النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: " أسباب ضعف الهمم وانحطاطها "

  1. #1
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 13,524
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي " أسباب ضعف الهمم وانحطاطها "

    " أسباب ضعف الهمم وانحطاطها "
    ----------------
    لضعف الهمم وانحطاطها ودنوِّها أسباب كثيرة، نذكر منها على وجه الاختصار :
    1- الوهن : وهو كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم :«حب الدنيا وكراهية الموت» (رواه أحمد وصححه الألباني).
    أما حب الدنيا : فهو رأس كلِّ خطيئة، وهو أصل التثاقل إلى الأرض، وسبب استئثار الشهوات والانغماس في الملذَّات والتنافس على دار الغرور .
    أما كراهية الموت : فثمرة حبِّ الدنيا والحرص على متاعها، مع تخريب الآخرة، وهما صنوان لا يفترقان، ووجودهما يُورث الجبن والهمَّة العالية لا تسكن القلب الجبان .
    2- وجود الإنسان في بيئة أو مجتمع ساقط الهمَّة :
    فالبيئة التي تحيط بالإنسان لها دورٌ كبيرٌ في علوِّ همَّته أو سفولها وانحطاطها، فقد تكون سببًا في ترقيه وسموِّ همَّته وتشجيعه على طلب المعالي والعظائم، وقد تكون سببًا في عكس ذلك كالبيئة بالنسبة للنبات، فهي، إن كانت صالحة نما النبات وترعرع وإن كانت سيئة ضعف ومات .
    3- ضعف التربية المنزلية أو فسادها :
    وهذا السبب أخصُّ من سابقه، وذلك لأنَّ البيت هو المدرسة الأولى التي يتربَّى فيها الولد قبل أن تُربِّيه المدرسة أو البيئة وهو مدينٌ لوالديه في سُلوكه المستقيم/ كما أنهما مسئولان عن فساده وانحرافه .. والبيت الذي يُربَّى أولاده على الميوعة والترف والإسراف والخوف والجبن والهلع والفزع لا يمكن أن ينشأ أولاده على علوِّ الهمَّة، أو يتربَّوا على معالي الأمور، والعكس صحيح .
    4- الاستجابة للصوارف الأسرية :
    من زوجة وأولاد، و استغراق الجهد في التوسُّع في تحقيق مطالبهم، فالزوجة والأولاد قد يكونون فتنةً للرجل حيث يصدُّونه عن العبادة وعن طلب العلم والسعي إلى المعالي ويثنونه عن مراده، وذلك بسبب كثرة طلباتهم وتخذيلهم له، ولهذا قال ربنا عز وجل : "وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ" [الأنفال: 28] .
    وقال سبحانه : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ" [التغابن: 14] .
    5- الكسل والفتور :
    وهما عائقان خطيران، ولا بدَّ للمرء من البعد عنهما لأنهما قاتلان للهمَّة مُذهِبان لها، وقد قيل : «ما لزم أحد الدعَّة إلا ذلَّ، وحُب الهوينى يُكسب الذل، وحب الكفاية أي الاكتفاء بما عليه وعدم الرغبة في الارتقاء- مفتاح العجز» .
    6- صحبة البطالين ومرافقة ساقطي الهمَّة :
    الذين كلما هم الإنسان جذبوه إليهم وقالوا له : «أمامك ليلٌ طويلُ فارقُد» والطبع يسرق منهم، والمرء يتأثر بعادات وأخلاق جليسه، وصُحبة هؤلاء تعُوق المرء عن همَّته وتُثنيه عن عزيمته وتحول بينه وبين طلب المعالي وقد قيل :
    ولا تجلس إلى أهل الدنايا فإنَّ خلائق السفهاء تُعدي
    7- كثرة الزيارات للأقارب والأصحاب :
    وإهدار الوقت في فضول المباحات، وفيما لا يعود بمنفعة أو فائدة في الدنيا والآخرة، فهذا مما يصرف الإنسان عن طلب المعالي، ويؤدِّي إلى ضياع عمره، وصدق من قال : «إذا طال المجلس صار للشيطان فيه نصيب» .
    8- متابعة وسائل الإعلام الهابطة :
    التي تُثبط الهمم وتخنق المواهب وتُكبت الطاقات وتخرب العقول، وتزرع في الناس ازدرَاء النفس، وتعمق فيهم احتقار الذات والشعور بالدونية، وتقود الناس إلى الهاوية، وتقتل المروءة والرجولة، وتؤدِّي إلى انحطاط الهمم ودنوِّها .
    9- الانحراف في فهم العقيدة :
    وخاصة مسألة القضاء والقدر، وعدم تحقيق التوكُّل على الله حق توكُّله، وعدم الأخذ بالأسباب، فهذه من أعظم مُثبطات الهمم ومضعفات العزائم، وقاتلات لكلِّ حماسٍ وتطلُّع إلى العلو، ومبدلات للعزِّ بالذل، والعلم بالجهل، والنشاط بالبطالة، والتقدُّم بالانحدار والسقوط .
    10- ملاحظة الناس وتقليدهم تقليدًا أعمى :
    ولا شكَّ أن أكثر الخلق مفرطون، وهم في الغفلة غارقون، وهم صوارف عن الهمَّة العلية، يقول ابن القيم رحمه الله : «فما على العبد أضر من عشائره وأبناء جنسه، فنظره قاصر، وهمَّته واقفة عند التشبه بهم وتقليدهم، والسلوك أين يسلكون حتى لو ليدخلوا جحر ضب لأحب أن يدخل معهم» .
    11- العشق : لأنَّ صاحبه يحصر همَّته في حصول معشوقه، فيلهيه ذلك عن حبِّ الله ورسوله، كما أنَّ العشق يمنع القرار، ويسلب المنام، ويحدث الجنون، ويتلف الدين والدنيا، والمال والعرض والنفس، ويصير الملك عبدًا فهو من أقوى أسباب ضعف الهمم وانحطاطها .
    12- الإعجاب بالنفس والاستبداد بالرأي :
    وهذا آية الجهل، ودليل السفه ونقص العقل، يمنع المرء من الاستفادة من عقول الآخرين والاستنارة بآرائهم وتجاربهم والعكس صحيح، فالمبالغة في احتقار النفس تقتل الطموح، وتُفقِد الإنسان الثقة بنفسه، واستشارة من ليس أهلاً لها تورد المهالك، وتُثنِي عن المعالي .
    13- التردُّد المذموم والاندفاع الزائد :
    وكلاهما مذمومٌ حيث يؤدِّيان إلى ضعف العزيمة وموت الهمَّة وصدق من قال :
    إذَا كُنتَ ذَا رَ أيٍ فَكُنْ ذَا عَزِيمَةٍ فَإنَّ فسَادَ الرَّأيِ أنْ تَتَرَدَّدَا
    14- الحسد والطمع والجشع :
    وكلُّها من موجبات سقوط الهمَّة، وسقوط الجاه والمنزلة، فالحاسد والطمَّاع والجشع لا تعلو لهم مكانة، ولا ترتفع لهم منزلة، لأنهم دنيئي الهمَّة مُهيني النفس .
    15- الذنوب والمعاصي :
    وهذا السبب جامعٌ لكلِّ ما مضى، والذنوب تجعل صاحبها من السفلة بعد أن كان مُهيَّئًا لأن يكون من العليَّة، وتورث الذُل، وتُفسِد العقل، وتُذهِب الحياء، وتُصغِّر النفس، وتُنسِي العبد نفسه، وكلُّ هذه الأمور من أسباب دنوِّ الهمم وانحطاطها .




  2. #2
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 13,524
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    " مظاهر دنو الهمَّة "
    ------------------

    لدنو الهمَّة في حياتنا مظاهر عديدة، وصور كثيرة منها :
    1- التكاسل عن أداء العبادات :
    فضعيف الهمَّة يؤدِّي الصلاة بتثاقُلٍ وتباطؤٍ وقلَّة رغبة حاله كحال المنافقين الذين لا يقومون إلى الصلاة إلاَّ وهم كُسَالى كما وصفهم ربهم عزَّ وجل بقوله : "وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ" [النساء: 142] ، كما أنه يتكاسل عن قيام الليل و صلاة الوتر وأداء السنن وبخاصة إذا فاتته .
    2- التهرب من المسئولية :
    وهذا له صور كثيرة، منها التخاذل وذلك بكثرة الاعتذارات والاحتجاج بكثرة المشاغل، ومنها التخذيل، حيث لا يكتفي ضعيف الهمَّة بالتهرُّب، وإنما يثبط من أراد البذل والعمل، ومنها التهوين وذلك بتهوين الأمور أكثر من اللازم، وعكسه التهويل وهو تعسير الأمور وتهويلها، وكلُّ هذه الأمور دليلٌ على دنوِّ همَّة الشخص ورغبته في إيثار السلامة والتهرُّب من المسئولية .
    3- الإغراق في المظهرية الجوفاء :
    حيث يشغل ضعيف الهمَّة نفسه بالمظاهر الفارغة فيعتني بالملبس والمركب العناية الزائدة، ويهتم اهتمامًا كبيرًا بالأمور الشكلية على حساب الأمور الجوهرية الحقيقية .
    4- الاشتغال بما لا يعني والانصراف عما يعني :
    فضعيف الهمَّة يشغل نفسه بما لا يعنيه ويترك ما يعنيه، كأن يشغل نفسه بالقيل والقال وكثرة السؤال، والإكثار من المراء والجدال والمزاح والوقوع في الغيبة والنميمة فيضيع بذلك وقته الذي هو حياته ورأس ماله .
    5- الانهماك في الترف :
    وهذا يورث ضعف الهمَّة، ويشغل المرء عن طاعة ربه، ويقود إلى الضياع، وينافي المراتب العالية .
    يقول الشاعر :
    فَمَن هَجَر اللَّذَّات نَالَ الْمُنَى ومَن أَكَبَّ عَلَى اللَّذَّاتِ عَضَّ عَلَى اليَدِ
    ومِن صُور الانهماك في الترف التوسُّع في المآكل والمشارب، وكثرة النوم والمبالغة في التجمل .
    6- الاشتغال بسفاسف الأمور ومحقرات الأعمال :
    فضعيف الهمَّة يعيش بلا هدف ولا غاية، لا همَّ عنده و لا شغل إلاَّ العناية بمظهره والتأنُّق في ملبسه، وتلميع سيارته، ومتابعة أخبار الفنِّ والرياضة، والجلوس في الطُرقات وعلى الأرصفة وإيذاء الناس بالتفحيط والمعاكسات .
    7- الاسترسال مع الأماني الكاذبة :
    فضعيف الهمَّة يهوى المعالي ويعشق المكارم، ويريد النجاح، ولكنه مع ذلك لا يسعى إليها، ولا يجدُّ في طلبها، ولا يبذل أسباب تحصيلها وإنما يكتفي بالأماني الكاذبة والأحلام المعسولة .
    8- ا لتسويف والتأجيل :
    وهما صفة بليد الحسِّ عديم المبالاة ضعيف الهمَّة، وهما آفتان خطيرتان، لا يسلم منها إلاَّ أ صحاب الهمَّة العالية والإرادات القوية، ولهما آثار وخيمة في الدنيا والآخرة .
    9- التحسُّر على ما مضى وترك العمل :
    فضعيف الهمَّة يتحسر على ما مضى من تقصيره، ويسرف في ذلك إسرافًا شديدًا فيضيع بذلك حاضره ومستقبله كما ضاع ماضيه، ويأتيه الموت وقد ضاع عمره فيما لا فائدة فيه، ولا طائل وراءه (باختصار من كتاب الهمَّة العالية للشيخ محمد الحمد) .

  3. #3
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 13,524
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    " ذم دنوِّ الهمَّة "
    --------------

    في مقابل حثِّ الإسلام على علوِّ الهمَّة وتوجيه المسلمين إلى اكتسابه نجده أيضًا ذمَّ دنوَّ الهمَّة وحذَّرهم منه، وبيَّن لهم أنه مسلكٌ دنيءٌ وخُلقٌ ساقط وعملٌ مرذول، لا يليق بأهل الفضل، ولا ينبغي من أهل النبل والعقل، وتنوَّعت أيضًا أساليب القرآن في التحذير من هذا الخلق .
    فمنها : أنه ذمَّ ساقطي الهمَّة وصوَّرهم في أبشع صورة، قال تعالى : "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" [الأعراف: 175، 176] .
    ومنها أنه ذمَّ المنافقين المتخلِّفين عن الجهاد لسقوط همَّتهم وقناعتهم بالدون، فقال في شأنهم : "رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ" [التوبة: 87] .
    وقال : "وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ" [التوبة: 46 ].
    ومنهاأنه شنع على الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، ويجعلونها أكبر همهم وغاية علمهم، واعتبر هذا الإيثار من أسوأ مظاهر خسَّة الهمَّة، وأنه تسفُّل ونزول يترفع عنه المؤمن قال تعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ" [التوبة: 38] .
    ومنهاأنه وصفَ اليهود الذين علموا فلم يعملوا بعلمهم، وشبَّههم بالحمار، فقال تعالى : "مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" [الجمعة: 5] ، وقال عنهم أيضًا : "وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا" [الأنعام: 91] .

  4. #4
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 13,524
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    " اهتمام الإسلام بخلق علوّ الهمَّة "
    اهتمَّ الإسلام بعلوِّ الهمَّة وحضَّ عليه، وحثَّ المسلمين على التحلِّي بهذا الخلق الطيب، ووجَّههم إلى طريق اكتسابه، وحرص على تربيتهم عليه وتنوعت الآيات والأحاديث الدالة على ذلك، وكثرت مظاهر اهتمام الإسلام به، ويمكن توضيح ذلك في النقاط الآتية :
    1- إنَّ القرآن قرن بين الإيمان والعمل كما في قوله تعالى : "إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ" [العصر: 3] والعمل هو الظاهرة المادية لعلوِّ الهمَّة في النفس؛ لأنه هو التحرُّك الجاد الذي تُبذل فيه الطاقات لتحصيل أيِّ غاية من الغايات .
    2- إنَّ الإسلام حثَّ على ترقية غايات المسلمين، وهذا إعلاء لهممهم وارتفاع بها عن الدنايا، وأخذ بها إلى معالي الأمور .
    3- إنَّ الإسلام وجَّه المسلمين لكسب أرزاقهم عن طريق الكدح والعمل والمشي في مناكب الأرض حتى يعفَّ الإنسان نفسه ويستغني عن غيره، ووجَّههم في المقابل إلى الترفُّع عن مسألة الناس ما لم تدع الضرورة إلى ذلك، وعرَّفهم أنَّ اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى .. قال صلى الله عليه وسلم : «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي الجبل، فيجيء بحزمة الحطب على ظهره، فيبيعها يكفَّ الله بها وجهه خيرٌ من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» (رواه البخاري) .

    4- ومنها أنه حثَّ المسلمين على التنافس في فعل الخيرات، والتسابق إلى معالي الأمور ورفيع المنازل، وعودهم على الجد في العمل والقيام به بهمَّة ونشاط .. قال تعالى : "سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ" [الحديد: 21] .
    وقال سبحانه: "وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" [آل عمران: 133].
    5- ومنها أنه أمر المسلمين بالجهاد ورغَّبهم فيه أيما ترغيب، والجهاد أقصى مراتب العمل الجاد .. قال تعالى : "لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ..." [النساء: 95] .
    6- ومنها أنَّ الإسلام ذم التواني والكسل، وأمر بالبعد عن الهزل واللهو واللعب، ونأى بأتباعه عن كلِّ أمرٍ لا فائدةً تُرجى من ورائه، وأمرهم بالبعد عن سفاسف الأمور والترفُّع عن الدنايا والمحقِّرات والزهد بالدنيا طلبًا لِما هو أجلَّ وأعظم وأبقى وأخلد، ألا وهو النعيم المقيم في جنات النعيم .
    7- ومنها أنَّ الإسلام وضع المسلمين في موضع قيادة البشرية، وحملهم تبعات هذه القيادة، وفي هذا غرس لخلق علو الهمَّة في نفوسهم، وحفز شديد لهم حتى يتحلوا بكل ظواهرها من اختراق الصعاب وتحمل المشاق .
    8- ومنها أنَّ الإسلام وجَّه المسلمين للدعاء، والدعاء بابٌ عظيمٌ من أبواب علوِّ الهمَّة، فبه تكبر النفس وتشرف وتعلو الهمَّة وتتسامى، وذلك أنَّ الداعي يأوي إلى رُكن شديد ينزل به جميع حاجاته، ويستعين به في كافة أموره .
    9- ومنها أنَّ الإسلام حثَّ المسلمين على خُلق الحياء، لأنه مظهر من أعظم مظاهر علوِّ الهمَّة، وسببٌ عظيم لاكتسابها، وذلك لأنه يدفع المرء للتحلِّي بكلِّ جميلٍ محبوب، والتخلِّي عن كلِّ قبيح مكروه .
    10- ومنها - بل ومن أغربها - ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم : «إنَّ الله يُحب العُطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم فحمد الله فحقَّ على كلِّ مسلم سمعه أن يشمته، أمَّا التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليردَّه ما استطاع، فإنَّ أحدكم إذا قال "ها" ضحك منه الشيطان» (رواه البخاري) .
    فالعطاس الذي لا يكون عن مرضٍ هزَّة عصبية موقظة للنشاط والعمل، وهو من علوِّ الهمَّة، بخلاف التثاؤب الذي هو ظاهرةٌ من ظواهر الفتور والكسل وميل الأعصاب إلى الاسترخاء والخلود إلى الراحة وعزوف النفس عن العمل والحركة، وكل ذلك من ضعف الهمَّة، ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم التثاؤب من الشيطان، أي مما يرضي الشيطان .
    ولَمَّا كان العطاس باعثًا على اليقظة والنشاط كان حقًّا على العاطس أن يحمد الله، لأنَّ العطاس نعمة .
    ولَمَّا كان التثاؤب دليلٌ على الكسل والفتور وضعف الهمَّة كان من الأدب أن يردَّه المسلم عن نفسه ما استطاع .
    وبالجملة : فالإسلام أخي الحبيب دين العزة والكرامة، ودين السمو والارتفاع، ودين الجدِّ والاجتهاد، ليس دين كسل وخمول وذلَّة ومسكنة، حثَّ على علو الهمَّة ودعا إليه، وتنوَّعت مظاهر اهتمامه به كما رأيت .

  5. #5
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 13,524
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    " أصناف الناس في شأن الهمَّة "
    يتفاوتالناس في هِمَمهم، فمنهم من تسمو همَّته، ومنهم من تدنو همَّته، ومنهم من هو بين بين .. ويمكن تقسيم الناس في شأن الهمَّة إلى أربعة أصناف :
    الأول - صنف يشعرون أنَّ لديهم قُدرة على عظائم الأمور، ولديهم أهدافًا ومطالب سامية، وعندهم همَّة عظيمة جعلوها في تحصيل هذه المطالب والأهداف، وهذا الصنف من يُسمَّون «عظيمي الهمَّة» .
    والثاني - صنفٌ لديهم قُدرة على عظائم الأمور، ولكنهم يبخسون نفوسهم فيضعون همَّتهم في سفاسف الأمور وصغائرها ودنياها، وهذا الصنف من يُسمَّون «صغيري الهمَّة» .
    والثالث - صنف ليس لديه قدرة على معالي الأمور وعظائمها، ويشعر أنه لا يستطيعها وأنه لم يُخلق لها، فيجعل همَّته وسعيه على قدر استعداده، وهذا الصنف بصيرٌ بنفسه، متواضعٌ في سيرته .
    والرابع - صنف لا يقدر على عظائم الأمور، ولكنه يتظاهر بأنه قويٌّ عليها، مخلوق لها، وهذا الصنف يُسمُّونه «فخورًا» وإن شئت فسمِّه «متعظمًا» .

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •