حتى-لا-نحمل-أعباءهم-كباراً يحيي-السيد-عمر


نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


ليس بالكلام الجديد على الآذان ذاك الذي يناقش الثورة التقنية الهائلة التي يشهدها العالم وما رافقها من ثورة إعلامية تمثلت بإطلاق آلاف مؤلفة من القنوات الفضائية والمجلات والمواقع الإلكترونية، حتى ليحسب المراقب أن الأمر لن ينتهي حتى يصبح لكل بيت على وجه البسيطة قناته الفضائية الخاصة به!!





بقلم: يحيى السيد عمر





وتعددت اتجاهات هذه القنوات وتنوعت مذاهبها، فمنها من احترَف الأخبار، ومنها ما هو للأفلام أو الرياضة أو الإعلانات، وبلغ الأمر ببعضها أن تخصَّص بأدق تفاصيل الحياة، فلا عجَب أن تجد قناة متخصِّصة في القطط فقط، أو في بعض أنواع الحشرات!


وفي معمعة هذه القنوات وحربها لأخذ حصتها من سوق المشاهدين، لم يخفَ عن أصحابها أن يفردوا حيّزاً كبيراً للطفولة؛ وذلك لما لها من أهمية، فهي من وجهة نظر العاقل الباحث عن النهضة البشرية شريحة في غاية الأهمية يجب الاهتمام بها وتوجيهها بالشكل الصحيح، أما من وجهة نظر التاجر والمستثمر فهي الفئة الأكبر عدداً في المجتمع، والفئة الأسهل من حيث إمكانية التأثير عليها.


فاشتعل الصراع بين الباني والمستثمر، كلٌّ يريد أن يكسب هذه الفئة الحسَّاسة إلى صفِّه، وبين شدّ وردّ ضاع الطفل ما بين القيِّم من البرامج والرخيص منها، وهو الذي لم يمتلك بعد موهبة حُسن الاختيار، ممّا انعكس سلباً على الطفل، سواء أكان من خلال فقده روحَ الطفولة والمرح فهو يكبر على مشاهدة المسلسلات المبنية على قصص العنف والقتل والدمار والمصحوبة بكمٍّ كبير من الضجيج والصراخ.. أو فقده لذاته الاجتماعية، فكثير من أطفالنا يتسمرون أمام الشاشات لساعات عديدة، مما يكوِّن لديهم دنياهم الخاصة بهم، لتظهر أمراض جدّية ما كنا نسمع بها، أهمّها الأمراض النفسية.


وهنا تستوقفني حادثة جرت معي؛ إذ كنت في زيارة لأحد أصدقائي، فجاءت ابنته التي تبلغ من العمر ثلاث سنوات، وجلست في حضني وراحت تحدثني بلغة غير مفهومة، وشعرت أنها تشرح لي أحداثاً رأتها، لكن بلغة خاصة ومفردات جديدة، ولم يستغرق الأمر كثيراً من الوقت حتى عرفت ما القضية، فوالد الصغيرة يعمل لساعات عديدة خارج المنزل وأمها مشغولة دائمة بأعمال البيت، والبنت متسمرة أمام التلفاز تشاهد برامج باللغة الإنكليزية، وهذه الحالة ليست بالحالة الخاصة.


فبتنا قلَّما نجد في بيوتنا ذاك الطفل المهتم بالرسم أو الموسيقى أو الرياضة، بل بات الطفل يعيش في حالة من الفوضى النفسية والعقلية، بين القيم التي يتلقاها من الأهل، والعادات الغريبة التي يستقيها من الشاشة الفضية، والتي ومن وجهة نظري لم تعد فضية، بل أصبحت سوداء قاتمة تنفث السموم في العقول.


وهنا لا أريد أن أوجِّه كلامي لأصحاب القنوات الفضائية أو المسؤولين في الحقل الإعلامي؛ لأنهم أعلم مني بالخطر لكنهم يتغاضون عنه، وكيف لا وهم يبثون برامج الأطفال على مدار الساعة، فلم يعد الطفل يعلم ليله من نهاره، بل أريد أن أوجِّه هذه الكلمة للآباء والأمهات، ممن يستمتعون بجلوس أطفالهم أمام التلفاز فرحين بالراحة التي يوفِّرها لهم، فمن وجهة نظرهم قد جاء من يحمل العبء عنهم؛ عبء الطفل الذي قد يحمله التلفاز عنهم في سن الطفولة ليضخِّمه وينمِّيه، ويردّه لأهله عبئاً أكبر بكثير مما كان، ليرده عبئاً متمثلاً في شاب فاشل في دراسته، فاشل في حياته الاجتماعية، متمرد على القيم، يجد في نفسه ميولاً لا تتوافق مع بيئته الحقيقية وقد تغذى بأفكار غريبة.


وهنا كل ما أرجوه من الأهل أن يتغلبوا على المتعة التي يعيشونها، ويحملوا جهاز التحكم، ويطفئوا التلفاز، ويلتفتوا قليلاً إلى ما يميل إليه أطفالهم، ورحم الله أيامنا؛ إذ كانت فترة الأطفال على التلفاز لا تتعدى الساعة، لنجد أنفسنا لدينا من الوقت الكثير الذي استطعنا أن نستغله في أشياء كان لها كبير الفائدة علينا.



نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


لتحميل المقال بصيغة PDF اضغط علي الرابط التالي ::


حتى لا نحمل أعباءهم كباراً

يمكنك الرد هنا عبر حسابك في فيس بوك دون الحاجة للتسجيل بالمنتدى ( انتظر التحميل )