معركة العقاب
اول مسمار في نعش دولة الاندلس
***
لقد شهدت بلاد الأندلس العديد من المعارك الحاسمة والتاريخية في مصير دولة الإسلام في الأندلس، والتي كانت بمثابة النقاط الفاصلة في حياة الأمة، وإنكانت معارك مثل وادي لكة وبلاط الشهداء وبرشلونة وفتح جليقية والزلاقة والأرك سببًا لتدعيم مكانة الدولة وزيادة قوتها، فإنمعركة العقاب كانت فاتحة الانهيار الشامل لقواعد الأندلس الكبرى.
فبعد الانتصار الباهر الذي حققه الموحدون حكام الأندلس والمغرب على صليبي الأندلس في معركة الأرك سنة 591هـ، ركن الصليبيون للمهادنة انتظارًا للفرصةالسانحة للوثوب مرة أخرى، وكان ألفونسو الثامن منذ هزيمة الأرك الساحقة يتوق إلىالانتقام لهزيمته وغسل عارها الذي جلل سيرته وفترة حكمه، فلما اشتعلت ثورة بنيغانية وهم من أولياء دولة المرابطين التي كانت تحكم الأندلس والمغرب قبل الموحدين، في شرق الأندلس وشمال إفريقيا انشغل زعيم الموحدين الناصر لدين اللهبقمع هذه الثورة، وذلك منذ سنة 595هـ حتى سنة 607هـ، وهي السنة التي قرر فيهاألفونسو الثامن الهجوم على الأندلس مرة أخرى.
بدأ ألفونسو الثامن حملته الصليبية على الأندلس بإزالة الخلافات العميقة بين ممالك إسبانيا النصرانيةالثلاثة (قشتالة - ليون - أراجون) والتي كانت سببًا مباشرًا لهزيمة الصليبيينالمدوية في معركة الأرك سنة 591هـ، ثم قام ألفونسو الثامن بطلب المعونةوالمباركة من بابا روما، وهو البابا إنوصان الثالث وكان يضطرم بروح صليبية عميقةويجيش بأحقاد عظيمة تجاه المسلمين الذين أفشلوا الحملات الصليبية على الشام وحررواالقدس، فوافق البابا على ذلك الطلب وأعلن شن حرب صليبية ضد مسلمي الأندلس، بعدها بدأت التحرشات الإسبانية.
كان لاستئناف نصارى إسبانيا لغزواتهم المخربةفي أراضي الأندلس أثر بالغ في الدولة الموحدية قرر معه الخليفة الموحديالناصر لدين الله العبور إلى بلاد الأندلس، فأرسل كتبه إلى سائر أنحاء المغرب وإفريقية وبلادالقبلة كلها بالنفير للجهاد ضد الصليبيين وإعداد العدة اللازمة لذلك، في شعبان سنة607هـ خرج الناصر بجحافل جرارة تقدر بمئات الآلاف وهذه الضخامة كانت في النهايةسببًا مباشرًا للهزيمة.
وصلت الجيوش الموحدية لـ إشبيلية في آخر ذي الحجة سنة 607هـ، وهناك انضم إليه أعداد كبيرةمن جنود الأندلس وأصبحت الجيوش في حالة تعبئة كاملة، وحدد الناصر هدفالهجوم وهو قلعة شلبطرة في جبال الشارات سييرامورنيا الآن، وكانت هذه القلعة بيدفرسان المعبد الصليبي، وكانت نقطة إغارة دائمة للصليبيين على المدن الإسلاميةبالأندلس، فطوق الموحدون القلعة وضربوها بالمجانيق حتى فتحوها بعد 51 يومًا منالحصار.
كان لفتح هذه القلعة أثر شديد في قلوبالصليبيين خصوصًا ألفونسو الثامن للأهمية الكبيرة لهذه القلعة، فقرر الهجوم علىقلعة رباح وكانت نظيرة قلعة شلبطرة في الأهمية والمكانة عند المسلمين، وقد انضملألفونسو آلاف المتطوعين من فرنسا وألمانيا وهولندا وإنجلترا ومجموعة كبيرة من الأساقفةوالرهبان، إضافة للفرسان الأسبتارية والداوية الذين انتقلوا من الشام إلى الأندلس لحرب المسلمين، وأمر البابا إنوصان الثالث في رومابالصوم ثلاثة أيام التماسًا لانتصار الجيوش الصليبية على مسلمي الأندلس، وأقيمت الصلوات العامة وعمد الرهبان والراهبات إلىارتداء السواد والسير حفاة في مواكب دينية بخضوع وتمهل ومن كنيسة إلى أخرى، وجاشتنفوس الأوربيين كافة بروح صليبية عارمة.
هجم الصليبيون بشدة على قلعة رباح وشددواعليها الحصار حتى أجبروا حاميتها الصغيرة على الاستسلام نظير الأمان، وقد أدى هذاالأمان لغضب الصليبيين الفرنجة الذين جاءوا من أوربا الذين أرادوا ذبح الحاميةالإسلامية ورفض أي تسوية سلمية تحقن دم المسلمين، وتنامى هذا الغضب حتى انشق كثيرمنهم وتركوا ألفونسو الثامن وعادوا إلى بلادهم.
وقعت حادثة كان لها أسوأ الأثر على معنوياتالجيوش الإسلامية، ذلك أن الناصر لدين الله قام بإعدام ابن قادس قائد حامية قلعةرباح ومن معه من الفرسان، لاعتقاده أنهم قد فرطوا في الدفاع عنها، فتأثر الكثيرونبهذا الأمر وأصابهم الغضب وأضمر الأندلسيون الغدر عند اللقاء وبيتوا الفرار عندالحرب والذي أدى في النهاية لكارثة العقاب.
استعد الفريقان للصدام المرعب وكان الناصرالموحدي مزهوًّا بنفسه واثقًا من النصر لحد الغرور المهلك نظرًا لضخامة الجيوشالموحدية قرابة النصف مليون، وكانت ثنية العقاب عند سفح جبال الشارات بالقرب منمدريد حاليًا هي موضع القتال الذي اندلع في 15 صفر سنة 609هـ، وهجم الموحدون بكل قوتهمعلى صفوف الصليبيين الذين صمدوا بروعة لهجوم الموحدين، ثم أخذوا في التراجعوالانهزام أمام الموحدين، وبدا النصر قريبًا، ولكن كان الهجوم الخاطف الذي قادهألفونسو الثامن بنفسه على ميمنة الموحدين ثم تلا ههجوم مماثل على ميسرة الموحدينقام به ملك أراجون، فاضطرب جناحا الجيش الإسلامي واختلطت صفوفهم، وعندها قامالأندلسيون بتنفيذ خطتهم في الفرار من أرض المعركة، وحاول الناصر الموحدي عبثًاتنظيم صفوف جيشه ولكنه فشل وكاد أن يقتل هو نفسه، وانتهت المعركة بهزيمة ساحقةللموحدين قتل فيها عشرات الآلاف، منهم معظم المتطوعين من المغاربة وقبائل العرب.
وكانت هذه الهزيمة الساحقة أول مسمار في عرشدولة الموحدين الكبيرة وإيذانًا بانهيار مملكتهم الواسعة وحول ميزان القوىبالأندلس لصالح الإسبان، وقد عم الابتهاج والفرح في أنحاء أوربا وأقيمت صلوات شكرمخصوصة قام بها إنوصان الثالث بنفسه.
المصدر: موقع مفكرة الإسلام.