فلما أتمَّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم عامه الأربعين -وهو عُمْر يبلغ فيه العقل تمام نضجه، ذلك النضج الذي يساعد صاحبه على فهم الأمور فهمًا صحيحًا- شرَّفه الله -عز وجل- بنور النبوة؛ وابتعثه هدايةً للناس ونورًا ورحمةً للعالمين، قال سبحانه: (
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ ١٥ يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٦) [المائدة: 15-16]
كانت بعثته - صلى الله عليه وسلم - يوم الاثنين الحادي والعشرين من شهر رمضان، الموافق لشهر أغسطس عام 610 م، وكان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتئذٍ أربعين سنة قمرية، وستة أشهر واثنا عشر يومًا [زاد المعاد، رحمة للعالمين، الرحيق المختوم]

فقد أَذِنَ الله -جلَّ شأنه- لأمين وحي السماء أن ينزل على أمين أهل الأرض، في خير بقاع الأرض؛ ليتلو عليه بضع آيات من كتاب الله كبداية، معلنًا بها تتويجه بالنبوة وتشريفه بمقام الرسالة.

وعن يوم المبعث تروي لنا السيدة عائشة -رضي الله عنها- عن ذلك النبأ العظيم، وتلك الواقعة المهيبة والأهم في تاريخ الأرض بكاملها، لحظة التقاء الوحي بالبشر، والتي كانت نقطة بداية النبوة التي غيَّرت -فيما .بعد- مجرى الحياة

«فكان بدء نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم ونزول صدر سورة «اقرأ» نقطة تحول في تاريخ البشرية، نقلتها من طريق الاعوجاج والظلام إلى طريق الهدى والنور، طريق الله المستقيم المؤدي إلى النجاة في الدنيا والآخرة؛ حيث استقرت قواعد هذا المنهج الإلهي في الأرض وتبينت خطوطه ومعالمه لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ . لا غموض ولا إبهام. إنما هو الضلال عن علم، والانحراف عن عمد، والالتواء عن قصد. إنه الحادث الفذ في تلك اللحظة الفريدة. الحادث الكوني الذي ابتدأ به عهد في هذه الأرض وانتهى عهد. والذي كان فرقانا في تاريخ البشر لا في تاريخ أمة ولا جيل. والذي سجلته جنبات الوجود كله وهي تتجاوب به، وسجله الضمير الإنساني. وبقي أن يتلفت هذا الضمير اليوم على تلك الذكرى العظيمة ولا ينساها وأن يذكر دائما أنه ميلاد جديد للإنسانية لم يشهده إلا مرة واحدة في الزمان»( بتصرف من روضة النعيم)

للمزيد عن حياة الرسول