النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: الفتح الإسلامي لمصر

  1. #1
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 15,083
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي الفتح الإسلامي لمصر

    الفَتْحُ الإسْلَامِيُّ لِمِصْر أو الغَزْوُ الإسْلَامِيُّ لِمِصْر، وفي بعض المصادر ذات الصبغة القوميَّة خُصُوصًا يُعرفُ هذا الحدث باسم الفَتْحُ العَرَبِيُّ لِمِصْر، هو سِلسلةٌ من الحملات والمعارك العسكريَّة التي خاضها المُسلمون تحت راية دولة الخِلافة الراشدة ضدَّ الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، وانتُزعت على إثرها ولاية مصر الروميَّة من يد الروم ودخلت في دولة الإسلام، بعد عِقدٍ من عودتها لِلإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، إذ كان الفُرس الساسانيّون قد انتزعوها من الأخيرة لِفترةٍ وجيزة.
    شكَّل فتحُ مصر امتدادًا لِفتح الشَّام، وقد وقع بعد تخليص فلسطين من يد الروم، وقد اقترحهُ الصحابيّ عمرو بن العاص على الخليفة عُمر بن الخطَّاب بِهدف تأمين الفُتوحات وحماية ظهر المُسلمين من هجمات الروم الذين انسحبوا من الشَّام إلى مصر وتمركزوا فيها. ولكنَّ عُمرًا كان يخشى على الجُيوش الإسلاميَّة من الدخول لِأفريقيا ووصفها بأنَّها مُفرِّقة، فرفض في البداية، لكنَّهُ ما لبث أن وافق، وأرسل لِعمرو بن العاص الإمدادات، فتوجَّه الأخير بجيشه صوب مصر عبر الطريق الذي سلكه قبله قمبيز والإسكندر، مُجتازًا سيناء مارًا بِالعريش والفرما. ثُمَّ توجَّه إلى بلبيس فحصن بابليون الذي كان أقوى حُصون مصر الروميَّة، وما أن سقط حتَّى تهاوت باقي الحُصون في الدلتا والصعيد أمام الجُيوش الإسلاميَّة. وقد تمَّ لعمرو بن العاص الاستيلاء على مصر بسقوط الإسكندريَّة في يده سنة 21هـ المُوافقة لِسنة 642م. وعقد مع الروم مُعاهدة انسحبوا على إثرها من البلاد وانتهى العهد البيزنطي في مصر، وإلى حدٍ أبعد العهد الروماني، وبدأ العهد الإسلامي بِعصر الوُلاة؛ وكان عمرو بن العاص أوَّل الولاة المُسلمين.
    تختلف الروايات الإسلاميَّة والقبطيَّة في سرد حوادث الفتح، لكنَّها تجمع على أنَّ الروم استعبدوا المصريين أثناء حُكمهم وجعلوا مصر ضيعة للإمبراطور البيزنطي ومن قبله الروماني، وعُرفت بمخزن غلال روما. وكان اختلاف عقيدة المصريين عن عقيدة الروم سببًا في اضطهادهم من قِبَل الإمبراطوريَّة، فقد اتخذ البيزنطيّون المذهب الخلقدوني الذي ينص على اتحاد الطبيعتين، الإلهيَّة والبشريَّة، في شخص المسيح، اتحادًا غير قابل للانفصام، مذهبًا رسميًّا للإمبراطوريَّة دون غيره، بينما كان المصريّون يأخذون بالمذهب اللاخلقدوني المونوفيزيتي (اليعقوبي)، وقد حاول الروم فرض مذهبهم على جميع الرعايا، فنفر منهم المسيحيّين اليعاقبة، وفضَّلوا الهيمنة الإسلاميَّة كونها تضمن لهم حُريَّة المُعتقد. إعتنقت الغالبيَّة العُظمى من المصريين الإسلام بعد تمام الفتح، وبقي قسمٌ منهم على المسيحيَّة، واستمرَّ هؤلاء يُعرفون بالقِبط أو الأقباط، على الرُغم من أنَّ هذه التسمية كانت تُطلق على المصريين عُمومًا دون تمييزٍ بين مذاهبهم وأديانهم، ومع مُرور الزمن استعرب المصريّون وأصبحت اللُغة العربيَّة لُغتهم الأُم، واقتصرت اللُغة القبطيَّة على الطُقوس والتراتيل الكنسيَّة. وقد قُدِّر لِمصر أن تحتلَّ مركزًا بارزًا ورائدًا في ظل العُهود الإسلاميَّة اللاحقة، فأصبحت مركزًا أساسيًّا من مراكز الإسلام في العالم، كما تزعَّمت حركة القوميَّة العربيَّة في أواسط القرن العشرين الميلاديّ.

    محتويات

    [أخف]
    1 نُبوءة فتح مصر في المُعتقد الإسلامي
    2 العلاقات العربيَّة المصريَّة قبل الفُتوح
    3 أوضاع مصر عشيَّة الفُتوح الإسلاميَّة
    3.1 الوضع السياسي
    3.2 الوضع الإداري
    3.3 الوضع الاقتصادي
    3.4 الوضع الديني
    3.5 الوضع العسكري
    4 دوافع فتح مصر والتمهيدات
    5 مسير العمليَّات العسكريَّة
    5.1 فتح العريش والفرما
    5.2 فتح بِلبيس
    5.3 فتح أُم دنين
    5.4 الإغارة على الفيُّوم
    5.5 معركة عين شمس
    5.6 فتح الفيُّوم
    5.7 فتح حصن بابليون
    5.8 وفاة هرقل وخِلافته
    5.9 الزحف نحو الإسكندريَّة
    5.10 فتح الإسكندريَّة
    6 مصر في ظل الحُكم الإسلامي
    6.1 الأثر الديني
    6.2 الأثر الإداري
    6.3 الأثر الاقتصادي
    6.4 تخطيط الفسطاط
    7 أُمورٌ خِلافيَّة
    7.1 كيفيَّة فتح الإسكندريَّة
    7.2 إحراق مكتبة الإسكندريَّة
    7.3 موقف المصريين من الفاتحين الجُدد
    7.4 شخصيَّة المُقوقس
    نُبوءة فتح مصر في المُعتقد الإسلامي :
    *****
    يُؤمن المُسلمون بأنَّ الرسول مُحمَّد صلى الله عليه وسلم تنبأ وبشَّر بِفتح مصر قبل حُصول هذا الأمر بِسنواتٍ عديدةٍ، ووردت في ذلك عدَّة أحاديث، ومن ذلك حديثٌ رواه الإمام مُسلم بن الحجَّاج في صحيحه عن جابر بن سمُرة عن نافع بن عُتبة عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: «تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللهُ، ثُمَّ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللهُ»، ومن المعروف أنَّ مصر كانت جُزءًا من بلاد الروم.[1] وكذلك فقد أخبر الرسول بفتح مصر تحديدًا، ودعا إلى الإحسان إلى أهلها إكرامًا لهاجر أُم النبي إسماعيل وزوجة النبيّ إبراهيم، فقد كانت من أرض مصر، كما أخبر بدخول أهلها في الإسلام واشتراكهم مع إخوانهم في التمكين له.[2] فقد ورد عن عن أبي ذرٍّ الغفَّاريّ أنَّهُ قال: «قَالَ رَسُولُ اللهِ نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي: إِنَّكُم سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يَسمَّى فِيْهَا القِيْرَاط، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا، فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا؛ فَإِنَّ لَهُم ذِمَّةٌ وَرَحِمًا، فَإِذَا رَأَيْتَ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فِيْهَا فِي مَوْضِعَ لَبْنَة، فاخرُج مِنْهَا». قال: «فَرَأَيْتُ عَبْدُ الرَّحمٰنِ بنُ شُرحَبِيل بنُ حَسَنَة وَأَخَاهُ رَبِيْعَة، يَخْتَصِمَانِ فِي مَوضِعَ لَبَنَة، فَخَرَجْتُ مِنْهَا».[3] وفي روايةِ لابن حبَّان أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال عن أهل مصر: «فَاسْتَوْصُوا بِهِم خَيْرًا، فَإنَّهُم قُوَّةٌ لَكُم، وَبَلَاغٌ إِلَى عَدُوِّكُم بِإِذْنِ الله».[2] وفي روايةٍ أُخرى عن عبد الملك بن مسلمة عن الليث وابن لهيعة بأنَّ الرسول مُحمَّد صلى الله عليه وسلم قال عندما حضرته الوفاة: «الله الله فِي قِبْطِ مِصْرَ فَإِنَّكُمُ سَتَظْهَرُوْنَ عَلَيْهِم وَيَكُونُونَ لَكُمُ عِدَّة وَأَعْوَانًا فِي سَبِيْلِ اللهِ».[4]

    وللموضوع بقية

  2. #2
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 15,083
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    العلاقات العربيَّة المصريَّة قبل الفُتوح :
    *****
    عرف العرب مصر مُنذُ حقبٍ بعيدة، وذلك بِفضل ما كان بينها وبين شبه الجزيرة العربيَّة من صَلاتٍ أبرزُها الصلة التجاريَّة. ذلك أنَّ مصر كانت مُنذ العصر الفرعوني دولةً بحريَّة تجوبُ سُفُنها التجاريَّة البحرين المُتوسِّط والأحمر، وهيمنت على التجارة الشرقيَّة، والمعروف أنَّ الفراعنة شقَّوا طُرُقًا ملاحيَّةً تصلُ البحر الأحمر بِفُروع النيل لِتسهيل الحركة التجاريَّة، ومنها تاجروا مع الحجاز واليمن. ولم تكن الطُرق البحريَّة الأداة الوحيدة التي تصل مصر بشبه الجزيرة العربيَّة، بل كان مضيق السُويس أداة اتصالٍ بينهُما. فقد كان في شبه جزيرة سيناء طريقٌ عبَّدهُ المصريّون القُدماء، يُؤدّي إلى مناجم النُّحاس فيها، وكان هذا الطريق يتَّصل بِشمالي الحجاز ويتقاطع عند تيماء مع الطريق الذاهب إلى العراق، ويتَّصل بِطريق القوافل المُنحدر إلى مكَّة واليمن، إنَّهُ الطريق التُهامي المُوازي تقريبًا لِساحل البحر الأحمر من عدن إلى أيلة - العقبة - ومنها إلى مصر.[5]
    كان المصريّون يحملون البضائع التجاريَّة إلى بلاد العرب ويُقيمون فيها ريثما يعودون بِتجارة الشرق، وكذلك فعل العرب، فكانوا يحملون تجارة الشرق إلى مصر ويُقيمون فيها ريثما يعودون إلى بلادهم. ومن أبرز القصص والأدلَّة على ذلك ما ورد في سفر التكوين عن قصَّة النبيّ يُوسُف وقافلة الإسماعيليين (العرب) التي كانت جمالُهم تحملُ كثيراء وبلسانًا ولاذنًا،[6] فقد جاء في الإصحاح السابع والثلاثين: «ثُمَّ جَلَسُوا لِيَأْكُلُوا طَعَامًا. فَرَفَعُوا عُيُونَهُمْ وَنَظَرُوا وَإِذَا قَافِلَةُ إِسْمَاعِيلِيِّينَ مُقْبِلَةٌ مِنْ جِلْعَادَ، وَجِمَالُهُمْ حَامِلَةٌ كَثِيرَاءَ وَبَلَسَانًا وَلاَذَنًا، ذَاهِبِينَ لِيَنْزِلُوا بِهَا إِلَى مِصْرَ». ولقد أدَّت هذه الحركة التجاريَّة إلى استقرار جالية مصريَّة في بلاد العرب، وإقامة جالية عربيَّة في مصر.[5] ويُشير بعض الباحثين والمُؤرخين إلى هذه العلاقة التاريخيَّة الوثيقة بين مصر والعرب، وعلى رأسهم المؤرخ الإغريقي الشهير هيرودوت الذي أكد لدى رحلته لِمصر قبل الميلاد تواجد العرب من أبناء شبه الجزيرة العربيَّة في مصر سواء من جهة الشمال في سيناء والمناطق المُجاورة أو من جهة الجنوب في ولايات الصعيد والبحر الأحمر. وبحسب الجُغرافي جمال حمدان فإنَّهُ وقبل ظُهور الإسلام كانت حركة التاريخ الإقليمي والتجارة والعلاقات والهجرات بلا انقطاع بين غرب شبه الجزيرة العربيَّة ووادي النيل خاصة بين مصر والجزيرة في الشمال. وعلى نطاقٍ محليٍّ أصغر انتقلت جالية من صعيد مصر إلى مدينة في الحجاز قبل الإسلام حتى استقرَّت وتوطَّنت، ويُقال أنَّ أصل أبنائها هم الذين استقبلوا النبي بالترحيب عندما هاجر من مكَّة إلى يثرب.[7]
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    رسم تخيُّلي لِمُعجزة عُبور بني إسرائيل البحر الأحمر بقيادة النبيّ موسى بعد أن أخرجهم من مصر. وهي إحدى الأحداث التاريخيَّة التي وردت في القُرآن وعرَّفت العرب على قسمٍ من تاريخ مصر.


    استمرَّت الصلة التجاريَّة بين مصر وشبه الجزيرة العربيَّة قائمة بعد قضاء الرومان على حُكم البطالمة في مصر، تقوى حينًا وتضعف أحيانًا. ثُمَّ حدث أن ورثت بيزنطة المناطق الشرقيَّة للإمبراطوريَّة الرومانيَّة في القرن الخامس الميلاديّ على إثر انقسام هذه الأخيرة إلى قسمين شرقي وغربي، في الوقت الذي استأنف فيه العرب رحلاتهم التجاريَّة، وبِخاصَّة رحلة الصيف إلى الشَّام حيثُ كانت بعض القوافل تنحدر عند أيلة إلى مصر. ويدلُّ ذلك على أنَّ جُزءًا مُهمَّا من البضائع الشرقيَّة كان مُعدًّا للتصدير بحرًا إلى موانئ البحر المُتوسِّط عبر ميناء الإسكندريَّة.[5] كوَّن العرب، بِحُكم هذا الواقع التجاري، صورةً عن أوضاع مصر، زادها القُرآن وُضوحًا حين تحدَّث عن غنى هذا البلد الزراعي. فقد ورد في القُرآن تعقيبٌ على ما حدث من غرق فرعون وقومه: نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي. وجاء أيضًا: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾، وورد على لِسان بني إسرائيل بعد أن أخرجهم النبيّ موسى من مصر: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ...﴾.[5]
    وقد أثبت بعضُ الباحثين اشتراك أكثر من عشرة آلاف كلمة بين اللُّغة المصريَّة القديمة واللغة العربيَّة، مما يدل على أنَّ عرب شبه الجزيرة لم يكفوا عن الخُروج منها والتدفق على مصر قبل وطوال التاريخ المكتوب. وكانت صحراء سيناء وأطراف الدلتا بالنسبة لهم منطقة انتقال وتأقلم إلى أن يتم اندماجهم وتشرُّبهم. ويؤكِّد جمال حمدان أنَّ ذلك يعني بوضوح إنَّ تعريب مصر سبق في بدايته الفتح الإسلامي، وأنَّه قديمٌ في مصر قدمًا أزليًّا وإن كان الفتح نفسه هو الخطوة الحاسمة.[7] وفي عصر الرسالة، ومن خِلال عالميَّة الدعوة الإسلاميَّة، أرسل الرسول مُحمَّد العديد من المبعوثين إلى مُلوك وأُمراء الشرق الأدنى، ومنهم نجاشي الحبشة أصحمة بن أبجر، وكسرى الثاني شاه فارس، وهرقل قيصر الروم، والمُقوقس قيرس السَّكندري عامل الروم على مصر، يدعُوهم إلى الإسلام. وكان حامل الرسالة إلى المُقوقس هو حاطب بن أبي بلتعة، وقد ورد فيها: «نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي، مِن مُحَمَّد عَبْدُ اللهِ وَرَسُولِهِ، إِلَى المُقَوْقَسِ عَظِيْمُ القِبْطِ، سَلَامٌ عَلَى مَن اتَّبَعَ الهُدَى، أمَّا بَعْد: فَإنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِم تَسْلَم، وَأَسْلِم يُؤتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِن تَوَلَّيْتَ، فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمُ القِبْطِ. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾».[8] والمُلفت أنَّ ردَّ المُقوقس كان لطيفًا، بل أكثر الأجوبة مُجاملةً، فكتب يقول: «نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي، لِمُحَمَّد بِن عَبْدُ اللهِ، مِنَ المُقَوْقَسِ عَظِيْمُ القِبْطِ، سَلَامٌ عَلَيْك، أمَّا بَعْد: فَقَد قَرَأتُ كَتَابَك، وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ فِيْهِ، وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ، وَقَد عَلِمْتُ أنَّ نَبِيًّا بَقِيَ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالشَّامِ، وَقَد أَكْرَمْتُ رَسُولَكَ، وَبَعَثْتُ لَكَ بِجَارِيَتَيْنِ لَهُمَا مَكَانٌ فِي القِبْطِ عَظِيْمٌ، وِبِكِسْوَةٍ وَهَدَيْتُ إَلَيْكَ بَغْلَةً لِتِرْكَبَهَا، وَالسَّلَامُ عَلَيْك».[8][9] وقد اصطفى النبيُّ لِنفسه إحدى الجاريتين، وهي ماريَّة القبطيَّة، فتزوَّجها وولدت لهُ إبراهيم، وكان يقول: «استَوْصَوا بِالقِبْطِ خَيْرًا فَإِنَّ لَكُم مِنْهُم صِهْرًا».[10]

    وللموضوع بقية

  3. #3
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 15,083
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    أوضاع مصر عشيَّة الفُتوح الإسلاميَّة
    الوضع السياسي
    غزو الساسانيين لِمصر والحرب الساسانية-البيزنطية 602-628
    ==============

    كانت الأوضاع السياسيَّة في مصر عشيَّة الفتح الإسلامي مُضطربة نتيجة قُرونٍ من الاستغلال الروماني والبيزنطي. فقد اتَّصف الحُكمُ الرومانيُّ لِمصر بالتعسُّف، وبرع الرومان في ابتكار الوسائل التي تُتيح لهم استغلال موارد البلاد. ففرضوا على المصريين نُظُمًا ضريبيَّةً مُتعسِّفة شملت الأشخاص والأشياء والصناعات والماشية والأراضي، فضاق المصريُّون ذرعًا بها وقاموا بِعدَّة ثورات ضدَّ الحُكم الروماني لعلَّ أشهرها تلك التي قامت في عهد الإمبراطور ماركوس أورليوس (161 - 180م)، وتُعرف بِحرب الزراع أو «الحرب البوكوليَّة» (نسبةً إلى المنطقة المعروفة باسم «بوكوليا» الواقعة في شمالي الدلتا)، ولكنَّ الرومان كانوا يقضون على هذه الثورات في كُل مرَّة.[11] وبعد انقسام الإمبراطوريَّة الرومانيَّة إلى قسمين شرقي وغربي، تبعت مصر الإمبراطوريَّة الشرقيَّة أو «البيزنطيَّة». كان الحُكمُ البيزنطيُّ لِمصر، مُباشرًا ومُستبدًا، يُدارُ بواسطة حاكمٍ يُعيِّنهُ الإمبراطور، لكنَّ الحُضور السياسي كان ضعيفًا، ممَّا أدّى إلى انعدام التوازن في العلاقة بين الحُكم المركزي والشعب المصري. وكان المظهر الوحيد للسِّيادة المركزيَّة والإدارة التي تؤمِّن مصالح الدولة الحاكمة، هُو وُجود مراكز عسكريَّة في المُدن الكُبرى، وبعض الحاميات المُنتشرة في الداخل.[12] وكانت مصر، بوصفها مُرتبطة مُباشرةً بالحُكم المركزي، تتأثر بما كان يحدث في البلاط البيزنطي من صراعاتٍ ومُؤامراتٍ من أجل السُلطة. فتعرَّض المصريّون لِأشد أنواع المُضايقات في عهد الإمبراطور فوقاس (602 - 610م)، فما اشتهر به عهده من المُؤتمرات والاغتيالات، إنَّما حدَّد الإطار الخارجيّ الذي جرى في نطاقه من العوامل ما أدَّى إلى انتشار الفوضى والتفكَّك البطيء في الحُكومة والمُجتمع. وقد تأثَّرت مصر بِذلك، فامتلأت أرض الصعيد بِعصابات اللُصوص وقُطَّاع الطُرق، وغزاها البدو وأهل النوبة. واضطربت أوضاع مصر السُفلى أيضًا وأضحت ميدانًا للشغب والفتن والثورات بين الطوائف، التي كانت توشك في بعض الأحيان أن تتحوَّل إلى حُروبٍ أهليَّة. وانصرف الحُكَّام إلى جمع المال لِخزينة الإمبراطوريَّة بِغض النظر عن مشروعيَّة الوسائل أو عدم مشروعيَّتها، فاضطرمت مصر بِنار الثورة.[11] وتعرَّضت الإمبراطوريَّة في هذه الأثناء إلى كارثةٍ خطيرة، إذ هُزمت عسكريًّا في البلقان وآسيا الصُغرى والشَّام، واجتاحتها الجُيوش الفارسيَّة الساسانيَّة. ثُمَّ شرع الفُرس بِغزو مصر، فسقطت الإسكندريَّة في أيديهم في سنة 619م، ولم تلبث مصر كُلَّها أن أضحت تحت حُكمهم.[11] شعر المصريّون بِحُريَّة لم يعهدوها من قبل في ظل حُكم فوقاس، ذلك أنَّ الفُرس تركوا لهم أمر الحُكم على نحوٍ من اللامركزيَّة المألوفة في بلادهم، وأسقطوا عنهم كثيرًا من الأعباء التي كانت تُرهقهم وإن ظلّوا مُتعالين عليهم بوصفهم الطبقة الحاكمة. وهكذا استهلَّ القرن السابع الميلاديّ والإمبراطوريَّة البيزنطيَّة تسيرُ في طريق الانحدار، ولم يُنقذ الموقف إلَّا ثورة حاكم أرخونيَّة إفريقية هرقل الأكبر، على حُكم فوقاس، وانحازت إليه مصر، ونجح هرقل في خلع فوقاس وتولّى ابنه هرقل الأصغر الحُكم.[11] وبًفضل ما اتخذه من تدابير إصلاحيَّة، عسكريَّة وإداريَّة، نهض لِقتال الفُرس، واستردَّ ما فقدته الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة على أيديهم، فاستعاد الشَّام ومصر. وكان المصريّون يأملون أن يجدوا في الحُكم الجديد سيرًا أرفق بهم ممَّا كانوا يُعانونه من عسف فوقاس، وبأن يُكافأهم هرقل على مُساندتهم له، وألَّا يُرهقهم حُكمه. والواقع أنَّهُم لم يشعرُوا بِخيبة أملٍ بالغة في بادئ الأمر، إذ ليس ثمَّة ما يدعو إلى الشك بأنَّ هرقل كان حريصًا على أن يستقطب المصريين، وكان واليه على مصر نيقتاس يرى لزامًا عليه أن يُجزيهم على ما قدَّموه من خِدمة للإمبراطوريَّة. لكن سُرعان ما خاب أملهم، فقد عاد الحُكم البيزنطي إلى سيرته الأولى من التعسُّف، ممَّا أدّى إلى التباعد بين الشعب وحُكَّامه، كانت تُغذيه باستمرار المُحاباة القمعيَّة التي ارتبطت بِآخر الحُكَّام البيزنطيين، ألا وهو المُقوقس، الذي سعى إلى تنفيذ برنامج هرقل الهادف إلى تدعيم مركزيَّة النظام بِضرب المذاهب المُتعارضة مع المذهب الرسمي للدولة.[13]

    الوضع الإداري
    ======
    كانت مصر ولايةً رومانيَّة تابعةً مُباشرةً لِروما مُنذُ سنة 31 ق.م، حين استولى الرومان عليها وقضوا على حُكم آخر سُلالةٍ فرعونيَّة فيها، وهي السُلالة البطلميَّة الإغريقيَّة، واتخذها الإمبراطور أغسطس قيصر مخزنًا يمُدُّ روما بِحاجتها من الغِلال. وفي سنة 381م جُعلت مصر أبرشيَّةً مُستقلَّة،[ْ 1] وتنُصُّ وثيقة الكرامات العرضيَّة (باللاتينية: Notitia Dignitatum) أنَّ الأبرشيَّة كان يحكُمُها فيقار واتبعت ولاية الشرق الإمبراطوريَّة، وضمَّت ست مُقاطعات، هي:[ْ 2][ْ 3] مُقاطعتيّ مصر (باللاتينية: Aegyptus) وأغسطُمنِكة (باللاتينية: Augustamnica) اللتان تأسستا في القرن الرَّابع الميلاديّ، ومُقاطعة أركادية (باللاتينية: Arcadia) التي تأسست سنة 397م، ومُقاطعة طيبة (باللاتينية: Thebaid)، ومُقاطعة ليبيا الدُنيا (باللاتينية: Libya Inferior)، ومُقاطعة ليبيا القُصوى أو برقة (باللاتينية: Libya Superior). ظلَّت مصر تحت الحُكم الروماني ما يزيد على أربعة قُرون. ففي سنة 395م انقسمت الإمبراطوريَّة الرومانيَّة إلى قسمين شرقي وغربي. وعلى الرُغم من استمرار فكرة وحدة الإمبراطوريَّة، فقد حكم إمبراطوران معًا، واحد في الشرق وآخر في الغرب. وفي سنة 476م سقط القسم الغربي في أيدي البرابرة الجرمان في حين نجا القسم الشرقي الذي عُرف بالإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، وعاصمته القُسطنطينيَّة. وكانت شمالي أفريقيا ومن ضمنها مصر تابعة لِهذه الإمبراطوريَّة من خِلال ما كان يُعرف بِأرخونيَّة إفريقية، إلَّا أنَّها بِظُروفها السياسيَّة والدينيَّة، تُعدُّ امتدادًا طبيعيًّا للشَّام مع بعض الاختلاف في المدى الذي ترتبط فيه بالحُكم المركزي في القُسطنطينيَّة. فقد وحَّدت بينهُما الديانةُ المسيحيَّة، ولكن وفقًا لِعقيدةٍ ومذهبٍ مُخالفٍ لِعقيدة الإمبراطوريَّة الرسميَّة.[11]

    الوضع الاقتصادي
    =======
    كانت مصر إحدى أغنى ولايات الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة إن لم تكن أغناها مالًا وزرعًا وخيرات. وكانت بيزنطة تراها مصدرًا هاما للثراء كما كان الحال زمن الرومان، وقد اعتمد الروم على مصر لِتزويد الإمبراطوريَّة بالحُبوب كما فعل أسلافهم. ولم يقتصر ثِقل مصر الاقتصادي على إنتاج الحُبوب، بل تعدَّاها إلى صناعة الزُجاج والتعدين وورق البردي والكثير من المُتنجات الصناعيَّة الأُخرى، من شاكلة: النسيج والمواد الطبيَّة والعُطور وصناعة الفخار والصناعات الغذائيَّة والزيت، والنبيذ والخبز والمحاجر ومواد البناء، إلى جانب الصناعات المُتعلِّقة بالذهب والفضَّة والنُّحاس والبرونز؛[14] بالإضافة إلى تجارة التوابل من الهند والبُخُور من الحجاز واليمن والأحجار الكريمة من فارس والأخشاب من الشَّام والعاج من جنوب الصحراء الكُبرى بأفريقيا، عبر أساطيلها المُنتشرة عبر البحر الأحمر وفُروع النيل، وقوافلها عابرة الصحاري.[15][16] وقد اعتُبرت أرض مصر خِلال الحقبتين الرومانيَّة والبيزنطيَّة صمام الأمان لغذاء العالم وسلَّة طعامه وفاكهته، إذ كانت تُصدِّر لِروما وحدها 11 مليون أردب من القمح، وكانت قادرةً على إطعام جميع ولايات العالم الرومي، لِدرجةٍ جعلت البيزنطيين يفرضون على المصريين من عهد قسطنطين الأوَّل ضرائب غذائيَّة وأشهرها ضريبة القمح والشعير والفول والكتَّان والزيتون وكانت تُجمع لِصالح الجيش الرومي. وكان النظام الضريبيّ الذي فرضه الروم في مصر نظامًا جشعًا وصارمًا شمل كُل الأنشطة الاقتصاديَّة مثل الزراعة والصناعة والتجارة، وكانوا دائمًا ما يُغيرون قوانينهم الضريبيَّة والماليَّة وطُرق جمع الضرائب حسب الظُروف من أجل إحكام قبضتهم على البلاد. وكان من ضمن هذه الضرائب ضريبة «الأنونا المدنيَّة» وكانت عبارة عن كميَّاتٍ من القمح وباقي المحاصيل تُشحن من مصر إلى القُسطنطينيَّة حسب احتياجاتها وكان يُطلق على هذه الشُحنة «الشُحنة السعيدة».[17] وكانت الكميَّة المُرسلة من الشُحنة الغذائيَّة تصنع حوالي 80,000 رغيف خبز يوميًّا.[17] وخلال الفترة المُمتدَّة من سنة 284م حتى 642م، كانت ضريبة الأنونا المدنية تُدفع لِكنائس الإسكندريَّة على شكل كميَّاتٍ من القمح، حتَّى جاء الإمبراطور يُوليان وألغى الضريبة.[17] وكانت الضرائب المفروضة على الأراضي الزراعيَّة تُجبى حسب منسوب النيل، وكان للقُرى خزانة للضرائب تتصل بها إدارة للحسابات لتحديد المصروفات والجبايات يُشرف عليها موظف حُكومي رومي، يُناط به إعداد القوائم الخاصة بالضرائب، وإثبات أسماء أهل القرية، وما أدَّاه كُلٌ منهم من الضرائب.[18] وقد كتب المُؤرِّخ اليهودي فيلون السَّكندري يصف حال المصريين في ظل النظام الضريبي الرومي، فقال أنَّ جُباة الضرائب كانوا يستولون على جُثث أولئك الذين عجزوا عن سداد الضرائب خلال حياتهم، ثُمَّ أدركهم الموت، حتَّى يُكرِهوا أقربائهم على دفع الضرائب المُتأخرة عليهم؛ استنقاذًا لجُثثهم، كما ذكر أنَّ الزوجات والأطفال وغيرهم من الأقرباء كانوا يُحشرون إلى السُجون، ويُصَبُّ عليهم التعذيب حتى يعترفون بمكان المُفلس الهارب، فكان يحدث أن يهرب الأهالي من مُدن بِرُمَّتها بحال أفلس مُعيلهم.[19]

    وللموضوع بقية

  4. #4
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 15,083
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    الوضع الديني
    الكنيسة القبطيَّة الأرثوذكسيَّة، وتاريخ مصر المسيحيَّة، ويهود مصر
    *******************************
    كان أغلب المصريين قبل الفتح الإسلامي يُدينون بالمسيحيَّة، ومنهم قلَّة ضئيلة تُدينُ باليهوديَّة. وكانت مصر في طليعة البُلدان الشرقيَّة التي تسرَّبت إليها المسيحيَّة في القرن الأوَّل الميلادي، وانتشرت تدريجيًّا في جميع أنحاء البلاد في القرن الثاني. أمَّا اليهود فوُجودهم في مصر قديم، يرجع إلى زمن النبيّ يُوسُف وفقًا للمُعتقدات الإبراهيميَّة، وقد وردت قصَّة انتقالهم إليها وخُروجهم منها في التوراة والقُرآن، ويظهر بأنَّ جُمهرةً من اليهود عادت إلى مصر آتيةً من فلسطين خِلال العهد البطلمي، فاستوطنت الإسكندريَّة وضواحيها، إذ أنَّ المصادر التاريخيَّة العائدة لِتلك الفترة تنصُّ على تمركُزهم في هذه النواحي.[ْ 4] وكان لهُم جالياتٌ أُخرى في بعض مُدن الصعيد، وكذلك في الفيُّوم، كما كان في البهنسا جالية يهوديَّة كبيرة وكانت تُقيم في حيًّ خاصٍّ بها.[ْ 5] وتحوَّل كثيرٌ من اليهود إلى المسيحيَّة، مع احتفاظهم بِأسمائهم القديمة. وتُشيرُ بعض أوراق البردي إلى أنَّ كثيرًا من اليهود في العصر البيزنطي كانوا يشتغلون بالتجارة. ويُلاحظ بأنَّ المصادر التاريخيَّة القديمة والحديثة قلَّما تُشيرُ إلى اليهود في مصر في ذلك العصر، ولعلَّ سبب ذلك هو ما ساد هذا العصر من خِلافاتٍ مذهبيَّة ودينيَّة وسياسيَّة، وممَّا لاشكَّ فيه أنَّ اليهود كانوا حريصين على أن يبتعدوا عن هذه الخِلافات لِيُمارسوا حياتهم الدينيَّة ونشاطهم الاقتصادي بِهُدوء.[20] وتاريخُ المسيحيَّةِ في مصر يبدأ بِهجرة العائلة المُقدَّسة إليها هربًا من ظُلم حيرود الأوَّل ملك اليهوديَّة، وبعدها بِسنوات أقبل بعض الحواريين إلى مصر داعين الناس إلى ترك عبادة الأوثان وعبادة الله، وأقبل الحواري مرقس، فأنشأ الكنيسة المرقسيَّة في الإسكندريَّة، التي انتقلت إليها زعامة المسيحيَّة لاحقًا، وفيها كتب إنجيله.[21] وقد تعارضت التعاليم المسيحيَّة مع المفاهيم الرومانيَّة المُتعلِّقة بِتأليه الإمبراطور وعبادته، ورفض النصارى الخدمة في الجيش الروماني، واتخذوا الأحد أوَّل أيَّام الأُسبوع لِيكون فُرصةً لِمُباشرة طُقوسهم الدينيَّة، لِذلك رأت الحُكومة الرومانيَّة أنَّ اعتناق المسيحيَّة هو جُرمٌ في حق الدولة، وعدَّت النصارى فئة هدَّامة، تُهدد أوضاع الإمبراطوريَّة وسلامتها، فمنعت اجتماعات النصارى، ونظَّمت حملات الاضطهاد ضدَّهم. بدأت هذه الحملات ضدَّ نصارى مصر أثناء حُكم الإمبراطور سپتيموس سڤيروس (193 - 211م). وظلَّ هؤلاء يتعرَّضون لاضطهادٍ كبيرٍ، وتسامُحٍ قليلٍ إلى أن تولّى دقلديانوس (284 - 305م) عرش الإمبراطوريَّة، حيثُ بلغ اضطهادُ النصارى حدَّهُ الأقصى. قاوم المسيحيّون في مصر هذا الاضطهاد بِقُوَّةٍ وعناد، وقد انبثقت عن هذه المُقاومة حركةً قوميَّة أخذت تنمو تدريجيًّا، وليس أدلَّ على ذلك من أنَّ الكنيسة القبطيَّة بدأت تقويمها، الذي سمَّتهُ «تقويم الشُهداء»، بالسنة الأولى من حُكم دقلديانوس، وذلك نتيجةً لِما خلَّف الاضطهاد من أثرٍ كبيرٍ في نُفوس المصريين.[ْ 6] تحسَّن وضع النصارى في مصر بعد أن اعترف الإمبراطور قُسطنطين الأوَّل بالمسيحيَّة دينًا مسموحًا به ضمن الديانات الأُخرى في الإمبراطوريَّة، بِموجب مرسوم ميلانو الشهير في سنة 343م،[22] ثُمَّ بعد أن أصبحت المسيحيَّة الدين الرسمي الوحيد للإمبراطوريَّة في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الأوَّل (379 - 395م).[ْ 7] لكنَّ مصر لم تنعم طويلًا بهذا النصر الذي أحرزتهُ المسيحيَّة، إذ ثار الجدل والنزاع مُنذُ أيَّام قُسطنطين الأوَّل بين النصارى حول طبيعة المسيح، وقد تدخَّل قُسطنطين الأوَّل في هذه النزاعات الدينيَّة البحتة وعقد مجمع نيقية سنة 325م من أجل ذلك، وناقش هذا المجمع مذهب القس آريوس السَّكندري، الذي أنكر صفة الشبه بين الأب والابن، وعدَّ أنَّ «ابن الله» ليس إلَّا مخلوقًا، فأنكر بذلك أُلوهيَّة المسيح، وتقرَّر بُطلان مذهبه والإعلان عن أنَّ الابن من جوهر الأب نفسه.[23]
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    دير الأنبا مقار، أحد أقدم الأديرة المسيحيَّة في مصر.


    واتَّخذ مُعظم الأباطرة الذين جاؤوا بعد قُسطنطين الأوَّل موقفًا عدائيًّا من مُعتقدات النصارى في مصر، ممَّا أدَّى إلى احتدام الجدال والنزاع الديني بين كنيستيّ الإسكندريَّة والقُسطنطينيَّة، وقد بلغ أقصاهُ في مُنتصف القرن الخامس الميلاديّ حينما اختلفت الكنيستان حول طبيعة المسيح. فاعتقدت الكنيسة القبطيَّة بأنَّ للمسيح طبيعة إلهيَّة واحدة (مونوفيزيَّة)، وتبنَّت كنيسة القُسطنطينيَّة القول بِثُنائيَّة الطبيعة المُحدَّدة في مجمع خلقدونيَّة، ورأت أنَّ في المسيح طبيعة بشريَّة وطبيعة إلهيَّة، وتبنَّت هذا المذهب لِيكون مذهبًا رسميًّا للإمبراطوريَّة، وأنكرت نحلة المونوفيزيتيين، وكفَّروا من قال بأنَّ للمسيح طبيعة واحدة، كما حرموا ديسقوروس بطريرك الإسكندريَّة حرمانًا كنسيًّا.[24] لم يقبل ديسقوروس ولا نصارى مصر ما أقرَّهُ مجمع خلقدونيَّة وأطلقوا على أنفُسهم اسم «الأرثوذكس» أي أتباع الديانة التقليديَّة الصحيحة، وعُرفت الكنيسة المصريَّة مُنذ ذلك الوقت باسم «الكنيسة القبطيَّة الأرثوذكسيَّة»، ومال المصريّون إلى الانفصال عن الإمبراطوريَّة، فأعلنوا التمرّد، وكانت أولى مظاهره إلغاء كنيسة الإسكندريَّة استخدام اللُغة اليونانيَّة في طُقوسها وشعائرها واستخدمت بدلًا منها اللُغة القبطيَّة.[ْ 8] وسُرعان ما تطوَّرت الأُمور في الإسكندريَّة إلى قلاقل دينيَّة عنيفة اتخذت صفة الثورات الوطنيَّة، تعرَّض خلالها المصريّون لِأشد أنواع الاضطهاد ولم تقمعها السُلطات إلَّا بعد أن أراقت دماء كثيرة. وعندما استولى هرقل على الحُكم، رأى أن يُنقذ البلاد من الخِلاف الديني، وأمل المصريّون بانتهاء عهود الاضطهادات وإراقة الدماء، لكنَّ النتيجة جاءت مُخيبة للآمال مرَّة أُخرى، إذ عهد هرقل بالرئاسة الدينيَّة والسياسيَّة في مصر للمُقوقس، وطلب منه أن يحمل المصريين على اعتناق مذهبٍ جديدٍ مُوحَّد يُوفِّق بين المذهبين الخلقدوني والمونوفيزي، هو المذهب المونوثيلستي، غير أنَّ كنيسة مصر رفضت هذا المذهب رفضًا قاطعًا، فاضطرَّ المُقوقس للضغط على المصريين وخيَّرهم بين أمرين: إمَّا الدُخول في مذهب هرقل الجديد وإمَّا الاضطهاد.[25] وقبل أن يصل الحاكم الجديد إلى الإسكندريَّة في سنة 631م هرب البطريرك القبطي بنيامين الأوَّل، توقُعًا لِما سيحلُّ به وبطائفته.[26] كان هذا القرار نذيرًا أزعج المصريين وأفزع رجالُ الدين منهم، وبخاصَّةٍ أنَّهُ كان لِهذا البطريرك مكانة مُحببة بين الأهالي. ولجأ المُقوقس إلى البطش والتعذيب، وقاسى المصريّون جميع أنواع الشدائد فيما سُمي «بالاضطهاد الأعظم» الذي استمرَّ عشرُ سنوات، ممَّا كان لهُ أثرٌ في سُهولة فتح المُسلمين لِمصر حيثُ وقف السُكَّان، بشكلٍ عام، على الحياد في الصراع الإسلامي - الرومي على مصر.[27]

    الوضع العسكري
    ********
    ترك الروم في مصر حاميةً عسكريَّةً كبيرة لِحمايتها ودفع الأخطار عنها بوصفها إحدى أهم الولايات وأثراها، ولِأنَّ انسلاخها عن الإمبراطوريَّة من شأنه أن يؤثِّر سلبًا عليها. وتشكلت الحامية العسكريَّة الروميَّة في مصر من ثلاث فرق مُوزَّعة على الأقاليم الثلاثة: واحدة في الإسكندريَّة، والاثنتان الأخريتان في سائر القطر المصري؛ إلى جانب تسع سرايا: ثلاث في الإسكندريَّة، وثلاث على الحُدود الحبشيَّة في أسوان جنوب مصر، وثلاث في سائر أنحاء القطر المصري. فضلًا عن ثلاث وحدات من الفُرسان مُعيَّنة في مناطق الخطر.[28] وانقسمت القُوَّات العسكريَّة في مصر إلى عدَّة فرق هي: فرقة الأتباع، ويجري تجنيد أفرادها عن طريق الإلزام أو التطوُّع أو الوراثة لأبناء الجُنود المُسرَّحين؛ جيشُ الحُدود أو الأطراف؛ وهي الفرقة التي تُرابط على الحُدود الغربيَّة والجنوبيَّة، وتقوم بِحراسة الحُدود وتُرابط في القلاع؛ وفرق جيش المُعاهدين وتتألف من الجرمان والمُغامرين الوافدين من خارج حُدود الإمبراطوريَّة، ويتولَّى قيادتهم قادة مُعينون من قبل الإمبراطور نفسه.[28] وزيد على هذه الفئة الجُند المأجورين الذين استخدمهم بعض كبار المُلَّاك للحراسة الخاصَّة. وقد اشترطت الحُكومة البيزنطيَّة أن يتفرَّغ الجُنود المُرابطين في مصر للقتال فقط دون غيره، وحرَّمت عليهم القيام بالأعمال التجاريَّة.[29] ولم يكن في بداية الأمر يُسمح للمصريين بالانخراط في الخدمة العسكريَّة، ولكن عُدل عن هذه السياسة وسُمح لهم بدُخول الجيش إمَّا بالتطوع أو الاقتراع أو الوراثة.[28] تراوح عدد عناصر كُل وحدة من وحدات الجيش البيزنطي في مصر بين 300 إلى 500 جُندي، بينما تراوح عدد الجيش بالكامل بين 25 إلى 30 ألف جُندي، يرأس قيادة كُل وحدةٍ منها قائد يُسمَّى «التريپون» (عُرِّب إلى «أرطبون»)، بينما الدوق هو القائد الأعلى للكتائب المُرابطة في إقليمه، وبذلك خضعت الجُيوش في مصر لِقيادة خمسة أدواق.[29] وعلى الرُغم من ضخامة الحامية العسكريَّة في مصر إلَّا أنَّها عانت من عُيوبٍ مُتعدِّدة، فقد كان هذا الجيش مُجرَّد أداة لِقمع الشعب ومُساعدة الشُرطة في تحصيل الضرائب وإخماد الثورات ضدَّ الحُكم الرومي، كما أنَّ جُنوده لم يكونوا على تدريبٍ جيِّد بسبب مُرابطتهم في مصر على الدوام وعدم خوضهم الحُروب، ونتيجةً لِما كان يتمتع به المُجنَّد من امتيازاتٍ في مُقدِّمتها الإعفاء من الضرائب، فقد أصبح الإلتحاق بالجُنديَّة وسيلةً للهُروب من وطأتها على المُواطنين، فتطوَّع الكثير من الفلَّاحين وأصحاب المهن ممَّا جعل الجيش يتكوَّن من عناصر رديئة ليس لها علاقة بالجُنديَّة.[29] أضف إلى ذلك فإنَّ القيادة العسكريَّة لم تكن مُوحدة، الأمر الذي جعل كُل دوق يُواجه ما تتعرض له دوقيَّته من أخطار مُنفردًا، وغالبًا ما تقاتل هؤلاء مع بعضهم البعض تحقيقًا لِمصالحهم الشخصيَّة، كما أنَّ روح الولاء لِبيزنطة كانت مُنعدمة تقريبًا عند المصريين، كما أدَّى تغلغل النزاعات الطائفيَّة بين صُفوف الجيش إلى عدم ترابطه وتناغمه.[28][29]

    وللموضوع بقية

  5. #5
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 15,083
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    دوافع فتح مصر والتمهيدات
    الفتح الإسلامي للشَّام
    *********
    يرتبطُ فتحُ مصر بِأهميَّتها السياسيَّة والاقتصاديَّة، وذلك بما لديها من خصائص وما تُوفرهُ من إمكاناتٍ على جانبٍ كبيرٍ من الأهميَّة. ويروي ابن عبد الحكم أنَّ عمرو بن العاص أشار على عُمر بن الخطَّاب بِفتحها وقال: «إِنَّكَ إن فَتَحْتَهَا كَانَت قُوَّةً للمُسْلِمِين وَعَوْنًا لَهُم، وَهِيَ أَكْثَرُ الأَرْضِ أَمْوَالًا وَأَعْجَزَهَا عَنِ القِتَالِ وَالحَربِ».[30] والمعروف أنَّ عمرو كان قد سافر إلى مصر في الجاهليَّة لِلتجارة، فوقف على معالِمها وعلى أوضاعها الداخليَّة، وبِخاصَّةً النزاعُ الدينيّ بين البيزنطيين الحاكمين وبين الشعب المصري الذي يُخالفهم في المذهب، وظنَّ أنَّ المصريين سوف يمتنعون عن مُساعدة الحاميات العسكريَّة البيزنطيَّة المُنتشرة في مصر إذا هاجمها المُسلمون، وممَّا زاده اقتناعًا بما يظُنَّهُ ما تناهى إلى أسماع المصريين عن سياسة المُسلمين المُتسامحة في الشَّام.[31] اجتمع عمرو بن العاص بِعُمر بن الخطَّاب في الجابيَّة حين جاء إلى الشَّام لِيتفقَّد أحوالها بعد طاعون عمواس، وعرض عليه فتح مصر وطلب السماح لهُ بالمسير إليها.[30][32] وهُنا تظهر لِأوَّل مرَّة في المصادر العربيَّة والإسلاميَّة فكرة فتح مصر وكأنَّها فكرةٌ طارئة عنَّت لِعمرو بن العاص الذي كان يسعى للحُصول على ميدانٍ جديدٍ يُظهرُ فيه نشاطه، وحسَّنها للخليفةُ عُمر. وتُجري بعض المصادر أنَّ فكرة فتح مصر تعود إلى عُمر بن الخطَّاب نفسه الذي أمر عمرو بالمسير إليها.[33] والواقع أنَّ فتح مصر أضحى ضرورةً بعد فتح الشَّام. وقد أثارت هذه البلاد إهتمام المُسلمين الجدِّي بعد أن وقفوا على أوضاعها السياسيَّة والاقتصاديَّة والدينيَّة المُتردية، ذلك أنَّ تطلُّعات عمرو بن العاص ومن خِلالها عُمر بن الخطَّاب تكمن في فتح مصر وضمِّها إلى الدولة الإسلاميَّة من خِلال هذا الواقع. ويُمكنُ حصر الدوافع الإسلاميَّة لِفتح مصر في ثلاث نقاط:
    الدافع الديني: وهو ضرورة نشر الإسلام في مصر وأفريقيا، وقد سبق للمُسلمين في عهد النبي مُحمَّد دعوة المُقوقس إلى الإسلام سلميًّا، وعاود أبو بكر الصديِّق دعوته بعد أن تولّى الخِلافة، فأرسل إليه الصحابي حاطب بن أبي بلتعة مرَّة أُخرى، وفي عهد عُمر بن الخطَّاب أرسل إليه كعب بن عُدي بن حنظلة التنوخي، فما كان من المُقوقس إلَّا أن اكتفى بالرد الحسن. وكانت الدعوة إلى الإسلام في رُبوع مصر مُستحيلة دون المُواجهة مع الروم. إلى جانب هذا، تُمثِّلُ مصر مكانةً كبيرةً لدى المُسلمين بسبب ذكرها عدَّة مرَّات في القُرآن، وارتباطها بِأحداثٍ محوريَّة وبأشخاصٍ يجُلُّهم المُسلمون، وفي مُقدمتهم النبيين يُوسُف وموسى، وهاجر أُم النبيّ إسماعيل، وماريَّة القبطيَّة زوجة الرسول، هذا إلى جانب تبشير النبيّ مُحمَّد للمُسلمين بفتحها وتوصيته بأهلها خيرًا، فكان من شأن كُل ذلك جعل المُسلمين حريصين على ضمِّها إلى دولة الخِلافة التليدة.[34]
    الدافع العسكري: تُمثِّلُ مصر امتدادًا طبيعيًّا للشَّام التي فتح المُسلمون أغلبها، وقد انسحب إليها الأرطبون صاحب بيت المقدس لإعادة تنظيم صُفوفه واسترجاع الشَّام مرَّة أخرى، الأمر الذي جعل المسلمين يُسارعون في دُخول مصر، وأيضًا كان من شأن الاستيلاء على ما في مصر من ثُغورٍ وسُفن أن يُمكِّن المُسلمين من إخضاع مدن الشَّام الشماليَّة الواقعة على البحر المُتوسِّط، ففتح مصر ضرورة حربيَّة مُلحَّة تكميلًا لِفتح الشَّام، وأيضًا خوفًا من أن يُهاجم البيزنطيون دار الخلافة في الحجاز عن طريق البحر الأحمر، وأيضًا حاول البيزنطيّون استرداد الشَّام من المُسلمين مرَّة أُخرى وعرقلة توجههم جنوبًا فهاجموهم من شمال الشَّام فشعر المُسلمون أنهم مُحاصرون بين قُوَّات بيزنطة في آسيا الصُغرى وقُوَّاتهم في مصر. وأيضًا قلَّة التحصينات بِمصر جعل مُهمَّة الفتح سهلة وكان أغلب المُشاركين في الفتح من قبيلتيّ «غافق» و«عك» اليمنيتين وكان لديهم مهارة في قتال الحُصون السَّاحليَّة، واشتركوا مع عمرو بن العاص في فتح الحُصون بالشَّام، كما كانوا على دراية ببناء المُدن واختطاطها، والإلمام بالزراعة.[34]
    الدافع السياسي الاقتصادي: تجمَّع لدى المُسلمين معلوماتٌ تُفيد بأنَّ الأوضاع الاقتصاديَّة في مصر كانت مُتردية وكانت ثروات البلاد تذهب إلى القُسطنطينيَّة، وأيضًا أوضاع المصريين الذين كانوا يعانون من الاضطهاد الديني المذهبي من قبل البيزنطيين، وأدركوا أنَّ ضم مصر إلى دولة الإسلام سيُنعش اقتصاد المُسلمين ويُضعف البيزنطييين،[34] لا سيَّما مع ازدياد الضغط الاقتصادي على المُجتمع الإسلامي في بلاد العرب نتيجة حركة الفُتوح الواسعة، لِذلك كان فتح مصر ضرورة اقتصاديَّة مُلحَّة.
    وكان عُمر بن الخطَّاب يتخوَّف دائمًا من مُتابعة الزحف قبل أن يُرسِّخ المُسلمون أقدامهم في المناطق التي فتحوها في العراق والشَّام، خاصَّةً بعد عام الرمادة وطاعون عمواس سنة 18هـ المُوافقة لِسنة 639م، حيثُ قضى عشرات الأُلوف من الجُوع والوباء. ثُمَّ اقتنع بِفكرة عمرو بن العاص بِضرورة الزحف من الشَّام إلى مصر، كما اقتنع بعدها بِقليل بِضرورة الزحف من العراق إلى فارس.[35] فعهد إليه بِقيادة العمليَّة ووضع بِتصرُّفه ثلاثة آلاف وخمسُمائة جُندي، وقيل أربعة آلاف أو خمسة آلاف،[30] وطلب منهُ أن يجعل ذلك سرًّا وأن يسير بِجُنده سيرًا هنيًّا. وهكذا سار عمرو بن العاص إلى مصر مُخترقًا صحراء سيناء ومُتخذًا الطريق الساحليّ، ومع ذلك بقي عُمر بن الخطَّاب مُترددًا، حتَّى يبدو أنَّهُ عدل عن موفقته فأرسل كتابًا إلى عمرو بن العاص وهو بِرفح فلم يستلمهُ ويقرأهُ إلَّا بعد أن دخل حُدود مصر.[36] ويعتقد البعض أنَّ تلك كانت حيلةً بارعةً جعلته يزحف نحو مصر دون أن يُخالف أمر الخليفة.[37] وقيل أنَّ عمرو بن العاص سار إلى مصر من تلقاء نفسه، ثُمَّ استأذن عُمر بن الخطَّاب، وقيل لم يستأذنه، فغضب عليه وأرسل إليه الكتاب المذكور، فلم يقرأه إلَّا بعد دُخوله مصر، كما قيل أنَّ الكتاب وافاه وهو بالعريش داخل حُدود مصر.[38]

  6. #6
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 15,083
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    مسير العمليَّات العسكريَّة
    فتح العريش والفرما
    ********
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    خارطة تُبيِّنُ مسير المُسلمين من الشَّام إلى الفرما بوَّابة مصر الشرقيَّة، وانطلاقهم منها لِفتح سائر أرجاء البلاد.


    وصل الجيش الإسلامي إلى العريش في عيد الأضحى يوم 10 ذو الحجَّة 18هـ المُوافق فيه 12 كانون الأوَّل (ديسمبر) 639م،[39] فوجدها خالية من القُوَّات البيزنطيَّة، فدخلها. وشجَّع ذلك الأمر عمرو بن العاص على استئناف التقدُّم، فغادر العريش سالكًا الطريق الذي كان يسلكهُ المُهاجرون والفاتحون والتُجَّار مُنذُ أقدم العُصور، ثُمَّ انحرف جنوبًا تاركًا طريق السَّاحل، واتَّخذ الطريق الذي سار فيه الفُرس عندما استولوا على مصر، حتَّى وصل إلى الفرما. كانت أنباء زحف المُسلمين فد وصلت إلى مسامع المُقوقس فاستعدَّ للتصدّي لهُم، ولكنَّهُ آثر ألَّا يصطدم بهم في العريش أو الفرما وتحصَّن وراء حصن بابليون، ولعلَّ مرد ذلك يعودُ إلى:[40]
    قُرب العريش والفرما من الصحراء، ولِأنَّ المُسلمين كانوا أقدر الناس في حرب الصحراء، بالإضافة إلى قُربها من فلسطين ممَّا يجعل إمداد عمرو بِجُنودٍ من بيت المقدس وما جاورها أمرًا يسيرًا، لِذلك فضَّل أن يدع عمرو يمضي في زحفه ويتوغَّل في أرض مصر لِيُبعدهُ عن قواعده ثُمَّ يُهاجمه. واعتمد على حُصون الفرما القويَّة لِعرقلة تقدُّمه دون أن يُخاطر بالذهاب بِنفسه إلى هُناك أو يُرسل الأرطبون، كبير القادة لِيتولّى ذلك.
    عدم اطمئنانه إلى ولاء المصريين للإمبراطوريَّة، وخشي أن يستغلوا الفُرصة ويقوموا بِثورة ضدَّ الحُكم البيزنطي.
    تهيُّبه الدُخول في مُغامرةٍ عسكريَّةٍ مع المُسلمين مع علمه بِمقدرتهم القتاليَّة وتفوُّقهم في ميدان القتال، وبِخاصَّة أنَّهم خارجون من انتصاراتٍ مُتلاحقة في الشَّام والعراق، ومعنويَّاتهم مُرتفعة.
    افتقر عمرو إلى آلات الحصار، إذ لم يكن للمُسلمين عهدٌ بِأساليب حِصار المُدن، واعتمدوا في فُتوحهم لِمُدن العراق والشَّام على المُواجهة أو الصبر عليها إلى أن يضطرَّها الجوع ونقص المُؤن إلى الاستسلام. وهكذا ضرب عمرو الحصار على الفرما، وتحصَّنت حاميتها البيزنطيَّة وراء الأسوار، وجرت مُناوشاتٌ بين الطرفين استمرَّت مُدَّة شهر، بينما يذكر ياقوت الحموي أنَّ القتال بالفرما استمرَّ مُدَّة شهرين من الزمن،[41] ثُمَّ اقتحمها المُسلمون في 19 مُحرَّم 19هـ المُوافق فيه 20 كانون الثاني (يناير) 640م.[42] كان أهلُ الفرما وفق بعض المُؤرخين عربًا مسيحيّون من موالي الروم، وكانوا يُؤدون الأموال إلى المُقوقس، وقد رحبوا بالمُسلمين من واقع صلة الرحم،[43] كما كان يسكُنها مصريّون، وتُشيرُ بعض الروايات التاريخيَّة أنَّ المصريين من أبناء المدينة ساعدوا عمرو بن العاص ضدَّ الروم، ذلك أنَّ بطريرك الإسكندريَّة بنيامين الأوَّل لمَّا بلغتهُ أخبار قُدوم عمرو بن العاص على رأس الجُند المُسلمين إلى مصر، كتب إلى المصريين يُبشرهم بِقُرب زوال مُلك الروم، وانتهاء حُكمهم في مصر. وطلب من المصريين مُساعدة المُسلمين وقائدهم،[44][45] كما قيل أنَّهُ وجَّه رسالةً إلى جميع الأساقفة يطلب إليهم أن يُناصروا الفاتحين الجُدد.[46]
    أمَّن فتح الفرما للمُسلمين المركز المُسيطر على خُطوط مُواصلاتهم مع الشَّام، وضمن لهم وُصول الإمدادات التي وعدهم بها عُمر بالإضافة إلى طريق الانسحاب إذا تعرَّضوا للهزيمة. ولمَّا كانت قُوَّاته قليلة العدد، ولا يُمكنه ترك حامية عسكريَّة لِحراستها، فقد هدم عمرو أسوار المدينة وحُصونها حتَّى لا يستفيد البيزنطيّون منها فيما لو امتلكوها ثانيةً.[40]

    فتح بِلبيس
    ******

    تابع عمرو توغُّلهُ في أرض مصر بعد فتح الفرما، وانضمَّ إليه جُندٌ من البدو المُقيمين على تُخوم الصحراء المصريَّة، طمعًا في الغنيمة، فعوَّضوا المُسلمين عمَّن فقدوه حتَّى ذلك الوقت.[ْ 9] وسار مُنحدرًا إلى الجنوب فتخطَّى مدينة مجدل القديمة إلى موقع القنطرة المُعاصر، ومن ثُمَّ توجَّه غربًا إلى القصاصين - الصالحيَّة - ثُمَّ انحرف جنوبًا فاجتاز وادي الطميلات حتَّى بلغ بِلبيس، وفتح خلال سيره سنهور وتنيس. وقد اختار هذا الطريق لِخُلُوِّه من المُستنقعات، ولم يلقَ في طريقه الطويل هذا مُقاومةٌ تُذكر لا من جانب السُكَّان ولا من جانب البيزنطيين، ولم يكن يُدافع إلَّا بالأمر الخفيف.[47] ضرب عمرو الحصار على المدينة وقاتل حاميتها الروميَّة شهرًا. وكان الروم قد تحصَّنوا فيها بِقيادة الأرطبون، وكان بها «أرمانوسة» ابنة المُقوقس، وقد جهَّزها بِأموالها وجواريها وغلمانها وهي في طريقها نحو قيسارية لِتتزوَّج من قُسطنطين بن هرقل.[37] وينفردُ الواقدي بالإشارة إلى يوقنا - صاحب حلب - وكان قد اعتنق الإسلام، تقدَّم على رأس بعض الجُند وقد تنكروا بزيِّ الروم حتَّى وصل بِلبيس، في مُحاولةٍ منه أن يستطلع الأخبار ويُمهِّد الأُمور، فلم يعلم أحدٌ من البيزنطيين بما أراده، ولمَّا علم بِوُجود أرمانوسة في المدينة، سار إليها حتَّى يُوهمها بأنَّهُ قادمٌ من قِبل قُسطنطين لِيحملها إليه في القُسطنطينيَّة، فأحسنت إليه ولِصحبه أولًا، ولكنَّها ما لبثت أن علمت بالخديعة التي أرادها، فأعدَّت العدَّة لِقتاله وبعثت بِكتابٍ إلى أبيها المُقوقس تُعلمه بما حدث، وتُخبرهُ بِتقدُّم جُند المُسلمين في الأراضي المصريَّة، وسألته الاستعداد لِلقائهم وإرسال قُوَّة لِنُصرتها عليهم.[48]
    ولمَّا عرف المُقوقس بِوُصول المُسلمين جمع كِبار رجال ولاية مصر وسألهم المشورة، فاقترحوا عليه إرسال جيش إلى أرمانوسة لِمُساعدتها ضدَّ المُسلمين، إلى جانب الاستنجاد بِجيرانه لِنُصرته عليهم، وجمع الجُيوش من جميع البلاد المصريَّة، استعدادًا لِمُواجهة الغُزاة. ولكنَّ المُقوقس أبى ذلك، وأعلم الحاضرين بِأنَّهُ مهما استعد فلن يقوى على هؤلاء، وأنَّهُ من الحكمة أن يُرسل إلى ابنته كتابًا يطلب فيه منها التلطُّف في مُعاملة يوقنا ومن معه من الجُند المُسلمين، ومنحهم الأمان، وإرسالهم إليه لِتطيب خاطرهم.[49] بالمُقابل، يُشيرُ البعض إلى أنَّ المُقوقس أرسل قُوَّةً عسكريَّةً للاستطلاع، ولكنَّها لم تُحاول إلَّا مُناوشة المُسلمين في قتالٍ خفيفٍ، إلَّا أنها فشلت في مُهمَّتها وخسرت المعركة، فتمزَّق الجيش، وقُتل منهُ نحو ألف جُنديّ وأُسر نحو ثلاثة آلاف وفرَّ الباقون، كما خسر المُسلمون بعض الجُند ودخلوا على إثر ذلك مدينة بِلبيس.[50] أمَّا أرمانوسة فأرسلها عمرو بن العاص في جميع مالها إلى أبيها المُقوقس،[37] في صُحبة قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي، الذي قال للمُقوقس في حديثٍ طويلٍ له معه: «أَيُّهَا المَلِك، لَا بُدَّ لَنَا مِنْكُم»، أي أنَّ فتح المُسلمين لِمصر لا بُدَّ وأن يقع، وعرض عليه الإسلام مرَّة أُخرى، فوعدهُ المُقوقس بِعرض الأمر على قومه، مع الإشارة إلى أنَّهُ واثق من عدم استجابتهم له.[51]

  7. #7
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 15,083
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    فتح أُم دنين
    =====

    [TR]

    [/TR]

    [TR]

    [/TR]
    [TR]

    [/TR]
    [TR]

    [/TR]
    [TR]

    [/TR]
    [TR]

    [/TR]
    [TR]

    [/TR]
    [TR]

    [/TR]
    [TR]

    [/TR]
    [TR]

    [/TR]
    [TR]

    [/TR]
    [TR]

    [/TR]
    [TR]

    [/TR]
    [TR]

    [/TR]
    جزء من سلسلة حول
    الأقباط
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    الثقافة العمارة · الفن · التقويم القبطي
    علم القبطيات · الصليب القبطي · الصوم
    زخرفة قبطية · التاريخ · التسمية · الآداب
    الموسيقى · الرهبنة · الهوية · تمييز

    الانتشار في مصر · في الولايات المتحدة · في كندا
    في أفريقيا · في آسيا · في أستراليا
    في أوروبا · في أمريكا الجنوبية

    الطوائف الكنيسة القبطية الأرثوذكسية · الكنيسة القبطية الكاثوليكية
    إنجيلية · بروتستانت آخرين
    اللغة لغة عربية · لغة قبطية
    نظام الكتابة هيروغليفية · هيراطيقية
    ديموطيقية · قبطية · عربية
    ع
    ن
    ت



    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    أطلال مدينة منف، عاصمة مصر الفرعونيَّة القديمة، والتي تمكَّن المُسلمون من السيطرة عليها بعد أن فتحوا قرية أُم دنين ذات الأهميَّة الإستراتيجيَّة.


    سار عمرو بن العاص من بِلبيس مُتاخمًا للصحراء، فمرَّ بِمدينة عين شمس ثُمَّ هبط إلى قريةٍ على النيل اسمُها «أُم دنين»، وتقعُ إلى الشمال من حصن بابليون، وعسكر قريبًا منها. اشتهرت أُم دنين بِحصانتها، وكان يُجاورها مرفأ على النيل فيه سُفنٌ كثيرة، حتَّى أنها كانت تُعتبرُ ميناء قلب مصر،[52][53] وما كان المُقوقس لِيرضى بِأن تقع في أيدي المُسلمين. وأدرك أخيرًا خطأ ما اتخذهُ من قرار الإحجام والتصدي للمُسلمين باكرًا حتَّى وصل خطرهم إلى قلب مصر، فغادر الإسكندريَّة إلى حصن بابليون لِيُدير العمليَّات العسكريَّة ويُشرف عليها، وحشد جيشًا استعدادًا للقتال. وجرت بين الجيش الإسلامي وحامية المدينة بعض المُناوشات على مدى عدَّة أسابيع لم تُسفر عن نتيجة حاسمة لِأيٍّ منهُما، إنَّما بدأ المُسلمون يشعُرون بِتناقص عددهم بمن كان يُقتل منهم في الوقت الذي لم يتأثر البيزنطيّون كثيرًا بِفُقدان بعض جُندهم، فاضطرَّ عمرو أن يُرسل إلى الخليفة عُمر في المدينة المُنوَّرة يستحثُّه في إرسال إمدادات على وجه السُرعة، فوعدهُ بذلك.[54] والواقع أنَّ موقف عمرو كان حرجًا، فقد علم من خِلال العُيون التي بثَّها في المنطقة أنَّهُ لن يستطيع أن يُحاصر حصن بابليون أو يفتحه بمن بقي معهُ من الجُند، وبالتالي فتح مدينة منف المُتصلة به، كما أنَّهُ يتعذَّر عليه التراجع حتَّى لا يفُتَّ في معنويَّات جُنوده، فيُقوِّي عليهم عدُوِّهم، بالإضافة إلى أنَّهُ كان مُصرًّا على فتح منف، غير أنَّهُ كان لديه بصيصُ أمل من واقع وعد الخليفة بِإمداده بالمُساعدة. ودار في غُضون ذلك قتالٌ شديدٌ تحت أسوار أُم دنين، وكانت كفَّة الصراع مُتأرجحة بين النصر والهزيمة من واقع توازن القوى. لكنَّ الإمدادات تأخَّرت في الوُصول، وتضايق المُحاصرون، وكاد اليأسُ يدبُّ في نُفوسهم. ولمَّا كان فتح أُم دنين يُشكَّل ضرورةً قُصوى حتَّى يستفيد المُسلمين من السُفن الرَّاسية في المرفأ لاجتياز النهر، رأى عمرو أن يُشغل جُنوده بِنصرٍ آخر كسبًا للوقت حتَّى تصل الإمدادات، فقسَّم جُندهُ إلى مجموعتين: ترك إحداها في حصار أُم دنين، وقاد الأُخرى بنفسه إلى مدينة عين شمس.[55] ووصلت في غُضون ذلك طلائع الإمدادات، وبلغت وفق بعض المصادر أربعة آلاف جُنديّ[ْ 10] بِقيادة الزُبير بن العوَّام، ويذكر المُؤرخون المُسلمون أنَّ المدد الذي بعث به الخليفة إلى عمرو بن العاص كان اثني عشر ألف مُقاتل، ويذكر بعضُهم أيضًا أنَّهُ كان عشرة آلاف فقط.[54][56] ومهما يكن من أمر فقد قويت عزيمةُ المُسلمين بعد أن بلغتهم الإمدادات. وأُسقط في يد حامية أُم دنين فقلَّ خُروجهم لِلقاء المُسلمين، فاستغلَّ عمرو هذا الإحجام وشدَّد حِصاره على المدينة حتَّى سقطت في يده،[57] وهُزمت حاميتها الروميَّة شرَّ هزيمة. وفي الحقيقة، أظهر عمرو بن العاص مقدار حنكته العسكريَّة والإستراتيجيَّة حين قسَّم جُندهُ إلى ثلاث فرق، حتَّى يُوهم عدوَّهُ بِكثرة المُسلمين، وجعلها تُحارب في ميادين ثلاثة مع تركيزه على الهدف الرئيسي، فكان لِهذا صدىً في انتصاره. تمكَّن بعضُ الروم وقادتهم من الفرار إلى حصن بابليون، في حين هلك كثيرٌ منهم، وسُرعان ما ترك هؤلاء الناجين الحصن ولجأوا إلى مدينة نقيوس، فرارًا من مذبحة قد تحلُّ بهم فيما لو تقدَّم المُسلمون.[ْ 11]

    الإغارة على الفيُّوم
    =======
    تذكرُ بعض الروايات التاريخيَّة القبطيَّة أنَّ فتح الفيُّوم كان بعد حِصار أُم دنين وقبل فتح حصن بابليون، كما تُشيرُ إلى أنَّ عمرو بن العاص قد قام بِمُحاولةٍ لِفتح إقليم الفيُّوم قبل إتمام فتح أُم دنين، ولكن لم يُحالفه التوفيق. وتنصُّ هذه الروايات أنَّ عمرو سار ومن معهُ من المُسلمين إلى الجنوب بعد أن عبروا النهر سالمين، وتوجَّهوا نحو الفيُّوم، وعندما وصل إلى تُخومها وجد الحاميات البيزنطيَّة مُتأهبةً للتصدي لهُ بِقيادة «دومنتيانوس» حاكم الفيُّوم، فاصطدم بِقُوَّة الطليعة بِقيادة يوحنَّا وتغلَّب عليها وقتل قائدها إلَّا أنَّهُ لم يتمكن من فتح الفيُّوم. وعلِم في هذه الأثناء بِوُصول الإمدادات الإسلاميَّة، فعاد أدراجه إلى الشمال مُنحدرًا مع النهر، واتَّصل بالمدد العسكري في عين شمس على مقرُبةٍ من حصن بابليون. ولم يُحاول ثُيودور القائد العام للجيش البيزنطي أن يخرج من الحصن لِيحول دون التقاء الجيشين الإسلاميين مُضيعًا فُرصة بيزنطيَّة أُخرى. حقَّقت غارات عمرو بن العاص على الفيُّوم عدَّة فوائد للمُسلمين لعلَّ أهمَّها:[58] إخراج الجيش الإسلامي من المأزق الذي وُجد فيه عند أُم دنين والانتقال به إلى مكانٍ أكثر أمانًا بانتظار وُصول الإمدادات الإسلاميَّة، وإنجاز بعض الانتصارات ممَّا رفع معنويَّات المُسلمين وفتَّ في عضد البيزنطيين الذين أظهروا حُزنًا بالغًا لِمقتل القائد يوحنَّا، وبثُّ الرُّعب في قُلوب الحاميات البيزنطيَّة المُنتشرة في النواحي، وإظهار الدليلُ القاطع للمصريين على أنَّ الوُجود البيزنطي في البلاد بدأ يتعرَّض لِخطرٍ حقيقيٍّ.

    معركة عين شمس
    =======

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    خارطة لِمصر السُفلى تُظهر مواقع المُدن الباقية والمُندثرة، ومن ضمنها موقع عين شمس حيثُ دارت المعركة الفاصلة بين الروم والمُسلمين.


    كان من بين الجُنود الذين أرسلهم عُمر بن الخطَّاب عددٌ من كبار الصحابة، أمثال الزُبير بن العوَّام وعبادة بن الصَّامت، والمُقداد بن الأسود، ومسلمة بن مُخلَّد وغيرهم، فاغتبط المُسلمون بمقدمهم.[59] وكان الهدف التالي لِعمرو فتح حصن بابليون، فعسكر في عين شمس واتَّخذها مقرًّا له، وراح يستعد لِمُهاجمة الحصن. والمعروف أنَّ موقع عين شمس يصلح لِأن يكون قاعدةً عسكريَّة، فهُو مُرتفع من الأرض يُحيطُ به سورٌ غليظ، ويسهُل الدفاع عنه، وتتوفَّر فيه المياه والمُؤن. وضع عمرو خطَّة تقضي باستفزاز الجُنود البيزنطيين وحملهم على الخُروج من حصن بابليون، لِيُقاتلهم في السهل خارج الأسوار. ويبدو أنَّ ثُيودور قائد الجيش البيزنطي شعر بالقُوَّة بما كان تحت إمرته من المُقاتلين، فخرج من الحصن على رأس عشرين ألفًا وسار بهم باتجاه عين شمس، وكانت على مسافة ستَّة أميال أو سبعة من المُعسكر الإسلامي؛ للاصطدام بالمُسلمين. وتلقَّى عمرو أنباء هذا الخُروج بِسُرورٍ بالغ، فعبَّأ قُوَّاته استعدادًا للقاء المُرتقب، ونفَّذ خطَّةً ذكيَّةً للاطباق على القُوَّات البيزنطيَّة، ففصل فرقتين من جيشه يبلغ عدد أفراد كُلٍ منها خُمسُمائة مُقاتل، وأرسل إحداهُما إلى أُم دنين، والأُخرى إلى مغار بني وائل (عند قلعة الجبل المُعاصرة) شرقي العبَّاسيَّة، وكانت بِقيادة خارجة بن حُذافة السهمي. وسار هو من عين شمس باتجاه القُوَّات البيزنطيَّة المُتقدِّمة، وتوقَّف في موضع العبَّاسيَّة الحالي ينتظر وُصول جُموع البيزنطيين لِيصطدم بهم.[60] انتشرت القُوَّات البيزنطيَّة في السهل إلى الشمال الشرقي من الحصن، وإذ بلغهم خُروج المُسلمين من عين شمس، سُرّوا بذلك، وظنّوا أنَّهم ضمنوا النصر عليهم، فتعاهدوا على القتال حتَّى الموت، ولم يعلموا بِخطَّة عمرو العسكريَّة. ثُمَّ حدث اللقاء، وكان ذلك خِلال شهر شعبان سنة 19هـ المُوافق فيه شهر تمُّوز (يوليو) سنة 640م، ولعلَّهُ كان في مكانٍ وسط بين المُعسكرين الإسلامي والبيزنطي عند العبَّاسيَّة المُعاصرة. وأثناء احتدام القتال، خرج أفراد الكمين الذي أعدَّهُ عمرو، فاجتاحت فرقة خارجة مُؤخرة الجيش البيزنطي التي فُوجئت وأُخذت على حين غرَّة، فحلَّت بالروم كارثة إذ وقعوا بين فكيّ الكمَّاشة، وتولَّى جُنودهم الفزع ودبَّت الفوضى في صُفوفهم، فحاولوا الفرار نحو أُم دنين، فأطبقت عليهم الفرقة الأُخرى، وأضحوا بين ثلاثة جُيوش، فانحلَّ نظامهم، وإذ أدركوا أنَّ لا أمل لهم في المُقاومة والصُمود لاذوا بالفرار لا يلوون على شيء، ونجحت فئة قليلة منهم ببلُوغ الحصن وهلكت فئة كبيرة. ودخل المُسلمون إلى أُم دنين مرَّة أُخرى، ووطدوا أقدامهم على ضفاف النيل.[61] عندما بلغت أنباء الهزيمة من بِحصن بابليون من الجُند الروم خافوا على أنفُسهم، ففرَّ بعضهم عبر النهر إلى مدينة نقيوس إلى الشمال من منف،[62] وبقي بعضُهم الآخر في الحصن للدفاع عنه. استغلَّ عمرو انتصاره الحاسم هذا، فنقل مُعسكره من عين شمس وضربهُ في شمالي الحصن وشرقه بين البساتين والكنائس، وهو المكان الذي عُرف فيما بعد بالفسطاط، ثُمَّ سار إلى مدينة منف واستولى عليها بدون قِتال. ولم يستطع الجيش البيزنطي الموجود في الحصن أن يمُد لها يد المُساعدة.[63]

    فتح الفيُّوم
    =====

    تنُصُّ بعض الروايات التاريخيَّة القبطيَّة أنَّ عمرو بن العاص ما أن وصلهُ المدد من الخليفة حتَّى وجَّه جهُوده لِإتمام الإستيلاء على إقليم الفيُّوم. وتنص هذه المصادر على أنَّ من تولَّى الدفاع عن الفيُّوم كان قائد الحامية الروميَّة المدعو يوحنَّا، كما أقام الروم أيضًا حامية في مدينة اللاهون لِتُتابع تحرُّكات القُوَّات الإسلاميَّة وتنقل أخبارها إلى يوحنَّا وجُنده المُقيمين بالقُرب من شاطئ النهر.[64] وأرسل الروم سريَّة من الرُماة والفُرسان لِتحول بين المُسلمين الفاتحين وبين تقدُّمهم نحو الفيُّوم.[ْ 12] وهكذا بذلت القُوَّات الروميَّة كُل الجُهود العسكريَّة لِمُواجهة الفتح الإسلامي. واضطرَّ المُسلمون أمام هذه الاستحكامات البيزنطيَّة إلى الزحف في الصحراء، وواصلوا تقدُّمهم حتَّى وصلوا إلى البهنسا، وقضوا على حاميتها الروميَّة. ثُمَّ اتجهوا لِقتال حامية يوحنَّا التي لجأت إلى مدينة أبويط. ولكنَّ القُوَّات الإسلاميَّة حاصرتها وقضت عليها. وعلم ثيودوسيوس - حاكم إقليم الفيُّوم - وإنستاس حاكم مدينة الإسكندريَّة - بانتصارات المُسلمين، فسارعا بالفرار إلى حصن بابليون، حيثُ لحق بهما بعض القادة من أبويط، وأخبراهم ومن معهم من القُوَّات المُحتشدة بِخُطورة الموقف.[65] وبعد نجاح عمرو بن العاص وجُنده في الاستيلاء أُم دنين وإلحاق الهزيمة بالبيزنطيين، أعدَّ العدَّة لِإتمام فتح الفيُّوم. وكان يقوم بأمرها - بعد هرب ثيودوسيوس - شخصٌ يُدعى دومنتيانوس، فأصابهُ الذُعر عندما علم بانتصارات المُسلمين الساحقة على الروم، فأسرع بالفرار إلى مدينة نيقوس دون أن يعلم بِقراره أحد، تاركًا الفيُّوم وشأنها، فعلم عمرو بن العاص بذلك، واشتدَّ ساعده، وأرسل فرقة من جُنده نجحت في الاستيلاء على مدينة الفيُّوم ومدينة أبويط. وهكذا تمَّ للمُسلمين فتح إقليم الفيُّوم وباءت جُهودُ الروم بالفشل.[65]
    هذه هي الروايات القبطيَّة التي تتحدَّث عن فتح المُسلمين لِإقليم الفيُّوم، ولكن المُؤرخين المُسلمين يجمعون على أنَّ فتح الفيُّوم كان بعد فتح حصن بابليون، وليس قبله، كما يذهب المُؤرِّخ القبطي يوحنَّا النيقوسي. كما أنَّ الروايات الإسلاميَّة تذكر أنَّ الذي قام بِفتح إقليم الفيُّوم أحد قادة عمرو، وتنُصُّ بعض المصادر أنَّه ربيعة بن حُبيش بن عوفطة الصرفي، وفي روايةٍ أُخرى أنَّه قيس بن الحارث المُرادي الذي عهد إليه عمرو أيضًا بِفتح بلاد الصعيد، وأنَّ ربيعة بن حُبيش قد لحق به عند مدينة القيس (التي قيل أنَّها سُميت بِذلك نسبةً إلى قيس بن الحارث نفسه[66]) فاشتركا معًا في فتح إقليم الفيُّوم.[67] في حين يذكر البلاذري أنَّ عمرو بن العاص لمَّا فتح حصن بابليون أرسل خارجة بن حذافة العدوي لِفتح الفيُّوم وقُرى الصعيد، فغلب عليها.[68] وتُشيرُ بعض هذه المصادر الإسلاميَّة إلى أنَّ المُسلمين ظلَّوا يجهلون مكان إقليم الفيُّوم بعد فتح الحصن بسنةٍ كاملة، حتَّى دلَّهم إليه بعضُ المصريين، فأرسل عمرو بن العاص أحد قادته على رأس قُوَّة عسكريَّة لِفتح الفيُّوم، وأنَّ هذه القُوَّة توغلت في جنوبي الدلتا فاستولت على أثريب ومنوف في إقليم المُنوفيَّة.[69][70] ويبدو أنَّ أهل مصر، من المسيحيين بِصفة خاصَّة، بدءوا يُقدِّمون المُساعدات الفعَّآلة للمُسلمين ويتعاونون معهم، بعد استيلائهم على إقليم الفيُّوم. فقد طلب عمرو من «أبي قيرس» حاكم دلاص أن يبعث إلى القُوَّات الإسلاميَّة في الفيُّوم بعض السُفن لِينتقلوا بها من الجانب الغربي للنيل إلى الجانب الشرقي للسيطرة على ضفَّتيّ النيل.[71] كما طلب عمرو أيضًا من الأعيرج (لعلَّهُ تحريف لاسم جورج أو جرجس) حاكم إقليم منف، أن يبني جسرًا على قناة مدينة قليوب حتَّى يتمكَّن من فتح المُدن المصريَّة. كما أنَّ فتح مدينتيّ أثريب ومنوف تمَّ بمُساعدة المصريين النصارى له.


    وللموضوع بقية

  8. #8
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 15,083
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    فتح حصن بابليون
    حصار حصن بابليون
    **********
    لم يبقَ بِأيدي البيزنطيين سوى حصن بابليون، فكان هدف عمرو التالي قبل أن يتوجَّه إلى الإسكندريَّة لِفتحها. إذ لم يشأ أن يُشتِّت قُوَّاته ويُضعفها لِيذر قسمًا منها على حصار الحصن ولِيسير بالقسم الآخر إلى الشمال حتَّى يبلغ الإسكندريَّة، ممَّا يُشكِّلُ خطرًا على إنجازاته التي حقَّقها حتَّى ذلك الحين من واقع رد فعل البيزنطيين الذين سوف يستغلّون هذه الفُرصة لِيقوموا بِحركاتٍ ارتداديَّةٍ يستعيدون بِواسطتها ما فقدوه من أراضٍ ويطردون المُسلمين من مصر، لِذلك ركَّز جُهوده العسكريَّة على فتح الحصن، فسار إليه في شهر شوَّال سنة 19هـ المُوافق فيه شهر أيلول (سپتمبر) سنة 640م وحاصره.[72] ويقعُ حصن بابليون قُرب منف ومُقابل جزيرة الروضة التي تُحيط بها مياه النيل، وكان من أقوى الحُصون بعد الإسكندريَّة، وذلك بِسبب قربه من منف ولِمناعة أسواره، فهُو مبني بالطوب والحجر، ويبلغ عرض جُدرانه نحو ثمانية أقدام وارتفاعها نحو ستين قدمًا، وأبراجه مُرتفعة، وهو مُحاطٌ بالخنادق ومياه النيل.[73] أدرك سُكَّان الحصن وأفراد حاميته أنَّ الحصار سوف يطول لِسببين: الأوَّل هو أنَّهُ بدأ في وقت فيضان النيل وارتفاع مياهه، فيتعذَّر على المُسلمين أن يجتازوه أو يُهاجموا الحصن، ولا بُدَّ لهم من الانتظار حتَّى هُبوط الفيضان؛ الثاني هو أنَّ مناعة الحصن ومتانة أسواره وما يُحيط به من الماء وضعف وسائل الحصار سوف يُشكِّلُ عائقًا أمام المُحاصرين من الصعب أن يجتازوه بسُرعة، وما غنموه من بعض آلات القتال لم يكن لهم خبرة باستعمالها أو بِطُرق إصلاحها إذا تعطَّلت، لِذلك استعدَّ الطرفان لِحصارٍ طويل. والواقع أنَّ الحصار لم يكن مُحكمًا، فقد ظلَّت طريق الإمدادات بين الحصن وجزيرة الروضة مفتوحة لِأنَّ عمرو لم يكن قد أحكم سيطرته على الطُرق المائيَّة بعد.[74]
    كان عددٌ من حُكَّام الروم من ضمن المُتحصنين في بابليون، وما أن عرفوا بِقُدوم المُسلمين وانتصارهم في إقليم منف ومُساعدة بعض المصريين لهم، بادروا بالخُروج إلى الإسكندريَّة، تاركين الحامية تتولّى مُهمَّة الدفاع عنه، ومما زاد في إحباطهم وخوفهم أنَّ بعض المصريين اعتنقوا الإسلام وانضموا إلى الجيش الإسلامي بِقيادة عمرو بن العاص، فكانوا له خير أعوان وأدلَّاء يصحبونه ويدُلونه على الطُرق والمواقع، ويُخبروه عن أسرار وأوضاع الروم.[75] يُشيرُ بعض المُؤرخين إلى أنَّ المُقوقس كان في جزيرة الروضة عندما ضرب المُسلمون الحصار على الحصن، وقيل كان في الحصن مع سائر القادة ولم يخرج منه إلَّا بعد شهر،[76] أمَّا قيادة الجيش فكانت للأعيرج. وتراشق الطرفان بالمجانيق من جانب البيزنطيين والسهام والحجارة من جانب المُسلمين، مُدَّة شهر، حيثُ بدأ فيضان النيل بالانحسار. وأدرك المُقوقس أنَّ المُسلمين صابرون على القتال وأنَّهم سيقتحمون الحصن لا محالة، كما يئس من وُصول إمدادات من الخارج، فاضطرَّ إلى عقد اجتماع مع أركان حربه للتشاور في الأمر، وتقرَّر بذل المال لهم ليرحلوا عنهم وأن يذهب المُقوقس بِنفسه للتفاوض مع عمرو في هذا الشأن بشكلٍ سريٍّ حتَّى لا يعلم أحد من المُدافعين عن الحصن، فتهن عزائمهم. فخرج من الحصن تحت جُنح الظلام مع جماعة من أعوانه، وركب سفينة إلى جزيرة الروضة. فلمَّا وصل إليها أرسل رسالةً إلى عمرو مع وفدٍ ترأسهُ أُسقف بابليون، يعرض عليه أن يُرسل وفدًا لِإجراء مُفاوضات بِشأن التفاهم على حلٍّ مُعيَّن.[74] تعمَّد عمرو بن العاص الإبطاء في الرَّد مُدَّة يومين وأبقى أعضاء الوفد عنده رغبةً منه أن يطَّلع المُقوقس وأهل مصر على بأس المُسلمين وحالهم. ومهما يكن من أمر، فقد عاد أعضاء الوفد بعد يومين يحملون رد عمرو يُخيِّرُ المُقوقس بين الإسلام أو الجزية أو القتال. كان من الصعب على المُقوقس وجماعته التخلّي عن المسيحيَّة واعتناق الإسلام، ذلك الدين الذي لا يعرفون عنهُ شيءًا، وبذلك رفضوا الشرط الأوَّل، وخشوا إن هُم قبلوا بدفع الجزية أن يستضعفهم المُسلمون، ويذُلُّوهم في الوقت الذي استبعدوا فيه فكرة الحرب خشية الهزيمة وبِخاصَّةٍ بعد أن وصف أعضاء الوفد وضع المُسلمين الجيِّد وتضامُنهم وجُهوزيَّتهم القتاليَّة. ومع ذلك فقد قبل المُقوقس الدُخول في الصُلح، وطلب من عمرو أن يُرسل إليه جماعةً من ذوي الرأي للتباحُث بِشُروطه، فأرسل إليه وفدًا بِرئاسة عبادة بن الصَّامت، فاستقبلهُ الروم والمصريّون حيثُ طمأنهم بأنَّهم سيكونون آمنين على أنُفسهم وأموالهم وكنائسهم وصُلبانهم ونسائهم وذراريهم إن هُم قبلوا دفع الجزية، ممَّا شجَّع المُقوقس على المضيّ في طريق الإذعان.[74]
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    بوَّابة «قصر الشمع»، وهي إحدى تسميات حصن بابليون، كما كانت تبدو سنة 1830م. يُعتقدُ بأنَّ تسمية الحصن بهذا الإسم سببها أنَّه في أوَّل كُل شهر كانت الشُموع تُضاء فوق بُرجٍ من أبراج الحصن،[77] والبعض يعتبر أنها تحريف لِلفظ «خيمي».[78]


    استضاف عمرو - عقب هذا الصُلح - الروم ومن معهم من المصريين، وصنع لهم الثريد (الخُبز الذي يُفت ثُمَّ يُبل بالمرق[79]) والعراق (العظم الذي أُكل لحمُه[80]) وأمر أصحابه أن يقعُدون على رُكبهم إلى جانب الروم في مُحاولةٍ منه لِتهدئة روعهم والتأكيد على أنَّ المُسلمين لم يأتوا للاعتداء على الأهالي وسلبهم نفائسهم ومُقدَّساتهم.[81][82] ولكن يبدو أنَّ القُبول بِقرار الاستسلام لم يكن عامًّا، فقد وُجدت فئة من الجُند رفضت الصُلح مع المُسلمين، وكانت بِقيادة الأعيرج، وأصرَّت على المُقاومة المُسلَّحة، عند ذلك طلب المُقوقس من عمرو المُهادنة مُدَّة شهر للتفكير في الأمر، فمنحهُ ثلاثة أيَّام. ولم تلبث أنباء المُفاوضات أن انتشرت بين عامَّة الجُند، فثارت ثائرتهم ضدَّ المُقوقس. ولمَّا انتهت أيَّامُ الهدنة، استعدَّ الطرفان لاستئناف القتال، وأحرز المُسلمون بعض الانتصارات ممَّا دفع المُقوقس إلى تجديد الدعوة لِأركان حربه للاستسلام، فقبلوا مُكرهين، واختار المُقوقس خصلة دفع الجزية، واشترط موافقة الإمبراطور هرقل وتجميد العمليَّات العسكريَّة حتَّى يأتي الرد من القُسطنطينيَّة، وتبقى الجُيوشُ في أماكنها خِلال ذلك، وتعهَّد أن يبعث بِعهد الصُلح إلى القُسطنطينيَّة لِأخذ مُوافقة الإمبراطور.[83][84] غادر المُقوقس حصن بابليون وتوجَّه إلى الإسكندريَّة حيثُ أرسل عهد الصُلح إلى القُسطنطينيَّة وطلب مُوافقة هرقل عليه، لكنَّ الأخير لم يقتنع بِوجهة نظر المُقوقس بِشأن الصُلح مع المُسلمين، ورأى أنَّ العوامل القوميَّة والجُغرافيَّة التي ساعدت هؤلاء على فتح الشَّام غير مُتوفرة في مصر، وأنَّ بِحوزته - المُقوقس - قُوَّةٌ عسكريَّةٌ كبيرة تفوقُ في العدد قُوَّة المُسلمين، كما أنَّ الحصن كان متينًا يصعبُ على المُسلمين اقتحامه، فلا يُعقلُ والحالةُ هذه أن ينتصر المُسلمون، ولا بُدَّ من وُجود سر في الأمر أدَّى إلى هذه النكبة. واتَّهمهُ بالتقصير والخيانة والتخلّي للمُسلمين عن مصر،[85] ونفاهُ بعد أن شهَّر به،[ْ 14] ورفض عرض الصُلح مع المُسلمين. علِم المُسلمون بِرفض هرقل لِعهد الصُلح في شهر ذي الحجَّة 19هـ المُوافق فيه شهر كانون الأوَّل (ديسمبر) سنة 640م، فانتهت بذلك الهدنة واستأنف الطرفان القتال. كان المُدافعون عن الحصن قد قلَّ عددهم بسبب فرار كثيرٍ منهم إلى الإسكندريَّة، ولم تأتهم نجدة من الخارج، وبدأ المرض ينتشر بينهم، وانتهى فيضان النيل وغاض الماء عن الخندق حول الحصن، فأضحى بِمقدور المُسلمين الآن أن يُهاجموه. وتُشيدُ بعض المصادر التاريخيَّة بِجُهود الروم التي بُذلت للدفاع عن الحصن ومُقاومة الفتح الإسلامي. فقد ألقوا حسك الحديد في الخندق بدل الماء، وتراشقوا مع المُسلمين بالمجانيق والسهام.[82] وجاءهم وهُم على هذه الحال نبأ وفاة الإمبراطور هرقل في شهر ربيع الأوَّل سنة 20هـ المُوافق فيه شهر شُباط (فبراير) 641م،[86] ففتَّ ذلك في عضُدهم، واضطربوا لِموته، وتراجعت قُدرتهم القتاليَّة، ممَّا أعطى الفُرصة للمُسلمين لِتشديد الحصار قبل أن يقتحموا الحصن في 21 ربيع الآخر 20هـ المُوافق فيه 9 نيسان (أبريل) 641م. وقد اعتلى الزُبير بن العوَّام مع نفرٍ من المُسلمين، السُّور، وكبَّروا، فظنَّ أهلُ الحصن أنَّ المُسلمين اقتحموه، فهربوا تاركين مواقعهم، فنزل الزُبير وفتح باب الحصن لِأفراد الجيش الإسلامي فدخلوه. وفي رواية أنَّ الزُبير ارتقى السُّور، فشعرت حامية الحصن بِذلك، ففتحوا الباب لِعمرو وخرجوا إليه مُصالحين، فقبل منهم. ونزل الزُبير عليهم وخرج على عمرو من الباب معهم. واتفق أهلُ الحصن مع عمرو على رد ما أُخِذَ منهم عنوة والإبقاء على السبايا وأجروا من دخل في صلحهم من الروم والنوب مجرى أهل مصر، ويقول ابن الأثير أن الخليفة عُمر عاد ورد سبايا من لم يُقاتلهم. وكان صُلحُهم:[87]
    «نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي، هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملَّتهم وأموالهم وكنائسهم وصُلبهم وبرِّهم وبحرهم، لا يزيد شيء في ذلك ولا ينقص ولا يُساكنهم النُّوب وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصُلح وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف وعليه ممن جنى نُصرتهم، فإن أبى أحد منهم أن يُجيب رفع عنهم من الجزى بقدرهم وذمتنا ممن أبى برية وإن نقص نهرهم من غايته إذا انتهى رُفع عنهم بقدر ذلك ومن دخل في صُلحهم من الروم والنًّوب فله ما لهم وعليه ما عليهم ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه ويخرج من سُلطاننا وعليهم ما عليهم أثلاثًا في كُلِّ ثُلثٍ جباية ثُلُث ما عليهم على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته وذمة رسوله نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي وذمة الخليفة أميرُ المؤمنين وذمم المُؤمنين وعلى النُّوبة الذين استجابوا أن يُعينوا بكذا وكذا رأسًا وكذا وكذا فرسًا على أن لا يغزوا ولا يُمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة. شهد الزُبير وعبدُ الله ومُحمَّد، إبناه، وكتب وردان وحضر»
    ساعد بعضُ المصريين عمرو بن العاص في أثناء حصاره للحصن، فقد تقدَّم إليه فريقان - على التوالي - أحدهُما بِقيادة شخص يُدعى مينا (ميناس)، والآخر بِقيادة قُزما (قُزماس) بن صموئيل، وقد قدموا على عمرو من الشاطئ الغربي للنيل، وكان هدفهم الكيد للروم، وهُم من أهالي إقليم الفيُّوم.[ْ 15] وكانت المُعاونات التي يُقدِّمُها المصريّون للمُسلمون تدعمُ جُهودهم، وتُضعفُ من مُقاومة الروم، وتُحرج موقفهم، وتُقلل من هيبتهم. واتخذت المُساعدات التي قدَّمها المصريّون للجيش الإسلامي أثناء حِصار الحصن صُورًا عديدة، منها رفض أهل سمنود قتال المُسلمين عندما طلب منهم القائد ثُيودور ذلك كي يصرف انتباه عمرو عن الحصن بعض الشيء، كما قيل بأنَّ المصريّون من أعضاء الحامية الذين فتحوا أبواب الحصن لِعمرو رؤا في ذلك خير انتقامٍ لهم من الروم الذين لم يُراعوا حُرمة عيد الفُصح، فأخرجوا في هذا اليوم المصريين الذين كانوا في سجن الحصن - لِرفضهم اتباع مذهب الإمبراطور الديني - وأساؤا مُعاملتهم، فانهالوا عليهم ضربًا بالسياط وقطَّعوا أيديهم.[ْ 16]


    وللموضوع بقية

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •