تحرير محل النزاع:
(21/9)


1 ـ اتفق الفقهاء والأطباء في الحكم على عامة الوفيات بالموت بمفارقة الروح البدن وذلك في الحالات التي لا تدخل تحت أجهزة الإنعاش . وهذا يقع في أكثر الموتى في العالم.
2 ـ اختلف العلماء المعاصرون في موت جذع الدماغ هل يعتبر نهاية للحياة الإنسانية وذلك في الحالات التي تدخل تحت جهاز الإنعاش وهي تقع في حالات ضيقة(1) على قولين:
القول الأول: أن موت دماغ الشخص دون قلبه لا يعد موتا بل لا بد من توقف القلب عن النبض حتى يحكم بموت الإنسان وهو ما قرره المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي(2).
القول الثاني: يعتبر موت دماغ الشخص دون قلبه موتا حقيقيا ، ولا يشترط توقف القلب عن النبض حتى يحكم بموت الإنسان ، وهذا ما قرره مجمع الفقه الإسلامي لمنظمة المؤتمر الإسلامي(3).
أدلة القول الأول:
1- قوله تعالىنقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي أم حسبت أن أصحاب الكهف …إلى قوله: ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا( (4) وجه الدلالة : أن قوله سبحانه (بعثناهم) أي أيقظناهم ،وهذه الآيات فيها دليل واضح على أن مجرد فقد الإحساس والشعور وحده لا يعتبر دليلا كافيا للحكم بكون الإنسان ميتا كما دلت عليه الآية الكريمة(5).
2- قاعدة (اليقين لا يزول بالشك).
وجه الاستدلال : أن اليقين في هذه الحالة المختلف فيها هو حياة المريض باعتبار الأصل ولأن قلبه ينبض ، والشك في موته لأنه دماغه ميت فوجب علينا اعتبار اليقين الموجب للحكم بحياته حتى نجد يقينا مثله يوجب علينا الحكم بموته(6).
__________
(1) فقه النوازل 1/228
(2) في دورته العاشرة المنعقدة في مكة المكرمة (1408هـ)
(3) مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع3/ج2/809.
(4) 8- سورة الكهف ، الآيات : (1209)
(5) 9- حقيقة الموت والحياة لتوفيق الواعي من بحوث ندوة الحياة الإنسانية ص473 وأحكام الجراحة الطبية 323-324.
(6) 0- فقه النوازل 1/231 ـ 232 / نهاية الحياة الإنسانية لبدر المتولي عبد الباسط في بحوث ندوة الحياة الإنسانية ص448 .
(21/10)


3 ـ قاعدة (الأصل بقاء ما كان على ما كان) .
وجه الاستدلال : أن الأصل أن المريض حي فنحن نبقى على هذا الأصل حتى نجزم بزواله(1)
4 ـ الاستصحاب :
ووجهه أن حالة المريض قبل موت الدماغ متفق على اعتباره حيا فيها فنحن نستصحب الحكم الموجود فيها إلى هذه الحالة التي اختلفنا فيها ونقول إنه حي لبقاء نبضه(2).

5- النظر:
ووجهه : أن حفظ النفس يعتبر من مقاصد الشريعة الإسلامية التي بلغت مرتبة الضروريات التي تجب المحافظة عليها ، ولا شك أن الحكم باعتبار المريض في هذه الحالة حيا فيه محافظة على النفس وذلك يتفق مع هذا المقصد العظيم من مقاصد الشريعة الإسلامية والعكس بالعكس(3).
أدلة القول الثاني:
1 ـ أن المولود إذا لم يصرخ لا يعتبر حيا ولو تنفس أو بال أو تحرك كذا قال الإمام مالك (رحمه الله). فما لم يكن الفعل إراديا استجابة لتنظيم الدماغ لا يعتبر أمارة حياة(4)وهذا واقع فيمن مات دماغه فيأخذ حكم المولود الذي لم يصرخ.
ونوقش بأن المسألة مختلف فيها ثم إن المولود مشكوك في حياته وهذا بخلاف ما نحن فيه فالأصل حياة المريض فلا ينتقل عن هذا الأصل إلا بيقين.
2 ـ أن الأطباء هم أهل الاختصاص والخبرة في هذا الفن وهم مؤتمنون في هذا المجال فينبغي علينا تصديقهم وقبول قولهم فيما يختص بوظيفتهم . وقد قال الأطباء: إذا رفض المخ قبول التغذية مات الإنسان(5).
فالموت هو مفارقة الإنسان للحياة بعد التحقق من الموت الكامل لجذع الدماغ ويكفي للتأكد من الموت التحقق من موت جميع خلايا مخه ومن التوقف التلقائي للوظائف الأساسية للحياة في الجسم ، ومن ثم أخذ الدماغ في التحلل.
__________
(1) 1-فقه النوازل 1/232 ، حقيقة الموت والحياة من بحوث ندوة الحياة الإنسانية ص 478 ، أحكام الجراحة الطبية ص 325.
(2) 2-المصادر السابقة.
(3) المصادر السابقة.
(4) مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع2/ج1/483/، 498
(5) المصدر السابق ع2/ج1/484 ، 498 ، 506.
(21/11)

وبهذا أوصت ندوة الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها المنعقدة في الكويت ووافق عليه كل من الدكتور أحمد شرف الدين والدكتور محمد علي البار والدكتور محمد أيمن صافي وغيرهم. فإذا توقف جذع المخ ففقد الجهاز العصبي خواصه الوظيفية الأساسية فإنه يعد ميتا من الناحية الطبية والشرعية وهو ما أفتت به دور الإفتاء بمصر والمملكة العربية السعودية ومجمع الفقه الإسلامي في دورته الثالثة بعمان وهو ما قررته المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت(1).
الترجيح:
الراجح أنه لا يحكم بموته إلا إذا تيقنا من ذلك بتوقف القلب والتنفس ، وإن كان توقف دماغ المريض من العلامات القوية على موته لكن الحكم بالموت يترتب عليه أمور شرعية كقسمة تركته ونكاح امرأته إذا رغبت وغيرها ولذلك فلا يجوز الحكم بموته إلا بيقين.
__________
(1) - المراجع: 1- بحث بمجلة البحوث الفقهية المعاصرة العدد (42) ص30. للدكتور بلحاج العربي بن أحمد بعنوان (الأحكام الشرعية والطبية للمتوفى في الفقه الإسلامي).2- موت الدماغ بين الطب والإسلام / لندى محمد نعيم الدقر. 3- مجلة المجمع الفقه الإسلامي لمنظمة المؤتمر الإسلامي العدد3 الجزء2 ص545. 4- فقه النوازل د/بكر أبو زيد. 5- الأحكام الشرعية للأعمال الطبية د/ أحمد شرف الدين. 6- مجلة البحوث الإسلامية العدد (58) = = 7- الوفاة وعلاماتها بين الفقهاء والأطباء د/ عبدالله بن صالح الحديثي. 8- هل هناك طب نبوي د/ محمد علي البار. 9- موت القلب وموت الدماغ د/ محمد علي البار. 10- الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي ، طبع المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية.