فلسطين كلها.


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نشأته

    وُلِدَ الشيخ عز الدين القسام في ( 9 من المحرم 1300هـ - 20 من نوفمبر 1882م ) في بلدة جبلة في محافظة اللاذقية في سورية ، كان منذ صغره يميل إلى العزلة والتفكير ، وتلقَّى دراسته الابتدائية في كتاتيب بلدته جبلة ، ورحل في شبابه إلى مصر ؛ حيث درس في الأزهر ، وكان من عداد تلاميذ الشيخ محمد عبده والعالم محمد أحمد الطوخي ، كما تأثَّر بقادة الحركة النشطة التي كانت تُقاوم المحتلَّ البريطاني بمصر .

    وفي مصر كان يصنع الحلويات ويبيعها ليعيل نفسه ، وكان صديقه عز الدين التنوخي يستحي ويختبئ ، فكان يقول له أنَّ المفروض أن يتباهى ، وعندما جاء والد عز الدين التنوخي ليسأل عن ابنه وعرف خبره ، قال له :
    " إن عز الدين القسامعلَّمك الحياة " .

    عاد مرَّة في شبابه من السفر إلى جبلة، فطلب منه والده أن يصطحبه ليُسَلِّم على الآغا ( السيد أو الآمر أو الرئيس ) فرفض بشدَّة وقال :
    " إن المقيم هو الذي يأتي ليُسَلِّم على القادم " .


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    العودة إلى سورية

    لمَّا عاد إلى بلاده سوريا عَمِل مدرِّسًا في جامع السلطان إبراهيم ، وأقام مدرسة لتعليم القرآن واللغة العربية في مدينة جبلة ، وعندما اشتعلت الثورة ضدَّ الفرنسيين شارك القسام في الثورة ، فحاولت السلطة العسكرية الفرنسية شراءه وإكرامه بتوليته القضاء فرفض ذلك ، وكان جزاؤه أن حَكَمَ عليه الديوانُ السوري العرفي بالإعدام .

    قاد أوَّلَ مظاهرة تأييدًا لليبيين في مقاومتهم للاحتلال الإيطالي ، وكوَّن سريَّة من 250 متطوعًا ، وقام بحملة لجمع التبرُّعات ، وقد جمع المال والسلاح لنجدة المجاهدين في طرابلس الغرب أثناء حملة الإيطاليين عليها .


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    ثورة جبل صهيون

    باع عز الدين القسام بيته وترك قريته الساحلية ، وانتقل إلى قرية الحفة الجبلية ذات الموقع الحصين ؛ ليساعد عمر البيطار في ثورة جبل صهيون (1919-1920م) ، وقد حَكَم عليه الاحتلال الفرنسي بالإعدام غيابيًّا ، وبعد إخفاق الثورة فرَّ الشيخ القسام عام ( 1339هـ - 1921م ) إلى فلسطين مع بعض رفاقه ، واتَّخذ مسجد الاستقلال في الحيِّ القديم بحيفا مقرًّا له ؛ حيث استوطن فقراء الفلاحين الحيَّ بعد أن نزحوا من قراهم، ونشط القسام بينهم يُحاول تعليمهم ، ويُحارب الأُمِّيَّة المنتشرة بينهم ، فكان يُعطي دروسًا ليليَّة لهم ، ويُكثر من زيارتهم ، وقد كان ذلك موضع تقدير الناس وتأييدهم .


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    رئيس جمعية الشبان المسلمين

    التحق القسام بالمدرسة الإسلامية في حيفا ، ثم بجمعية الشبان المسلمين هناك ، وأصبح رئيسًا لها عام ( 1345هـ - 1926م ).
    كان القسام في تلك الفترة يدعو إلى التحضير والاستعداد للقيام بالجهاد ضدَّ الاستعمار البريطاني ، ونشط في الدعوة العامَّة وسط جموع الفلاحين في المساجد الواقعة شمالي فلسطين .


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    عز الدين القسام في فلسطين

    لجأ القسام إلى فلسطين واستقرَّ في قرية الياجور قرب حيفا ، ولجأ معه من رفاق الجهاد الشيخ محمد الحنفي ، والشيخ علي الحاج عبيد ، وإلى سنة ( 1354هـ - 1935م ) لم يكن سكان حيفا يعرفون عن عزِّ الدين القسام سوى أنه واعظ ديني ، ومرشد سوري ، ورئيس جمعية الشبان المسلمين في مدينة حيفا ، وكان بنظرهم شيخًا محمود السيرة في تقواه وصدقه ووطنيَّته ، كما كانت منطقة الشمال تعرفه إمامًا وخطيبًا بارعًا ، ومأذونًا شرعيًّا في جامع الاستقلال ، وهو الذي سعى في تشييده .

    وفي عام ( 1348هـ - 1929م ) أُشيع أن اليهود يُريدون أن يحرقوا مسجد الاستقلال بحيفا ، فاقترح بعض الوُجهاء أن يطلبوا المساعدة من الإنجليز ؛ لكنَّ الشيخ القسام رفض رفضًا قاطعًا ، وقال : " إن دمنا هو الذي يحمي المسلمين ويحمي مساجد المسلمين، وليست دماء المحتلِّين ".

    كان يرفض أيَّ حوار أو معاهدة مع الإنجليز، ويقول :
    " مَنْ جَرَّبَ المُجَرَّب فهو خائن ". فقد جرَّب بعض العرب الإنجليز ضدَّ العثمانيين ، وكانت كلُّ وعودهم كذبًا .
    كان يقول للناس في خطبه : " هل أنتم مؤمنون ؟ " ويُجيب نفسه: " لا ". ثم يقول للناس : " إن كنتم مؤمنين فلا يقعدنَّ أحدٌ منكم بلا سلاح وجهاد ".

    وفي إحدى خطبه كان يُخَبِّئ سلاحًا تحت ثيابه فرفعه وقال :
    " مَنْ كان منكم يُؤمن بالله واليوم الآخر فليَقْتَنِ مثل هذا ". فقُبض عليه وأُدخل مباشرةً إلى السجن ، وتظاهر الناس لإخراجه ، وأضربوا إضرابًا عامًّا إلى أن تمَّ الإفراج عنه .

    كان يُركِّز على أن الإسراف في زخرفة المساجد حرام ، وأن علينا أن نشتري سلاحًا بدل أن نشتري الثريات الفاخرة ، كان يَصِلُ إلى جميع الناس من خلال عمله كمأذون شرعيٍّ وكخطيبٍ ، وكان يختلف كثيرًا مع الشيوخ لأنهم كانوا لا يهتمُّون سوى بأمور العبادة من صلاة وصوم ؛ بينما كان اليهود يُخَطِّطُون ويشترون الأراضي ، فكان يرى أنه لا فصل بين الدين والسياسة ، وأمورُ السياسة كانت واضحةً بعد أن نال اليهود وعد بلفور ، كما كان في شجار مع المستعجلين من أبناء تنظيمه ، الذين يُريدون الثورة في حين كان
    القسام يُعِدُّ ويترَيَّثُ ليضرب في الوقت المناسب ، فلبث سنين وهو يُعِدُّ للثورة .


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


    اتصالات القسام

    اتصل القسام بالملك فيصل في سورية طلبًا لمؤازرته في ثورته ، فوعده ولم يُثمر وعده عن شيء ، واتصل بالحاج أمين الحسيني - مفتي فلسطين الأكبر- وطلب منه أن يُهَيِّئَ الثورة في منطقته ، فأجابه بأنه يرى أن تُحَلَّ قضية فلسطين بالطرق السلمية عن طريق المفاوضات .
    واتصل مع الأمير راشد بن خزاعي الفريحات من شرق الأردن للمؤازرة ، وليُهَيِّئَ الثورة ضدَّ الانتداب البريطاني وأعوانه في شرق الأردن ، وقد قَدَّم الأمير الخزاعي إمدادًا مباشرًا وقويًّا للشيخ
    القسام بالمال والسلاح ، فضلًا عن توفير الحماية للثوار الفلسطينيين في جبال عجلون الحصينة من فترة لأخرى ، هذا الذي استدعى من الأمير راشد وقبيلته ومعظم عشائر الشمال الأردني المواجهة المباشرة مع النظام الأردني ؛ وخاصَّة مع الملك عبد الله الأول والانتداب البريطاني ، الذي حاول تصفية الأمير الخزاعي بقصف مواقعه ، وقَتْلِ كثيرٍ من الثوَّار الأردنيين الموالين للخزاعي في ذلك الوقت ؛ وهذا ما اضطره بعدها إلى مغادرة الأراضي الأردنية إلى السعودية عام 1937م ، واندلعت على إثر لجوئه ثورةٌ في جبال عجلون، امتدَّت بعدها إلى نطاق واسع في إمارة شرق الأردن .


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


    جهاد عز الدين القسام

    كشفت القوَّات البريطانية أمر القسام في ( 18 من شعبان 1354هـ - 15 من نوفمبر 1935م ) ، فتحصَّن الشيخ عزُّ الدين هو وخمسة عشر فردًا من أتباعه ، فلحقت به القوَّات البريطانية في ( 19 من نوفمبر 1935م ) فطوَّقتهم وقطعت الاتصال بينهم وبين القرى المجاورة .

    علم الشعب لأوَّل مرَّة أن الشيخ
    عز الدين القسام كان قد اعتصم مع إخوانه في أحراش قرية يعبد ، وكانوا مسلَّحين ولا يهابون خطر المجابهة مع قوَّات الانتداب البريطاني ولا عواقبها ، إلَّا أنَّ قوَّات الأمن كانت قد أعدَّت قوَّة هائلة تفوق عدد الثوار بمئات المرَّات ، وكانت كقطيع كبير من الجيش مصمِّمَة على القضاء على الشيخ عزِّ الدين وأتباعه .
    وأحاطت القوَّات بالمنطقة منذ فجر يوم ( 23 من شعبان 1354هـ - 20 نوفمبر سنة 1935م ) ، ووُضِعَت الشرطة العربية في الخطوط الهجومية الثلاثة الأولى ثم القوات البريطانية ، وقبل بدء المعركة نادى أحد أفراد الشرطة العربية الثائرين طالبًا منهم الاستسلام ، فردَّ عليه القسام صائحًا :
    " إننا لن نستسلم ، إننا في موقف الجهاد في سبيل الله " . ثم التفت إلى رفاقه وقال : " موتوا شهداء في سبيل الله خيرٌ لنا من الاستسلام للكفرة الفجرة " .


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    استشهاده

    قامت معركة غيرُ متكافئة بين قوات الاحتلال ورجال المقاومة دامت حوالي ساعتين ؛ كان الرصاص خلالها يصمُّ الآذان ، والطائرات المحلِّقة على ارتفاع قليل تكشف للمهاجمين موقع الثوار وقوَّتهم ، وفي نهاية الساعتين أسفرت المجابهة عن استشهاد
    القسام ورفاقه ؛ يوسف عبد الله الزيباري ،
    وسعيد عطية المصري ، ومحمد أبي قاسم خلف ، وألقى الأمن القبض على الباقين من الجرحى والمصابين .

    اكتشفت قوَّات الأمن عند نهاية المعركة مع الشيخ ذي اللحية البيضاء ، والمجندل على التراب بملابسه الدينية مصحفًا وأربعة عشر جنيهًا ومسدسًا كبيرًا .
    وكان الشيخ نمر السعدي ما زال حيًّا جريحًا ؛ حيث استطاع صحفي عربي أن ينقل عن لسانه أول الحقائق الخفية عن عصبة
    القسام ، وكانت هذه الحقيقة دليلًا على أن المجابهة المسلحة هذه كانت بقرار بدء الثورة منهم جميعًا .

    كانت العناوين البارزة في الصحف بعد المعركة " معركة هائلة بين عصبة الثائرين والبوليس " ، و" حادث مريع هزَّ فلسطين من أقصاها إلى أقصاها " .
    انطلقت بعد المعركة العديد من الثورات المؤازرة للمقاومة الفلسطينية في العالم العربي ، وكان منها ثورة عجلون في الأردن في عام 1937م .



    المصدر: موقع قصة الاسلام

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    التعديل الأخير تم بواسطة أم عز الدين ; 21-01-19 الساعة 09:11 AM

  3. #3

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,587
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    ( 3 ) الامام المجاهد شامل الداغستاني (الجزء الاول)


    هو مجاهد من المجاهدين العظام في زمن اشتدت فيه حاجتنا إلى المجاهدين العظماء ، تعرض للشهادة في مواطنها ، وأَبَى إلا أن يغترف من كأسها الطاهر المطهر ، لكنه مات على فراشه بعد ملحمة طويلة ، ومعارك جليلة أذاق فيها الروس القياصرة الذل والهوان ، وهُزموا أمامه مرارًا ، هذا وروسيا آنذاك من القوى العالمية في الطبقة الأولى ، وكانت في أوج عنفوانها وغطرستها ، قد هزمت نابليون وتقدمت حتى دخلت باريس سنة 1816م !!

    والإمام شامل من داغستان ، ولد في قرية منها سنة 1212 هـ / 1797 م ، ونشأ فيها نشأة الأبطال الفرسان ، على أنه درس بعض العلوم على مشايخ من بلاده .

    وداغستان جزء من منطقة القوقاز الشمالي الذي يضم معها الشيشان والأنجوش وأوسيتيا ، وهذه المنطقة مواجهة تمامًا للروس .
    وهناك القوقاز الأوسط الذي هو جمهورية جورجيا الآن ، وكانت تعرف عند المسلمين بالكرج .
    وهناك القوقاز الجنوبي الذي فيه أذربيجان وأرمينيا .
    والقوقاز غزاه المسلمون الأوائل وثبتوا في جنوبه وفي مناطق في شمال غربه ، لكن لوعورة المنطقة ولكثرة طوائف وأديان ومذاهب أهلها ، لم يستطع المسلمون أن يتحركوا شمالاً ، وغاية ما فعلوه أن سراقة بن عمرو الذي كان في زمن الخليفة الأموي مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية ، استطاع دخول تفليس (تبليس) عاصمة جورجيا اليوم .


    ثم إن التتار ورأسهم تيمورلنك في مرحلة تحولهم إلى الإسلام ، نشروا الإسلام في أجزاء من الشيشان والداغستان وأنجوش .


    ثم أرسلت الدولة العثمانية في مرحلة متأخرة نسبيًّا دعاة إلى الشيشان ، وأقنعوا جماعات من الشيشانيين بالتحول إلى الإسلام بعد أن كانوا وثنيين ، وكان هذا من قُرابة ثلاثة قرون من الآن ، وكان ذاك عملاً رائعًا في منطقة وعرة ضخمة بها أشجار بلوط ضخمة ، يبلغ ارتفاع بعضها مائتين وثمانين قدمًا ومحيطها خمسة وثلاثين قدمًا !! والمنطقة مليئة بهذه الأشجار ، وبها جبال وعرة مما يصعب أي عمل عسكري فيها ، وهذا من فضل الله على أولئك الدعاة .

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    ومنذ أن دخل الشيشانيون إلى الإسلام عمدوا إلى الدفاع عن الإسلام ورفع لوائه إلى يوم الناس هذا ، ولم تفلح معهم كل محاولات التغريب والتنصير ، وهناك شعوب دخلت قبلهم في الإسلام لكنها أجبرت على التحول إلى النصرانية كما اجتاحها الروس القياصرة مثل شعب الكرج ( جورجيا ) ، التي دخلها الإسلام منذ عصر التابعين ، لكن الشيشانيين ثبتوا ولله الحمد .


    كان
    لشامل صاحب يكبره بخمس سنوات يُسمَّى غازي محمد ملا ، وكان رفيق دربه ، فكانا يدرسان معًا على المشايخ ، ويدوران على المساجد ، وابتدآ الجهاد معًا ، وكان لبدء الجهاد سبب مؤثر ، وهو أن غازي ملا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ثلاث مرات وهو يدعوه للجهاد ضد الروس .
    والروس آنذاك هم الذين ابتدءوا بالاعتداء ، حيث كانت القيصرة كاترين تملكهم ، فأرسلت الجيوش إلى تلك المناطق ، وتتابع القياصرة من بعدها على إرسال الجيوش .

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    ولابتداء الضعف في الدولة العثمانية آنذاك - قبل قرابة مائتين وخمسين سنة من الآن - استطاع القياصرة أن يثبتوا احتلالهم لبعض المناطق هناك ، وإضافة إلى ابتداء الضعف في الدولة العثمانية كان هناك انعدام في تنسيق المواقف بينها وبين الدولة الصفوية في إيران بسبب تشيُّعها ، وكان هناك دولة قبرطاي الإسلامية وهم من الشراكسة ولم ينسقوا أيضًا مع الحركة الجهادية ضد الروس ، فأدى كل ذلك إلى احتلال الروس بعض المناطق في القوقاز ، وكان سائر العالم الإسلامي يغط في نوم عميق أو مشغول بمشكلاته الداخلية .


    تقدمت الدولة الروسية لتحتل القوقاز وكان يدفعها سببان رئيسان : أوَّلهما أن القوقاز طريق إلى التركستان ، فإذا أخذوا القوقاز سهل عليهم الاستيلاء على التركستان ، ومن ثَمَّ يتقدمون لأخذ الهند من المغول المسلمين - وهذا هو الدافع الآخر .
    وفعلاً ما إن أسقطوا دولة
    شامل إلا ودخلوا طشقند عاصمة أوزبكستان إحدى جمهوريات التركستان ، ولم يستغرق منهم هذا سوى سنة واحدة فقط بعد سقوط القوقاز .

    لما رأى غازي محمد ملا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ثلاث مرات يأمره ببدء الجهاد ، تحدث إلى الداغستانيين بهذا فأجابوه ، وجاهد الروس ثلاث سنوات من سنة 1829 م ، ثم حوصر في بلدته غمري هو و
    شامل ومن معهما ، فقتل غازي محمد ملا ، وهرب شامل .

    ثم استطاع أن يجمع فلول الداغستانيين ويبتدئ الجهاد ضد الروس سنة 1834 م إلى سنة 1839 م ، وفي تلك السنة دلَّ عليه بعض أمراء الداغستان الخونة وحاصره الروس بقوة ضخمة فيها مدافع لم يكن يملك الداغستانيون شيئًا حيالها ، حيث كان الروس يدكون البيوت بها دكًّا ، لكن
    شاملاً استطاع الهرب أيضًا .

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    وبعد تفكير ومراجعة لأحواله في ظل خيانة أمراء الداغستان ، قرر التوجه إلى الشيشان ، وهو معقل حصين جبلي كان أهله أقوى إيمانًا من الداغستانيين وأوفى ذمة ، وطبيعة الشعب الشيشاني الصعبة لا تسمح لهم بأن يرضخ بعضهم لبعض ، فكانوا بحاجة لرجل غريب يُسلمون له قيادتهم ، فكان هذا هو
    الإمام شامل الذي استطاع أن يصل إلى القسم الجبلي من الشيشان ، وجمع حوله فلول أتباعه من الداغستانيين الذين انهزموا من الروس ، وبايعه أمراء الشيشان وقبائلهم ، وأعلنوه إمامًا عليهم له حق السمع والطاعة والجهاد معه في سبيل الله تعالى .

    لما سمع القيصر بهروب
    شامل وما صنعه في الشيشان ، استشاط غضبًا وطلب من قائده حسم المعركة مع شامل ، فأرسل الجيوش إلى الشيشان وعلى رأسها أعظم القادة وأكثرهم خبرة في الحروب مع الداغستانيين ومع نابليون ، وقاومهم شامل ومن معه حتى اضطر القيصر لإرسال حملة عُرفت بحملة دارجو ، وهي البلدة التي كان يتحصن فيها شامل وأمراؤه ، وكان حولها غابات كثيفة جدًّا ، وكان قائد الحملة يسمى جراد ، لكنه لم يتمكن من الوصول إلى دارجو ، حيث كمن له جيش شامل على أشجار البلوط الضخمة التي سبق وصفها ، فكان فوق كل شجرة 40 - 50 من العساكر ، وكانوا يسكبون الزيت المغلي على الروس ، ويرمونهم بالحراب والبنادق ، فحصدوا كثيرًا منهم ، وفشلت الحملة وعادت أدراجها بعد خسائر ثقيلة .
    ثم جرت مناوشات بين
    شامل وجراد متفرقة .
    يتبع ...

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    التعديل الأخير تم بواسطة أم عز الدين ; 22-01-19 الساعة 01:41 PM
    القعقاع2 likes this.

  4. #4

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,587
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    ( 3 ) الامام المجاهد شامل الداغستاني (الجزء الثاني)


    وبعد ثلاث سنوات في سنة 1845م أرسل القيصر حملة ضخمة قوامها ثلاثون ألف رجل بقيادة ضابط روسي فذّ اسمه روندسوف ، فمكر به شامل حيث جعله يتقدم في الأدغال إلى أن وصل إلى البلدة التي كان يتحصن بها شامل ، وترك فيها مجموعات قليلة لمقاومة روندسوف الذي تغلب عليها ، وسوَّى بيوت البلد بالأرض بمدفعيته الضخمة ، وفي طريق عودته وكان فرحًا مسرورًا بما صنع كان الشيشانيون ينتظرون جيشه في الليل ، فانقضوا عليه كالأسود ، وقتلوا منهم خمسة وعشرين ألفًا ، فلم ينج إلا خمسة آلاف نصفهم جرحى ، وقتل قادة روس كبار في المعركة .


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


    شامل ومن معه كانوا من الصوفية النقشبندية الذين اشتهروا بالجهاد ، وهي من أصفى الفرق الصوفية ومن أقلها بدعًا ، وكان شامل ومن معه يسمون أنفسهم بالحركة المريدية ، وكانت أصول الحركة المريدية تقوم على الشدة والقوة والفروسية وعلى الأذكار والأوراد .
    وضع
    شامل لجيشه نشيدًا جهاديًّا جميلاً ينشدونه في معاركهم، وقد وصفتهم الكاتبة الأمريكية ليزا في كتابها " سيوف الجنة " ، وقالت فيه : " إن الشيشانيين كانوا يتقدمون للمعارك مع الروس وهم يرتلون القرآن الكريم ، وينشدون أنشودة الموت التي تبعث فيهم الحماس والقوة " .


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    بعد حملة دارجو الثانية عمد الروس إلى خطة ماكرة حيث لاينوا أمراء الشيشان ورعاتهم ، وأمراء الداغستان فكانوا إذا أمسكوا بهم يطلقونهم ويكافئونهم بالأموال ، وكانوا في المقابل يقسون على المجاهدين جدًّا ، وبهذا تأثر كثير من عامة الشيشانيين والداغستانيين ، وكان هذا من أوائل بوادر الإخفاق الذي حدث لشامل بعد ذلك .

    ارتكب شامل سلسلة من الأخطاء ، فقد كان رجلاً عسكريًّا قويًّا ، شديد الشكيمة ، صعب المراس ، فكان يقسو أحيانًا على أتباعه ويفرض حركته المريدية على الشيشانيين ، فكان هذا يُوجِد نوعًا من التململ .
    وثاني أخطائه الكبيرة أنه كان هناك رجل داغستاني اسمه مراد عدو
    لشامل في الداغستان ، فأصلح بينهما الشيشانيون وصار نائبًا لشامل في الداغستان ، وكانت هناك طائفة من أمراء الداغستان حسدة لمراد ، فأوغروا صدر شامل عليه وأقنعوه أن يولِّي ابنه غازي محمدًا ولاية العهد من بعده ، ففعل شامل وأخذ البيعة من الأمراء الشيشانيين والداغستانيين ..
    وهذا الأمر أغضب الحاج مراد جدًّا ، فاستقل عن شامل والتحق بالروس ، وهذه خيانة كبيرة لكن الحسد والحقد اللذين استوليا على مراد وسوء التصرف من شامل أدى بمراد إلى هذا الذي صنعه ، على أن الروس بعد ذلك غدروا به وسجنوه ثم قتلوه ، وهي نهاية أليمة لرجل دوّخ الروس عشر سنوات ، وكان له عمل جهادي جيد ، لكن أعوذ بالله من الحقد والحسد .


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    شامل قسَّم حركته المريدية تقسيمًا بارعًا ، فكان له مائة نائب وألف مرشد ينتشرون في القوقاز الشمالي ، وكان الحاج مراد أحد النواب الكبار والساعد الأيمن لشامل ، الذي فَقَده في وقت كان في أمسِّ الحاجة إليه .

    استمر المد والجزر بين شامل والروس سنوات طويلة ، وقتل منهم جنودًا وقادة كثيرين ، وهذا يعد عملاً رائعًا بالنسبة لقوة الشيشان الصغيرة أمام جحافل الروس ، لكنه الإيمان الذي يصنع العجائب .

    ومن المعارك التي تستحق الذكر أن الروس أرسلوا ولي عهد القيصر في جيش فيه كبار القادة وثلاثون ألف جندي ، كل هؤلاء توجهوا إلى بلدة صغيرة ، فغطى الشيشان أبواب بيوتهم ونوافذهم بالطين ، فصارت البيوت كتلة واحدة ، وغيروا سقوف بيوتهم إلى سقوف خفيفة رقيقة وغطوها بالتراب لتبدو كأنها هي السقوف الأصلية ، فكان الروس يقفزون فوق السقوف فيقعون في البيوت ليجدوا الشيشانيين المريدين أو المجاهدين في انتظارهم ، فيعملون فيهم ذبحًا وقتلاً ، فرجع الجيش خائبًا خاسرًا بسبب هذه الحيلة الذكية .

    لكن شامل لم يكن يستطيع أن يصمد أمام هذه الحملات المتتابعة أكثر مما صمد ، فقد بقي في الجهاد قرابة ثلاثين عامًا ؛ لذا كانت نهاية قصة الجهاد العظيمة هذه أن استسلم للروس بعد أن حوصر في خمسمائة من أتباعه فقط من قبل جيشٍ يُقدَّر بأربعين ألف جندي ؛ لأنه رأى أن حقن دماء من بقي من أتباعه أولى له بعد أنه خانه عدد من أمراء الداغستان وخانته دولة الشراكسة القبرطاي ، وسلم نفسه للروس سنة 1859م - بعد ممانعة كبيرة من بعض أتباعه - فأخذوه إلى روسيا ، فبقي فيها مكرمًا تسع سنوات من قبل القيصر والقادة .

    ثم طلب من القيصر أن يسمح له بالحج ، فوافق بعد تردُّد ، فرافقته حملة روسية إلى أن خرج من حدودهم ، فحج ثم نزل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقر فيها مجاورًا ثلاث سنوات ، ثم انتقل إلى جوار ربه سنة 1871 م بعد جهاد دام قرابة ثلاثين سنة ، ووقف صخرة شمّاء أمام أطماع القياصرة ونواياهم التوسعية في المنطقة القوقازية والتركستانية .


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    وكان من أهم أسباب إخفاق الحركة الجهادية المريدية الشاملية خيانات عدد من أمراء الداغستان ، وقسوة شامل على أتباعه في بعض الأحيان وعلى سائر الشيشانيين ، فانفض عنه كثير منهم ، وهناك عامل مهم هو عدم تنسيق الدولة العثمانية معه لضعفها آنذاك .

    بعد استسلام شامل لم يستسلم الشيشانيون بل قاموا بثورات متتابعة ، ثم إنه لما جاءت الدولة البلشفية انتقمت من الشيشانيين ، فاتهمهم ستالين بمساعدة الألمان فهجّر كثيرًا منهم ، ثم عادوا إلى بلادهم سنة 1957م بعد هلاك ستالين .

    واليوم الشيشانيون ما زالوا يكبدون الروس الخسائر الفادحة ، ولم تهنأ روسيا بالشيشان بعد شامل إلى يوم الناس هذا !! لكن الشيشانيين سيهنئون بالنصر قريبًا إن شاء الله .


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    التعديل الأخير تم بواسطة أم عز الدين ; 04-02-19 الساعة 11:39 AM

  5. #5

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,587
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    ( 4 ) السلطان محمد الفاتح ( الجزء الأول )



    محمد الفاتح الشاب البطل الصالح
    هذه صفحات وجيزة عن قائد من أروع قادة الحضارة الإسلامية في القرون الخمسة الأخيرة ، إن لم يكن بحق هو أعظمهم ، كان محمد الفاتح شابًّا بُعيد العشرين بقليل .. وكان مسلمًا قبل أن يكون عثمانيًّا .. وكان قد تسلّم قيادة أعظم إمبراطورية إسلامية تقف وحدها مدافعة عن المسلمين بعد سقوط الأندلس ، وبعد انهيار خلافة العباسيين .. وبعد أن تداعت آيلة للسقوط دولة المماليك ، أبطال موقعة عين جالوت ، التي صدّوا فيها الغارة التتارية سنة 658هـ .

    وحمل العثمانيون الراية بعد تداعي هذه القوى ( أيوبية ، وعباسية ، ومماليك ) فَصَدّوا أوربا ، التي كانت قد زحفت على شمال إفريقية ( تونس والجزائر ومراكش ) بعد سقوط غرناطة سنة ( 897هـ / 1492م ) . فكان ظهور العثمانيين إنقاذًا من الله للعالم الإسلامي .


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    محمد الفاتح هو السلطان محمد الثاني بن مراد الثاني ( 855هـ - 1451م ) ، وهو السلطان السابع في سلسلة آل عثمان ، يُلقَّب بالفاتح ، وبأبي الخيرات ، وقد حكم نحو ثلاثين سنة ، كانت خيرًا وبركة على المسلمين .

    وتولى حكم الخلافة العثمانية في ( 16محرم 855 هـ - 18 فبراير عام 1451م ) ، وعمره (22 سنة) ، وكان الفاتح شخصية فذَّة ، جمعت بين القوة والعدل .

    وكان محمد الفاتح محبًّا للعلماء ، يقربهم لمجالسه ، وقد تعلم منهم بعض الأحاديث النبوية ، التي تثني على فاتح القسطنطينية ، ومن ذلك قول رسول الله : " لتفتحن القسطنطينية على يد رجل ، فلنعم الأمير أميرها ، ولنعم الجيش ذلك الجيش" .
    ولهذا كان
    الفاتح يطمح في أن يكون هو المقصود بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


    تربية محمد الفاتح
    ولقد أثمرت تربية العلماء له حب الإسلام والإيمان ، والعمل بالقرآن وسنة سيد الأنام ؛ ولذلك نشأ على حب الالتزام بالشريعة الإسلامية ، واتصف بالتُّقى والورع ، وكان محبًّا للعلم والعلماء ، ومشجعًا على نشر العلوم .

    لقد تأثر محمد الفاتح بالعلماء الأفاضل ممن يخالف الأمر السلطاني إذا وجد به مخالفة للشرع ، ويخاطبه باسمه ، ومن الطبيعي أن يتخرج من تحت يد هؤلاء أناس عظماء كمحمد الفاتح ، وأن يكون الفاتح مسلمًا مؤمنًا ملتزمًا بحدود الشريعة ، مقيدًا بالأوامر والنواهي معظمًا لها ، ومدافعًا عن إجراءات تطبيقها على نفسه أولاً ، ثم على رعيته ، تقيًّا صالحًا ، يطلب الدعاء من العلماء العاملين الصالحين .

    وكان الفاتح يميل لدراسة كتب التاريخ ، وقد سار على المنهج الذي سار عليه أجداده في الفتوحات ؛ ولهذا برز بعد توليه السلطة في الدولة العثمانية بقيامه بإعادة تنظيم إدارات الدولة المختلفة ، واهتم كثيرًا بالأمور المالية ؛ فعمل على تحديد موارد الدولة ، وطرق الصرف منها بشكل يمنع الإسراف والبذخ ، أو الترف .
    وكذلك ركز على تطوير كتائب الجيش ، وأعاد تنظيمها ، ووضع سجلات خاصة بالجند ، وزاد من مرتباتهم ، وأمدهم بأحدث الأسلحة المتوفرة في ذلك العصر ، وعمل على تطوير إدارة الأقاليم ، وأقر بعض الولاة السابقين في أقاليمهم ، وعزل من ظهر منه تقصير أو إهمال ، وطوَّر البلاط السلطاني ، وأمدهم بالخبرات الإدارية والعسكرية الجيدة ؛ مما أسهم في استقرار الدولة ، والتقدم إلى الأمام .

    ولم يكتف السلطان محمد بذلك ، بل إنه عمل بجد ؛ من أجل أن يتوِّج انتصاراته بفتح القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية ، والمعقل الاستراتيجي المهم للتحركات الصليبية ضد العالم الإسلامي لفترة طويلة من الزمن ، والتي طالما اعتزت بها الإمبراطورية البيزنطية بصورة خاصة والمسيحية بصورة عامة ، ومن أجل جعلها عاصمة للدولة العثمانية.

    يتبع....
    المصدر
    1] د. علي الصلابي: الدولة العثمانية ص101 بتصرف، (المعرفة - بيروت).
    [2] مسند الإمام أحمد.
    [3] عبد العزيز العمري: الفتوح الإسلامية عبر العصور ص358 بتصرف، (إشبيليا - الرياض).
    [4] د. علي الصلابي: الدولة العثمانية عوامل السقوط والنهوض ص101، 102 بتصرف.


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    التعديل الأخير تم بواسطة أم عز الدين ; 04-02-19 الساعة 11:39 AM

  6. #6

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,587
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    ( 4 ) السلطان محمد الفاتح ( الجزء الثاني )


    الإعداد لفتح القسطنطينية

    لقد بذل السلطان محمد الفاتح جهودًا خارقة في مجال التخطيط لفتح القسطنطينية ، كما بذل جهودًا كبيرة في دعم الجيش العثماني بالقوى البشرية ، حتى وصل تعداده إلى قرابة ربع مليون مجاهد ، وهو عدد كبير إذا قُورن بجيوش الدول في تلك الفترة .

    كما عنى بتدريب تلك الجموع على فنون القتال المختلفة ، وبمختلف أنواع الأسلحة ، التي تؤهلهم للجهاد المنتظر .
    كما اعتنى الفاتح بإعدادهم إعدادًا معنويًّا قويًّا ، وغرس روح الجهاد فيهم ، وتذكيرهم بثناء الرسول على الجيش الذي يفتح القسطنطينية ، وعسى أن يكونوا هم هذا الجيش المقصود بذلك .

    وفي الناحية التكتيكية العسكرية بدأ محمد الفاتح خطوة عملية كبيرة حين صمم على إقامة قلعة روملي حصار في الجانب الأوربي على مضيق البسفور في أضيق نقطة منه مقابل القلعة التي أسست في عهد السلطان بايزيد في البر الآسيوي .

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    وقد حاول الإمبراطور البيزنطي إثناء السلطان الفاتح عن عزمه في بناء القلعة مقابل التزامات مالية تعهَّد بها ، إلا أن الفاتح أصر على البناء ؛ لما يعلمه من أهمية عسكرية لهذا الموقع ، حتى اكتملت قلعة عالية ومحصنة ، وصل ارتفاعها إلى 82م ، وأصبحت القلعتان متقابلتين ، ولا يفصل بينهما سوى 660 م تتحكمان في عبور السفن من شرقي البسفور إلى غربه ، وتستطيع نيران مدافعهما منع أي سفينة من الوصول إلى القسطنطينية من المناطق التي تقع شرقها مثل مملكة طرابزون ، وغيرها من الأماكن التي تستطيع دعم المدينة عند الحاجة .

    كما اعتنى السلطان بتطوير الأسلحة اللازمة لهذه العملية المقبلة ، ومن أهمها المدافع ، التي أخذت اهتمامًا خاصًّا منه ؛ حيث أحضر مهندسًا مجريًّا يُدعى أوربان كان بارعًا في صناعة المدافع ، فأحسن استقباله ، ووفَّر له جميع الإمكانيات المالية والمادية والبشرية ، وقد تمكن هذا المهندس من تصميم وتنفيذ العديد من المدافع الضخمة ، كان على رأسها المدفع السلطاني المشهور ، والذي ذكر أن وزنه كان يصل إلى مئات الأطنان ، وأنه يحتاج إلى مئات الثيران القوية لتحريكه .

    كما أعطى الفاتح عناية خاصة بالأسطول العثماني ؛ حيث عمل على تقويته ، وتزويده بالسفن المختلفة ليكون مؤهلاً للقيام بدوره في الهجوم على القسطنطينية ، وهي مدينة بحرية لا يكمل حصارها دون وجود قوة بحرية تقوم بهذه المهمة ، وقد ذُكر أن السفن التي أعدت لهذا الأمر بلغت أكثر من أربعمائة سفينة .


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    الزحف نحو القسطنطينية

    ثم زحف السلطان محمد الفاتح على القسطنطينية فوصلها في ( 26 ربيع الأول 857 هـ - السادس من إبريل سنة 1453 م ) ، فحاصرها من البر بمائتين وخمسين ألف مقاتل ، ومن البحر بأربعمائة وعشرين شراعًا ، فوقع الرعب في قلوب أهل المدينة ؛ إذ لم يكن عندهم من الحامية إلا خمسة آلاف مقاتل ، معظمهم من الأجانب ، وبقي الحصار ( 53 يومًا ) ، لم ينفك العثمانيون أثناءها عن إطلاق القنابل .

    ومن الخطوات القوية التي قام بها الفاتح ، قيامه بتمهيد الطريق بين أدرنة والقسطنطينية ؛ لكي تكون صالحة لجرِّ المدافع العملاقة خلالها إلى القسطنطينية ، وقد تحركت المدافع من أدرنة إلى قرب القسطنطينية في مدة شهرين ؛ حيث تمت حمايتها بقسم من الجيش حتى وصلت الأجناد العثمانية يقودها الفاتح بنفسه إلى مشارف القسطنطينية ، فجمع الجند ، وكانوا قرابة مائتين وخمسين ألف جندي ، فخطب فيهم خطبًا قوية حثهم فيها على الجهاد ، وطلب النصر أو الشهادة ، وذكّرهم فيها بالتضحية ، وصدق القتال عند اللقاء ، وقرأ عليهم الآيات القرآنية التي تحثُّ على ذلك ، كما ذكر لهم الأحاديث النبوية التي تبشِّر بفتح القسطنطينية ، وفضل الجيش الفاتح لها وأميره ، وما في فتحها من عزٍّ للإسلام والمسلمين .

    وقد بادر الجيش بالتهليل والتكبير والدعاء ، وكان العلماء ينبثون في صفوف الجيش مقاتلين ومجاهدين معهم ؛ مما أثر في رفع معنوياتهم ، حتى كان كل جندي ينتظر القتال بفارغ الصبر ؛ ليؤدي ما عليه من واجب .

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    ومن ثَمَّ قام السلطان محمد الفاتح بتوزيع جيشه البريّ أمام الأسوار الخارجية للمدينة ، مشكِّلاً ثلاثة أقسام رئيسية تمكنت من إحكام الحصار البري حول مختلف الجهات ، كما أقام الفاتح جيوشًا احتياطية خلف الجيوش الرئيسية ، وعمل على نصب المدافع أمام الأسوار ، ومن أهمها المدفع السلطاني العملاق ، الذي أقيم أمام باب طوب قابي .

    كما وضع فرقًا للمراقبة في مختلف المواقع المرتفعة والقريبة من المدينة ، وقد انتشرت السفن العثمانية في المياه المحيطة بالمدينة ، إلا أنها في البداية عجزت عن الوصول إلى القرن الذهبي ؛ حيث كانت السلسلة العملاقة تمنع أي سفينة من دخوله ، بل وتحطم كل سفينة تحاول الاقتراب .

    وكان هذا القرن الذهبي وسلسلته هو التحدي أمام العثمانيين ، فالحصار بالتالي لا يزال ناقصًا ببقاء مضيق القرن الذهبي في أيدي البحرية البيزنطية ، ومع ذلك فإن الهجوم العثماني كان مستمرًّا دون هوادة ؛ حيث أبدى جنود الإنكشارية شجاعة عجيبة وبسالة نادرة ، فكانوا يُقدِمون على الموت دون خوف في أعقاب كل قصف مدفعي .

    وفي يوم 18 إبريل تمكنت المدافع العثمانية من فتح ثغرة في الأسوار البيزنطية عند وادي ليكوس في الجزء الغربي من الأسوار ، فاندفع إليها الجنود العثمانيون بكل بسالة محاولين اقتحام المدينة من الثغرة ، كما حاولوا اقتحام الأسوار الأخرى بالسلالم التي ألقوها عليها ، ولكن المدافعين عن المدينة بقيادة جستنيان استماتوا في الدفاع عن الثغرة والأسوار ، واشتد القتال بين الطرفين دون جدوى .

    يتبع ....

    المصدر
    [5] انظر: محمد فريد: تاريخ الدولة العلية ص161، وعبد العزيز العمري: الفتوح الإسلامية عبر العصور ص359، 360، والصلابي: الدولة العثمانية ص106 وما بعدها.
    [6] العمري : الفتوح الإسلامية عبر العصور ص361 بتصرف.
    [7] مصر والعالم سنة صدور العام المائة، ص314، 315، (الهلال - مصر).
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  7. #7

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,587
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    ( 4 ) السلطان محمد الفاتح (
    الجزء الثالث و الاخير )

    مشكلة السلسلة حول القسطنطينية والتغلب عليها

    لكن الله ألهم السلطان الفاتح إلى طريقة يستطيع بها إدخال سفنه إلى القرن الذهبي دون الدخول في قتال مع البحرية البيزنطية متجاوزًا السلسلة التي تغلق ذلك القرن ، وهذه الطريقة تتمثل في جرِّ السفن العثمانية على اليابسة حتى تتجاوز السلسلة التي تغلق المضيق والدفاعات الأخرى ، ثم إنزالها مرة أخرى إلى البحر .
    وقد درس الفاتح وخبراؤه العسكريون هذا الأمر ، وعرفوا ما يحتاجونه من أدوات لتنفيذه ، والطريق البرية التي ستسلكها السفن ، والتي قدرت بثلاثة أميال .
    وبعد دراسة دقيقة ومتأنية للخطة اطمأنَّ الفاتح للفكرة ، ولقي التشجيع من المختصين لتنفيذها ، وبدأ العمل بصمتٍ على تسوية الطريق وتجهيزها ، دون أن يعلم البيزنطيون الهدف من ذلك ، كما جمعت كميات كبيرة من الأخشاب والزيوت .


    وبعد إكمال المعدات اللازمة أمر الفاتح في مساء يوم 21 إبريل بإشغال البيزنطيين في القرن الذهبي بمحاولات العبور من خلال السلسلة ، فتجمعت القوات البيزنطية منشغلة بذلك عما يجري في الجهة الأخرى ؛ حيث تابع السلطان مدَّ الأخشاب على الطريق الذي كان قد سوِّي ، ثم دهنت تلك الأخشاب بالزيوت ، وجرت السفن من البسفور إلى البرّ ؛ حيث سحبت على تلك الأخشاب المدهونة بالزيت مسافة ثلاثة أميال ، حتى وصلت إلى نقطة آمنة فأنزلت في القرن الذهبي ، وتمكن العثمانيون في تلك الليلة من سحب أكثر من سبعين سفينة وإنزالها في القرن الذهبي على حين غفلة من العدو ، بطريقٍ لم يُسبَق إليها السلطان الفاتح في التاريخ كله قبل ذلك .


    وقد كان القائد محمد الفاتح يشرف بنفسه على العملية التي جرت في الليل بعيدًا عن أنظار العدو ومراقبته .
    وفي صباح 22 إبريل استيقظ أهل المدينة على صيحات العثمانيين وأصواتهم يرفعون التكبير والأناشيد التركية في القرن الذهبي ، وفوجئوا بالسفن العثمانية وهي تسيطر على ذلك المعبر المائي ، ولم يعد هناك حاجز مائي بين المدافعين عن القسطنطينية وبين الجنود العثمانيين .


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    طرق مبتكرة لاقتحام القسطنطينية

    وقد لجأ العثمانيون في المراحل المتقدمة من الحصار إلى طريقة جديدة ومبتكرة في محاولة دخول المدينة ؛ حيث عملوا على حفر أنفاق تحت الأرض من أماكن مختلفة إلى داخل المدينة ، التي سمع سكانها في 16 مايو ضربات شديدة تحت الأرض أخذت تقترب من داخل المدينة بالتدريج ، فأسرع الإمبراطور بنفسه ومعه قُادته ومستشاريه إلى ناحية الصوت ، وأدركوا أن العثمانيين يقومون بحفر أنفاق تحت الأرض .


    وإلى جانب ذلك لجأ العثمانيون إلى طريقة جديدة في محاولة الاقتحام ، وذلك بأن صنعوا قلعة خشبية ضخمة متحركة تتكون من ثلاثة أدوار ، وبارتفاع أعلى من الأسوار ، وقد كسيت بالدروع والجلود المبللة بالماء لتمنع عنها النيران ، وشحنت تلك القلعة بالرجال في كل دور من أدوارها ، وكان الذين في الدور العلوي من الرماة يقذفون بالنبال كل من يطل برأسه من فوق الأسوار .


    وقد عمد السلطان محمد الفاتح إلى تكثيف الهجوم ، وخصوصًا القصف المدفعي على المدينة في ظل سيطرته البحرية الكاملة ، حتى إن المدفع السلطاني الضخم انفجر من كثرة الاستخدام ، وقتل المشغّلين له ، وعلى رأسهم المهندس المجري أوربان ، الذي تولى الإشراف على تصميم المدفع .
    ومع ذلك فقد وجَّه السلطان بإجراء عمليات تبريد للمدافع بزيت الزيتون ، وقد نجح الفنيون في ذلك ، وواصلت المدافع قصفها للمدينة مرة أخرى ، بل تمكنت من توجيه القذائف بحيث تسقط وسط المدينة ، إضافةً إلى ضربها للأسوار والقلاع .


    وفي يوم الأحد 18جمادى الأولى - 27 من مايو وجَّه السلطان الجنود إلى الخشوع ، وتطهير النفوس ، والتقرب إلى الله تعالى بالصلاة ، وعموم الطاعات والتذلل ، والدعاء بين يديه ؛ لعل الله أن ييسر لهم الفتح .
    وانتشر هذا الأمر بين عامة الجند المسلمين ، كما قام الفاتح بنفسه ذلك اليوم بتفقد أسوار المدينة ، ومعرفة آخر أحوالها ، وما وصلت إليه ، وأوضاع المدافعين عنها في النقاط المختلفة ، وحدَّد مواقع معينة يتم فيها تركيز القصف المدفعي .


    وفي ليلة 29 مايو نزلت بعض الأمطار على المدينة وما حولها ، فاستبشر بها المسلمون خيرًا ، وذكّرهم العلماء بمثيلتها يوم بدر ، أما الروم فقد طمعوا أن تشتد الأمطار فتعرقل المسلمين ، ولكن هذا لم يحدث ، فقد كان المطر هادئًا ورفيقًا .


    وعند الساعة الواحدة صباحًا من يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى 857 هـ - 29 مايو 1453م بدأ الهجوم العام على المدينة بعد أن أعطيت إشارة البدء للجنود ، فعلت أصوات الجند المسلمين بالتكبير وهم منطلقون نحو الأسوار ، وفزع أهل القسطنطينية وأخذوا يدقون نواقيس الكنائس ، وهرب إليها كثير من الناس ، وكان الهجوم العثماني متزامنًا بريًّا وبحريًّا في وقت واحد حسب خطة دقيقة رسمت سابقًا ، وطلب كثير من المجاهدين الشهادة ، ونالها أعداد كبيرة منهم بكل شجاعة وتضحية وإقدام ، وكان الهجوم موزعًا في العديد من المناطق ، ولكنه مركَّز بالدرجة الأولى في منطقة وادي ليكوس بقيادة السلطان محمد الفاتح نفسه .


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    جيش الفاتح يقتحم القسطنطينية

    ومع ظهور نور الصباح في يوم 30 مايو 1453م أضحى المهاجمون يتمكنون من تحديد مواقع العدو بدقة أكثر ، وأخذوا في مضاعفة الجهد في الهجوم ؛ مما جعل الإمبراطور قسطنطين يتولى شخصيًّا مهمة الدفاع في تلك النقطة ، يشاركه في ذلك جستنيان الجنويّ أحد القادة المشهورين في الدفاع عن المدينة .


    وقد واصل العثمانيون ضغطهم في جانب آخر من المدينة ؛ حيث تمكن المهاجمون من ناحية باب أدرنة من اقتحام الأسوار والاستيلاء على بعض الأبراج ، والقضاء على المدافعين فيها ، ورفع الأعلام العثمانية عليها ، وتدفق الجنود العثمانيون نحو المدينة من تلك المنطقة .
    ولما رأى الإمبراطور البيزنطي الأعلام العثمانية ترفرف على الأبراج الشمالية للمدينة ، أيقن بعدم جدوى الدفاع ، وخلع ملابسه حتى لا يُعرف ، ونزل عن حصانه ، وقاتل حتى هلك في ساحة المعركة .
    وكان لانتشار خبر موته دور كبير في زيادة حماس المجاهدين العثمانيين وسقوط عزائم البيزنطيين ؛ حيث تمكنت بقية الجيوش العثمانية من دخول المدينة من مناطق مختلفة ، وفر المدافعون بعد انتهاء قيادتهم .
    وهكذا تمكن المسلمون من الاستيلاء على المدينة .


    ولم تأت ظهيرة ذلك اليوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى 875هـ - 29 من مايو 1453م ، إلا والسلطان محمد الفاتح في وسط المدينة يحف به جنده وقادته وهم يرددون : ما شاء الله !
    فالتفت إليهم وقال : لقد أصبحتم فاتحي القسطنطينية ، الذين أخبر عنهم رسول الله ، وهنأهم بالنصر ، ونهاهم عن القتل ، وأمرهم بالرفق بالناس ، والإحسان إليهم .
    ثم ترجل عن فرسه ، وسجد لله على الأرض شكرًا وحمدًا وتواضعًا ، ثم قام وتوجه إلى كنيسة آيا صوفيا ، وقد اجتمع بها خلقٌ كبير من الناس ومعهم القسس والرهبان ، الذين كانوا يتلون عليهم صلواتهم وأدعيتهم ، فلما اقترب من أبوابها خاف النصارى داخلها ووجلوا وجلاً عظيمًا ، وقام أحد الرهبان بفتح الأبواب له ، فطلب من الراهب تهدئة الناس وطمأنتهم والعودة إلى بيوتهم بأمان ، فاطمأن الناس ، وكان بعض الرهبان مختبئين في سراديب الكنيسة ، فلما رأوا تسامح محمد الفاتح وعفوه، خرجوا وأعلنوا إسلامهم .


    وقد أعطى السلطان للنصارى حرية إقامة الشعائر الدينية ، واختيار رؤسائهم الدينيين ، الذين لهم حق الحكم في القضايا المدنية ، كما أعطى هذا الحق لرجال الكنيسة في الأقاليم الأخرى .

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي




    وهكذا نجح محمد الفاتح بعمل أسطوري يكاد يكون عملاً خارقًا .. وباعتمادٍ كامل على الله ، وبعزيمة لا تعرف اليأس ، وإصرار عجيب على أن يكون هو المقصود بحديث الرسول محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ، الذي يخبر فيه عن فاتح القسطنطينية بأنه " نِعْم الأمير " ، وبأن الجيش الذي يفتحها " نِعْم الجيش " .



    وكان محمد الفاتح إنسانًا رحيمًا بكل معنى الكلمة ، لكن أوربا التي تشوِّه كل رموز الإسلام ، وتنسى لهم كل حسناتهم ، لدرجة أن القائد اللنبي الذي دخل دمشق في الحرب العالمية الثانية ، ذهب إلى قبر صلاح الدين ، وَرَكَله بقدمه ، وهو يقول : لقد عُدْنا يا صلاح الدين .

    فهل يستحق صلاح الدين هذا من هؤلاء المجرمين ، وهو الذي قدَّم لهم صفحة من أروع صفحات الرحمة بعد انتصاره الحاسم ، ودخوله القدس ؟!

    وأين ما فعله صلاح الدين بما فعلوه هم ، عندما دخلوها قبل 90 سنة ؟!
    وهكذا أيضًا تقوَّلُوا على محمد الفاتح ، لكن التاريخ شاهد على إنسانيته الرائعة في لحظة الانتصار الكاسح .. لقد كان مسلمًا مثاليًّا في حربه وسلمه .



    المصدر

    عبد العزيز العمري: الفتوح الإسلامية عبر العصور ص364-372 بتصرف.
    العمري : المرجع السابق ص373 وما بعدها بتصرف، وانظر: الصلابي: الدولة العثمانية ص124وما بعدها بتصرف



    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    التعديل الأخير تم بواسطة أم عز الدين ; 14-02-19 الساعة 11:26 AM

  8. #8

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,587
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    ( 5 ) طارق بن زياد ( الجزء الأول )


    طارق بن زياد قائد عسكري أموي فتح الأندلس ؛ حيث قاد أول الجيوش الإسلامية التي دخلت شبه جزيرة أيبيريا ، وصاحَبَ الانتصار الإسلامي الكبير في معركة وادي لكة ، ويُعتبر من أشهر القادة العسكريين المسلمين في التاريخ ، ويحمل جبل طارق جنوب إسبانيا اسمه .

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نشأة طارق بن زياد

    وُلِدَ طارق بن زياد في عام ( 50 هـ - 670 م ) في خنشلة في الجزائر في قبيلة نفزة ؛ وهي قبيلة بربرية ، وهكذا فإن هذا البطل العظيم لم يكن من أصل عربي ، ولكنه من أهالي البربر الذين يسكنون بلاد المغرب العربي ، وقد نشأ طارق بن زياد مثلما ينشأ الأطفال المسلمون ، فتعلَّم القراءة والكتابة ، وحفظ سورًا من القرآن الكريم وبعضًا من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم .


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    جهاده في الشمال الإفريقي

    ساعد حبُّ طارق بن زياد للجهاد في أن يلتحق بجيش موسى بن نصير أمير المغرب ، وأن يشترك معه في الفتوح الإسلامية ، وأظهر شجاعة فائقة في القتال ، ومهارة كبيرة في القيادة لفتت أنظار موسى بن نصير ، فأُعجب بمهاراته وقدراته ، فولَّاه على مُقَدِّمة جيوشه بالمغرب ؛ وهكذا أُتيح لطارق بن زياد أن يتولَّى قيادة جيوش موسى ، ويشترك معه في السيطرة على بلاد المغرب الأقصى حتى المحيط الأطلسي .

    وما زال يُقاتل ويفتح مدائنهم حتى بلغ مدينة الحسيمة أهم مدنهم ، فحاصرها حتى دخلها ، وأسلم أهلها ، ولم يمضِ على ولاية موسى للمغرب عدَّة أعوام ، حتى خضع له المغرب بأسره ، ولم تستعصِ عليه سوى مدينة سَبْتَة لمناعتها وشدَّة تحصُّنها ؛ إذ كانت سفن القوط تُزَوِّد سَبْتَة بالميرة والإمداد ، فلمَّا يئس موسى من دخول سَبْتَة أقام قائده طارق بن زياد واليًا على مدينة طنجة ؛ حتى تُتاح له فرصة مراقبة مدينة سبتة عن كثب ، وترك تحت تصرُّف طارق تسعة عشر ألفًا من البربر بأسلحتهم وعُددهم الكاملة ، مع نفر قليل من العرب ليُعَلِّمُوهم القرآن وفرائض الإسلام ، أمَّا موسى فقد عاد إلى القيروان .


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    التفكير في فتح بلاد الأندلس

    كانت بلاد الأندلس يحكمها ملك ظالم يُدعى لُذريق كرهه الناس ، وفكَّروا في خلعه من الحُكم والثورة عليه بالاستعانة بالمسلمين ، الذين يحكمون الشمال الإفريقي ؛ بعد أن سمعوا كثيرًا عن عدلهم ، وتَوَسَّط لهم الكونت يُوليان - حاكم سبتة القريبة من طنجة - في إقناع المسلمين بمساعدتهم ، واتصل بطارق بن زياد يعرض عليه مساعدته في التخلُّص من لُذريق حاكم الأندلس ، وقد رحَّب طارق بهذا الطلب ، ووجد فيه فرصة طيبة لمواصلة الفتح والجهاد ، ونَشْرِ الإسلام وتعريف الشعوب بمبادئه السمحة ، فأرسل إلى موسى بن نصير أمير المغرب يستأذنه في فتح الأندلس ، فطلب منه الانتظار حتى يُرسل إلى خليفة المسلمين الوليد بن عبد الملك بهذا العرض ، ويستأذنه في فتح الأندلس ، ويشرح له حقيقة الأوضاع هناك ، فأَذِنَ له الخليفة ، وطلب منه أن يسبق الفتح حملة استطلاعية يكشف بها أحوال الأندلس قبل أن يخوض أهوال البحر ، فقاد طريف بن مالك حملة استطلاعية تضمُّ خمسمائة من خير جنود المسلمين ؛ وذلك لاستكشاف الأمر ، ومعرفة أحوال الأندلس سنة ( 91 هـ - يوليو 710 م ) ، فعبرت هذه الحملة في أربع سفن قدَّمها لها الكونت يوليان ، وقامت هذه الحملة الصغيرة بدراسة البلاد ، وتعرَّفُوا جيدًا عليها ، ولم تلقَ هذه الحملة أية مقاومة ، وعادت بغنائم وفيرة .

    يتبع...


    المصدر
    قصة الإسلام للدكتور راغب السرجاني
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •