أيها الأخوة الكرام ؛ المرء أحيانًا يجرّه الاختلاط إلى مفْسَدَةٍ ومعصِيَة ، وأحيانًا يجرّه الانعزال إلى أن يُفَوِّتَ على نفسه خيرًا كثيرًا ، فيا تُرى ما الحكم الشرعي في أمرش الاختلاط مع الناس أو اعتزالهم ؟
في الانفتاح عليهم أو الانكماش منهم ؟
أليْسَ في النصوص الشرعيّة حدود دقيقة وضوابط محكمة تبيّن ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان في شأن الاختلاط مع الناس أو الانزواء عنهم ؟
من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم تبيِّن أنَّ على المرء أن يكون مع جماعة المسلمين ، وأن يكون مع المؤمنين أن يخالطهم ، وأن يعيش معهم ، وأن يتعامل معهم ، أن يأمرهم بالمعروف ، وأن ينهاهم عن المنكر . وقد روى الترمذي على شرط مسلم ، وروى أحمد والحديث صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((مَرَّ بِشِعْبٍ فِيهِ عُيَيْنَةُ مَاءٍ عَذْبٍ فَأَعْجَبَهُ طِيبُهُ فَقَالَ : لَوْ أَقَمْتُ فِي هَذَا الشِّعْبِ، فَاعْتَزَلْتُ النَّاسَ ، وَلَا أَفْعَلُ حَتَّى أَسْتَأْمِرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : لَا تَفْعَلْ ، فَإِنَّ مَقَامَ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةِ سِتِّينَ عَامًا خَالِيًا ، أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ، وَيُدْخِلَكُمْ الْجَنَّةَ ، اغْزُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ))
[ أحمد عَنْ أبي هريرة]
التعامل مع المجتمع :
أيّها الأخوة ؛ آيات وأحاديث واضحة الدلالة صحيحة كلها تؤكّد أنَّه ينبغي للمؤمن أن يكون مع المؤمنين ، وأن يتعامل معهم ، وأن يخالطهم ، وأن ينصحهم ، وأن يرشدهم ويأمرهم بالمعروف ، وأن ينهاهم عن المنكر ، وأن يعين ضعيفهم ، وأن يغني فقيرهم ، هكذا . ولكن هناك آيات أخرى ، فالله سبحانه وتعالى يقول على لسان سيّدنا إبراهيم ، قال تعالى :
﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً ﴾
[ سورة مريم : 48]
وفي آية أخرى :
﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ﴾
[ سورة الدخان : 21]
وفي آية ثالثة :
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً ﴾
[ سورة الكهف : 16]
هذه آيات أخرى تبيّن طريقًا آخر للتعامل مع المجتمع ، فالمجتمع حينما يفشو فيه الكفر ، حينما يعبد غير الله عز وجل ، كما ورد في بعض الأحاديث القدسيّة : " إني والجن والإنس في نبأ عظيم ؛ أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر غيري ".
من هذه الآيات الثلاث تبيّن أنَّ المجتمع إذا انحرف وفسد ، وطغى عليه الشر ، وإذا عُبِدَ فيه غير الله عز وجل ، وإذا كان الأمين خائنًا ، والخائن أمينًا ، والكاذب صادقًا ، والصادق كاذبًا ، وإذا أُمر بالمنكر ، ونُهِيَ عن المعروف عندئذٍ ينبغي أن نأخذ بالآيات الثلاث الأخرى ، وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قُلْتُ :
((يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا النَّجَاةُ ؟ قَالَ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ ))
[ الترمذي عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]
مراعاة الأحوال والأزمان في شأن العزلة والاختلاط :
أيها الأخوة الكرام ؛ من عَرْض هاتين الزمرتين من النصوص ربّما توهَّم مُتَوَهِّم أنَّ بينهما تناقضًا ، وربّما فُهِمَ أنَّ زمرةً من النصوص تدعو إلى الاختلاط والانفتاح ، والتعاون والاندماج ، وأنَّ زمرةً أخرى تدعو إلى العزلة ، الإمام الغزالي رحمه الله تعالى حجّة الإسلام يقول: " إيّاك أن تحكم مطلقًا على العزلة أو الخلطة أنّ إحداهما أولى ، لا بدّ من مراعاة الأحوال والأزمان" .
هنا موطن الشاهد ؛ لا بدّ من مراعاة الأحوال والأزمان في شأن العزلة والاختلاط، ذكرتُ لكم نصوصًا تدعو إلى الاختلاط بين الناس ، والمعاونة لهم ، وإرشادهم ، ونصحهم ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ونصوصًا أخرى تدعو إلى اعتزال المجتمعات الفاسدة ، لذلك من العَمَى ومن الخطأ الفاحش أن تأخذ بِنُصوص ، وتدع الأخرى ، وألا تُراعِيَ في الأخذ والترك الأحوال ، وفوارق الزمان ، وخصائص البيئات ، لذلك يمكن أن نستنبط الحقيقة التالية ؛ أنَّ مجتمع الإيمان ينبغي أن تكون معه ، وينبغي أن تؤازره ، وأن تنصحه ، وأن تأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر ، وينبغي أن تكون إيجابيًا ، ومنفتحًا عليه ، وأن تضع طاقاتك في خدمة أفراده ، ينبغي أن تكون أنت للمجتمع كلّه ، وأما مجتمع الكفر والفسوق والعِصْيان ، مجتمع الإلحاد ، ومجتمع الانحراف ، ومجتمع الرذيلة ، فهذا المجتمع ينبغي أن تعتزله ، إذًا هناك زمرةً من النصوص نأخذ بها في حالة ، وزمرة أخرى من النصوص نأخذ منها في حالة أخرى .
الابتعاد عن المجموع زمن الفتنة :
أيها الأخوة الكرام ؛ متى ينبغي أن نبتعد عن المجموع ؟ قال : عند زمن الفتنة، وما تعريف الفتنة ؟ إذا اشْتبه عليك الحق والباطل فلم تدْر أيّهما تتَّبع ، عندئذٍ اعتزال الفتنة سنّة الأنبياء ، وعِصمة الأولياء ، وسيرة الحكماء ، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري وأبو داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

في زمن الفتنة حينما تلتبس عليك الأمور لا تدري ماذا تصنع ، ولا تدري من المُحِقّ من المبطل ؟ عندئذٍ يقول عليه الصلاة والسلام :
((يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبِعُ بِهَا شَغَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ ))
[أبو داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

د النابلسي