الحمد لله وحده ، وصلى الله وسلم على من لا نبيَّ بعده ، نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله .
أما بعد :

فهاهو شهر رمضان يظلنا ، ويحل بساحتنا ، لنعيش أيامه ولياليَه المباركة ، وهاهي أيامه ولياليه أيضاً تتصرم ، أسوةً بأيام الدنيا ، التي تُطوى إلى نهاية عيشنا فيها .
وهاهم أهل الإسلام يباينون في استقبال الشهر الكريم وتتنوع أحوالهم ما بين اغتنام ومبادرةٍ للخيرات ، وما بين تسويف ووقوعٍ في أنواعٍ من الغَبْنِ الكبير .
وفي ضوء ذلك : فإنَّ من المهم أن نتوقف عند هذه الأحوال ، للعظة والذكرى ، ومحاولة استدراك ما يمكن استدراكه .

فلو ساءلنا رمضان : كيف وجد الناس في استقباله والحرص ، فسيجيبنا رمضان :

أيتها الأمة الكريمة :

لقد اختصَّكم الله بما لم يجعله لغيركم من الأمم ، ألم تقرأوا قول ربكم : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً )[2] فياله من دِينٍ ما أعظمه ، فكيف يغفل عن عظيم هذه النعمة الغافلون .

يقول رمضان :

إن سألتم عني ، فأحسب أنَّ أيَّ مسلم لا يخفى عليه فضلُ رمضان وبركتُه التي اختصه الله بها.
لقد قدمتُ إليكم ، فاستقبلني جمهوركم بما يُستقبل به قادمٌ كريم : من حسن الوِفَادة ، وجميل الحفاوة.
غير أنَّ البعض منكم سَخِرَ بي !! فأبَوا أن يستقبلوني إلا كما يستقبلون سائر شهور العام ، وما جئتُ إلا لأربِّيهم ، وأهيئهم للكيفية الصحيحة التي ينبغي أن يَحْيَوها في سائر أيام الحياة .
فشكر الله لأولئك الذين احتَفَوا ، وأجزل مثوبتهم ، وليعلموا أن ما سابقوا إليه من الصلوات ، والصدقات ، وتلاوة الكتاب العزيز ، والإحسان إلى الخلق بأنواع الإحسان : من تفطير الصائمين ، وإعانة المحتاجين ، وغير ذلك من أعمال البر والإحسان ، سيجدونها بركات ومَسَرَّات في الدنيا ، وأما الآخرة فالله الموعد ، وربنا لا يضيع أجر العاملين .
واقرءوا إن شئتم قول ربنا جلَّ وعلا : ( فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عاملٍ منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض )[3] .
واقرءُوا قوله تعالى وتقدَّس : ( ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمنٌ فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً )[4] .
واقرءُوا قوله سبحانه : ( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحيينه حياةً طيبةً ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون )[5] .
أما أولئك المفرِّطون … أولئك الذين تخلَّفوا عن موكب الإيمان … وارتضوا لأنفسهم الضعة والدُّون والهوان … فمن حقهم عليَّ أن أُمَحِّضَ لهم النصح ، وأن أُلقي إليهم من كريم الموعظة ما يناسب إنتسابهم لأمة أكرم وأفضل نبيّ .

أيتها الأمة الكريمة :

عندما أظلكم زماني وقاربكم أواني وجدتُ من جروح الأمة ولأوائها ما هو أكثر مما كان في العام الماضي .
إنها جروحٌ نازفة تحزن وتؤرق ، ولقد رأيتُ من فضلائكم من سعى لإيقاف نزيفها ، ودفع أسبابها ، غير أن أكثر من أعلمه ، لم يُلْقِ لهذا الأمر بالاً ، ولم يحزنه ما يحل بإخوانه من أنواع الظلم وشديد البطش ، ما ينبغي أن يكون معه قائماً بما يجب عليه من النصرة بما يستطيع من دعاء ومال .

يقول رمضان : أيتها الأمة الكريمة :
إنَّ من الجدير في موسمكم هذا أن يكون بينكم الولاء والمحبة في الله ، ما تفاصلون وتتميزون به على أمم الأرض .

في شهركم هذا من دلائل وحدتكم الإيمانية التي جعلت الرابط بينكم إيمانكم بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، ومحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ، فلم الفرقة ولاختلاف ، ولم الاستخذاء والهوان والالتفات لأمم الأرض الأخرى ، تتطلبون من ورائها عزاً ، وتبتغون بتقليدها رفعة ومجداً .
ألم تسمعوا قول نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم : " الصوم يوم تَصُومونَ ، والفِطْرُ يوم تُفْطِرون ، والأضحى يوم تُضحُّون " رواه أبوداود والترمذي وابن ماجة. [7]
فتأملوا ـ رحمكم الله ـ في هذه الوحدة الإيمانية ، التي جمعت بين قلوبكم على اختلاف ألسنتكم وألوانكم وأوطانكم ، إنها وحدةٌ لا يمكن أن يشبهها وحدة على وجه الأرض ، فَلِمَ التفريط فيها والغفلة عنها : ( وألَّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألَّفت بين قلوبهم ولكن الله ألَّف بينهم إنه عزيزٌ حكيم )[8] .

فإذا فقهتم هذا المقصد والمغزى الرمضاني والإيماني العظيم ؛ فإني مذكركم بمسألتين عظيمتين:

فأما المسألة الأولى : أن الواجب عليكم الاعتزاز بشخصية الإسلام والتمسك بتشريعاته ، وألا تَغْتَرُّوا بالدعوات المضلِّلَة ، كمن يدعوا لوحدة الأديان ، والاندماج بين بني الإنسان ، ضمن ما يسمى العولمة الشاملة ، والتي تفرض الانسلاخ عن عدد من مبادئ دينكم وأصوله الراسخة .
فإن فعلتم كان الهلاك أقرب إليكم من أيِّ حين مضى .

أما المسألة الثانية :
فهي ما ابتُلي به عددٌ من أبناء هذه الأمة وبناتها بتقليد اليهود والنصارى وغيرهم من الأمم الكافرة ، فتسربت إليهم معتقداتهم وأخلاقهم وعاداتهم .
فيا أهل رمضان : لتعلموا أنَّ نبيَّكم محمداً صلى الله عليه وسلم كان أشد ما يكون حرصاً على أن تخالفوا الأمم الأخرى فيما يتعلق بتشريعات دينكم ، وفي شهركم هذا كان ينبه الأمة إلى ضرورة الثبات على الشرع المحكم والمهيمن على كل ما سبقه ، وينهى عن مشابهة اليهود والنصارى في أيِّ أمرٍ اختُصُّوا به .
وتأملوا قول نبيكم صلى الله عليه وسلم : " لا يزال الدين ظاهراً ما عَجَّل الناس الفطر ؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون " رواه أبو داود بهذا اللفظ [9].

فتأملوا إلى هذه المفارقة حتى في مجال الطعام ، وليس هذا مقصوداً لذاته ، بل لمقصد عظيم من مقاصد الشريعة تساهل فيه كثيرٌ منكم اليوم ، ألا وهو تميز هذه الأمة ومفاصلتها للأمم الأخرى ، لتستقل عنها في كل مجال ، دينياً كان أو حياتياً في الاقتصاد أو السياسة أو الأخلاق أو غير ذلك ، وهذا ما لاحظه اليهود وأزعجهم عندما قالوا : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه " رواه مسلم [10] .

فبعد كل هذا التكريم ، كيف ترضون أيتها الأمة أن تنعقوا بما ينعق به أهل الضلال ، فصار تقليدكم للكفار حتى فيما يظهر لكم خطؤه واستبان لكم عواره … .

نساؤكم صرن هائمات بطرائق وعادات نساءٍ هُنَّ دونهن في الفضائل والأخلاق ، وقَلَّدْنَهُنَّ في مسالك عوجاء ، ولم يَسلَم إلا الفاضلات الكريمات من نسائكم .
وهكذا مجالات شَتَّى من حياتكم نالها ما نالها من الخلل ، فأين تمسككم بأسباب سعادتكم ، وأنَّى لكم أن تعزوا ما دمتم على هذه الحال .

وأما الرجال ، وخاصةً الشباب ، فقد ركبوا موجة التغيير المؤدي بهم إلى حتفهم ، فصاروا يتقبلون ما تقذف لهم به المجتمعات المتحررة من الآداب والأخلاق ، وتناسوا ما كان ينبغي عليهم من دورٍ رائد ، تكون مهمتهم فيه انتشال البشرية من وهدتها السحيقة ، وإقامتهم على جادَّة العقل والخير والبر .
وهنالك من بين أظهركم من صارت أمانيه إفرنجيةً في الطباع والأخلاق ، مما فيه الانسلاخ من الدين ومخالفة الملَّة .

يقول رمضان : أيتها الأمة الكريمة :
عندما أظلكم زماني رأيت من أبناء أمتكم وبناته من يتهيأ ليقوم بوظيفة الشياطين في إضلال الخلق ، من خلال تلك المسلسلات التي تشق الفضاء إلى بيوت مؤمنة ، فتدنسها بما تحويه من سفاسف المناظر وساقط الكلام .

فياويح هؤلاء !!!… أما كفاهم أن تقعد بهم أنفسهم عن الخير والبر ، حتى يذهبوا بسوءهم إلى غيرهم ، ويضلوهم كما ضلوا .

ووجدت من جملة ما استعد به عدد من الناس من أطباق الطعام ، أطباقاً يسمونها فضائية ، تستقبل البث المصور من أقطار الأرض ، بما فيه من عظائم الأمور ومنكرها .
ولم يجعل هؤلاء ـ وآسفاه ـ لأنفسهم حظاً من صلاة ، ولا تَهَجُّدٍ ، ولا قيام ، ولا تلاوة قرآن ، ولا اجتهاد ، ولا إحسان .

فكيف استطاع هؤلاء العيش ؟! وكيف تلذذوا بالحياة ؟!
فياحسرةً على من يعيش بين الناس لحظات شهر رمضان بجسده ، لكن روحه قد أركسها في أنواع اللهو والإعراض عن مِنَح الرب ومِنَنِه على عباده .

فكم من فريضة ضيعها ، ومن معصية ارتكبها ، فباتت حاله في شهر رمضان كحاله في غيره، بل أقبح ، فتلك والله الخسارة التي لا يفيق صاحبها إلا على سكرة الموت ، إلا أن يتداركه الله برحمته وعفوه.

إنه لجديرٌ بكل مؤمن أن يعلم أن هذه المواسم الإيمانية فرصٌ لا تعوض ومِنَحٌ قد لا تتكرر .
فدونكم أبواب الخير وكثرة طرق البر، فلماذا التأجيل ؟! ولماذا التقاعس ؟!.
فما دمت مؤمناً بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ، وأنت موقنٌ برجوعك لربك ولقائه : فلتأخذ من الأعمال ما يسعدك يوم المعاد ، وتفرح به عند التناد.

وإن شئتم ، فتأملوا في واحدة من قِمَمِ الهمم التي لا تعرف خوراً ولا ضعةً ولا تكاسلاً :
فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أنفق زوجين في سبيل الله نُودي من أبواب الجنة : يا عبد الله هذا خير ، فمن كان من أهل الصلاة دُعِيَ من باب الصلاة ، ومن كان من أهل الجهاد دُعِيَ من باب الجهاد ، ومن كان من أهل الصيام دُعِيَ من باب الريان ، ومن كان من أهل الصدقة دُعِيَ من باب الصدقة " .

فقال أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ : بأبي وأمي يا رسول الله ، ما على من دُعِيَ من تلك الأبواب من ضرورة،فهل يُدعَى أحدٌ من تلك الأبواب كلِّها؟قال:"نعم، وأرجو أن تكون منهم".
فهذه همة عالية من الصِّدِّيق ، يجدر بكل مريد لسعادة نفسه أن يحذو حذوه ، ويقتدي به .
وقد قال أهل العلم : إن ما رجاه له رسول الله متحققٌ بإذن الله .

وقد ذكر في هذا الحديث أربعة أبواب : باب الصلاة ، والجهاد ، والصيام ، والصدقة ، وهي متيسرة لمن شاء الله من عباده .

وبقية الأبواب هي : باب الحج ، وباب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ، والباب الأيمن ، وهو باب المتوكلين ، وهم الذي لا حساب عليهم ، والثامن : هو باب الذكر أو باب العلم ، كما نبه الحافظ ابن حجر رحمه الله .

وفي الحديث إشعارٌ بقلة مَنْ يُدْعَى من تلك الأبواب كلِّها .

وفيه من الفوائد أيضاً : أنَّ مَنْ أكثر مِنْ شيءٍ عُرِفَ به ، وأنَّ أعمال البِرِّ قَلَّ أن تجتمع جميعُها لشخصٍ واحدٍ على السواء ، وأنَّ الملائكة يحبون صالحي بني آدم ، ويفرحون بهم ، فإنَّ الإنفاق كلما كان أكثر كان أفضل ، وأنَّ تَمَنِّيَ الخير في الدنيا والآخرة مطلوب . كذا قال ابن حجر رحمه الله .

وجملة القول : أن مما ينبغي أن يجِدَّ فيه كلُّ مكلَّف من الجنِّ والإنس ينبغي أن يكون مسارعاً لكل خيرٍ يقرِّبه إلى ربه جل وعلا ، وأن يستجيب لما حثَّ الله تعالى عليه ، إذ قال سبحانه : ( فاستبقوا الخيرات )[11] وقال جلَّ وعلا : ( وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنةٍ عرضها السموات والأرض أعدَّت للمتقين ) [12].

وفَّق الله الجميع لما فيه هداه ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد .