نجوم المجد .... في الصحراء

وقع بصري على السماء !! يا الله ما هذه النجوم؟؟ كأنها جيش يقتحم الصحراء.. يطلق أشعته لتقطع أوتاد القلب .. فينطلق منه نبضات ٌ تدعوني للبقاء في ذلك المكان لأروي فضولي وأعيش تلك الحياة التي طالما حلمت بها..
يا الله أريد أن أتأمل السماء .. أريد الانفراد بنفسي.. أريد .. أريد ولكن .. زوجي .. أولادي .. ضوضاء المدينة .. العمل .. الجميع يسلخني كما ينسلخ الليل من النهار .. شعرت وكأنني في دائرة؟؟ أرواح رائعة تتمسك بي وأهلي ........
لا أريد أن أغادر المكان لا.. لا..
جلست في السيارة والصراع يعصف بداخلي ..
الجميع متعطشون ..
أمي .. أمي ..
تمالكت نفسي واسترسلت في الكلام .. وكأنني كنت أعيش حلماً!! تمنيت ألا أستيقظ منه ..
لقد انتظرت هذا اللقاء طويلا بعد أن شوقتني إليه أخت في الله ..
لقد وطئت بقعة على سطح الأرض منعزلة عن العالم تماماً .. يقولون إنها بعيدةٌ عن الطريق خمسة عشر (كم )!! لا بل أكثر ..
في الصحراء تركز خيمة شامخة سعدت عندما ظهرت لنا بعد أن سلكنا طريقا وعرة ..
استقبلتنا الأم وكلها حياء وفرح بقدومنا:
حياكم الله حياكم الله تفضلوا .. قلنا لها نصلي المغرب أولاً ..
صلينا خارج الخيمة والبرد القارس يحيط بنا ..
لا أرى من الخيمة إلا دخاناً يخرج منها .. والظلام الحالك جعلنا ندخلها بحذر .. وصوت الأخت الكبرى يرحب بنا ..
جلسنا وبعد قليل قطع الظلام نور خافت لسراج لا أعلم من ملامحه إلا شعاعاً متواضعاً تعكسه عيون الشابات الخمس وأمهن ..
للتو عادوا من الرعي .. يختلسون النظر إلينا .. وتكاد تعد الكلمات التي تخرج من أفواههن .. عرفتهن صاحبتي علي وبدأ الحوار بيننا...
(أخواتكن الخمسة لا يعرفن القراءة ولا الكتابة) !!
الأخت الكبرى جلست قريبة منا أما الباقيات فابتعدن قليلاً ..
.. كيف تقضين وقتك؟؟
الكبرى: أنا مريضة .. الحلال (الغنم) كثير .. أخواتي يذهبن للرعي وأنا أساعد أمي هنا..
.. هل تحفظين شيئا من القرآن؟؟
الكبرى: نعم تدرسنا أختي أسماء.
.. تعالي يا أسماء اقتربي مني لماذا أنت بعيدة؟؟
( اقتربت وكأنها عروس تزف لزوجها من شدة الحياء)
جلست أمامي ..نظرت في عيونها كأنها بحر يحمل في داخله أسراراً وأسرارا ..
صمتها .. عيونها .. هدوؤها .. رزانتها كأنها جبل شامخ .. لم أسمع منه إلا جوابا لا يغطي السؤال إلا بهمساتٍ من أخواتها .. أسماء .. أسماء قولي.......................
.. كم تحفظين من القرآن؟؟
الأخوات خلف ظهرها: كله ..كله..
.. يا أسماء .. أحب أن أسمع صوتك (لقد اجتمع ظلام الخيمة و الدخان المتصاعد من داخل الخيمة تتخلله أشعة هذا السراج المتهالك)
أجابت بعيونها قبل أن ينطق لسانها: نعم.
صديقتي .. هل أختبرك يا أسماء..؟
الأخوات: نعم .. نعم..
صديقتي .. أعطوني القرآن ( فأعطوها مصحفا لا يعلم حاله إلا الله).
فتحته صديقتي لا على التعيين .. وسألتها عن آيات من سورة المائدة..
انقطع الصمت وبدأ الدُُّّر يخرج من فم أسماء!!!!!!!!!!!!!!
تقرأ ما شاء الله كأنها تقرأ من مصحف بلا انقطاع .. ولا تردد..!!
مقطع ثان.. ثالث .. ما شاء الله .. ما شاء الله .. كيف وهن يعشن حياتهن كلها في الرعي .. لا كهرباء .. ولا مسجل .. ولا معلم .. ولا دور للقرآن .. ولا مكيف .. ولا دفاتر .. ولا أقلام .. ولا .. ولا .. ولا.. حياة بدائية لا يعرفون من الطعام إلا قطعة لحم تغلى على النار .. وإن طبخوا الرز صار عصيدة .. إنهن راضيات.. مسرورات..
.. هل تعلمت القراءة يا أسماء.. ؟
أسماء : لا .. لا ..
أعطتها صاحبتي القرآن وقالت لها اقرئي..
قرأت أسماء من القرآن!!!
إنها تقرأ من المصحف فقط لا تعرف القراءة في الكتب!! لماذا وكيف ذلك..؟؟؟؟؟؟؟؟
أسماء إذا كنت تعودين من المرعى وقت الغروب .. فمتى تحفظين القرآن؟ وكيف؟
أسماء: أنا أستمع دوماً لإذاعة القرآن الكريم .. بعد صلاة الفجر أنصت للقرآن .. وأحاول أن أردد معه .. أنظر للآيات من المصحف حتى حفظت أماكنها .. وطوال اليوم أثناء الرعي أردد الوجه المقرر وأراجع ما أحفظ!!!
.. هل تراجعين من المصحف؟؟
أسماء: لا.. لا من حفظي ..
.. إذا أخطأت أو نسيت آية أو كلمة ماذا تفعلين؟
أسماء: عندما أعود أبحث في المصحف وأثبت حفظي!!

أخواتي استنتجت من كلام أسماء أن التركيز على المسموع هو سبب حفظها لاسيما وأن إذاعة القرآن الكريم قد تكون بالنسبة لنا للمراجعة ممتازة أما للحفظ فصعب جدا لعدم وجود آلية التكرار كالمسجل و ال c.d وغيرها من الوسائل..

أثناء اختبارنا لأسماء عندما نسألها تناديها أخواتها أسماء من النحل أسماء من مريم ..
وهكذا..
أخوات أسماء يحفظن ولكن لم يكملن حفظ كتاب الله وجميعهن عندهن من العلوم الشرعية قدر وافر .. إنهن يعرفن المشايخ والمحاضرين .. كم هو حزنهن كبير عندما يأتيهن خبر أن أحد العلماء قد توفى .. وكأنه قطعة من فؤادهن..
نجوم المجد هن في الصحراء يتفكرن بآلاء الله يعيشن مع كتاب الله العظيم حتى هانت عليهن الدنيا .. .إنهن لا يردن المدينة.. ولا يحلمن بها ..
عجبت من أمرهن .. سألتهن ما الذي ترينه في أحلامكن؟؟
ضحكت الأخت الكبرى وضحكنا جميعاً .. وحان وقت الانصراف..
خرجت منهن وفي رأسي مئة سؤال وسؤال.. واقتطعت عهدا من زوجي أن أزورهن مرة أخرى..
ولكن هذه المرة أريد أن أخرج للرعي معهن .. لأرى كتاب الله من منظورهن..
خاطبهن قلبي قائلاً:
دعكن من المدينة .. والمدنية .. أنتن على خير كبير..
حقيقة لا تجتمع الدنيا والقرآن في قلب واحد..
لو كنتن مكاني بماذا تخاطبن أخواتكن؟؟؟؟؟




تقول صاحبة القصه ........بعد فتره تزوجت إحداهن فجهزت نفسها بخمسة آلاف ريال وطلبت من زوجها أن تعود إلى صحرائها..
هنيئا لهن صفائهن.. وفراغ قلوبهن