النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: أخلاق الحروب في السنة النبوية

  1. #1
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 11,649
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي أخلاق الحروب في السنة النبوية

    إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل الله فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.

    أما بعد..
    فمنذ أن بدأ الوحي في التنزُّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى أن أتمَّ الله عزَّ وجلَّ هذا الدين، وامتنَّ به على المسلمين قائلاً سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}. منذ ذلك الحين وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم تمثل النموذج التطبيقي الكامل الشامل لكلِّ ما جاء في القرآن الذي بلغ الذروة في الكمال والإتقان، وبلغ الغاية في الإبداع، ولم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وبيَّن حكمها، وطريقة التعامل معها، يقول تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ}.

    جاءت السُّنَّة النبوية إذن تبين حكم القرآن في كل أمر، وتوضح الحلال من الحرام؛ حتى لا تترك شيئًا غامضًا يُزِيغ المسلمين عن الجادَّة، حتى يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه العرباض بن سارية رضي الله عنه: "قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ".

    وقد كان من لوازم شمول الإسلام، وكون سُنة الرسول صلى الله عليه وسلم هي المفسرة لأحكام القرآن أن كثَّف الله عزَّ وجلَّ كل الأحداث التي من الممكن أن تواجه المسلمين في أي زمان وفي أي مكان، وذلك في ثلاثٍ وعشرين سنةً فقط؛ حتى يتحقق التوجيه الإلهي الحكيم: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.

    لقد مرَّ الرسول صلى الله عليه وسلم في فترة رسالته بكل الظروف التي يمكن أن تواجه الأمة الإسلامية في كل زمان ومكان؛ فهذه ظروف حرب وهذه ظروف سلم، وهذه أيام غنى وهذه أيام فقر، وهذه فترات قوة وهذه فترات ضعف. وتعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع كافة أنماط البشر؛ فهذا مؤمن وذاك جاحد، وهذا هين لين سهل، وذاك فظ غليظ، وهذا صغير وذاك كبير، وهذا رجل وتلك امرأة. لقد كان هذا التنوع ضروريًّا؛ لكي يمنحنا الرسول صلى الله عليه وسلم منهجًا عمليًّا في التعامل مع البشر؛ لأننا أمة منوط بها تبليغ الإسلام للبشرية كافة في كل زمان ومكان، وتحت أية ظروف.

    ولقد تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كل الأمور التي واجهته بطريقة فذَّة، وبسُنَّة مطهرة أخرجت لنا كنوزًا هائلة من فنون التعامل، ومن آداب العلاقات، وقد برز في كل دقائق حياته العنصرُ الأخلاقيُّ، كعنصر مؤثر تمامًا على كل اختيار من اختياراته صلى الله عليه وسلم، فلا يخلو - حقيقةً - أيُّ قول أو فعل له صلى الله عليه وسلم من خلقٍ كريم، وأدب رفيع، بلغ إلى هذه الذروة، ووصل - بلا مبالغة - إلى قمة الكمال البشري، الأمر الذي نستطيع أن نفهم منه قوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِمَ مَكَارَمَ الأَخْلَاقِ" .

    وهكذا فلا يخلو موقفٌ ولا حدثٌ ولا قولٌ ولا ردُّ فعلٍ من بروزٍ واضح لهذه الأخلاق الحميدة، حتى في المواقف التي يصعب فيها تصور الأخلاق كعاملٍ مؤثرٍ، وذلك كأمور الحرب والسياسة، والتعامل مع الظالمين والفاسقين والمحاربين للمسلمين والمتربصين بهم..
    لقد كان من المستحيل عند أهل السياسة والاقتصاد والحرب والقضاء أن يضبطوا تعاملاتهم في هذه المجالات بالضوابط الأخلاقية والإنسانية، ولكن جاءت حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسيرته العطرة لتنطق في كل لفتة من لفتات حياته بالالتزام بتلك الضوابط، ولا غرو، فهذا الخُلُق هو الذي وصفه الله تعالى بالعظمة، حيث قال في وصفه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}.

    لقد أثبتت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم أنَّ الالتزام بالقواعد الإسلامية المثالية التي وردت في كتاب الله عز وجل ليس ضربًا من الخيال، أو تحتاج إلى عالمٍ مثالي خالٍ من الشر والرذائل، بل هو أمر ممكن؛ لأنها قواعد واقعية إضافةً إلى كونها مثالية، قواعد يمكن تطبيقها والحياة بها كما استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحيا بها، ولأنها هي أصلح القواعد لتنظيم حياة البشر، وأنها الدليل الواضح لمن أراد الهداية بصدق، كما كانت حياته صلى الله عليه وسلم ترجمة صادقة لكل أمر إلهي، وقد صَدَقَت ووُفِّقت أم المؤمنين عائشة في وصف أخلاقه صلى الله عليه وسلم عندما قالت: كان خُلُقُهُ القرآن .

    ولكنْ لأنه ليس كل مَن يرى يبصر؛ فإنَّ هذه الأخلاق العظيمة، والشمائل الجليلة لم تمنع نفرًا من البشر أن ينكروا فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكذِّبون ما علمه جميع البشر من جميل خلاله، بل ساقهم الكِبر والعناد إلى التطاول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإساءة إليه.

    وهذا النكران والجحود لفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له من سببٍ إلا الحقد أو الجهل؛ فالحاقد لا ينقصه علم ولا دراية.. إنه رأى الحق بوضوح، ولكنه آثر - طواعيةً - أن يتَّبع غيرَه، أمّا لماذا خالف وأنكر فلأسباب كثيرة: فهذا محبٌ لدنياه، وذاك مؤثرٌ لمصالحه، وهؤلاء يتَّبعون أهواءهم، وأولئك يغارون ويحسدون..

    إنها طوائف منحرفة من البشر لا ينقصها دليل، ولا تحتاج إلى حجة، وفيهم قال ربنا عز وجل: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}.

    وهذه الطائفة موجودة في كل زمان، وهم أعداء الصلاح وأهله أينما كانوا، وهم الذين ينشرون الفحشاء، ويروجون للموبقات... إنهم كبار الضُّلاّل في كل عصر، وعتاة المجرمين، ورءوس الفتنة، يَضِلُّون ويُضِلُّون، ماتت ضمائرهم، وانتكست فطرتهم؛ فصاروا يرون الباطل حقًّا، والهداية ضلالاً؛ فاختاروا لأنفسهم ولأقوامهم طريق الضلال والغواية، وأعرضوا كل الإعراض عن كل دليلٍ يقود إلى خير، ووجَّهوا جلَّ اهتمامهم إلى حرب المصلحين والشرفاء!

    ومن هذا الفريق كان فرعون وهامان وقارون، ومنه كان أبو جهل وأُبي بن خلف وأبو لهب، ومنه كان كسرى وقيصر، ومنه كان حُيي بن أخطب وكعب بن الأشرف..
    مِنْ هؤلاء مَنْ تزيّا بزيِّ الملوك والسلاطين، ومنهم مَنْ تزيا بزي الأحبار والرهبان.. منهم مَنْ أمسك السيف وقاتل، ومنهم مَنْ أمسك القلم وطعن.. منهم اليهودي والنصراني والمشرك والمجوسي، ومنهم الملحد الذي ينكر الألوهية أصلاً، بل إن منهم المسلم ظاهرًا المنافق باطنًا!! وما قصة عبد الله بن أبي ابن سلول عنَّا بخافية. إنه فريق خطير يحتاج المسلمون دائمًا إلى كشف أوراقه، وإلى فضح مخططاته ومؤامرته، وإلى تحذير العالمين من شروره وآثامه.

    وقد مَنَّ الله عز وجل على المسلمين بأن جعل أهل هذه الفِرقة - التي تحفل بقيادات الكفر من أمثال: فرعون وهامان وقارون، وأبي جهل، وأُبي بن خلف، وأبي لهب، وكسرى، وهرقل.- قِلَّة في بحر الذين يحاربون الإسلام، ويكذبون الأنبياء والمرسلين.. إنَّ هذا البحر حافل بنوع آخر غير هذه الفِرقة، هذا النوع الآخر الذي يمثل السواد الأعظم من المكذبين الجاحدين لرسالة الرسل، هو "عموم الناس" الذين لم يعرفوا الدين من مصادره الصحيحة، إنما صُوِّر لهم على أنه بدعٌ منكرة، أو تقاليد بالية، أو أفكار منحرفة، فانساقوا كالقطيع وراء الأبالسة، وساروا في ركابهم إلى هاويتهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا!!

    إنهم الجهلة الذين لم يعرف العلم إلى عقولهم سبيلاً، أو البسطاء الذين يفتقرون إلى شرحٍ وتوضيح، أو حتى العقلاء الذين يحتاجون إلى دليلٍ وبرهان.
    إن هذا الفريق الثاني يحتاج ببساطة إلى "العلم".
    إنَّه لا يحارب الإسلام عن عداءٍ ورغبةٍ في الحرب، ولا يطعن في الرسول صلى الله عليه وسلم بُغضًا له، أو عن عقيدةٍ وفكرٍ وتصميم.
    إنهم المساكين من العوام الذين يقودهم سادتهم إلى حتوفهم كما تُقاد الأنعام لا تستطيع لنفسه شيئًا!!
    إنها الشعوب التي يحركها القادة كما تحرك الريح أوراق الشجر؛ فتلقي بها في أي مكان!!
    إنهم "عموم الناس"!?
    التعديل الأخير تم بواسطة القعقاع2 ; 10-01-18 الساعة 09:14 AM

  2. #2
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 11,649
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    ما أكثرهم!!
    وراجعوا التاريخ وتدبروا صفحاته..

    هذه الشعوب التي طالما قُهِرت على الذل والعبودية والقهر، ونشأت على أن ملوكها من سلالة الآلهة كما آمن الشعب الفارسي قرونًا طوالاً، وأن الدين الصحيح هو دين مزدك وأتباعه، ثم لما وصلتهم رسالة الإسلام، وعرفوا أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين الحقيقية، وسمعوا ما نُقِل إليهم من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم الحكيمة، ما كان منهم إلا أن دخلوا في دين الله أفواجًا طائعين مسلمي قيادهم إلى الله عز وجل ونبيه صلى الله عليه وسلم، لقد كان الحق والعدل الذي جاء به الإسلام هو ما يتمناَّه عامَّة الفُرس؛ فلما جاءهم أقبلوا عليه إقبال الشغوف المحب، ومصداق ذلك ما رواه الطبري عن أبي عثمان النهدي، قال: لما جاء المغيرة إلى القنطرة فعبرها إلى أهل فارس؛ حبسوه واستأذنوا رستم في إجازته، ولم يغيروا شيئًا من شارتهم تقويةً لتهاونهم؛ فأقبل المغيرة بن شعبة والقوم في زيهم عليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب، وبُسُطُهم على غلوة لا يصل إلى صاحبهم حتى يمشي عليهم غلوة، وأقبل المغيرة وله أربع ضفائر يمشي حتى جلس معه على سريره ووسادته؛ فوثبوا عليه فترتروه وأنزلوه ومغثوه؛ فقال: كانت تبلغنا عنكم الأحلام ولا أرى قومًا أسفَهَ منكم؛ إنّا معشرَ العرب سواءٌ؛ لا يستعبد بعضُنا بعضًا إلا أن يكون محاربًا لصاحبه؛ فظننتُ أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أنْ تخبروني أنَّ بعضكم أرباب بعض، وأنَّ هذا الأمرَ لا يستقيم فيكم فلا نصنعه، ولم آتكم ولكن دعوتموني.. اليوم علمتُ أن أمركم مضمحل، وأنكم مغلوبون، وأنَّ مُلكًا لا يقوم على هذه السيرة، ولا على هذه العقول؛ فقالت السِّفلة: صدق والله العربي، وقالت الدهاقين: والله لقد رمى بكلام لا يزال عبيدنا ينزعون إليه، قاتل الله أَوَّلِينا؛ ما كان أحمَقَهم حين كانوا يُصَغِّرون أمر هذه الأمة".

    لقد فقه عوام أهل فارس من كلام المغيرة رضي الله عنه أنَّ دين الإسلام هو دين المساواة بين البشر، ومن ثَمَّ أقبلوا عليه، في حين شعر الدهاقين (وهم رؤساء الفلاحين) بالقلق؛ لأنهم يدركون شوق الرَّعية إلى هذه المساواة.

    إننا - والله - لا نحتاج إلى إكراهٍ في الدين، ولا نسعى إلى إرغامٍ على عقيدة، فضلاً عن أننا مأمورون بالامتناع عنهما، قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}.

    لقد تبيَّن لشعب فارس الرشدُ من الغي، لقد رأوا الحق وميَّزوا بينه وبين الباطل بوضوح، واختار جُلُّ الشعب طريق الفطرة التي زرعها الله عز وجل في سويداء قلوب عباده فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ، وأسلم غالب شعب فارس، ولم يستمر في الإنكار والتكذيب والمقاومة إلا رءوس الكفر وأئمة الضلال.

    وما قلناه عن شعب فارس ينطبق على شعوب الشام ومصر وشمال أفريقيا، بل وعلى نصارى الأندلس والأناضول وشرق أوروبا، وكذلك ينسحب على شعوب شرق وغرب أفريقيا، وعلى أندونيسيا وأرض الملايو والهند وغيرها..

    إنَّ السواد الأعظم من الناس يكفيه أن تعرض له حقيقة الإسلام، وأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم وشمائله الكريمة ناصعة دون تجميل - إن كان ثمَّة إمكانية للتجميل - ليندفع نحو الإسلام مهرولاً عن يقين صادق.. من هنا نفهم ما ذكره ربنا عز وجل في كتابه محددًا بوضوح وظيفة الأنبياء: {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}.

    ومن هنا كان تقصير المسلمين في تبليغ دعوة الإسلام هو المنفذ الذي ينفذ منه أئمة الكفر والفساد والغواية؛ ليعرضوا الإسلام على الناس حسب أهوائهم، ليضلُّوهم، ويُلَبِّسوا عليهم دينَهم.

    إن قيادة الناس للهداية مسئولية جسيمة أمام الله عز وجل، والمتكاسل عنها على خطر عظيم؛ لأنه يدفع الناس دفعًا إلى البحث عمَّن يقودهم ويأخذ بأيديهم، ولو كان جاهلاً!!
    يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا".

    فالتخلي عن قيادة الناس وهدايتهم إلى الحق هو نقيض المهمة التي أوكلها الله عز وجل إلى المؤمنين، فلقد قال الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه وهو يشرح ببساطة دور المسلمين في الأرض، ومهمتهم في الحياة.. لقد قال في إيجاز حكيم: "إن الله ابتعثنا لنُخرج مَن شاء مِن عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جَور الأديان إلى عَدل الإسلام" .

    فهذه المهمة هي رحمة من الله عز وجل بالبشر، والنكوص عنها هو ما دفع الكثيرين من الناس إلى حربنا، فالمرء عدو ما يجهل، فما بالك بمن لايجهلك فحسب، بل يعرف عنك – من المصادر الزائفة – ما يسوءك، ويشوه صورتك.

  3. #3
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 11,649
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    إننا نحتاج إلى إبراز مواطن العظمة والكمال في ديننا، وفي حياة نبينا صلى الله عليه وسلم. نحتاج أن نتحدث عن أنفسنا بأنفسنا، وأن نكتب عن أخلاقنا بأقلامنا، وأن نتحدث عن رسولنا صلى الله عليه وسلم بألسنتنا. لقد دخلتُ أكثر من مكتبة عملاقة في أوروبا وأمريكا لأرى الكتب التي تتحدث عن الإسلام، أو عن رسولنا صلى الله عليه وسلم باللغة الإنجليزية، وباللغات الأخرى، فوجدت العشرات بل والمئات، ولكن - يا للأسف - معظمها كُتبت بأيدٍ غير مسلمة!!
    فقليل أنصف ودافع، وكثيرٌ ظَلَمَ وجَحَدَ وكَذَّبَ وافترى..
    والسؤال: أين المسلمون؟!
    أليس من ميادين الجهاد العظيمة أن يُكتَب عن دين الإسلام وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ما يشرح الجمال والكمال والجلال لعباد الله أجمعين؟!
    ألا يجب أن نغطي هذا المجال من كل جوانبه وبكل تفصيلاته؟!
    ألا يجب أن نصل إلى الشعوب المسكينة التي أعماها الجهل، وغطَّى الرانُ على قلوبها، فما رأت عظمة الإسلام وأخلاقه وتشريعاته؟!
    ألا يجب أن تُترجم كل هذه الفضائل إلى كل لغات العالم المشهورة وغيرها حتى نقيم حُجَّة الله على خلقه؟
    قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}.

    لا بد لنا أن نشعر بالتقصير ونحن نرى "عموم الناس" يعيشون حياتهم ليأكلوا ويشربوا ويتمتعوا فقط، وهم عن عبادة ربهم غافلون لاهون؟!
    إننا محاسبون يوم القيامة عن هؤلاء الذين كرهوا الإسلام، وكرهوا خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم لم يسمعوا عنه إلا من وسائل الإعلام اليهودية وما شابهها، ولم يقرءوا عنه إلا بأقلام المغرضين والملحدين؟!
    إن المهمة بعد ثقيلة، والتبعة جد عظيمة..
    إن العالم يحتاج لكمال شريعتنا، ويفتقر إلى قيادة رسولنا صلى الله عليه وسلم، وليست مهمة البلاغ بالهينة؛ فالأعداء متربصون، وإبليس لا يهدأ، والمعركة على أشدها، ولكن كل ذلك لا يخيفنا، فنُصْب أعيننا قول ربنا يُثَبِّتَ قلوبنا، ويرسخ أقدامنا: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.

    وبين أيدينا هذا البحث - الذي أسأل الله أن يجعله خالصًا لوجهه - نفتح فيه صفحةً واحدةً من الصفحات المبهرة في ديننا، وفي سيرة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.. نَصِف فيها كيف كانت أخلاقه صلى الله عليه وسلم في مجال الحروب، وهو مجال قلَّما تجد فيه أخلاقًا عند عموم القادة، غير أنه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم شيءٌ آخر تمامًا!!
    إنها صفحة بيضاء نقية، ما أحسب أن الفلاسفة والمنظِّرين والمفكرين قد تخيلوا مرة في أحلامهم أنها يمكن أن تكون واقعًا حيًّا بين الناس، حتى إن أفلاطون في جمهوريته، والفارابي في مدينته الفاضلة، وتوماس مور في مدينته الفاضلة الثانية (اليوتوبيا)، لم يصلوا في الأحلام والتنظير إلى عُشر معشار ما كان عليه رسولنا صلى الله عليه وسلم في حقيقته وواقعه.

    ويا ليت المسلمين يدركون قيمة ما في أيديهم من كنوز فيدرسونها ويُطبِّقونها، ثم ينقلونها إلى مشارق الأرض ومغاربها؛ ليسعدوا وتسعد بهم البشرية، وليكونوا سببًا في هداية الناس لرب العالمين.

    الدكتور / راغب السرجاني
    بارك الله فيه

  4. #4
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 11,649
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    تفرد الإسلام في أخلاقيات الحروب
    "إنَّ حُسْنَ الخُلُق، ولين الجانب، والرحمة بالضعيف، والتسامح مع الجار والقريب تفعله كل أُمَّة في أوقات السّلْـمِ مهما أوغلت في الهمجية، ولكن حُسْن المعاملة في الحرب، ولين الجانب مع الأعداء، والرحمة بالنساء والأطفال والشيوخ، والتسامح مع المغلوبين، لا تستطيع كل أُمَّة أن تفعله، ولا يستطيع كل قائد حربي أن يتَّصِفَ به؛ إن رؤية الدم تُثِيرُ الدم، والعداء يؤجِّج نيرانَ الحقدِ والغضب، ونشوة النصر تُسْكِرُ الفاتحين؛ فتوقعهم في أبشع أنواع التشفِّي والانتقام، ذلك هو تاريخ الدول قديمها وحديثها، بل هو تاريخ الإنسان منذ سفك قابيل دم أخيه هابيل: {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْـمُتَّقِينَ} [المائدة: 27].
    وهنا يضع التاريخ إكليل الخلود على قادة حضارتنا؛ عسكريين ومدنيين، فاتحين وحاكمين؛ إذ انفردوا من بين عظماء الحضارات كلها بالإنسانية الرحيمة العادلة في أشدِّ المعارك احتدامًا، وفي أحلك الأوقات التي تحمل على الانتقام والثأر وسفك الدماء، وأُقْسِم لولا أن التاريخ يتحدَّث عن هذه المعجزة الفريدة في تاريخ الأخلاق الحربية بصِدْقٍ لا مجال للشكِّ فيه لقلتُ إنها خرافة من الخرافات وأسطورة لا ظلَّ لها على الأرض!"[1].
    فإذا كان السلم هو الأصل في الإسلام، وإذا شُرِعَتِ الحرب في الإسلام للأسباب والأهداف التي ذكرناها سابقًا؛ فإن الإسلام كذلك لم يترك الحرب هكذا دون قيود أو قانون، وإنما وضع لها ضوابط تحدُّ ممَّا يُصَاحبها، وبهذا جعل الحروب مضبوطة بالأخلاق ولا تُسَيِّرُهَا الشهوات، كما جعلها ضدَّ الطغاة والمعتدين لا ضدَّ البرآء والمسالمين، وتتمثَّل أبرز هذه القيود الأخلاقية فيما يلي:
    1- عدم قتل النساء والشيوخ والأطفال: فكان رسول الله r يوصي قادة الجند بالتقوى ومراقبة الله U؛ ليدفعهم إلى الالتزام بأخلاق الحروب، ومن ذلك أنه r يأمرهم بتجنُّب قتل الولدان؛ فيروي بُرَيْدَةُ t فيقول: كان رسول الله r إذا أمَّر أميرًا على جيشٍ أو سريَّةٍ أوصاه في خاصَّته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، وكان مما يقوله: "...وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا..."[2]. وفي رواية أبي داود: يقول رسول الله r: "وَلاَ تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلاَ طِفْلاً، وَلاَ صَغِيرًا، وَلاَ امْرَأَةً..."[3].
    2- عدم قتال العُبَّاد: فكان رسول الله r إذا بعث جيوشه يقول لهم: "لاَ تَقْتُلُوا أَصْحَابَ ‏الصَّوَامِعِ". وكانت وصيته r للجيش المتجه إلى مؤتة: "‏اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلاَ ‏تَغُلُّوا، ‏وَلاَ ‏تَغْدِرُوا، ‏‏وَلاَ ‏تُـمَثِّلوا، ‏وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا، أَوِ امْرَأَةً، وَلا كَبِيرًا فَانِيًا، وَلا مُنْعَزِلاً بِصَوْمَعَةٍ"[4].
    3- عدم الغدر: فكان النبي r يوَدِّع السرايا موصِيًا إياهم: "...وَلاَ ‏تَغْدِرُوا..."[5]. ولم تكن هذه الوصية في معاملات المسلمين مع إخوانهم المسلمين، بل كانت مع عدوٍّ يكيد لهم، ويجمع لهم، وهم ذاهبون لحربه! وقد وصلت أهمية هذا الأمر عند رسول الله r أنه تبرَّأ من الغادرين، ولو كانوا مسلمين، ولو كان المغدورُ به كافرًا؛ فقد قال النبي r: "مَنْ أَمَّن رَجُلاً عَلَى دَمّهِ فَقَتَلَهُ، فَأنَا بَرِيءٌ مِنَ القَاتِل، وَإِنْ كَانَ المَقْتُولُ كَافِرًا"[6].
    وقد ترسَّخت قيمة الوفاء في نفوس الصحابة حتى إن عمر بن الخطاب t بلغه في ولايته أنَّ أحد المجاهدين قال لمحارب من الفرس: لا تَخَفْ. ثم قتله، فكتب t إلى قائد الجيش: "إنه بلغني أنَّ رجالاً منكم يَطْلُبُونَ العِلْـجَ (الكافر)، حتى إذا اشتدَّ في الجبل وامتنع، يقول له: "لا تَخَف". فإذا أدركه قتله، وإني والذي نفسي بيده! لا يبلغنِّي أن أحدًا فعل ذلك إلاَّ قطعتُ عنقه"[7].
    4- عدم الإفساد في الأرض: فلم تكن حروب المسلمين حروب تخريبٍ كالحروب المعاصرة، التي يحرص فيها المتقاتلون من غير المسلمين على إبادة مظاهر الحياة لدى خصومهم، بل كان المسلمون يحرصون أشدَّ الحرص على الحفاظ على العمران في كل مكان، ولو كان ببلاد أعدائهم، وظهر ذلك واضحًا في كلمات أبي بكر الصديق t، وذلك عندما وصَّى جيوشه المتجهة إلى فتح الشام، وكان مما جاء في هذه الوصية: "وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ...". وهو شمول عظيم لكل أمر حميد، وجاء أيضًا في وصيته: "وَلا تُغْرِقُنَّ نَخْلاً وَلا تَحْرِقُنَّهَا، وَلا تَعْقِرُوا بَهِيمَةً، وَلا شَجَرَةً تُثْمِرُ، وَلا تَهْدِمُوا بَيْعَةً..."[8].
    وهذه تفصيلات تُوَضِّح المقصود من وصية عدم الإفساد في الأرض؛ لكيلا يظنُّ قائد الجيش أن عداوة القوم تُبيح بعض صور الفساد، فالفساد بشتَّى صوره أمر مرفوض في الإسلام.
    5- الإنفاق على الأسير: إن الإنفاق على الأسير ومساعدته مما يُثَاب عليه المسلمُ؛ وذلك بحكم ضَعْفِه وانقطاعه عن أهله وقومه، وشِدَّة حاجته للمساعدة، وقد قرن القرآن الكريم بِرَّهُ بِبِرِّ اليتامى والمساكين؛ فقال I في وصف المؤمنين: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8].
    6- عدم التمثيل بالميت: فقد نهى رسول الله r عن المُثْلَة، فروى عبد الله بن زيد t قال: "نَهَى النَّبِيُّ r عَنِ النُّهْبَى، وَالمُثْلَةِ[9]"[10]. وقال عمران بن الحصين t: "كَانَ النَّبِيُّ r يَحُثُّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيَنْهَانَا عَنِ المُثْلَةِ"[11]. ورغم ما حدث في غزوة أُحُد من تمثيل المشركين بحمزة عمِّ الرسول r، فإنه r لم يُغيِّر مبدأه، بل إنه r هدَّد المسلمين تهديدًا خطيرًا إن قاموا بالتمثيل بأجساد قتلى الأعداء، فقال: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ قَتَلَهُ نَبِيٌّ، أَوْ قَتَلَ نَبِيًّا، وَإِمَامُ ضَلاَلَةٍ، وَمُمَثِّلٌ مِنَ الْـمُمَثِّلِينَ"[12]. ولم تَرِدْ في تاريخ رسول الله r حادثةٌ واحدة تقول بأن المسلمين مثَّلوا بأَحَدٍ من أعدائهم.
    هذه هي أخلاق الحروب عند المسلمين.. تلك التي لا تُلْغِي الشرف في الخصومة، أو العدل في المعاملة، ولا الإنسانية في القتال أو ما بعد القتال.
    د.راغب السرجاني

    [1] مصطفى السباعي: من روائع حضارتنا ص73.
    [2]
    مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيره (1731).
    [3]
    أبو داود: كتاب الجهاد، باب في دعاء العدو (2614)، وابن أبي شيبة 6/483، والبيهقي في سننه الكبرى (17932).
    [4]
    أخرج الحديثَ بدون ذكر قصة أهل مؤتة الإمامُ مسلم في صحيحه كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها (1731)، وأبو داود (2613)، والترمذي (1408)، والبيهقي (17935).
    [5]
    مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الأمير الأمراء على البعوث (1731)، وأبو داود (2613)، والترمذي (1408)، وابن ماجه (2857).
    [6]
    البخاري في التاريخ الكبير 3/322، واللفظ له، وابن حبان (5982)، والبزار (2308)، والطبراني في الكبير (64)، وفي الصغير (38)، والطيالسي في مسنده (1285)، وأبو نعيم في الحلية 9/24 من طرق عن السدي عن رفاعة بن شداد. وقال الألباني: صحيح. انظر: صحيح الجامع (6103).
    [7]
    الموطأ: رواية يحيى الليثي (967)، والبيهقي: معرفة السنن والآثار (5652).
    [8]
    البيهقي في سننه الكبرى (17904)، والطحاوي: شرح مشكل الآثار 3/144، وابن عساكر: تاريخ دمشق 2/75.
    [9]
    النُّهْبَى: أَخذ المرء ما ليس له جهارًا، والمُثْلَة: التنكيل بالمقتول، بقطع بعض أعضائه.
    [10]
    البخاري: كتاب المظالم، باب النهبى من غير إذن صاحبه (2342)، والطيالسي في مسنده (1070)، والبيهقي في سننه الكبرى (14452).
    [11]
    أبو داود: كتاب الجهاد، باب في النهي عن المثلة (2667)، وأحمد (20010)، وابن حبان (5616)، وعبد الرزاق (15819)، وقال الألباني: صحيح. انظر: إرواء الغليل (2230).
    [12]
    أحمد (3868)، واللفظ له، وحسنه شعيب الأرناءوط، والطبراني في الكبير (10497)، والبزار (1728)، وقال الألباني: صحيح. انظر: السلسلة الصحيحة (281).

  5. #5
    عضو متألق
    رقم العضوية : 59659
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    المشاركات: 11,649
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    يا له من دين !!!!!

    نادى الغلام: يا قتيبة "هكذا بلا لقب". فجاء قتيبة وجلس هو وكبير الكهنة أمام القاضي "جُمَيْع"، ثم قال القاضي: ما دعواك يا سمرقندي؟
    قال: اجتاحنا قتيبة بجيشه، ولم يدعنا إلى الإسلام، ويمهلنا حتى ننظر في أمرنا.
    التفت القاضي إلى قتيبة وقال: وما تقول في هذا يا قتيبة؟ قال قتيبة: الحرب خدعة وهذا بلد عظيم، وكل البلدان من حوله كانوا يقاومون، ولم يدخلوا الإسلام ولم يقبلوا بالجزية.
    قال القاضي: يا قتيبة، هل دعوتهم للإسلام أو الجزية أو الحرب؟
    قال قتيبة: لا، إنما باغتناهم لما ذكرت لك.
    قال القاضي: أراك قد أقررت، وإذا أقر المُدَّعَى عليه انتهت المحاكمة. يا قتيبة، ما نصر الله هذه الأمة إلا بالدين، واجتناب الغدر، وإقامة العدل.
    ثم قال: قضينا بإخراج جميع المسلمين من أرض سمرقند من حكام وجيوش ورجال وأطفال ونساء، وأن تُترك الدكاكين والدور، وأنْ لا يبق في سمرقند أحدٌ، على أنْ ينذرهم المسلمون بعد ذلك.
    لم يصدق الكهنة ما شاهدوه وسمعوه! فلا شهود ولا أدلة، ولم تدم المحاكمة إلا دقائق معدودة، ولم يشعروا إلاّ والقاضي والغلام وقتيبة ينصرفون أمامهم.
    وبعد ساعات قليلة سمع أهل سمرقند بجلبة تعلو، وأصوات ترتفع، وغبار يعم الجنبات، ورايات تلوح خلال الغبار. فسألوا، فقيل لهم: إنّ الحكم قد نُفِّذَ، وأنّ الجيش قد انسحب. في مشهدٍ تقشعر منه جلود الذين شاهدوه، أو سمعوا به.
    وما إنْ غرُبت شمس ذلك اليوم إلا والكلاب تتجول بطرق سمرقند الخالية، وصوت بكاءٍ يُسمع في كل بيتٍ على خروج تلك الأمة العادلة الرحيمة من بلدهم.
    ولم يتمالك الكهنة وأهل سمرقند أنفسهم لساعات أكثر، حتى خرجوا أفواجًا وكبير الكهنة أمامهم باتجاه معسكر المسلمين وهم يرددون شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله.
    فيا لله ما أعظمها من قصة! وما أنصعها من صفحة من صفحات تاريخنا المشرق!
    أرأيتم جيشًا يفتح مدينة ثم يشتكي أهل المدينة للدولة المنتصرة، فيحكم قضاؤها على الجيش الظافر بالخروج؟! والله لا نعلم شبهًا لهذا الموقف لأمةٍ من الأمم.
    بقي أن تعرف أن هذه الحادثة كانت في عهد الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز، حيث أرسل أهل سمرقند رسولهم إليه بعد دخول الجيش الإسلامي لأراضيهم دون إنذار أو دعوة، فكتب مع رسولهم للقاضي أنِ احْكُمْ بينهم، فكانت هذه القصة التي تعتبر من الأساطير.
    المصدر: موقع يا له من دين، نقلاً عن كتاب (قصص من التاريخ) للشيخ علي الطنطاوي.

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •