صفحة 3 من 10 الأولىالأولى 12345678910 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 30 من 94

الموضوع: فرق الاسلام

  1. #21
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 14,766
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    المذاهب الفقهية
    ****
    المذاهب الفقهية التي صارت تعرف بمذاهب أهل السنة والجماعة هي خلاصة فقه الصحابة والتابعين وتابعيهم، وفي بداية تاريخ نشأة هذه المذاهب كانت هناك طريقتان مشهورتان أحدهما: طريقة أهل الرأي والقياس وهي طريقة أهل العراق، وإمامهم أبو حنيفة[؟] وأصحابه من بعده، وثانيهما: طريقة أهل الحديث وهي طريقة أهل الحجاز، وإمامهم مالك بن أنس وكان يعرف بـإمام دار الهجرة، وقد اختص فقهه بعمل أهل المدينة على اعتبار أنهم متابعون لمن قبلهم ضرورة لدينهم واقتدائهم.[116] ثم كان من بعد مالك بن أنس محمد بن أدريس الشافعي، تفقه بفقه أهل الحجاز، ثم انتقل إلى العراق من بعد مالك وأخذ عن أصحاب أبي حنيفة وجمع بين طريقة أهل الحجاز وطريقة أهل العراق، وجاء من بعدهما أحمد بن حنبل وكان من عِلِّيّة المحدثين، وأخذ عن الشافعي وروى عنه مذهبه، ثم استقل بمذهب آخر.[116] ويذكر ابن خلدون في تاريخه: أن المذاهب المشتهرة في العصور المتقدمة كانت ثلاثة: مذهب أهل الرأي والقياس وأشهر أئمتهم أبو حنيفة[؟] وأصحابه من بعده، ومذهب أهل الحديث وإمامهم مالك ثم الشافعي، ومذهب داود الظاهري. وكان إمام هذا المذهب داود ابن علي وابنه وأصحابهما وكانت هذه المذاهب الثلاثة هي مذاهب الجمهور المشتهرة بين الأمة.[116] وقد انقرض مذهب الظاهرية واندراس في العصور المتأخرة، ولم يبق منه سوى الرسوم في الكتب، بنقل العلم من الكتب من غير مفتاح المعلمين وهو ما قد يؤدي إلى مخالفة الجمهور. قال ابن خلدون: «ثم درس مذهب أهل الظاهر اليوم بدروس أئمته وإنكار الجمهور على منتحله ولم يبق إلا في الكتب المجلدة».[116]
    وقد استقر العمل بهذه المذاهب الأربعة، ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة ودرس المقلدون لمن سواهم وسد الناس باب الخلاف وطرقه لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد، ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه، فصرحوا بالعجز والإعواز، وردوا الناس إلى تقليد هؤلاء كل من اختص به من المقلدين، وحظروا أن يتداول تقليدهم لما فيه من التلاعب، ولم يبق إلا نقل مذاهبهم، وعمل كل مقلد بمذهب من قلده منهم بعد تصحيح الأصول واتصال سندها بالرواية، لا مجرد النقل من الكتب. قال ابن خلدون: «ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه مهجور تقليده، وقد صار أهل الاسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة».[116] وأما أحمد بن حنبل فتأسس مذهبه في بغداد، وكان أكثر مقلديه بالشام والعراق من بغداد ونواحيها وهم أكثر الناس حفظا للسنة ورواية الحديث. وانتشر مذهب مالك في الأندلس والمغرب، وانتشر مذهب أبي حنيفة في العراق ومسلمة الهند والصين وما وراء النهر وبلاد العجم. وكثرت مؤلفات الحنفية ومناظراتهم ومباحثهم مع الشافعية، وجاءوا منها بعلم مستظرف وأنظار غريبة وهي بين أيدي الناس وبالمغرب منها شئ قليل نقله إليه القاضي بن العربي وأبو الوليد الباجي في رحلتهما.[116] وأما الشافعي فمقلدوه بمصر أكثر مما سواها وقد كان انتشر مذهبه بالعراق وخراسان وما وراء النهر وقاسموا الحنفية في الفتوى والتدريس في جميع الأمصار وعظمت مجالس المناظرات بينهم وملئت كتبهم بأنواع استدلالاتهم ثم درس ذلك كله بدروس المشرق وأقطاره وكان الإمام محمد بن أدريس الشافعي لما نزل على بني عبد الحكم بمصر أخذ عنه جماعة من بني عبد الحكم وأشهب وابن القاسم[؟] وابن المواز وغيرهم ثم الحارث بن مسكين وبنوه، ثم انقرض فقه أهل السنة من مصر بظهور دولة الرافضة وتداول بها فقه الإسماعيلية وتلاشى من سواهم إلى أن ذهبت دولة العبيديين من الرافضة على يد صلاح الدين يوسف بن أيوب ورجع إليهم فقه الشافعي وأصحابه من أهل العراق والشام فعاد إلى أحسن ما كان ونفقت سوقه واشتهر منهم محيي الدين النووي في ظل الدولة الأيوبية بالشام وعز الدين بن عبد السلام كذلك، ثم ابن الرفعة بمصر وتقي الدين ابن دقيق العيد ثم تقي الدين السبكي بعدهما إلى أن انتهى ذلك إلى شيخ الإسلام بمصر لهذا العهد وهو سراج الدين البلقيني فقد كان في ذلك اليوم أكبر الشافعية بمصر كبير العلماء بل أكبر العلماء من أهل العصر.[116]

    [TR]
    [TD="width: 50%, align: right"]المذاهب الأربعة حسب تاريخ الظهور هي:
    المذهب الحنفي، نسبة إلى أبي حنيفة النعمان.
    المذهب المالكي، نسبة إلى مالك بن أنس.
    المذهب الشافعي، نسبة إلى الشافعي.
    المذهب الحنبلي، نسبة إلى احمد ابن حنبل.
    [/TD]
    [TD="width: 50%, align: right"]المذاهب الفقهية الأخرى:
    مذهب الحسن البصري.
    المذهب الظاهري.
    مذهب الأوزاعي.
    مذهب الليث بن سعد.
    مذهب سفيان الثوري.
    [/TD]
    [/TR]

  2. #22
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 14,766
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    عقيدة أهل السنة والجماعة
    ***
    عقيدة أهل السنة والجماعة هي أصول الدين الإسلامي المتفق عليها، بناء على أن الإسلام هو دين الله الذي ارتضاه لجميع خلقه، قال تعالى: ﴿وأوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم﴾ وقال تعالى: ﴿ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل..﴾. وأهل السّنة والجماعة متفقون في أصول الاعتقاد المتمثلة في توحيد الله والإيمان به وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بكل ما جاء به الرسول من عند الله، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. والإيمان تصديق بكل ما علم من الضروريات أنه من الدين، والإيمان بالله هو العلم واليقين الجازم أن الله وحده هو إله الكون كله وهو الإله المبعود بحق لا إله غيره ولا تكون العبادة إلا له وحده لا شريك له ولا شبيه ولا نظير ولا ند ولا صاحبة له ولا ولد، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وأنه رب العالمين وخالق الخلق أجمعين ومالكهم ومدبر جميع شؤونهم، وأنه متصف بكل صفات الكمال المطلق، والمنزه عن كل نقص، وأنه أنشأ الخلق وأوجد كل المخلوقات من عدم، وكل ما سواه مفتقر إليه وهو مستغن عمن سواه، يدخل من يشاء في رحمته، يغفر لمن يشاء بفضله ويعاقب من يشاء بعدله، لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون، يعلم كل الأشياء ظاهرة وباطنة خفية كانت أو دقيقة ويعلم ما هو أدق وأخفى ويعلم السر وأخفى، وهو السميع البصير اللطيف الخبير، كل المخلوقات قهر عظمته، وأنه هو المبدئ والمعيد والمحيي والمميت والنافع الضار، له الأسماء الحسنى والصفات العلا. والإيمان بالله -«مقرونا بالباء»- تصديق بالقلب وإقرار، والإيمان لله -«مقرونا باللام»- هو العمل الصالح. والإيمان بالرسل وبالملائكة وبكل ما يجب في حقهم. والإيمان باليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، والإيمان بالغيب أي: بما غاب عن الأعين مما دلت النصوص الشرعية عليه كالإيمان بالجنة والنار والبعث والنشور والجزاء والحساب والصراط والميزان وغير ذلك.
    وكل هذه الأمور يتلقاها الإنسان بفطرته السليمة، فإذا ما عجز عن فهم تفاصيل خارجة عن المقصود فلا سبيل له إلا التسليم، فمن المعلوم مثلا أن الإنسان مهما بلغ علمه وقدرته فلا بد أن يواجه ما يعجز عنه فهو لا يقدر على دفع الموت عن نفسه، ويعجز عن معرفة الكثير من الأشياء عجزا يتعذر معه الحصول على ما يريد، وعجز الإنسان عن ذلك يستلزم في الإيمان أن يقر بعجزه وفقره لله فذلك هو من الإيمان بالله، وهكذا في مسائل العقيدة عندما يجد الإنسان نفسه في حالة عجز عن معرفة المزيد من التفاصيل الخارجة عن المقصود فالأسلم له التسليم لله والإقرار بعجزه فذلك من الإيمان بالله، وحتى يتضح الأمر أكثر على وجه التحديد فإن في مسائل العقيدة من الأمور ما ليس له به شأن، وهي المتشابهات التي نهى الله عن الخوض فيها. وقد كان سلف الأمة (الصحابة والتابعون) يكتفون بما أخذوه ويفوضون الأمر لله فيما تشابه عليهم، وعلى هذا سار أهل السنة والجماعة من بعدهم، وإنما استخدم أهل السنة والجماعة البراهين العقلية للرد على أهل الأهواء والزيغ.

  3. #23
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 14,766
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    أصول الدين
    ***
    أصول الدين أو أصول العقيدة الإسلامية عند أهل السنة والجماعة كلها منقولة بالتلقي عن أئمة السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وكلهم متفقون سلفا وخلفا على قول واحد في أصول الاعتقاد، وما وقع بينهم من اختلاف فهو خلاف لفظي أو شكلي لا يستوجب تكفيرا ولا تبديعا ولا تفسيقا لبعضهم البعض، وهذه الأصول مقررة في كتب أئمتهم المعول على الأخذ بها، ويكفي معرفتها بطريقة ميسرة من غير التدخل فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه، وقد بين مراتب الدين في حديث جبريل وهي الإسلام والإيمان والإحسان. والإيمان في اللغة التصديق، والمقصود به الإقرار والتصديق بالله ورسوله وبكل ما يجب الإيمان به أنه من دين الإسلام، وفي القرآن: قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا.. الآية نزلت في وفد أقروا بالإسلام ظاهرا وعلم الله ما في قلوبهم فأخبر نبيه بذلك فتحقق الحكم عليهم بطريق الوحي، فالإيمان بالله تصديق وإقرار في القلب وهو بعلم الله المطلع على حقائق القلوب، وقد سمى الله الصلاة إيمانا؛ لأن العمل الصالح من الإيمان لله بمعنى تصديق ما في القلب بالعمل فالإيمان قول وعمل،[118] وأجمع أهل السنة والجماعة على أن الإيمان يزيد بعمل الطاعات وينقص بالمعصية، وعلى أن المؤمن بالله لا يخرجه عنه شيء من المعاصي، خلافا للخوارج ومن وافقهم؛ لأن العصاة لم يخرجوا من خطاب التكليف ولا يخرجون من الملة بسبب الذنوب، وأنه لا يقطع على أحد من عصاة أهل القبلة بدخول النار، ولا على أحد من أهل الطاعة بالجنة، إلا من ثبت فيه نص صريح قطعي من الكتاب أو السنة. وأجمع أهل السنة والجماعة على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه ووصفه به نبيه من غير اعتراض فيه ولا تكييف له وأن الإيمان به واجب وترك التكييف له لازم، وعلى أنه تعالى غير محتاج إلى شيء مما خلق، وأنه تعالى يضل من يشاء ويهدى من يشاء ويعذب من يشاء وينعم على من يشاء، ويعز من يشاء ويغفر لمن يشاء ويغني من يشاء، ويؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، وأنه لا يسأل في شيء من ذلك عما يفعل، وأنه يفعل ما يشاء كما يريد، ويؤتي من يشاء ما يشاء لا اعتراض عليه كما قال: ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾ وقال: ﴿عذابي أصيب به من أشاء﴾ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وعلى جميع الخلق الرضا بأحكام الله التي أمرهم أن يرضوا بها، والتسليم في جميع ذلك لأمره، والصبر على قضائه، والانتهاء إلى طاعته فيما دعاهم إلى فعله أو تركه، وأنه متصف بالعدل في جميع أفعاله وأحكامه ساءنا ذلك أم سرنا نفعنا أو ضرنا. وأجمعوا على أن الله خالق لجميع الحوادث وحده لا خالق لشيء منها سواه، يعطي من يشاء ويوفق من يشاء ويهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهو المنعم المتفضل على عباده، وأنه ليس لأحد من الخلق الاعتراض على الله تعالى في شيء من تدبيره، وأن من يعترض عليه في أفعاله متبع لرأي الشيطان في ذلك حين امتنع من السجود لآدم عليه السلام وزعم أن ذلك فساد في التدبير وخروج من الحكمة حين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين.
    وأجمع أهل السنة والجماعة على أن للعباد حفظة يكتبون أعمالهم، وعلى أنه تعالى قد قدر جميع أفعال الخلق وآجالهم وأرزاقهم قبل خلقه لهم وأثبت في اللوح المحفوظ جميع ما هو كائن منهم إلى يوم يبعثون، وقد دل على ذلك بقوله ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر، وكل صغير وكبير مستطر﴾. وعلى أن عذاب القبر حق وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الله يبعث من في القبور، وعلى أنه ينفخ في الصور قبل يوم القيامة ويصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وعلى أن الله تعالى يعيدهم كما بدأهم، وأن الله تعالى ينصب الموازين لوزن أعمال العباد، وأن الخلق يؤتون يوم القيامة بصحائف فيها أعمالهم فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حسابا يسيرا، ومن أوتي كتابه بشماله فأولئك يصلون سعيرا، وعلى الصراط والشفاعة والحوض، وعلى أن الله تعالى يخرج من النار من في قلبه شيء من الإيمان بعد الانتقام منه. وأجمعوا على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليهم بأيديهم وبألسنتهم إن استطاعوا ذلك وإلا فبقلوبهم. قال أبو الحسن الأشعري: «وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين وعلى أن كل من ولي شيئا من أمورهم عن رضى أو غلبة وامتدت طاعته من بر وفاجر لا يلزم الخروج عليهم بالسيف جار أو عدل وعلى أن يغزوا معهم العدو ويحج معهم البيت وتدفع إليهم الصدقات إذا طلبوها ويصلى خلفهم الجمع والأعياد».

  4. #24
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 14,766
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    فضل الصحابة
    ***
    اتفق جمهور أهل السنة والجماعة على أن خير القرون قرن الصحابة ثم الذين يلونهم على كما دل عليه حديث: «خيركم قرني» وعلى أن خير الصحابة الأئمة الخلفاء الأربعة وأولهم: أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب، ثم باقي العشرة المبشرين بالجنة ثم أهل بدر، وعلى أن الخيار بعد العشرة في أهل بدر من المهاجرين والأنصار على قدر الهجرة والسبق في الإسلام، وعلى أن كل من آمن بالله ورسوله وحصلت له الصحبة ولو ساعة أو اجتمع برسول الله أو رآه ولو مرة مع إيمانه به وبما دعا إليه أفضل من التابعين بذلك. وأن إمامة الخلفاء الراشدين كانت عن رضى من جماعتهم وأن الله ألف قلوبهم على ذلك لما أراده من استخلافهم جميعا بقوله: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كم استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم..﴾ وأجمعوا على الكف عن ذكر الصحابة عليهم السلام إلا بخير ما يذكرون به وعلى أنهم أحق أن ينشر محاسنهم ويلتمس لأفعالهم أفضل المخارج وأن نظن بهم أحسن الظن وأحسن المذاهب ممتثلين في ذلك لقول رسول الله: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» وقال أهل العلم معنى ذلك لا تذكروهم إلا بخير الذكر، وقوله «لا تؤذوني في أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» وعلى ما أثنى الله تعالى به عليهم بقوله ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل﴾. الآية وأجمعوا على أن ما كان بينهم من الأمور الدنيا لا يسقط حقوقهم كما لا يسقط ما كان بين أولاد يعقوب النبي عليه السلام من حقوقهم، وعلى أنه لا يجوز لأحد أن يخرج عن أقاويل السلف فيما أجمعوا عليه وعما اختلفوا فيه أو في تأويله لأن الحق لا يجوز أن يخرج عن أقاويلهم. وأجمعوا على النصيحة للمسلمين والتولي بجماعتهم وعلى التوادد في الله والدعاء لأئمة المسلمين والتبري ممن ذم أحدا من أصحاب رسول الله وأهل بيته وأزواجه وترك الاختلاط بهم والتبري منهم. فهذه الأصول التي مضى الأسلاف عليها واتبعوا حكم الكتاب والسنة بها واقتدى بهم الخلف الصالح في مناقبها.[119]

    مفهوم الوسطية
    ***
    مفهوم الوسطية في الإسلام عدم الإفراط ولا التفريط، بل وسطا بين ذلك قواما، ودينا قيما، فالوسطية عدم التعمق في الأمور أو المغالاة بمعنى: عدم تجاوز الحد في الدين، وهو منهي عنه في الدين الإسلامي، فقد ذكر الله في القرآن ابتداع الرهبانية في قوله تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها..﴾ وهناك فرق بين الالتزام والمحافظة، وبين التعمق المنهي عنه الذي هو بمعنى المبالغة في الشيء والتشدد فيه، وهو من سمات فرق الضلال الذين تعمقوا في الدين حتى وقعوا في الضلال، وقد جاء في الحديث في صفة الخوارج: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ...» الحديث.[120] وذلك أنهم بالغوا في التعبد حتى وصفوا المقصرين والعصاة بالكفر، وهذا مخالف لوسطية الإسلام، ومن جهة أخرى فإنهم بالغوا في القول: أن المعصية كفر، وتعمقوا في تفسير آيات الوعيد حتى كفروا كل من يرتكب إثما وقالوا: أن العاصي مخلد في النار، ومنعوا بذلك رحمة الله عن الناس، ولكن الأمور الأخروية بمشيئة الله ولا شأن للمخلوقين بتقرير ذلك.[121][122] ومن أمثلة الغلو في الدين ما ذكر في القرآن من وصف النصارى لعيسى ابن مريم بصفات الألوهية، قال الله تعالى: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ فالأنبياء والعلماء والصالحون لهم مكانة واحترام وهم أولى بالتعظيم، والمنهي عنه في الإسلام إنما هو الإطراء بمعنى: المبالغة في تعظيم المخلوق ووصفه بما لا يستحق، فالألوهية لله وحده لا شريك له.[123]
    وقد جاء في القرآن التأكيد على أن الله جعل الأمة المحمدية أمة وسطا في قوله تعالى ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ أي: خيارا عدولا،[124] أي: جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم. والوسط: العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها. وروى الترمذي: «عن أبي سعيد الخدري عن النبي نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي في قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ قال: عدلا». قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي التنزيل: ﴿قال أوسطهم﴾،[125] أي: أعدلهم وخيرهم. وقال زهير:
    وقال آخر:
    وقال آخر:
    ووسط الوادي: خير موضع فيه وأكثره كلأ وماء. ولما كان الوسط مجانبا للغلو والتقصير كان محمودا، أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم. وفي الحديث: «خير الأمور أوسطها»، وفيه عن علي رضي الله عنه: «عليكم بالنمط الأوسط، فإليه ينزل العالي، وإليه يرتفع النازل».[126]
    والبدعة بمعناها الشرعي ورد في الشرع ذمها ووصفها بالضلالة التي ينشأ عنها التفرق والاختلاف في الدين، وكونها ضلالة؛ لكونها تمثل خروجا عن طريق الهداية، بالخروج عن المسار الصحيح بالتدخل فيما لا يعني والإعراض عن الهدف المقصود، والخروج عن الصراط المستقيم هو الضلال باختلاف أصنافه، وهو إما خروج عن الملة مثل تكذيب الرسل وعبادة الأحجار والنجوم وغيرها، وإما أن يكون مما لا يخرج بسببه عن الملة كالفرق الإسلامية التي لم تخرج ببدعتها عن الملة، فالخوض في المتشابهات خروج عن الحق وتجاوز الصراط المستقيم ووقوع في الضلالة، وفي الحديث: «عن أبي هريرة عن النبي نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي قال: "دعوني ما تركتكم إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"».[127] ولمسلم بلفظ: «ذروني» وهي بمعنى دعوني وذكر مسلم سبب هذا الحديث من رواية محمد بن زياد فقال: «عن أبي هريرة خطبنا رسول الله نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي فقال: يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال ذروني ما تركتكم..».[128] قال ابن حجر: والمراد بهذا الأمر ترك السؤال عن شيء لم يقع خشية أن ينزل به وجوبه أو تحريمه، والنهي عن كثرة السؤال لما فيه غالبا من التعنت، وخشية أن تقع الإجابة بأمر يستثقل، فقد يؤدي لترك الامتثال فتقع المخالفة. قال ابن فرج: معنى قوله ذروني ما تركتكم لا تكثروا من الاستفصال عن المواضع التي تكون مفيدة لوجه ما ظهر ولو كانت صالحة لغيره، والنهي عن التنقيب عن ذلك لأنه قد يفضي إلى مثل ما وقع لبني إسرائيل، إذ أمروا أن يذبحوا البقرة فلو ذبحوا أي بقرة كانت لامتثلوا ولكنهم شددوا فشدد عليهم.[127] وفيه دليل النهي عن كثرة المسائل والمغالاة في ذلك، قال البغوي في شرح السنة: المسائل على وجهين أحدهما: ما كان على وجه التعليم لما يحتاج إليه من أمر الدين فهو جائز بل مأمور به لقوله تعالى فاسألوا أهل الذكر الآية، وعلى ذلك تتنزل أسئلة الصحابة عن الأنفال والكلالة وغيرهما. ثانيهما: ما كان على وجه التعنت والتكلف، وهو المراد في هذا الحديث والله أعلم، ويؤيده ورود الزجر في الحديث عن ذلك وذم السلف، فعند أحمد من حديث معاوية أن النبي نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي نهى عن الأغلوطات قال الأوزاعي: هي شداد المسائل، وقال الأوزاعي أيضا: «إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقل الناس علما» وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: «المراء في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل»[127] وقال ابن العربي: «كان النهي عن السؤال في العهد النبوي خشية أن ينزل ما يشق عليهم ، فأما بعد فقد أمن ذلك لكن أكثر النقل عن السلف بكراهة الكلام في المسائل التي لم تقع» قال: «وإنه لمكروه إن لم يكن حراما إلا للعلماء فإنهم فرعوا ومهدوا فنفع الله من بعدهم بذلك، ولا سيما مع ذهاب العلماء ودروس العلم» انتهى. ملخصا.[127]
    الجدول التالي يعرض وجهة النظر السنية من ناحية أن أهل السنة والجماعة هم أهل الوسطية في المعتقدات.
    التعديل الأخير تم بواسطة القعقاع2 ; 01-03-18 الساعة 07:52 AM

  5. #25
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 14,766
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    الجدول التالي يعرض وجهة النظر السنية من ناحية أن أهل السنة والجماعة هم أهل الوسطية في المعتقدات.


    [TR]




    [/TR]






    [TR]




    [/TR]
    القضاء والقدر الجبرية :غلوا في إثبات القدر، فنفوا فعل العبد أصلا، وجعلوا الإنسان مقسورا ومجبورا وليس له اختيارات أبدا. أهل السنة والجماعة : فتوسطوا وجعلوا له اختيارا، ولكن اختياره مربوط بمشيئة الله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وقالوا: إن العباد فاعلون والله خالقهم وخالق أفعالهم، كما ذكر القرآن: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ. فهذا توسطهم في باب القضاء والقدر. القدرية : فرطوا في القضاء والقدر، وقالوا إن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله وليس لله قدرة على هداية العبد أو على إضلاله.
    مسالة الإيمان والدين الحرورية والمعتزلة : فالحرورية يسمون مرتكب الكبيرة كافرا ويستحلون دمه وماله، وأما المعتزلة فقالوا: إن مرتكب الكبيرة خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر فهو بمنزلة بين المنزلتين؟. أهل السنة والجماعة : جعلوا الإنسان مستحقا اسم الإيمان واسم الإسلام، ولو كان معه شيء من الذنوب وشيء من المعاصي، فمرتكب الكبيرة عندهم ناقص الإيمان، قد نقص إيمانه بقدر ما ارتكب من معصيته، فلا ينفون عنه الإيمان أصلا ولا يخرجونه من الإسلام بالكلية، ولم يجعلوا المذنب كامل الإيمان بل جعلوه مؤمنا ناقص الإيمان. المرجئة والجهمية : فالمرجئة قالوا: أن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان ولا يستحق دخول النار، وقالوا لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فعندهم أن من صدّق بقلبه ولو لم يعمل فهو مؤمن كامل الإيمان.
    علي بن أبي طالب النواصب والخوارج : النواصب قالوا : بفسق علي بن أبي طالب، والخوارج قالوا : بكفر علي بن أبي طالب. أهل السنة والجماعة : قالوا أن علي بن أبي طالب خليفة راشد وأنه أفضل من عشرات الألوف من الصحابة إلا ثلاثة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وكلهم ذوي فضل، ولكنه ليس معصوما كعصمة الأنبياء. الشيعة : فالإثناعشرية قالوا: بأنه معصوم كعصمة الأنبياء وأنه أفضل من كل الأنبياء إلا النبي محمد.


  6. #26
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 14,766
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    خلفية
    ***
    كان توجه الدعوة الإسلامية صوب الذين عبدوا الأصنام أو قالوا بتأليه عيسى ابن مريم عليه السلام وغيرهم، والدين كله لله، ومله الإسلام لله وحده هي ملة كل الأنبياء والرسل، وإنما كان تفرق الأمم في الدين واختلافهم فيه من بعد ما جاءهم الهدى بسبب تغليب الأهواء والخروج عن الطرق التي سنها لهم الأنبياء والمرسلين، وفي الحديث: «إنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم».[129] قال الشاطبي[؟] في معنى قول الله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾: فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه، وهو السنة، والسبل هي سبل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم وهم أهل البدع، وليس المراد سبل المعاصي؛ لأن المعاصي من حيث هي معاص لم يضعها أحد طريقا تسلك دائما على مضاهاة التشريع، وإنما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثات. وعن مجاهد في قوله: ﴿ولا تتبعوا السبل﴾، قال: البدع والشبهات. وسئل مالك عن السنة؟ فقال: هي ما لا اسم له غير السنة، وتلا: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾. فهذا التفسير يدل على شمول الآية لجميع طرق البدع، لا تختص ببدعة دون أخرى. ومن الآيات قول الله تعالى: ﴿وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين﴾. فالسبيل القصد هو طريق الحق، وما سواه جائر عن الحق أي: عادل عنه وهي طرق البدع والضلالات.[130]
    والصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وهو سبيل الله الذي دعا إليه، ومهمة الأنبياء والرسل هداية الناس إلى صراط الله المستقيم هداية دلالة وإرشاد، والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد، والضلال والضلالة: ضد الهدي والهدى، وهو الخروج عن الطريق، فالضال يلتبس عليه الأمر حيث لم يكن له هاد يهديه، وهو الدليل، فصاحب البدعة لما غلب الهوى مع الجهل بطريق السنة توهم أن ما ظهر له بعقله هو الطريق القويم دون غيره، فمضى عليه، فحاد بسببه عن الطريق المستقيم، فهو ضال وإن كان بزعمه يتحرى قصدها. فالمبتدع من هذه الأمة، إنما ضل في أدلتها، حيث أخذها مأخذ الهوى والشهوة لا مأخذ الانقياد تحت أحكام الله، وهذا هو الفرق بين المبتدع وغيره؛ لأن المبتدع جعل الهوى أول مطالبه، وأخذ الأدلة بالتبع.[131]
    فكل الأنبياء والرسل على اختلاف مناهجهم مجتمعون ملة واحدة في توحيد الله والإيمان به وعبادته، ومناهج الأنبياء والرسل هي دليل الاهتداء إلى الحق، وفي نصوص القرآن دلالة على ما حدث في الأمم السابقة من تفرق واختلاف سببه تحكيم العقول فيما لا شأن لهم به، حتى وقعوا في الضلال حيث لم يحتكموا إلى مناهج الأنبياء فيما التبس عليهم من الأمور، قال الشهرستاني: «اعلم أن أول شبهة وقعت في الخليقة شبهة إبليس لعنه الله، ومصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص، واختياره الهوى في معارضة الأمر، واستكباره بالمادة التي خلق منها وهي النار على مادة آدم عليه السلام وهي الطين[؟]، وانشعبت من هذه الشبهة سبع شبهات وسارت في الخليقة وسرت في أذهان الناس حتى صارت مذاهب بدعة وضلالة، وتلك الشبهات مسطورة في شرح الأناجيل الأربعة: إنجيل لوقا ومارقوس ويوحنا ومتى، ومذكورة في التوراة متفرقة على شكل مناظرات بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود والامتناع منه».[132] قال: ولا يجوز أن تعدو شبهات فرق الزيغ والكفر والضلال هذه الشبهات وإن اختلفت العبارات وتباينت الطرق فإنها بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذور وترجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالحق، وإلى الجنوح إلى الهوى في مقابلة النص. والذين عارضوا الرسل وجادلوهم كلهم نسجوا على منوال اللعين الأول في إظهار شبهاته، وحاصلها يرجع إلى دفع التكليف عن أنفسهم وجحد أصحاب الشرائع والتكاليف بأسرهم، والشبهات الواقعة في أمة كل نبي من بعده ناشئة من شبهات خصماء أول زمانه من الكفار والملحدين وأكثرها من المنافقين، والشبهات التي وقعت في آخر الزمان هي بعينها تلك الشبهات التي وقعت في أول الزمان، وكل الشبهات وما يحدث بسببها من الفتن والضلال والتفرق والاختلاف فهو من مسالك الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾.
    والفرق التي ظهرت في الأمة الإسلامية وانشقت عن منهج أهل السنة والجماعة سلكوا في الضلال مسالك الأمم السابقة، وفي الحديث: «لتسلكن سبل الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه».[133] وثبت في الحديث: «وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» قال المباركفوري: المراد من أمتي أمة الإجابة وفي حديث عبد الله بن عمرو الآتي: كلهم في النار إلا ملة واحدة، وهذا من معجزاته نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي لأنه أخبر عن غيب وقع. «قال العلقمي قال شيخنا: ألف الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي في شرح هذا الحديث كتابا قال فيه: قد علم أصحاب المقالات أنه نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي لم يرد بالفرق المذمومة المختلفين في فروع الفقه من أبواب الحلال والحرام، وإنما قصد بالذم من خالف أهل الحق في أصول التوحيد وفي تقدير الخير والشر، وفي شروط النبوة والرسالة وفي موالاة الصحابة، وما جرى مجرى هذه الأبواب؛ لأن المختلفين فيها قد كفر بعضهم بعضا، بخلاف النوع الأول فإنهم اختلفوا فيه من غير تكفير ولا تفسيق للمخالف فيه، فيرجع تأويل الحديث في افتراق الأمة إلى هذا النوع من الاختلاف. وقد حدث في آخر أيام الصحابة خلاف القدرية من معبد الجهني وأتباعه، ثم حدث الخلاف بعد ذلك شيئا فشيئا إلى أن تكاملت الفرق الضالة اثنتين وسبعين فرقة والثالثة والسبعون هم أهل السنة والجماعة وهي الفرقة الناجية، انتهى باختصار يسير».[134]
    ولما كانت ملة الأنبياء والرسل ملة واحدة يدينون لله بدين واحد، وتفرق الأمم السابقة يرجع إلى تغليب الأهواء في معارضة شرائع الأنبياء والرسل، فلا يختلف الأمر في فرق الضلال التي ثبت في صحيح الحديث الإخبار بظهورها في عصر السلف الصالح، وذلك فيما ابتدعوه من الكلام فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه، وفسروه وفق أهوائهم، فوقعوا في ضلال البدعة التي أجمعت الأدلة على ذمها والتحذير منها، فمن نصوص القرآن الدالة على ذم البدعة: قول الله تعالى: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله..الآية﴾، فالمحكمات بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد من الناس،[135] والمتشابهات تحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد.[136] وفي رواية للبخاري بلفظ: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم». وفي رواية: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم». وفي رواية: «قد حذركم الله فإذا رأيتموهم فاعرفوهم».[137][138][139] روى ابن كثير عن الإمام أحمد: في قوله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه﴾ قال: "هم الخوارج"» وفي قوله: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾،[140] قال: «هم الخوارج».[136] ورجح الطبري أنه وإن كان نزول الآية في نصارى نجران إلا أنه يشمل جميع أصناف المبتدعة كان من النصرانية أو اليهودية أو المجوسية أو كان سبئيا أو حروريا أو قدريا أو جهميا وغيرهم ممن يجادلون فيه.[141] فمن سمات أهل الزيغ تتبع المتشابهات وتفسيرها وفق أهوائهم فيتكلمون فيما ليس لهم به علم، ويقولون على الله ما لا يعلمون، حتى تتحول تلك الأهواء والضلالات إلى معتقدات مخالفة للسنة والجماعة، يخرجون بها عن الحق، كالقدرية والمشبهة والسبئية وغيرها، وهؤلاء هم أصحاب البدع التي ذمها الشرع وحذر منها، وأجمع أهل السنة والجماعة من أئمة الصحابة والتابعين على أنها ضلالات مخالفة للحق؛ لأن أصحابها جعلوا العقل معارضا للنص ومقدما على الشرع، وهذا بخلاف استخدام العقل وسيلة للتفكر في المخلوقات المؤدي إلى الإيمان، حيث دلت نصوص الكتاب والسنة على استخدام البرهنة العقلية في إثبات العقائد،[° 4] قال ابن خلدون: «وأمهات العقائد الإيمانية معللة بأدلتها العقلية وأدلتها من الكتاب والسنة كثير وهي معلومة ومقررة، وما وقع من الخلاف في العقائد أكثره من اتباع المتشابه».[142]

    وللموضوع بقية

  7. #27
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 14,766
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    أول بِدعة في الإسلام
    ***
    بعد انتشار الإسلام دخلت بين المسلمين أفكار ومعتقدات دينية من مختلف البلدان، وكانت هناك فئات من المسلمين بحاجة لتعلم شرائع الإسلام وأحكامه، فكانوا هم المستهدف من أصحاب تلك الأفكار والمعتقدات، وكان أصحاب الديانات الأخرى يحاولون تضليل المسلمين باتباع المتشابهات، ولكن انتشار الإسلام حال دون ذلك، فتحول الأمر في معارضة الإسلام ليكون المعارضون من المسلمين أنفسهم، وبدء ذلك عن طريق تضليل المسلمين في البلدان التي كانت تجهل الكثير من تعاليم الإسلام بسبب ظروف الحياة في بلدانهم النائية عن أماكن تواجد الصحابة، فكانت أول فتنة ظهرت في الإسلام بدعة الخوارج، وقد كان خروجهم عن الحق بدافع ديني، بالإضافة إلى الدوافع الاقتصادية والسياسية التي بدأت في ظاهرة الخروج على ولاة الأمر وشق عصا الطاعة. قال ابن كثير: فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم رسول الله نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجئوه بهذه المقالة، فقال قائلهم -وهو ذو الخويصرة -بقر الله خاصرته- اعدل فإنك لم تعدل، فقال له رسول الله نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي: «لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني»، فلما قفا الرجل استأذن عمر بن الخطاب -وفي رواية: خالد بن الوليد- (ولا بعد في الجمع)- رسول الله في قتله، فقال: «دعه فإنه يخرج من ضئضئ هذا -أي: من جنسه- قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم»».[136] وهذا الحديث في الصحيحين وغيرهما بروايات صحيحة ومنها في صحيح مسلم: «عن جابر بن عبد الله[؟] قال أتى رجل رسول الله نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي بالجعرانة -منصرفه من حنين[؟]- وفي ثوب بلال: فضة، ورسول الله نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي يقبض منها يعطي الناس، فقال: يا محمد اعدل، قال: «ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل» فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: «معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية».[143] وظاهر كلام ابن كثير يدل على أن ذا الخويصرة رأس الخوارج وهو وإن لم يكن هناك ما يسمى بـالخوارج في ذلك الحين لكن دل عليه قوله: «يخرج من ضئضئ هذا..» أي: من جنسة، ومثل هذا حصول الفتنة في زمن عثمان بن عفان والخروج عليه وقتله، والفتن التي حصلت بعد ذلك، كله يدل على أن الخوارج هم الذين كانوا وراء كل ذلك، لكنهم لم يكونوا أعلنوا خروجهم تحت مسمى فرقة خاصة إلا في زمن علي بن أبي طالب، فقد انضموا في بداية الأمر إلى صف علي بن أبي طالب، فلما قبل بالتحكيم أعلنوا خروجهم وصاحوا قائلين: «لا حكم إلا لله»، فرد عليهم علي بن أبي طالب بقوله: «كلمة حق يراد من ورائها باطل»، وقد استشار الصحابة بشأنهم وحاورهم ابن عباس وغيره من الصحابة، ثم اتفقت أقوال الصحابة على وجوب قتالهم بما لديهم من نصوص الأحاديث الدالة على ذلك، وقتلهم علي بن أبي طالب بالنهروان. قال ابن كثير: ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب، وقتلهم بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونحل كثيرة منتشرة، ثم نبعت القدرية، ثم المعتزلة ثم الجهمية وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق في قوله: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «من كان على ما أنا عليه وأصحابي».[136][144] وفي رواية عن حذيفة: «إن في أمتي قوما يقرؤون القرآن ينثرونه نثر الدقل، يتأولونه على غير تأويله».[136] عن ابن العاص عن رسول الله نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي قال: «إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه فآمنوا به».[136] قال النووي: «قوله نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي: «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم» قال القاضي: فيه تأويلان: أحدهما: معناه: لا تفقهه قلوبهم ولا ينتفعون بما تلوا منه، ولا لهم حظ سوى تلاوة الفم والحنجرة والحلق إذ بهما تقطيع الحروف، الثاني: معناه: لا يصعد لهم عمل ولا تلاوة ولا يتقبل». وقد جاء في الحديث: «يمرقون من الدين» وفي رواية مسلم: «يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية» أي: من الدين، والمراد به هنا: دين الإسلام، كما في الرواية الأخرى بلفظ: «يمرقون من الإسلام»، كما يدل عليه قول الله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾. قال القاضي: معناه: يخرجون منه خروج السهم إذا نفذ الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق به شيء منه، والرمية هي الصيد المرمي. وقال الخطابي: هو الطاعة أي: من طاعة الإمام. انتهى ملخصا من كلام النووي. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما الكثير من الأحاديث الصحيحة في نعت الخوارج بأنهم: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان» بمعنى: أن فتنتهم تمتد صوب الإسلام والمسلمين بما اتخذوه من تكفير المسلمين الذي صوغ لهم الخروج على الحكام واستباحة دماء المسلمين وأعراضهم، وكان أول من يتضرر بهم هم حكام المسلمين وأئمتهم وعلماؤهم في الدين، بما لديهم من معتقدات التكفير التي يسعون من ورائها للفتنة بين المسلمين والتفريق بين الحاكم والمحكوم وتزهيد الناس في علمائهم وحكامهم، وجاء في وصفهم حديث: «يحسنون القيل ويسيؤون الفعل». فيبالغون في وصف مخالفيهم بالتكفير ويستحلون القدح في علماء الإسلام. وجاء في حديث ذي الخويصرة في صحيح مسلم بلفظ: «فقال رسول الله نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي: إن من ضئضئ هذا قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».[145]
    استحدث الخوارج أول بدعة في الإسلام تتضمن مقولات متشددة ومبالغ فيها، واتخذوا من مبدأ التكفير سببا للخروج على ولي الأمر المسلم، وبما أن علي بن أبي طالب كان صارما في التعامل معهم وبما لديه من الفقه في الدين، فقد حاورهم وحاول أن يستعيدهم للصواب فرجع منهم من رجع وبقي منهم من بقي، وبعد وقعة النهروان لم يبق منهم إلا عدد قليل تفرقوا في البلدان. ذكر ابن بطال في حديث عن علي بن أبي طالب أنه قال في أثناء خطبته: «مايمنع أشقاكم أن يخضبها بدم» وأشار إلى لحيته‏.‏[146][° 5] وقد توجه من الخوارج عبد الرحمن بن ملجم لقتل علي بن أبي طالب فقتله في المسجد يوم الجمعة قبل صلاة الفجر.

    وللموضوع بقية

  8. #28
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 14,766
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    الكلام في الصفات ومسائل الاعتقاد
    ***
    بدء الكلام في مسائل العقيدة في عصر السلف، وأصول العقيدة الإسلامية أحكام قطعية معلومة بطريق الوحي، ولا سبيل للعلم بعد عصر النبوة إلا عن الصحابة فإنهم كانوا مجتمعين على السُّنة، وخالفهم أهل الأهواء الذين خاضوا في المتشابهات فتحولت شبهاتهم إلى معتقدات خرجوا بها عن الحق، وتفرقوا بسببها عن جماعة المسلمين، وكانت أول فتنة في الإسلام بدعة الخوارج، ثم تفرعت من مقولاتهم بدع شتى من صنوف الفتن في الدين، وكل هذه البدع المضلة تشترك في معنى الخروج عن الحق في أصول الاعتقاد والتفرق في الدين، ويكون مصدرها الاستبداد بالرأي في مقابلة النص، واختيار الهوى في معارضة الأمر، والاستكبار والإعجاب بالرأي، وكان أئمة السلف من أهل السنة والجماعة يكتفون بما علموه، ويفوضون فيما تشابه عليهم..
    استُحدِث في عصر السلف بدعة الكلام في المتشابهات والقول فيها بالرأي حتى تحول ذلك اعتقادا مخالفا للحق، وظهرت بدعة القول بالقدر، وفتنة القول بخلق القرآن، وقد بالغت القدرية (المعت زلة) في التنزيه مما أدى إلى استحداث بدعة القول بإنكار صفات ثابتة بالنص، ومن ثم أطلقوا على المعتزلة معطلة، وبالمقابل فقد ظهر في عصر السلف مبتدعة بالغوا في إثبات الصفات، اتبعوا المتشابهات من النصوص وفسروها بحسب الظاهر، فوقعوا في التجسيم المناقض لآيات التنزيه الصريح، ومنها بدعة محمد بن كرام السجستاني،[147] في القول بالتجسيم وتنسب إليه الكرامية، وهم أقرب الفرق إلى الخوارج، وقد نصرهم محمود بن سبكتكين السلطان -وكان من الكرامية-، وصب البلاء على أصحاب الحديث والشيعة من جهتهم.[148] قال ابن خلدون: «ولم يبق في هذه الظواهر إلا اعتقادات السلف ومذاهبهم والإيمان بها كما هي لئلا يكون النفي على معانيها بنفيها مع أنها صحيحة ثابتة من القرآن».[149]
    واتفق أهل السنة والجماعة سلفا وخلفا على أن النصوص الموهمة بظاهرها للتشبيه بالحوادث هي من المتشابهات التي لا يجوز الخوض فيها، فلا يجوز الأخذ بظاهر معناها الموهم للتشبيه، ويجب الإيمان بالنصوص الثابتة وتفويض العلم لله في معناها على ما كان عليه الصحابة من وجوب تنزيه الله، وعدم جواز الخوض في المتشابهات من النصوص، وطريقة أئمة السلف التفويض،[150] بمعنى أنهم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا، ويفوضون الأمر في ذلك لله، ويتوقفون عن الدخول في تفاصيل المعنى، مكتفين بقولهم: «الله أعلم بمراده بذلك»، ومن أئمة السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل ولا تهدفوا للتشبيه مالك بن أنس وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وداود بن علي الظاهري، ومن تابعهم، وثبت التأويل عن بعض أئمة السلف ومنهم علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس، في مواضع مثل: تأويل الأيدي بالقوة، في قوله تعالى: «والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون» الذاريات آية: (47). قال ابن عباس: بأيد أي: بقوة، قال أبو جعفر الطبري[؟] في تأويل الآية: «والسماء رفعناها سقفا بقوة، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل»، وروى هذا عن ابن عباس وغيره.[151] والمقصود بالتأويل صرف اللفظ عن ظاهره بما يتناسب مع التنزيه والتعظيم، وذلك أن اللفظ المؤول في كلام العرب يقصد به ما يقابل الظاهر، فيقال مثلا: بث الحاكم عيونه في المدينة، فالعيون هنا مؤولة بالجواسيس لتعذر الحقيقة. ومثل: ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين سورة آل عمران آية: 54، نسوا الله فنسيهم سورة التوبة آية: (67)، يؤول بمعنى المجازاة.[152]
    هناك نصوص من الكتاب والسنة تدل على استخدام الاستدلات العقلية في إثبات مسائل الاعتقاد، وهذا لا خلاف فيه عند أهل السنة والجماعة، إلا أن الكلام في مسائل الاعتقاد الذي استحدثته الفرق المنشقة عن أهل السنة والجماعة أخذ منحىً آخر، حيث أنهم تكلموا فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه.
    قال الشهرستاني: «اعلم أن السلف من أصحاب الحديث لما رأوا توغل المعتزلة في علم الكلام ومخالفة السنة التي عهدوها من الأئمة الراشدين ونصرهم جماعة من أمراء بني أمية على قولهم بالقدر وجماعة من خلفاء بني العباس على قولهم بنفي الصفات وخلق القرآن تحيروا في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في متشابهات آيات الكتاب الحكيم وأخبار النبي الأمين نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي».[153]
    «فأما أحمد بن حنبل وداود بن علي الأصفهاني وجماعة من أئمة السلف فجروا على منهاج السلف المتقدمين عليهم من أصحاب الحديث مثل: مالك بن أنس ومقاتل بن سليمان وسلكوا طريق السلامة فقالوا: نؤمن بما ورد به الكتاب والسنة ولا نتعرض للتأويل بعد أن نعلم قطعا أن الله عز وجل لا يشبه شيئا من المخلوقات وأن كل ما تمثل في الوهم فإنه خالقه ومقدره، وكانوا يحترزون عن التشبيه إلى غاية أن قالوا من حرك يده عند قراءته قوله تعالى: ﴿خلقت بيدي﴾ أو أشار بإصبعيه عند روايته: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» وجب قطع يده وقلع أصبعيه».
    وسبب توقفهم في تفسير الآيات وتأويلها اجتناب الخوض في المتشابهات، للمنع الوارد في التنزيل في قوله تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾ قالوا: فنحن نحترز عن الزيغ، وقالوا: أن التأويل أمر مظنون بالاتفاق والقول في صفات الباري بالظن غير جائز فربما أولنا الآية على غير مراد الباري تعالى فوقعنا في الزيغ بل نقول كما قال الراسخون في العلم (﴿كل من عند ربنا﴾ آمنا بظاهره وصدقنا بباطنه ووكلنا علمه إلى الله تعالى ولسنا مكلفين بمعرفة ذلك إذ ليس ذلك من شرائط الإيمان وأركانه. فهذا هو طريق السلامة وليس هو من التشبيه في شيء. غير أن جماعة من الشيعة الغالية وجماعة من أصحاب الحديث الحشوية صرحوا بالتشبيه.[154]
    وكان للإمام أحمد بن حنبل دور بارز في مناصرة السنة والدفاع عنها، والصبر في المحنة وواجه الاضطهاد من المعتزلة،[155] وتبعه في ذلك أئمة الحنابلة الذين تابعوا طريقته في الدفاع عن السنة وساروا على طريقته، وعمل أبو الحسن الأشعري في الرد على أهل الأهواء وصاغ منهجا يقوم على أساس إثبات العقائد الدينية بالأدلة السمعية والعقلية، ويعتمد على منهج الأئمة السابقين، على قاعدة أن النقل هو الأساس وأن العقل خادم للنقل ووسيلة لإثباته والبرهان على صحته. وجمع ما تفرق من كلام علماء أهل السنة والجماعة، وأيد النقل بالعقل، وأبطل مغالطات وأباطيل المعتزلة وغيرها، وقارن ذلك ظهور أبو منصور الماتريدي فيما وراء النهر، وقام بعمل مماثل لعمل لعمل أبي الحسن الأشعري، ولقي كلاهما قبولا واسعا واعترف لهما جمهور أهل السنة والجماعة بالإمامة.
    قال الشهرستاني: وأما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل ولا تهدفوا للتشبيه فمنهم: مالك بن أنس رضي الله عنهما إذ قال: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، ومثل أحمد بن حنبل رحمه الله وسفيان الثوري وداود بن علي الأصفهاني ومن تابعهم حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي وأبي العباس القلانسي والحارث بن أسعد المحاسبي وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية، وصنف بعضهم ودرس بعض حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه مناظرة في مسألة من مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما، وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة فأيد مقالتهم بمناهج كلامية وصار ذلك مذهبا لأهل السنة والجماعة وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية.[156]
    ذكر ابن خلدون في تاريخه: أنه لما كثر تدوين العلوم وألف المتكلمون في التنزيه حدثت بدعة المعتزلة، واستحدثوا فتنة القول بأن القرآن مخلوق، وهو بدعة صرح السلف بخلافها وعظم ضرر هذه البدعة ولقنها بعض الخلفاء عن أئمتهم فحمل الناس عليها وخالفهم أئمة السلف فاستحل لخلافهم إيسار كثير منهم ودماؤهم. ثم قال: «وكان ذلك سببا لانتهاض أهل السنة بالأدلة العقلية على هذه العقائد دفعا في صدور هذه البدع وقام بذلك الشيخ أبو الحسن الأشعري إمام المتكلمين فتوسط بين الطرق ونفى التشبيه وأثبت الصفات المعنوية وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف وشهدت له الأدلة المخصصة لعمومه فأثبت الصفات الأربع المعنوية والسمع والبصر والكلام القائم بالنفس بطريق النقل والعقل ورد على المبتدعة في ذلك كله وتكلم معهم فيما مهدوه لهذه البدع من القول بالصلاح والأصلح والتحسين والتقبيح وكمل العقائد في البعثة وأحوال الجنة والنار والثواب والعقاب».[142] وقال: «وألحق بذلك الكلام في الإمامة لما ظهر حينئذ من بدعة الإمامية من قولهم إنها من عقائد الإيمان وإنه يجب على النبي تعيينها والخروج عن العهدة في ذلك لمن هي له وكذلك على الأمة وقصارى أمر الإمامة أنها قضية مصلحية إجماعية ولا تلحق بالعقائد فلذلك ألحقوها بمسائل هذا الفن وسموا مجموعة علم الكلام».[142] وقال ابن خلدون: «وكثر أتباع الشيخ أبي الحسن الأشعري واقتفى طريقته من بعده تلاميذه كابن مجاهد وغيره وأخذ عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني فتصدر للإمامة في طريقتهم وهذبها ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار».[142] وقال: «وبالجملة فموضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد الايمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية فترفع البدع وتزول الشكوك والشبه عن تلك العقائد».[142]

    وللموضوع بقية

  9. #29
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 14,766
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    التعريف بأهل السنة والجماعة :

    أهل السنة والجماعة اشتهر هذا المصطلح بسبب ظهور الفرق، ولا تختص هذه التسمية بطائفة معينة في مقابل أخرى، فالمسلمون كلهم أمة واحدة، وإنما ظهرت التسمية بسبب استحداث الفرق المنشقة عن جماعة المسلمين في العصور الإسلامية الأولى، ثم صارت هذه التسمية تمييزا لهم عن الفرق المنشقة عنهم، ومبدء التسمية من مفهوم اتباع السنة الذي دلت عليه النصوص النقلية مثل حديث: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» والمعنى: إلزموا طريقتي وطريقة الخلفاء الراشدين المشهود لهم بالرشاد فهم متبعون للسنة النبوية، والخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون هم سلف الأمة الإسلامية ومنهم أئمة المسلمين وهم الذين اتبعوا السنة وكانوا قدوة لمن بعدهم من الخلف من أئمة المسلمين ورواة الحديث وأعلام التفسير والحديث والفقهاء والخلفاء وولاة الأمر وعلماء الدين وعلماء اللغة والعلماء في مختلف التخصصات في علوم الشريعة الإسلامية والقواد والعامة. وتختص التسمية بالأئمة في الدين الإسلامي وهم علماء الدين المجتهدون من أهل الحديث وأهل التفسير وأهل الفقه في الدين والأئمة المجتهدون الذين اختص منهم فقهاء الصحابة ثم الذين أخذوا عنهم ونقلوا طريقتهم من فقهاء التابعين وتابعيهم، وأخذ عنهم الفقهاء المجتهدون الذين كانت لهم مذاهب فقهية، واشتهر منها في المرحلة الأولى فقه أهل الرأي والقياس وإمامهم أبو حنيفة[؟] وأصحابه من بعده، ومدرسة أهل الحديث وإمامهم مالك بن أنس، وفي المرحلة الثانية اشتهرت ثلاث مدارس فقهية مدرسة أهل الرأي ومدرسة أهل الحديث وإمامهم مالك بن أنس ثم الشافعي من بعده ومدرسة الظاهرية، وفي المرحلة الثالثة استقر عمل الناس بالمذاهب الفقهية الكبرى وهي المذاهب الأربعة.
    ومذهب أهل السنة والجماعة في العقيدة لم يخرج عن مدارس الفقه بمعنى أن أئمة أهل السنة والجماعة في العقيدة هم أئمة المذاهب الفقهية، وإنما يظهر الفرق في سبب تأسيس قواعد علم التوحيد ومنهج أئمته في الاستدلال. وعقيدة أهل السنة والجماعة مأخوذة أصلا من الصحابة باعتبار أنهم هم الذين تلقوا عقيدة الإسلام من مصدرها الأول، وتلقاها عنهم من بعدهم، وقد كان للثقافات الدخيلة على الإسلام أثر في نشأة الفرق المخالفة لمذهب الحق، وكانت هناك ضرورة للرد على الشبهات التي أثارها أهل الأهواء وأصحاب الفرق الضالة. ويتفق جمهور أهل السنة والجماعة على عدم جواز الخوض في المتشابهات من مسائل الاعتقاد إلا عند الضرورة لبيان الحق، وهذا هو مذهب سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب الفقهية والتي اشتهر منها المذاهب الأربعة ومن سار على نهجهم، وجمهور أهل السنة والجماعة من بعدهم متابعون لهم ومتفقون فيما بينهم في أصول الدين، وبسبب توسع البلاد الإسلامية وتجدد ظهور أهل البدع والأهواء تطلب الأمر فهم منابع هذه الفتن للتمكن من الرد عليها وإبطالها بطريقة علمية صحيحة، وكانت هناك طريقتان في الاستدلال أحدهما: طريقة أهل الحديث وتعتمد في الاستدلال على الأدلة السمعية أي: النقلية من الكتاب والسنة والإجماع فيما يكون منها دليلا تقوم به حجة لإثبات الحكم. وثانيهما: طريقة أهل النظر والصناعة النظرية، وتعتمد في الاستدلال على الأدلية السمعية والنظرية باعتبار أن الأدلة السمعية هي الأصل، والأدلة العقلية خادمة لها.
    بعد ذهاب عصر السلف انتقل مذهب أهل السنة والجماعة إلى من بعدهم، واشتهر مذهب أهل السنة والجماعة على طريقة أبي الحسن الأشعري في العراق وخراسان والشام والمغرب والأندلس وغيرها، واشتهر مذهب أهل السنة والجماعة على طريقة أبي منصور الماتريدي في ما وراء النهر وغيرها، واختص جماعة من أهل الحديث بنقل معتقد أهل السنة والجماعة على طريقة الأثرية من أهل الحديث، ثم أصبح لقب أهل السنة والجماعة يطلق على الأشعرية والماتريدية والأثرية من أهل الحديث، باعتبار أن أهل السنة والجماعة من أصحاب الصناعة النظرية هم الأشعرية والماتريدية، حيث قرروا عقيدة أهل السنة والجماعة بطريقة الصناعة النظرية، وأما الأثرية فلم يكونوا أصحاب صناعة نظرية، بل اقتصروا في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة على الطريقة السمعية (الكتاب والسنة والإجماع)، وربما أخذ بعضهم بطريقة المتكلمين من أهل النظر، فأهل السنة والجماعة على اختلاف طرقهم في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة هم مكون واحد متفقون على قول واحد في أصول الدين، وما وقع من اختلاف فلا يؤثر في أصول الاعتقاد.
    هناك تسميات متعددة ذكرها العلماء للتعريف بأهل السنة والجماعة، ومهما اختلفت صياغتها في استعمالات العلماء من أهل السنة والجماعة فمردها واحد، والاختلاف في صياغتها خلاف شكلي لا أكثر، ففي عصر السلف كان يعرف أهل السنة والجماعة بأنهم أهل الحديث، وفي حديث: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». قال الإمام أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. كما أن أئمة السلف كلهم أهل الحديث، وبعد ظهور أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي اشتهر لقب أهل السنة والجماعة على الأشعرية والماتريدية أكثر، قال ابن عابدين في تقرير اعتقاد أهل السنة والجماعة: مما يجب اعتقاده على كل مكلف بلا تقليد لأحد وهو ما عليه أهل السنة والجماعة وهم الأشاعرة والماتريدية، وهم متوافقون إلا في مسائل يسيرة أرجعها بعضهم إلى الخلاف اللفظي كما بين في محله.[157] وذكر غيره مثل هذا، ووجه ذلك: أن الأشعرية والماتريدية عملوا على إثبات عقيدة أئمة السلف، وهي أمور قطعية لا خلاف عليها بين أهل السنة والجماعة، وإنما كان اشتهار هذه التسمية باعتبار أن أصحاب الصناعة النظرية من أهل السنة والجماعة دونوا وحققوا أكثر من غيرهم، إذ أن الأثرية لم يكونوا أهل صناعة نظرية، وكان أول من وضع قواعد علم التوحيد على مذهب أهل السنة والجماعة أبو الحسن الأشعري ومن تبعه من بعده، وأبو منصور الماتريدي ومن تبعه من بعده. فلو قلنا مثلا: أجمع جمهور أهل السنة والجماعة على تقديم الشرع على العقل، ومقابل هذا أن المعتزلة بالغوا في تقديس العقل فقدموه على نصوص الشرع بدليل أن بعض المعتزلة كالخوارج أنكروا حد الرجم بحجة أنه مستقبح عقلا، وأنكروا نصوص السنة الثابتة في الرجم، وقام أبو الحسن الأشعري باستخدام البراهين العقلية والحجج الكلامية لإثبات قول أهل السنة والجماعة في مسألة تقديم أدلة الشرع على العقل، والماتريدية فعلوا كذلك، وعلى كل الأحوال فإن الأشعرية والماتريدية والأثرية كلهم متفقون على القول بتقديم الشرع على العقل. وأهل السنة والجماعة متفقون على قول واحد في أصول الاعتقاد؛ لأن أصول الدين ثابتة ومقررة بالنقل ولا مجال فيها للاجتهاد، ولأن الحق واحد لا يتعدد، كما أنهم ذكروا الفرق الإسلامية وجعلوا منها أهل السنة والجماعة فرقة واحدة، وإنما يكون الخلاف بين أهل السنة والجماعة في الفروع، ومهما كان اختلافهم في فروع الأحكام فلا يحكم بعضهم على بعض بالكفر ولا يصفه بالابتداع، وما قد يقع من خلاف في مسائل العقيدة فهو خلاف شكلي قد يلتبس على العوام، بسبب الحكم على الأشياء من غير استبيان، أو المبالغة في الحكم من غير علم، ومن انتسب إلى أهل السنة والجماعة وخالف إجماعهم فقوله منسوب إليه ومحسوب عليه وحده ومردود عليه، فأهل السنة والجماعة في أصول الاعتقاد مذهب واحد.
    قال تاج الدين السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب: "اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل، وإن اختلفوا في الطرق والمبادي الموصلة لذلك، أو في لِمِّية ما هنالك. وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف الأول: أهل الحديث ومعتمد مباديهم: الأدلة السمعية أعني: الكتاب، والسنة، والإجماع. الثانية: أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية؛ وهم: الأشعرية، والحنفية. وشيخ الأشعرية: أبو الحسن الأشعري، وشيخ الحنفية: أبو منصور الماتريدي، وهم متفقون في المبادي العقلية في كل مطلب يتوقف السمع عليه، وفي المبادي السمعية فيما يدرك العقل جوازه فقط، والعقلية والسمعية في غيرها، واتفقوا في جميع المطالب الاعتقادية إلا في مسألة التكوين ومسألة التقليد. الثالثة: أهل الوجدان والكشف؛ وهم الصوفية، ومباديهم مبادي أهل النظر والحديث في البداية، والكشف والإلهام في النهاية".[158]
    وقد قام الإمام عبد القاهر البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق بإحصاء الفرق والطوائف المخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة التي ظهرت في تاريخ المسلمين، والتي عاصرها وهي تشتمل على اثنتين وسبعين فرقة منها: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، والنجارية، والبكرية، والضرارية، والجهمية، والكرامية، ثم قال: "فأما الفرقة الثالثة والسبعون فهي أهل السنة والجماعة من فريقي الرأي والحديث دون من يشتري لهو الحديث، وفقهاء هذين الفريقين وقراؤهم ومحدثوهم ومتكلمو أهل الحديث منهم، كلهم متفقون على مقالة واحدة في توحيد الصانع وصفاته، وعدله وحكمته، وفي أسمائه وصفاته، وفي أبواب النبوة والإمامة، وفي أحكام العقبى، وفي سائر أصول الدين. وإنما يختلفون في الحلال والحرام من فروع الأحكام، وليس بينهم فيما اختلفوا فيه منها تضليل ولا تفسيق وهم الفرقة الناجية، ويجمعها الإقرار بتوحيد الصانع وقدم صفاته الأزلية، وإجازة رؤيته من غير تشبيه ولا تعطيل، مع الإقرار بكتب الله ورسله وبتأييد شريعة الإسلام، وإباحة ما أباحه القرآن وتحريم ما حرمه القرآن، مع قيود ما صح من سنة رسول الله، واعتقاد الحشر والنشر، وسؤال الملكين في القبر، والإقرار بالحوض والميزان. فمن قال بهذه الجهة التي ذكرناها ولم يخلط إيمانه بشيء من بدع الخوارج والروافض والقدرية وسائر أهل الأهواء فهو من جملة الفرقة الناجية -إن ختم الله له بها- ودخل في هذه الجملة جمهور الأمة وسوادها الأعظم من أصحاب مالك[؟] والشافعي وأبي حنيفة[؟] والأوزاعي والثوري وأهل الظاهر..."[159]
    وذكر السفاريني «أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية: وإمامهم أحمد بن حنبل، والأشعرية: وإمامهم أبو الحسن الأشعري. والماتريدية: وإمامهم أبو منصور الماتريدي، وأما فرق الضلال فكثيرة جدا».[160] وقال في كتاب العين والأثر: أهل السنة والجماعة ثلاث طوائف هم الأشاعرة والحنابلة والماتريدية.[161]

    وللموضوع بقية

  10. #30
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 14,766
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    طريقة الأثرية في مسائل الاعتقاد :
    الطريقة الأثرية هي التي تستند على الأثر، والأثر في اللغة بقية الشيء، والمأثور ما ينقله خلف عن سلف،[162] والأثرية من أهل الحديث عند علماء الكلام يطلق على العلماء الذين اعتمدوا في مسائل العقيدة على الأثر الذي يقوم على النقل والأخذ بالأدلة السمعية أي: الكتاب والسنة والإجماع، والأثر بمعنى المأثور قد يكون أعم من الحديث، إلا أن المقصود لا يختلف، وأهل السنة والجماعة سواء كانوا من أهل الأثر أو النظر كلهم من أهل الحديث، لكن الفرق في التسمية يظهر في طريقة الاستدلال، وهذا الفرق مهم في التسمية، وذلك أن الأدلة السمعية أساسية في الأحكام الشرعية سواء كانت علمية أو عملية، غير أن الأحكام العملية يكون فيها القياس عند فقد النص، بخلاف الأحكام العلمية (العقيدة) فهي تُؤخذ بالأدلة السمعية عن طريق النقل والنص، ولا مجال فيها للقياس، وقد كان أئمة أهل السنة والجماعة في عصر الصحابة والتابعين يهتمون بنقل الحديث وروايته واستنباط الأحكام الفرعية، وأما الأمور الاعتقادية فكانوا يتلقونها بالمشافهة ولم تكن هي موضع بحثهم واجتهادهم؛ لأنها أمور ثابتة ومقررة متفق عليها، وإنما تصدر بعضهم للرد على أهل الشبهات والزيغ والضلال الذين خالفوا سنة الخلفاء الراشدين وما كان عليه الصحابة، واستحدثوا في العقيدة مقولات مبنية على الرأي الذي هو من قبيل اتباع الهوى في مقابل النص، وتكلموا فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه من مسائل الاعتقاد وخصوصا في الصفات، في مقابل أهل السنة والجماعة الذين اتبعوا طريقة التفويض في المتشابهات، ومعنى التفويض في النصوص المتشابهة أنهم قالوا: آمنا بما جاء من عند الله، وفوضوا علم ذلك لله فإذا ما سُئلوا عن ءاية متشابهة قالوا: «الله أعلم بمراده بذلك»، إذ إن التفويض هو توقف عن تفسير معنى النص، والسكوت وعدم الخوض فيما فوضوا علمه لله. وظهر قولهم بالتفويض بسبب مقولات المعت زلة وأهل التجسيم وغيرهم من الفرق المخالفة للسنة والجماعة الذين ظهروا في عصر السلف وخاضوا فيما لا علم لهم به، وتكلموا فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه فوقعوا في ضلال بدعهم، واشتد انكار أئمة السلف على الخوض في هذا الكلام، قال الشهرستاني: «وأما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل ولا تهدفوا للتشبيه فمنهم: مالك بن أنس رضي الله عنهما إذ قال: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، ومثل أحمد بن حنبل رحمه الله وسفيان الثوري وداود بن علي الأصفهاني ومن تابعهم حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي وأبي العباس القلانسي والحارث بن أسعد المحاسبي وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية».[163] والسلف من أهل الحديث لما رأوا توغل المعتزلة في علم الكلام ومخالفة السنة التي عهدوها من الأئمة الراشدين؛ تحيروا في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في النصوص المتشابهات، قال الشهرستاني: «فأما أحمد بن حنبل وداود بن علي الأصفهاني وجماعة من أئمة السلف فجروا على منهاج السلف المتقدمين عليهم من أصحاب الحديث مثل: مالك بن أنس ومقاتل بن سليمان، وسلكوا طريق السلامة فقالوا: نؤمن بما ورد به الكتاب والسنة ولا نتعرض للتأويل بعد أن نعلم قطعا أن الله عز وجل لا يشبه شيئا من المخلوقات، وأن كل ما تمثل في الوهم فإنه خالقه ومقدره، وكانوا يحترزون عن التشبيه إلى غاية أن قالوا: من حرك يده عند قراءته قوله تعالى: ﴿خلقت بيدي﴾ أو أشار بإصبعيه عند روايته: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» وجب قطع يده وقلع أصبعيه»،[164].

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •