صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 20
Like Tree1Likes

الموضوع: رواية لحن العاصي بقلم / سامية أحمد

  1. #1

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,437
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي رواية لحن العاصي بقلم / سامية أحمد

    بسم الله الرحمن الرحيم
    لحن العاصي
    بقلم سامية أحمد

    مقدمة
    .........
    عاش متواضعا في حياته، والآن يعلو فوق الرؤوس
    يشيعه ثمانية نفر وحبه يسكن قلوب لا حصر لها
    كان يتوارى من الشهرة ويهرب من التكريم
    لكن أثره الطيب باق، ومآثره تشهد عليه في الأرض
    وعندما أدرك دنو الموت منه، اختار أن يدفن في الأرض التي لفظته
    فقد عاش عمره بقلب معلق بها، وعيون تهفو لنظرة إليها
    الآن فقط ..
    يعود محمولا في ظلمة الليل، ليتخذ من ترابها سكنا أبديا
    أيها العاشق الذي أرداه شوقه
    اهنأ بليلة عرسك بعد طول غربتك
    نم قريرا وانعم بأحضان الحبيبة
    .........................................



    وسيتم إن شاء الله إدراج لينكات الحلقات هنا بمجرد نزول الحلقة ليسهل متابعة الرواية

    يمكنك الرد هنا عبر حسابك في فيس بوك دون الحاجة للتسجيل بالمنتدى ( انتظر التحميل )



    التعديل الأخير تم بواسطة أم عز الدين ; 12-07-17 الساعة 03:20 PM

  2. #2

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,437
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة الأولى

    تطلعت إلى ساعتها التي تجاوز الوقت فيها منتصف الليل، وزفرت بقلق وهي تتلفت حولها وتهرول مسرعة لتصل إلى محطة قطار الأنفاق كي لا يفوتها موعد آخر قطار ليلي، وهي تدعو الله ألا تصطدم بأحد السكارى المتسكعين أو تتحقق أسوأ مخاوفها ويعترض طريقها أحد المتطرفين
    فكم من الاعتداءات التي جرت من أفراد وجماعات متطرفة نشرت الرعب في المنطقة وجعلتها تتوجس خيفة وتتوقع الشر كل ليلة في طريق عودتها من عملها
    في تلك الساعة من الليل، عادة ما تكون المحطة خاوية ومخيفة
    فليرحمها الله من الورديات الليلية ويجد لها مخرجا يعوضها عن السنتات التي تجمعها من تلك الوردية لتكفي بها احتياجاتها الأساسية وتسدد بها فواتير الغرفة التي تقطنها
    عندما نزلت بها السلالم الكهربائية تحت الأرض وجدت المحطة خالية من البشر ومرعبة كما كانت تتوقع, واضطرت للانتظار بضع دقائق أخرى حتى يصل القطار
    كانت تحاول جاهدة أن تبعد عن عقلها ذلك الشعور المريع بأن هناك من يتبعها منذ أن خرجت من مقر عملها, وكان رعبها يزداد مع كل لحظة يتراجع فيها الوهم ليحل محله اليقين
    أخذ قلبها يدق بشكل جنوني وأنفاسها تتلاحق وعيناها تمسحان المكان برعب، فلا تجد انسيا
    لكنها متبوعة
    بالتأكيد هو أحدهم, كانت موقنة أنهم سيصلون إليها حتى لو هربت إلى آخر مكان في العالم, فهؤلاء لا يردعهم شيء
    قررت في لحظة يأس مرعب أن المواجهة هي الحل, ولن تكون فريسة سهلة وستدافع عن حياتها مهما حدث
    عصرت قبضتها حمالة حقيبتها الكبيرة وتأهبت لظهور مطاردها
    ماذا لو كانوا أكثر من واحد؟
    سؤال ألقى الرعب في قلبها وأصابها برجفة عنيفة
    انتفضت على صوت قوى في المكان عجزت عن تحديد مصدره أعقبه صوت بشري يتأوه
    تراجعت ببطء وهي تتلفت برعب في المكان حتى التصقت بأحد الأعمدة, ورفعت حقيبتها لأعلى في انتظار هجوم وشيك لا تدرى مصدره
    انتفضت صارخة بفزع عندما أطل عليها فجأة وجه باسم يقول : مرحبا
    كانت المفاجأة من نصيبه عندما أفزعه صراخها، فسارع قائلا بقلق : أرجوك اهدئي, آسف لأنني أفزعتك
    تراجعت مبتعدة وهي ترفع حقيبتها في الهواء بشكل تهديدي، وصرخت بصرامة وأنفاسها السريعة تفضح خوفها : لماذا تتبعني!
    ابتسم قائلا : كنت سأسألك نفس السؤال
    - ماذا تعني؟
    - أعني أنك أنت التي تتبعينني
    تبدلت تعبيرات وجهها إلى الدهشة وهتفت باستنكار : ماذا!
    قال ضاحكا : لا عليك، اعتدت تلك المطاردات, والآن هلا أخبرتني هل أنت من الصحفيات أم من المعجبات؟
    - معجبات!
    - حسنا, أنت لست صحفية ولا من المعجبات ولا تتبعينني, هل يمكنك أن تهدئي الآن, فليس بشعور جيد أن أظل تحت تهديد شيء ما قد يسقط على رأسي في أية لحظة, خاصة لو كان حقيبة بهذا الحجم
    انتبهت أنها لازالت ترفع حقيبتها في وضع التهديد, فأنزلتها ببطء وترقب وهي ترمقه بشك وقلق، فابتسم قائلا : هذا أفضل، لقد خشيت أن يكون بداخلها خزانة ملابس
    لم تضحك لدعابته, بل ازداد وجهها تجهما فقال : أحمد الله أنك لم تتهوري وتقذفي بها في وجهي, لا أعتقد أن تلك هي الطريقة المثلي للتعامل بين اثنين من العرب في بلد أجنبي
    هتفت بصوت خشن تملأه الريبة : وكيف عرفت أنني عربية
    رفع حاجبيه دهشة وصمت مفكرا برهة، ثم قال : خمنت ذلك, أظنها ملامحك الشرقية، أو هو وشاحك الذي تضعينه فوق رأسك
    لكنني بالتأكيد لم ألحظ أبدا أنك تتحدثين باللغة العربية
    انتبهت إلى أنها تتحدث العربية منذ أن التقته فأطرقت بصمت
    فابتسم هو بود : حسنا لا داعي للقلق, سأبقى الأمر قيد الكتمان ولن أخبر أحدا أنك تتحدثين العربية
    لم تكن في حالة تسمح لها بالتبسم لمزاحه, فقد كانت في قمة الإرهاق والتعب والتوتر والقلق، فأشاحت بوجهها عنه في صمت وأسند هو ظهره للجدار ووضع كفيه في جيبه وأخذ يدندن وهو ينظر في الاتجاه المفترض أن يأتي منه القطار
    لم يتركها الارتياب لحظة تجاه هذا الشاب العربي الغريب
    أهو منهم؟ هل ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض؟
    انتبهت على صوته المرح : ها هو قد أتى أخيرا
    توقف القطار أمامهما وفتح أبوابه فقفز فيه، ثم قال بعجب عندما وجدها لازالت في مكانها : ألن تركبي! إنه الأخير
    لم ترد , فقال : لا أعتقد أن هذا هو المكان المناسب للبقاء في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل, إذ ربما كان هناك بالفعل من يتبعك
    أسرعت إلى داخل القطار قبل أن يغلق أبوابه وينطلق
    لم يكن في العربة سواهما, فجلست هي في آخر العربة وظل هو في مكانه بجوار الباب يدندن نفس اللحن، وداخلها إحساس مؤقت بالهدوء، أن هذا الشخص رغم أنه عربي لا يتبعها ولا يسعى لإيذائها, لكنها بقيت على ارتيابها وشكها فيه لتبقى في دائرة الحذر، وأخذت تتأمله مليا
    شاب متوسط الطول له شعر بني ناعم بمفرق جانبي، ووجه مستطيل قمحي مليح ذو ابتسامة هادئة بها ملمحا طفوليا يضفي عليه طيف من براءة ، وأناقته تنم عن زوق شبابي جدا في اختيار الملابس
    لم يكف عن الدندنة طوال الطريق مما أشعل أعصابها واستثار سخطها، حتى وصل القطار أخيرا إلى محطتها، فخرجت منه بخطوات أشبه بالعدو واستقلت السلم المتحرك للخروج, لكنها التفتت خلفها لتجد الشاب العربي الغريب يتبعها , فقالت بخشونة : الآن أنت تتبعني!
    قال باسما : بلى, هذه المرة صحيح
    عجبت من جرأته ولاح في ملامحها الاستنكار, فقال : فكرت بأنه ليس من الشهامة أن يترك عربي فتاة عربية مثله تجوب الشوارع الخاوية وحيدة بعد منتصف الليل
    اطمئني, لن أزعجك، فقط سأكون على مسافة كافية لأسمعك لو استغثت, أو ناديت بصوت مرتفع
    عقدت حاجبيها بشك ولكنها لم تجد ما تقوله, جدت بالسير في الممرات، وحانت منها التفاتة خلفها فلم تجده, انتابتها قشعريرة باردة وتسارعت خطواتها ونظرها يتبعثر في كل مكان بشكل لا إرادي وذهنها مشغول بذلك العربي الغريب
    أطلقت صرخة فزع مدوية عندما اصطدمت بجسد بشري ضخم لم تتبين ملامحه من المفاجأة
    وفي لحظة انشقت الأرض عن الشاب العربي لتجده أمامها مباشرة
    هتف بقلق وهو ينظر إلى الرجل الضخم الذي اصطدمت به : هل أنت بخير؟ هل حدث شيء؟
    همهم الرجل الضخم بكلمات اعتذار بلغته وحاول أن يوضح له أنها هي التي اصطدمت به وهو يسير في طريقه
    كانت لغتها ركيكة وأنفاسها متقطعة وهي تعتذر : عفوا, لقد.. لقد أصابتني المفاجأة بالذعر
    أكمل الرجل الضخم طريقه، وقال لها الشاب : يمكنك أن تهدئي, وتكملي طريقك باطمئنان
    ستجديني أمامك في أية لحظة تحتاجينني فيها
    تأملته بحيرة لا تدري أتثق به أم ترتاب فيه, لكن في النهاية كان عليها أن تكمل طريقها, فقطعت الطريق بخطوات أشبه بالعدو حتى وصلت أخيرا إلى مسكنها المتواضع, وتنفست الصعداء بعدما أحكمت إغلاق الباب, واتجهت إلى النافذة بسرعة لتتأكد من أنه لا يتبعها, فوجدت الشارع هادئ وخالي، فانهار جسدها على الفراش وأغمضت عينيها بقوة وتنفست الصعداء
    انتفضت على صوت طرقات قوية على الباب, وأخذت تحدق فيه وترتجف برعب
    كانت الطرقات تشتد وتشتد والباب يهتز ويكاد ينخلع تحت وطأتها
    شل الرعب أطرافها وأغرق العرق جسدها
    انخلع الباب وسقط أرضا بصوت مدوي وظهر من خلفه ثلاثة رجال انقضوا عليها، فأرادت أن تصرخ لكن صوتها حبس في حلقها، وعندما حاولت الهروب جذبها أحدهم وطرحها على الفراش وثبت يديها فوق رأسها فشل حركتها، والثاني كمم فمها براحة يده كي لا تصرخ, وهمس في أذنها بشراسة : ما كنت لتبتعدي كثيرا، فلو ذهبت إلى آخر الأرض للحقنا بك
    أنت في قبضتنا مهما حاولت الهروب
    أخذت تنتفض كفرخ ذبيح عندما شرع الثالث في نزع ملابسها بعنف، وتمنت الموت في تلك اللحظة وهي تتخيل مصيرها المرعب
    لم يعد أنفها الصغير قادر على إمدادها بالهواء الكافي وكف الرجل الثاني تطبق عليه وعلى فمها، وأصبحت عاجزة عن التنفس وبدأ الظلام يلفها
    شهقت بقوة كغريق لامس وجهه الهواء, فتحت عينيها وهبت جالسة وانسكبت دموعها وهي تنظر برعب إلى باب الغرفة القائم في مكانه لم يبرحه وكل شيء مستقر في الغرفة
    لم تدر أترتجف من الخوف أم من العرق الذي يبلل جسدها وملابسها أم من أثر الكابوس المرعب الذي جثم على صدرها!
    ألقت برأسها على الوسادة واستمرت في البكاء والنشيج حتى استغرقت في النوم من التعب والإعياء
    .................................................. .........................
    مرحبا..
    هاى ! من أكل عقلك؟
    استفاقت من شرودها ونظرت إلى صديقتها أمينة التي جلست إلى الطاولة أمامها مباشرة في الساحة الخارجية للجامعة، وقالت بمرح : كنت أعلم أنني سأجدك هنا
    زفرت عندما وجدتها متجهمة : ألازلت ضائقة؟
    أكملت عندما لم تجد منها رد : عزيزتي لين، أعلم أنه من الصعب عليك تقبل انتقاد البروفيسير لك, لكن الحقيقة هي أن مستواك الدراسي ينخفض
    قالت بإحباط : وما الذي يمكنني فعله؟
    - أنت تعانين بشدة, كما أنك في حالة إرهاق دائم, تحتاجين إلى قسط وافر من النوم
    - حسنا, سأحاول النوم في أثناء عملي الليلي
    - أتمزحين! عليك أن تجدي حلا للأمر فلا يمكنك الاستمرار هكذا لمدة طويلة
    - لا أستطيع أن أترك عملي الليلي في السوبر ماركت الكبير, لقد حصلت على تلك الوظيفة بعد عناء, ما كنت أظن أن البحث عن وظيفة هنا بهذه الصعوبة
    - أنت في باريس عزيزتي، الحصول على عمل هنا أشبه بالمعجزة
    - يجب أن أجد عملا آخر براتب أعلى وإلا فسأفقد الغرفة التي تؤويني , الرجل الذي استأجرت منه الغرفة يطمع في مبلغ أكبر, يبدو أن وجد من يدفع له أكثر
    - السكن في هذه البلدة صار معضلة المعضلات
    سمعت صوت هتافات قريبة، فالتفتت تنظر نحو بوابة الجامعة، فرأت صف من الشباب والفتيات يحملون صورا كبيرة ولوحات كتب عليها جمل وعبارات بخط أحمر عريض، يتزعمهم شاب وسيم تعرفه جيدا، فهو طالب عربي في عامه الجامعي الأخير اشتهر في الجامعة بتنظيمه للوقفات وفعاليات التضامن مع الشعوب العربية
    عادت إلى لين لتجدها قد أشاحت بوجهها إلى الجهة الأخرى مستغرقة في أفكارها، فبادرتها قائلة : لم لا تسألي أحمد ورغد ربما استطاعا مساعدتك, فهما من أبناء موطنك كما أعلم
    - أخبرتك من قبل أنني لا أرغب في ذلك
    - حسنا كما تريدين, لكنني حقا أعجز عن إخفاء دهشتي من تصرفاتك, فبرغم أنني تونسية وبلدي في قارة أخرى إلا أنني أكثر قربا إليك من أبناء بلدك
    قالت محاولة تجنب الخوض في غابة شائكة التعقيد : بالتأكيد أنت صديقتي المقربة رغم عمر صداقتنا القصير, ولذا أريدك أن تساعديني في إيجاد سكن آخر أقل تكلفة, أو عمل إضافي
    - يا إلهي، ستموتين من الإرهاق ! أنت هنا لتكوني طبيبة محترفة لا بائعة
    - لن أكون طبيبة متخصصة إن لم أعمل أولا كبائعة, د. جورج استطاع أن يلحقني بالجامعة بصعوبة, لقد أسدى لي صنيعا لن أنساه له أبدا, وعليّ أن أحافظ على تلك المنحة التي لا تتكرر في حياة المرء مرتين
    لمعت عينا أمينة وطرقعت بإصبعيها الإبهام والوسطى وقالت : فكرة.. لم لا تهاتفينه ربما يجد لك عملا يتناسب مع ظروفك بالجامعة؟ لا أعتقد أنه من الممكن أن يمانع
    (كنت أفضل مساعد لي طوال فترة تواجدي هنا, أنت موهوبة بحق وتتعلمين بسرعة)
    تذكرت كلماته لها عندما كانت تجلس أمامه في المخيم : أدرك أنك قد بلغت أقصى درجات الاحتمال, وحياتك هنا أصبحت مستحيلة
    باحت له بيأسها : وأين أذهب! انه قدري
    قال بتعاطف : لا أستطيع أن أرى طالبة طب بمثل مهارتك تنهار وتنتهي أمامي دون أن أتدخل لفعل شيء
    - لم يعد بإمكان أي أحد في هذا العالم فعل أي شيء, لقد انتهيت ولا أمل لي سوى انتظار الموت
    - لازال اليأس مبكرا على شابة جميلة في مثل عمرك ينتظرها مستقبل باهر في مجال الطب, إن ما تمرين به هنا هو أمر مؤقت ويجب أن ينتهي
    وسينتهي قريبا جدا..
    لدي خبر سعيد لأجلك, لقد راسلت الجامعة التي كنت أعمل بها ووافقوا على أن تلتحقي بمساق الطب لتكملي دراستك
    وهناك ستبدئين حياة جديدة بعيدا عن كل ما مررت به هنا
    هتفت أمينة بغيظ : هل لازلت معي!
    استفاقت لين من ذكرياتها وقالت : معذرة, هل قلت شيئا
    - أقول عليك مهاتفة د.جورج ربما يساعدك في إيجاد عمل مناسب لك
    - حيائي يمنعني , لست من ذوي رحمه ليتحمل مسئوليتي ويحل مشكلاتي
    على أن أثبت لنفسي أولا ثم أثبت له أنني جديرة بهذه المنحة, لقد منحني ثقته ولا أريد أن أخذله
    تعجبت من صمت أمينة, كانت تنظر إلى الجهة المقابلة للطاولة التي تجلسان إليها
    قالت لين باهتمام : إلام تنظرين!
    ردت أمينة : هذا الرجل الغريب لم يرفع عيناه عن طاولتنا منذ أن وقف هناك
    تأملته لين, كان يبدو في الثلاثينات أسمر البشرة, قاس الملامح, ذو أنف كبير، يرتدي حلة غالية لكنه يفتقر للأناقة
    بعد دقيقة لم تجده في مكانه وظنت لين أنه رحل عندما أدرك أنهما تنظران تجاهه
    عادا للتحدث في ما كانتا تتداولانه وأخذت أمينة تقترح عليها بعض الاقتراحات لحل المشكلة حتى أقبل عليهما صالح زميلهما في الجامعة قائلا : مرحبا, هل رأيتما رجل غريب أسمر البشرة ذو أنف كبير يرتدي حلة رمادية
    قالت أمينة بفضول وهي تشير نحو المكان الذي كان يقف فيه الرجل : نعم, كان يقف هناك لعدة دقائق ثم رحل.. ما قصته؟
    قال باهتمام : هل تحدث إليكما؟
    أمينة : لا , لم يقترب منا, لماذا؟
    صالح : انه يسأل عن الطلبة العرب في الجامعة
    لمعت عيناها بفضول : أهو متحر خاص؟
    صالح : أو ربما محامي ..لا أدري, لكن مظهره يوحي بذلك, رأيته يتحدث الى أحمد ورغد منذ قليل
    أمينة بدهشة : أحمد ورغد.. عجبا!
    صالح : سأتقصى الأمر وأخبركما بما توصلت إليه
    غادرهما، فالتفتت أمينة إلى لين فرأت لونها يتبدل ووجهها قد غارت منه الدماء, فقالت بدهشة : ماذا دهاك؟! ما كل هذا القلق! انه لا يبحث عنك بالتأكيد, فما أكثر الطلبة والطالبات العرب هنا
    كان التوتر قد بلغ منها مبلغه فحملت حقيبتها وهي تقول بقلق : أمينة , سامحيني يجب أن أرحل الآن
    همت أمينة أن تقول شيئا لكن لين كانت قد رحلت بالفعل ونسيت الجوال الخاص بها على الطاولة فهتفت أمينة تناديها : انتظري , جوالك!
    ولم تجد بدا من أن تأخذ الجوال وتسرع للحاق بها
    خرجت لين من الجامعة وهي تحث الخطا وتتلفت حولها قلقا من أن يتبعها أحد، ومرت في طريقها على تجمع الشباب والفتيات والذي تبدل هتافهم إلى أغنيات شعبية ووطنية، وعندما التقت عيناها بعيني أحمد أشاحت بوجهها بعيدا مهرولة، تاركة في عقلة علامة تعجب كبيرة من تصرفاتها
    لكن الخوف استولى عليها عندما وصلت إلى موقف السيارات لتجد الرجل الغريب يقف بجوار إحدى السيارات، وتحولت خطواتها إلى هرولة وهي تبتهل إلى الله ألا يكون قد لمحها وهي تعبر الطريق
    نظرت خلفها بتوتر لتتأكد أن الرجل لم يتبعها، وعندما اعتدلت فوجئت أمامها بشخص وكأنما انشقت الأرض عنه، توقفت بصعوبة شديدة عندما كادت أن تصطدم به واستطاع هو أيضا أن يتفادى الاصطدام بها وهو يهتف : هاي , انتبهي
    هل أدمنت السير دون النظر أمامك!
    أصابتها الدهشة الشديدة عندما تبينت الشخص ذو اللهجة المرحة والصوت المألوف، كانت وجها لوجه أمام الشاب الذي التقته سابقا في محطة قطار الأنفاق
    قال بمرح وابتسامته تتسع : هل أنت متعجلة دائما هكذا!
    أتوقع أنك اصطدمت بنصف سكان المدينة على الأقل لو أنك تتلفتين حولك دائما وأنت تسيرين في الطريق
    - أنت!
    - قبل أن تظني بي السوء علي أن أقول (رب صدفة خير من ألف ميعاد)
    - كيف عرفت مكاني!
    - أنت كثيرة الارتياب حقا .. إنها مجرد مصادفة، نحن نعيش في نفس المدينة
    لحقت بها أمينة وأعطتها الجوال: نسيت جوالك
    التفتت إلى الشاب وأخذت تتأمله بفضول وسألت لين : من هذا؟ أتعرفينه؟
    أجابت بسرعة : لا
    رفع الشاب حاجبيه دهشة : لا شك أنكما حديثي عهد بالمدينة!
    ألم تصادفكما صورتي في أي مكان قريب من قبل؟
    أخذ يقلب وجهه بطريقة استعراضية وهما صامتتان تنظران إليه بتعجب
    زفر بإحباط : لم تصادفاها ! واضح
    تساءلت أمينة بفضول : هل تقوم بعمل إعلانات لمنتج ما! ربما نوع من الطعام؟
    وضع يديه في خاصرته, فقالت : قد يكون نوع من المنظفات أو كريم حلاقة أو..
    هز رأسه نافيا بإحباط, فهتفت بتعجب : هل تعمل في السيرك؟
    قال : أنا أقوم بعمل حفلات غنائية في أحد المسارح الشهيرة
    أشار بيده باتجاه النهر : ليس بعيد من هنا. فقط على الضفة الأخرى
    يسرني أن أقدم لكما دعوتين لحضور حفل لي
    قالت لين وهي ترحل : عفوا , فلا وقت لدينا
    ألقت إليه أمينة بابتسامة متحرجّة وقالت له وهي تلحق بصديقتها : معذرة
    انضمت إلى لين وتركته واقفا في مكانه وخيبة الأمل تحتل جزءا كبيرا من ملامحه
    سارت أمينة بجوارها : من هذا المهرج؟ وكيف تعرفت إليه؟
    أجابت بجدية : أنا لا أعرفه, فقط التقيته مصادفة في محطة قطار الأنفاق من أسبوع
    أمينة بابتسامة ماكرة : يبدو أنه يريد أن يتعرف إليك, لا أصدق أبدا أن المصادفة يمكن أن تتكرر
    نظرت إليها لين باستنكار ولم تتكلم
    .............................................
    كانت تشعر بأن حياتها في الغربة تدور في دوائر مغلقة تضيق حلقة بعد حلقة فتورث العجز وقلة الحيلة، فبلا أسرة أو أصدقاء تتضاعف الأزمات وتشتد وطأتها، ولين لم يكن لها سوى صديقة وحيدة ارتاحت إليها من أول يوم دخلت فيه الجامعة
    أمينة.. فتاة من عائلة كريمة في تونس، لها روح مرحة وشخصية جذابة ومتفوقة في دراستها وتحب مساعدة زملائها وزميلاتها، بعكس لين التي تتجنب الاختلاط بالجميع، ولولا شخصية أمينة الودودة المحبة، وتحليها بالصبر والتعاطف مع الآخرين، لما استطاعت اجتذاب لين وتجاوز انطوائها، مما جعل لين تقبل دعوتها للغداء في أحد المطاعم بعد شيء يسير من الاعتراض، وبادرتها وهي تجلس إلى طاولة أنيقة في أحد أركان المطعم : لا أفهم لم دعوتني للغداء في مطعم كهذا! بعض الشطائر من أي محل للوجبات السريعة كانت ستفي بالغرض
    أجابتها بود : لا تقلقي يا عزيزتي , هذا المطعم دلني عليه زميلنا صالح، وهو ليس مكلف, ويقدم وجبات عربية رائعة, وكل زملائنا العرب يرتادونه، فهو يقدم للعرب خاصة خصومات رائعة , وأحيانا هدايا ومفاجآت
    - صدقيني لم يكن هذا ضروريا
    - أردت أن أسري عنك في أسوأ يوم لك
    أسندت لين رأسها المتعب إلى كفها وقالت بأسى : لا أصدق أنه فعلها! لقد طردني هكذا ببساطة، وبالتالي سأطرد قريبا من مسكني إن حل موعد الإيجار وعجزت عن الدفع
    - اهدئي يا عزيزتي , سنعمل أنا والزملاء على إيجاد عمل آخر لك, وسأوصيهم بأن يكون أقل مشقة ويتناسب مع ظروف دراستك
    - لا أدري ما الذي يخبئه القدر لي , يقولون أن المصائب لا تأتي فرادى
    - لا تقولي هذا, تفاءلي خيرا, كنت دائما أقول أنه ليس بالعمل المناسب لك
    انتبهت لين إلى يد النادل تمتد لهما بقائمة الطعام وأمينة تهتف : أنت ! هل تعمل هنا؟
    رفعت عينيها إليه لتجده نفس الشخص الذي تصطدم به كل مرة, يبتسم ابتسامته الكبيرة المميزة وهو يقول : نعم, أعمل هنا
    ابتسمت أمينة بفهم : عجبا , إن الأمر منطقي للغاية فكل من يعمل هنا عربي
    قال باسما : نعم , وصاحب المطعم أيضا عربي
    همت لين أن تقول شيئا, لكنه سبقها مازحا : حسنا, هل يحق لي أن أقول أنك تتبعينني؟
    قالت باستنكار : أنا!
    قال باسما : أنا هنا في مقر عملي
    قالت أمينة بفضول : هل تعمل مغني أم نادل في مطعم؟
    أجاب : بعض من هذا وذاك
    حسنا ماذا تطلبان؟
    قالت أمينة : سمعت أن لديكم أفضل الوجبات العربية
    نظر نحو لين وقال باسما : إن سمحتما لي فسأختار لكما الأفضل
    سارعت لين قائلة : أعتقد أن الدجاج المشوي مع الأرز سيفي بالغرض
    صمت لحظة وظهر الإحراج في ملامحه, لكنه حافظ على ابتسامته وهو يقول : كما تأمرين
    التفت إلى أمينة : والآنسة؟
    قالت بابتسامة محاولة التخفيف من أثر الموقف : فلتختر لي الطبق الأفضل
    عندما رحل ليعد الطلبات قالت أمينة بغيظ : لين، ماذا دهاك! لقد أحرجتيه بشدة
    نظرت إليها بشك : حسنا من الذي لا يصدق في المصادفة الثانية؟
    ظهر الارتباك على وجهها فأكملت لين بعد أن وصلتها إجابة سؤال لم تسأله : أما أنا فإن صدقت المصادفة الثانية فلن أصدق أن الثالثة مصادفة أيضا!
    قالت أمينة : لا يذهب خيالك بعيدا فالأمر ليس به مؤامرة أوجريمة, أخبرتك أنه مكان شهير بين العرب وأغلبهم يرتاده، وصالح هو من أخبرني أن الشاب يعمل هنا بعد أن رآنا نقف معه بالقرب من الجامعة
    وما كان يجب أن تحرجيه بهذا الشكل فهو مهذب ولم يتجاوز في الكلام, كما أنه مثل أغلبنا يعمل ويتكسب من عمل يده
    سخرت بمرارة : وهل تعتقدي أن شاب غريب يمكن أن يمد إليّ يد المساعدة ويجد لي عملا دخيل الله كما تخططين بسذاجة
    استيقظي يا صديقتي, نحن على الأرض, فالشياطين تأتي هنا للدراسة والاعتبار
    قالت أمينة بغيظ : لا ذنب لأحد في نظرتك السوداوية للحياة وسوء ظنك بالبشر
    صمتا عندما جاء الطعام , وانشغلا به عن الكلام كي لا يدخلا في جدال لا طائل من ورائه
    وبعد الانتهاء من الطعام، سددت أمينة الحساب، فاستوقفهما قائلا : آنسة لين
    التفتت إليه وقالت بدهشة : كيف عرفت اسمي؟
    ارتبك قليلا ثم قال : آآ .. سمعت الآنسة تناديك
    لمعت نظرة ماكرة متسلية في عيني أمينة, وظهر على وجه لين الارتياب وهي تقول : ماذا تريد؟
    ابتلع ريقه بارتباك وبدأ وجهه يتلون بكل الألوان وعيني أمينة الفاحصة تتابعه بدقة وهو يبعثر نظراته يمينا ويسارا بإحراج
    تردد كثيرا، لكنه قال في النهاية : لا شيء
    نظرت أمينة بإشفاق إلى قطرات العرق التي تتفصّد من جبينه وقالت مجاملة : الطعام كان ممتاز, سأقوم بعمل دعاية للمطعم بين صديقاتي
    قال بابتسامة مرسومة : سيكون تواجدكما هنا أنتما وأصدقائكما على الرحب والسعة دائما
    بمجرد أن غادرتا المطعم هتفت أمينة بغيظ : ستصيبينني بالجنون , كيف يكون أسلوبك خشنا بهذه الطريقة! أخجلتيه
    - هلا كففت عن أسلوب اللوم المستمر هذا
    - عجبا ! ظننت في لحظة ما أنه سيعرض عليك الزواج
    التفتت إليها بدهشة وقالت بحدة : ما هذا الهراء الذي تهذين به! أنا لم أره سوى مرتين فقط
    - بل ثلاثة، ألا تجيدين العد!
    - وهل هذا يكفي في رأيك ليعرض على الزواج! يا لخيالك الجامح!
    - وما العيب في الحب من أول نظرة! ألم تلحظي كيف ينظر إليك؟ ألم تستشعري مدى الارتباك وخيبة الأمل التي تعلو وجهه عندما تصدينه، حتى أن الكلمات تقف في حلقه ولا يستطيع النطق بها
    - كفى كلام عن هذا الشاب أرجوك, فلست خالية البال لأفكر في مثل تلك التفاهات, يكفيني ما أنا به من مشكلات
    - انه يعرف طريقك، ومما رأيته في وجهه اليوم أستطيع أن أجزم بأنك سترينه ثانية, وأقرب مما تتصورين
    أصابت أمينة في استنتاجاتها، فقد وجدته أمامها بعد يومين عندما خرجت من الجامعة في نفس المكان الذي كادت أن تصطدم به فيه وعلى وجهه ابتسامة هادئة
    تذكرت كلمات صديقتها فقالت بضيق : أليس لديك ما يشغلك!
    تنحنح بإحراج ثم قال : بلى لدي الكثير, ولكني أتيت اليوم خصيصا لأتحدث إليك
    تردد كثيرا وظهر على وجه الارتباك من نظراتها المليئة بالارتياب, ثم استجمع شجاعته وقال : لقد أتيت اليوم لأطلب منك الزواج
    وبرغم أن صديقتها كانت الأسبق باستنتاجها ونبهتها بنيته, لكنها غرقت في الدهشة وأخذت تتأمله بصمت، وعجزت عن كبح جماح عقلها عن المقارنة الفجة
    كانت تتجسد فيه كل معاني الرجولة, ملامحه الوسيمة, جسده الرشيق المتناسق حضوره الطاغي , صوته القوى العميق, شموخه, جديته, رصانته
    (يزن)
    قلبها يتحرك لمجرد تذكر اسمه
    انه الفتى الأبرز في العائلة والحي بأكمله, ابن عمتها الذي وعت على العالم لتجده أمامها كما هو كبيرا , قويا, شامخا
    محط أنظار جميع الفتيات ومبلغ أحلامهن
    ذلك الفتى اليافع الذي قضت طفولتها وصباها بالقرب منه
    إن كلمة رجل لا تعني في عقلها إلا اسم يزن
    (أرجو المعذرة، ولكن .. هل سمعت ما قلت؟)
    تبددت ذكرياتها كضباب أبيض معلق في الهواء, وعادت تنظر للشاب الذي يحادثها, وتفجر بداخلها استنكار شديد لطلبه هذا الطلب, وكان الرفض الحاسم هو قرارها, فهتفت به : اسمع أيها الشاب
    قاطعها قائلا بلطف : ناجي , اسمي هو ناجي عمر
    أعلم أنك سترفضين مباشرة, ولكن أرجوك رجاء حارا لا ترفضي الآن, امنحي نفسك بعض الوقت للتفكير, ربما..
    هز كتفيه وكرر : ربما
    وصلت أمينة وهو يقول جملته الأخيرة وبدأت تستوعب ما يحدث
    فهتفت قبل أن تفتح صديقتها فمها : لين, آسفة, تأخرت عليك, هل أنت مستعدة للرحيل أم أنكما لم تنهيا حديثكما بعد؟
    قال ناجي : لقد قلت كل ما لدي, اسمحا لي
    تركهما ورحل والتفتت إليها أمينة وقالت بحماس : تماما كما قلت لك
    - هذا المهرج يعرض على الزواج
    - وما المشكلة! أراه مناسبا لك
    - مناسب! حسنا، فلتتزوجيه أنت
    - يا ليت, ولكنه يريدك أنت, بم أجبتيه؟
    - لم يمهلني، وحضرت أنت, ولكن جوابي هو الرفض القاطع
    - وكيف ترفضينه! ألا تعلمين من هو؟
    - اسمه ناجي عمر
    - نعم, وهو صاحب المطعم الذي تناولنا فيه الغداء من أيام
    نظرت إلى صاحبتها وقالت بدهشة : صاحب المطعم! إذا كان يخدعنا
    قالت أمينة باستنكار : هل أنت دائما مرتابة ومتشككة هكذا!
    الرجل لم يقل عكس ذلك, كل العرب في الجامعة يعرفونه ويعرفون مطعمه, ويقولون أنه دائما ما يخدمهم بنفسه, وهو تصرف معنا على هذا الأساس
    - لا عجب إن كان يريد شرائي بالمال
    - هل عرض عليك مالا!!
    - لا , ولكن..
    - يا الهي! كيف تقولين هذا! أنت مسرفة في سوء الظن، الشاب لم نر منه ما يسوء, على العكس كان مهذبا للغاية, كما أنه حسن السمعة كما يشاع عنه بين زملائنا العرب
    استمعي إلي, إنها فرصة عظيمة, لا أحد في مثل ظروفك يأتيه عرض كهذا ويرفضه إلا لو كان مجنونا
    عزيزتي لين, أنا صديقتك ولا أتمنى لك إلا كل الخير
    وأستطيع أن أؤكد لك أنك قد حصلت أخيرا على المفتاح السحري لكل مشكلاتك
    لقد أتيت إلى هنا لتكوني طبيبة, وحتى تصلي إلى مبتغاك عليك أن تقبلي تلك الفرصة الرائعة

  3. #3

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,437
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة الثانية
    (2)
    وضعت الوسادة فوق أذنها علها تكتم صوت صديقتها وكلماتها التي باتت تتردد في عقلها آلاف المرات في اليوم، والأيام تهرب من بين يديها ولم تحصل بعد على وظيفة, وموعد سداد إيجار المسكن يقترب وعندها ستضطر أن تترك مأواها إلى الشارع
    تجربة مرعبة لمن خبرها واكتوى بنارها، فلا أقسى من أن ينام المرء في العراء لا يحميه سقف، ولا تستره جدران
    استسلمت لتثاقل جفنيها وأغمضت عينيها، لكن ذكريات الماضي باتت جزء من أحلامها، لا تهنأ معه بنوم، ولا يقر لها جفن
    هتفت بغضب : كيف تفعلين هذا بطفلتك! إنها جريمة
    أدارت وجهها لتخفي دموعها، لكنها عجزت عن إخفاء صوتها المتهدج : لم تعد طفلة, إنها عروس
    هتفت لين باستنكار : عروس! إنها لم تبلغ الثالثة عشر بعد
    قالت الأم بصرامة مفتعلة وهي تبتلع دموعها : لقد بلغت, وهذا يكفي
    - أأنت واعية لما تفعلينه بابنتك! أنت تبيعينها بالمال, تمنحينها لرجل أكبر منها بأربعة أضعاف عمرها, تسحقين طفولتها ومستقبلها في مقابل قروش قليلة
    التفتت إليها الأم والدمع والقهر في عينيها والحسرة تقطر من حروفها : مستقبل! أي مستقبل! هنا لا مستقبل سوى الموت
    في العام الماضي اختطف الموت أختها ونجت هي بأعجوبة
    ولا أدري على من يأتي الدور هذا العام؟
    - هذا ليس عدلا
    - نحن لا نطمع في عدل , بل نبتغي حياة, فقط بعض من حياة
    - ليست حياة
    - فلتبقى فقط على قيد الحياة , تجد ما تأكله, تجد ما يحمي جسدها الهزيل من البرد القارص, تجد سقف يسترها
    انتفضت لين وتقلبت في فراشها وقد هاجمتها قشعريرة باردة، وامتدت يدها بين النوم واليقظة لتسحب الغطاء على جسدها المرتجف كما لو كان محموما
    حاولت الخلاص من الذكرى القاسية، لكنها خضعت مضطرة لسطوة الماضي وقسوته وصوت الأم يدوي في أذنيها، وهي عاجزة حتى عن إسكاته بالوسادة التي دفنت رأسها تحتها
    وا، صغيرتاه
    وا، حبيبتاه
    انسابت الدموع تغرق وجهها ووسادتها وصوت الأم الثكلى يصرخ في أذنيها
    في عالم لا تستره جدران، ولا يحميه سقف ولا أبواب،إن لم تكن لك عصابة تذود عنك، فقد تمسي حيا وتصبح قتيلا، بسبب وبلا سبب، عالم فيه الضعفاء هم حطب لتنور الأقوياء
    لم تستطع أن تنسى أبدا وجه الطفلة القتيلة ولا أمها التي كانت تتمنى أن تفرح بعرسها
    أخذ جسدها ينتفض وهي تنتحب والألم يمزق فؤادها
    ..................................................
    (ماذا! أبلغتيه برفضك! متى وكيف؟)
    هتفت أمينة في وجهها وهي تكاد أن تصاب بالجنون من أفعال صديقتها
    أجابت لين بهدوء : ذهبت إليه اليوم في المطعم وأبلغته برفض طلبه
    - بهذه السرعة! ولم لم تتمهلي وتفكري قليلا
    - الأمر بالنسبة لي محسوم, فأنا لن أبيع نفسي أبدا
    - ومن تحدث عن بيع!
    إنه شاب فلسطيني مسلم, كلاكما يناسب الآخر
    - أنا لا أحبه
    - وهل كل زواج يجب أن يسبقه الحب!
    - إنه بعيد تماما عن صورة الرجل الذي يمكن أن أتمناه زوجا لي
    - قد لا يكون فارس أحلامك .. ولكنه بالتأكيد قادر على أن يحقق أحلامك
    ربما يبدو كمهرج, عابث, زير نساء.. لكن سمعته طيبة بين زملائنا العرب
    أحيانا يبدو ساذج و قد يبدو عليه بعض الغباء
    لكنه صاحب مطعم ويرتاد المركز الإسلامي في صلاة الجمعة
    لا يمكنك أن تحبي شخص تافه مثله, ولا يمكنك نسيان حبك القديم
    لكن الإنسان لا يحيا فقط بالقلب,هناك أيضا العقل، المستقبل الدراسي والمهني والاجتماعي
    إن هدفك الوحيد الآن هو مستقبلك الدراسي, أي شيء عداه لا يهم
    ناجي عمر هو الوحيد الذي يمكنه أن يمنحك ما تريدين
    لا تدري لم صمتت أمام كلمات صديقتها
    هل لأنه كلام منطقي! أم لأنه يلمس قلقا شديدا بداخلها من المستقبل
    لكنها قالت بصوت ضعيف :أليست هذه نظرة انتهازية؟
    - بل هي نظرة واقعية, فأنت لم تسعي إليه, بل هو الذي يسعى خلفك ويتمنى أن يفوز بك
    قبولك سيسعده وفي نفس الوقت سيحقق أحلامك
    أرجوك فكري ثانية, فكري مليا لازال الأمر بين يدينا ويمكننا معالجته
    ...............................................
    كف ناجي بالفعل عن ملاحقتها, ولم يعد يعترض طريقها أو يصطدم بها
    لكن كلام صديقتها عن الفرص الضائعة وتحقيق الأحلام ارتد إلى عقلها رغما عنها عندما وصلت إلى جدار صلب لا يمكن تحطيمه أو اجتيازه
    لم تهتم بحساب الوقت الذي بقيت فيه جالسة على أحد المقاعد المتناثرة في ساحة الجامعة فهي لا تنوي المغادرة, لم يعد هناك عمل تتعجل لأجله ولا بيت لتعود إليه، وغرقت تماما في أفكارها ومشكلاتها بعد أن فشلت في إيجاد عمل أو بديل للسكن
    واليوم عليها أن تترك الغرفة التي تؤويها
    بعد ساعات ستكون مشردة في الشوارع وأمينة الآن تحاول بجد أن تجد لها مكانا معها في السكن ولو لبعض الوقت لكنها تدرك جيدا مدى صعوبة الأمر، فهي تسكن مع مجموعة من الطالبات، وكيف لها أن تحصل على موافقتهن جميعا في انضمام طالبة جديدة لهن, ومع ضيق المسكن صار الأمر مستحيلا
    انتبهت لقدوم أحمد الذي وضع حقيبته على الأرض وخر جالسا متربعا على الأرض أمامها، وتبعته رغد فجاورتها في المقعد، أخذت لين تنقل بصرها بينهما بقلق، فبادرها أحمد بلهجة متحمسة ودودة وهو يخرج من جيبه بطاقة صغيرة : وجدت عملا يناسبك في أحد المحلات الكبرى، ستعملين مراقبة في الجزء الخاص بمنطقة ألعاب الأطفال، وذلك في الفترة المسائية وأيام العطلات، أما عن السكن..
    التفت إلى رغد لتكمل هي : لا تقلقي، سنجد حلا مؤقتا الآن، وإن اقتضى الأمر أن نتشارك معا الغرفة التي أسكنها دون معرفة المالك
    أعقبت الحديث بهزة رأسها وابتسامة مشجعة : سنحل الأمر
    تأملتهما بصمت، لا تدرى ماذا تقول، لكن قلق مخيف أخذ يتعاظم بداخلها، تدور عيناها في المكان تبحث عما تخشاه، وصوت شرس يتسلل إلى عقلها، يعيد إليها مشاعر الرعب التي تهاجمها من الماضي : لو ذهبت إلى آخر الأرض للحقنا بك
    اقشعر بدنها، فهبت قائمة وحملت أغراضها وهي تقول : شكرا لكما، سأتدبر أموري بنفسي
    تركتهما تحت تأثير الصدمة متعجبين من رفضها لمساعدتهما ورحلت، وهي تتمنى في قرارة نفسها ألا يكون أحد قد لمحها وهي تجالسهما
    تمهلت خطواتها عندما خرجت من بوابة الجامعة إلى الساحة الخارجية
    ثم انتبهت على صوت يناديها, التفتت وجلة أن يكون أحمد قد تبعها، لكنها وجدته صالح يقترب منها ويقول : ما هذا! كم مرة أحتاج أن أناديك لتلتفتي
    قالت بشرود : عفوا, لم أسمعك, أهناك شيء؟
    قال باسما : نعم, هناك زهرة صغيرة تبحث عنك
    ارتسم على وجهها التساؤل, فأشار إلى طفلة صغيرة تجلس على مقعد كبير في الساحة وتهز ساقيها
    قال : كانت تسأل عنك كل الطلبة العرب وعندما سألتني لم أستطع أن أتركها وحيدة، فجلست معها قليلا حتى رأيناك تخرجين من باب الجامعة
    قالت لين وهي تنظر نحو الطفلة بدهشة : هل تعرفني!
    قال : يبدو ذلك
    تساءلت حائرة : وماذا تريد؟
    قال : لم تخبرني, لكنها لطيفة للغاية
    أخذت لين تتأمل الطفلة وهي تتقدم نحو المقعد الذي تجلس عليه وبمجرد أن رأتها الطفلة قادمة هبت قائمة وابتسامتها الجميلة تضيء وجه كالقمر يلفه شعر أسود طويل ناعم، وعينيها السوداويان تتألقان ببريق متلهف, وبمجرد أن وصلت إليها قالت الصغيرة مباشرة : آنستي, هل أستطيع التحدث إليك؟ رجاءا لن آخذ من وقتك الكثير
    أدركت لين من لهجتها أنها مصرية وقدرت عمرها بعشر سنوات تقريبا
    قالت بود عندما انشرح صدرها للطفلة الجميلة وأسلوبها المهذب الرقيق : بالتأكيد, ولكن هل تعرفينني؟
    - نعم, حدثني عنك كثيرا, ورأيتك عندما كان يتحدث إليك في هذا المكان, وبعدها انضمت صديقتك إليكما
    بدأت لين تستوعب عمن تتحدث الطفلة وهي تستعيد في رأسها الموقف
    - هل هو قريب لكِ؟
    - لا نحن نغني معا, ونقوم بالتدريب على الحفلات في المسرح القريب
    هزت لين رأسها بفهم، ولكن شعورا بعدم الرضا تسلل إليها عندما تخيلت أن طفلة في عمرها ترتاد المسارح الغنائية وتسهر إلى ساعة متأخرة من الليل لتحيي حفل
    - بعد أن أنهينا تدريباتنا في المسرح وخرجنا معا إلى الطريق نشتري المثلجات كما اعتدنا, رآك فتركني وانطلق إليك مسرعا, وكدت تصطدمين به.. كان مشهدا مضحكا للغاية
    استعاد ذهنها بسرعة تفاصيل المشهد الذي تتحدث عنه لكنها لم تقاطع حديثها فقد كان أسلوبها في الكلام رقيقا بريئا آسرا
    جلست إلى جوارها على المقعد الكبير وأنصتت لها وهي تحكي : وقفت أراقبه من بعيد وهو يتحدث إليك والى صديقتك، وعندما عاد إليّ كان سعيدا للغاية, وأنا كنت غاضبة للغاية، كيف يتركني كل هذا الوقت حتى ذابت المثلجات وفسدت؟ كيف سنتناولها الآن! ومن هذه التي يتركني ليهرع إليها هكذا!
    قال لي : سأعرفك إليها بمجرد أن تقبل طلبي بالزواج منها
    ظهرت الدهشة على وجه لين فأكملت الصغيرة : وعندما سألته هل عرضت عليها الزواج ؟
    قال : ليس بعد, ولكن سيحدث قريبا
    شعرت لين بالتوتر ودار في عقلها خاطر أفزعها وهو أن ناجي يقتفي أثرها بالفعل فسالت الصغيرة : وكيف يعرف مكاني!
    قالت بثقة وكأنما تقرر واقعا : أنت طالبة عربية ومغتربة في الجامعة, وهو صاحب المطعم الذي يرتاده كل العرب هنا
    بدا لها الأمر منطقيا, ولكنها سألتها : ولماذا يريد أن يتزوجني؟
    - لأن الله أرسلك إليه لتنقذيه
    - أنقذه!
    - هكذا قال لي
    لقد كاد يطير فرحا وهو يحكي لي أنك أخيرا عرفت مكان المطعم أنت وصديقتك, وانه وقف على خدمتكما بنفسه
    - وهل كان ينتظرنا!
    - بالتأكيد فمن من العرب في المدينة لا يأتي مطعم ناجي ! فلهم خصومات خاصة وأحيانا تكون الخدمة مجانية لبعض الطلبة
    هزت رأسها بفهم وتركتها تكمل
    - لقد كان خائفا أن ترفضي طلبه, ولكنني شجعته ودفعته لأن يذهب إليك ويطلب منك الزواج, ولكن رفضك صدمه
    ومنذ ذلك الوقت وهو حزين للغاية
    شعرت لين بغصة مؤلمة وهي تقول : حسنا لقد انتهى الأمر
    قالت الطفلة برجاء : لا لم ينته بعد, أتمنى من كل قلبي أن تقبلي
    أرجوك , لا استطيع أن أراه تعيسا, وأنت الوحيدة القادرة على أن تعيدي إليه ابتسامته
    تعجبت كثيرا من إصرار الطفلة ودأبها العظيم لتنفيذ فكرة احتلت عقلها وقلبها ،ولم تكن لديها القدرة على كسر خاطرها والتسبب لها بالألم, فالطفلة لا تستطيع أن تتقبل فكرة أن ناجي لن يحظى بالسعادة التي يرجوها
    كانت الطفلة مسترسلة في الحديث بشكل حماسي وهي تعدد مزايا ناجي واستشعرت لين من أسلوبها قوة الرابطة التي تربطها به
    تذكرت كلمات صديقتها أمينة يمكنك إسعاده وتحقيق حلمك في نفس الوقت
    ناجي عمر هو الوحيد القادر على مساعدتك
    ..................................................
    لم تدر كيف استطاعت الطفلة الصغيرة أن تسحبها خلفها بنعومة وتجعلها توافق على الذهاب معها إلى المطعم, وبمجرد أن دخلت من الباب هاجمها شعور بالندم الشديد أن استسلمت لإلحاح الطفلة وتبعتها إلى هنا
    ولجت من الباب ووقفت مترددة، لكنها وجدت أمامها إحدى السيدات تريد الخروج , فابتعدت عن الباب لتفسح لها المكان, لكن السيدة وقفت تتأملها قليلا وتقلب نظراتها بينها وبين الصغيرة التي صاحت تحييها : مرحبا جان
    فردت السيدة التحية دون أن تبعد عينيها عن لين التي تعجبت من نظراتها المتفحصة، ولم ترتح لها : مرحبا أمل
    أخذت الطفلة تجذب لين من يدها فتبعتها إلى داخل المطعم بعد أن غادرت المرأة
    كان المطعم خالي من الزبائن في وقت ما بين الوجبات
    لمحته وهو يجلس وحيدا إلى طاولة تحتل آخر زاوية في المطعم بجوار النافذة الزجاجية الكبيرة ، تتطلع نظراته الشاردة إلى الخارج دون أن يشعر بما حوله
    كانت الطفلة متمسكة بيدها بقوة وكأنما تخشى أن تهرب منها وأخذت تجرها جرا نحو الزاوية التي يجلس فيها
    استيقظ من شروده على صوت الطفلة وهي تقول بلهجة ممازحة : مرحبا, هل يمكننا ن نتناول الطعام الآن أم أنه وقت الراحة؟
    سمعت أنكم هنا تكرمون زبائنكم من العرب وتقدمون لهم الطعام في كل وقت
    ظهر على وجهه أثر المفاجئة لرؤية لين التي ارتبكت بشدة واحمر وجهها
    نهض من مقعده ونظر إلى أمل وقال بود : بالتأكيد أمل، أنت مرحب بك في كل وقت
    قالت باسمة وهي تمثل دور الزبون : حسنا سنجلس هنا أنا وصديقتي
    أفسح لهما المكان وجلست لين والإحراج يغمرها, وجلست أمل على المقعد المقابل لها ووضعت ساقا فوق الأخرى بدلال ونظرت إلى ناجي قائلة بمرح : يسعدنا أن صاحب المطعم بنفسه يقوم على خدمتنا
    تجاوب ناجي بسرعة مع لعبتها المرحة وأمسك بقائمة الطعام وقال بمرح من اعتاد الأمر : في خدمتك آنستي, هل لديك طلب خاص؟
    قالت بدلال : أحضر لنا أفضل ما لديك
    قال باسما : حسنا..
    ثم التفت إلى لين وقال بابتسامة دبلوماسية يخالطها الحرج : والآنسة ماذا تطلب؟
    قالت بارتباك : سأتناول مما ستتناول منه أمل
    اختفى إلى داخل المطبخ وأخذت لين تفرك كفيها المبتلتين بالعرق وظنت أن ناجي سيعود سريعا, لكن شخص آخر هو من قدم الطعام, وأخذت أمل تتململ وعدم الرضا يبدو عليها، بعد أن أدركت أن اختفاؤه سيفسد خطتها، انتهى الطعام ولم يظهر ناجي وأخذت أمل تعبر عن قلقها بحركات عفوية, إذ يبدو أنها لا ترغب في الرحيل قبل أن تنفذ ما أتت إلى هنا لأجله
    قالت لين : هل نرحل الآن؟
    هبت واقفة بقلق وهي تتلفت حولها وقالت : ليس بعد, هناك.. هناك شيء أريد أن أعطيه لك
    نظرت إليها بتساؤل , وغابت الصغيرة عنها برهة وعندما عادت قدمت إليها زهرة بيضاء جميلة وقالت بلطف : تفضلي, إنها هديتي لك
    نظرت لين للزهرة وانتابتها قشعريرة باردة وابتلعت ريقها لتمنع دمعة ساخنة من الهروب من عينها،وعادت لها أصوات من الماضي مرعبة، صوت اهتزاز الخيام والرياح تتلاعب بها، تساقط المطر والثلوج، صخب الأطفال ومشاجراتهم مطالبين بالطعام، هتاف الأمهات في طوابير المياه، تلك الحياة المرعبة التي خلفتها وراءها وأقسمت ألا تعود إليها وإن كان الموت خيارها الوحيد
    خذيه منه أرجوك, لا تكسري خاطره, فهو يود أن يهديك شيء
    نظرت لين ليد الصغير الممدودة إليها بكسرة خبز جافة يابسة واهتز قلبها بحنان واحتضنت الصغير وقبلت رأسه
    قالت الأم بأنفاس متعبة : إنه يحبك
    التفتت إلى الأم النفساء الراقدة على فراش صغير في الخيمة بجوارها وليدها الذي لم يتجاوز عمره بضع ساعات وتساءلت بتعجب : يحبني أنا؟ أنا لم أفعل شيء، فقط كنت أساعد الطبيب
    قالت : وكيف لا يحب الملك الذي ساعد في إنقاذ أمه ووصول أخيه للحياة بسلام! والآن تقومين على رعايتنا
    تأملت الطفل ذو الخمس سنوات بحنان, كان له شعر أصفر ناعم وعينان بنيتان وابتسامة رائعة
    أمسكت بيده الصغيرة التي تحمل الخبز وقضمت منه قضمة وهي تبتسم شاكرة له
    اتسعت ابتسامة الصغير واكتسى وجهه بالسعادة فقالت الأم بشجن : يريد أن يقدم لك الشكر لكنه لا يستطيع, لقد فقد النطق على أثر القصف العنيف الذي أصاب الحي وهدم بيتنا
    امتلأت عينيها بالدموع واحتضنت الصغير بحنان
    قالت أمل بتردد : ألم تعجبك!
    نظرت إليها لين ووارت ذكرياتها الحزينة خلف ابتسامة حانية : على العكس إنها أجمل هدية حصلت عليها منذ وقت طويل
    ضمتها بقوة محاولة التغلب على ذلك الشعور القاتل بالألم كي لا تلحظه الصغيرة في ملامحها عندما هاجمتها الذكرى الحزينة لموت إبراهيم
    لم يتحمل الصغير البرد القارص في المخيم, استيقظت أمه لتجده قد خلع كنزته ليدثر بها أخاه الأصغر
    ابتلعت الغصة التي في حلقها ووارت الذكرى المفعمة بالألم داخل القلب الحزين
    وكما توقعت لين فقد ذهبت الصغيرة إلى المطبخ وعادت وهي تمسك بيد ناجي
    الإحراج في ملامحه كشف لها أنه استجاب مضطرا لإلحاح الصغيرة
    أجلسته أمل في مقعدها وقالت لهما : الآن حان دوري
    سأحضر لكما أفضل مشروب في المطعم
    شعرت لين بالحرج والارتباك عندما تركتهما الصغيرة وذهبت إلى المطبخ
    قال بهدوء : أرجو ألا تنزعجي من تصرفات أمل فهي تتصرف بتلقائية وعناد الأطفال
    هي تعتقد أن الحياة سلسة وسهلة لتحقق فيها كل ما تتمناه، وعندما تضع أمر ما في رأسها وتصر عليه يكون من الصعب للغاية إثناءها عنه
    فقط أرجو ألا تسيئي الظن بي
    اكتفى بتلك الكلمات ثم التفت إلى النافذة ليفسح للصمت مكان ليكون رفيقا لهما
    كانت تحاول أن تستجمع شجاعتها الهاربة، وتهدئ من توترها، لكنها أخيرا كان عليها أن تبادر بالاعتذار: في المرة السابقة كنت عصبية وقاسية , فقط أردت أن أعتذر عن أسلوبي الجاف
    التفت إليها قائلا : ليس عليك الاعتذار، لقد تفهمت الأمر جيدا
    - أمل تحبك كثيرا وترجو لك السعادة, وهي تعتقد أنني الشخص المناسب الذي يمكن أن تسعد معه في حياتك
    - ليست وحدها من تعتقد ذلك
    -الحقيقة هي أنني لم يعد لدي ما أستطيع تقديمه لأي إنسان, أو حتى تحقيق أحلام أمل
    لمعت عيناه واكتسى وجهه بالتفاؤل وعادت له الابتسامة : ولكني أعتقد عكس ذلك تماما، لا يمكنني أن أرى السعادة بدونك
    ارتبكت من وقع عبارته واحمرت خجلا
    وتردد هو قليلا، ثم اندفع بلا تروى وكأنما يخشى أن يفقد جرأته في تلك اللحظة : من أول مرة رأيتك فيها وأنا أشعر أنك الشخص الوحيد الذي يمكنه أن ينقذني مما أنا فيه
    نظرت إليه بدهشة وازدادت خجلا لكنه استمر في حديثه : أعلم أنك لا تعرفينني جيدا لكنني لا أكذب، خاصة فيما يتعلق بمشاعري
    لن أجد سعادتي في أي مكان ولا مع أي إنسان سواك
    ...............................
    كان عصيا عليها أن تصدق أن هذا قد حدث بالفعل
    أن تقف إلى جواره في حفل الزفاف الذي أصر عليه - رغم اعتراضها -وهي ترتدي ثوب زفاف أبيض فاخر تتمناه أية فتاة, لكن قلبها المتوجس المليء بالهموم حجب عنها الشعور بالسعادة أو حتى الراحة، حتى أمل التي كانت تتقافز بينهما بسعادة وتتعلق بأيديهما، لم ينجح منظرها وهي تلاعب ناجي وتضاحكه بمرح في تبديل مزاجها وتبديد خوفها
    كانت تتقبل التهاني من المدعوين من زملائها وزميلاتها في الجامعة بابتسامة وجلة وهي تحاول أن تستوعب ما يفعله لأجلها، فقد أصر أن يكون حفل الزفاف كبيرا وفاخرا ودعا إليه كل معارفها ومعارفه
    لكن كل هذا البذخ لم يشف بداخلها ذلك الشعور المؤلم بالغربة والخواء
    أخذت تتأمل ملامحه التي لم تعتد عليها بعد، فيها الكثير من الوسامة لكنها تفتقد فيها الألفة والحميمية ، وأدركت أن صراعها مع نفسها لتقبل وضعها الجديد قد بدأ بالفعل
    تحسست بإبهامها خاتم الزواج الغالي الذي اختاره لها ناجي وهي تحاول جاهدة أن تطرد تلك الصور المألوفة والمحببة من مخيلتها , لكن ذكرياتها الغالية أبت إلا أن تستولي على عقلها
    لم تكن تدري على وجه التحديد ما الذي يصرف عنها رفيقات سنها من الفتيات فكلما اجتمعت بهن في تجمع عائلي أو مناسبة تشعر بالنبذ والتجنب من جانبهن, وكلما حاولت الانضمام لهن يتملصن منها بلباقة, وتبقى هي وحيدة لتعود مضطرة إلى الجلوس مع نساء العائلة الأكبر منها بسنوات
    لم تكن على قدر كبير من الجمال لتثير غيرتهن لكنها تلتزم الاحتشام في ملبسها وتبتعد عن الزينة الملفتة وتصفف شعرها الأسود الناعم ببساطة وبلا مبالغة
    وفي يوم عرس ابنة عمتها لم يختلف الأمر كثيرا عن كل اجتماع للعائلة
    كانت ترتدي ثوب وردي أنيق غير مبهرج وكانت زينتها خفيفة هادئة وتصفيفة شعرها بسيطة
    انضمت إلى رفيقات عمرها من بنات العائلة
    وكعادتهن كن ينتقدن ويسخرن من كل شيء في الحفل بداية من ثوب العروس إلى مكان الحفل والطعام والحلوى وغيرها ويقارن بينها وبين عرس فلانة وعلانة من العائلة والأقارب
    وقفت بينهن صامتة فلم يكن يستهويها ذلك النوع من الكلام المثير والممتع بالنسبة لمن هم في عمرها من الفتيات
    حتى ظهر ...
    كان حضوره طاغيا بهامته الشامخة ووسامته البارزة ومشيته الرصينة وحلته الفاخرة التي زادته وسامة
    تعلقت عيون الفتيات به واشتعلت الهمهمات وكلمات الإعجاب الحارة بزينة شباب العائلة وأخو العروس
    وعندما التفت نحوهن وابتسم، صار بينهن شجار على من اختصها بابتسامته الساحرة وكل واحدة تقسم بأنه يعنيها بابتسامته
    اعتصمت لين بصمتها وأخذت تراقبه من بعيد
    يزن.. أخو العروس , يعمل في الخليج من مدة
    قرر والده إقامة عرس أخته في أثناء إجازته السنوية ليكون حاضرا، وتكتمل فرحة العائلة
    كانت تتجول مع الفتيات في المكان وكالعادة تركنها وابتعدن لتجد نفسها تسير وحيدة لا تدري إلى أين تذهب ولا لمن تنضم
    كانت تشعر بضيق شديد فهي مضطرة الآن للجلوس مع نساء أكبر منها سنا لتبقى إلى آخر الحفل صامتة
    قررت أن تستمتع ببعض الهواء المنعش خارج قاعة العرس, فالجو رائع بالخارج ونسمات الربيع تداعب أطراف شعرها الأسود وتربت على وجنتيها الورديتين
    استنشقت عطر الصيف الساحر وتأملت البدر في السماء وابتسمت
    فوجئت به أمامها يبتسم ابتسامته الدافئة الرصينة : لم أرك منذ مدة طويلة
    قالت بابتسامة خجول : نعم.. لقد قضيت وقتا طويلا في السفر
    - ما كنت أعتقد أن الفتيات يكبرن بهذه السرعة, آخر مرة التقيتك فيها كنت في البكالوريا
    - نعم, أذكر هذا اليوم كما لو كان بالأمس
    كان قلبها بين أضلعها يتراقص بجنون وهي تحاول جاهدة أن تبدو رصينة وهي تحدثه عن الجامعة وعامها الأول في كلية الطب وهو ينصت إليها باهتمام
    تمنت ألا ينتهي الحديث بينهما, لكنها كانت مضطرة للعودة بعد أن أرسلت أمها تبحث عنها
    اعتذرت منه وهمت بالذهاب للقاعة عندما استوقفها : لين
    ارتجفت طربا عندما سمعته ينطق باسمها, وعندما التفتت إليه قال بابتسامة واثقة : أحيانا يكون التفوق سببا في عزوف الناس عنك, لا تدعي أحد يقنعك بأنك أقل من المكانة التي تستحقينها, عندما التحقت بكلية الهندسة عانيت في البداية كثيرا من ابتعاد الرفاق وغيرة الأقارب, ولكن سرعان ما تجاوزت الأمر مع التفوق في الدراسة الأكاديمية والعملية
    وعندما أمسكت بين يدي شهادة التخرج, نسيت كل ما مر بي وكأن لم يكن
    أحدثت كلماته فارقا هائلا في نفسها وعادت لأمها بوجه غير الوجه
    وبرغم أنه سافر بعد العرس مباشرة ولم تره، لكن ذلك الشعور الذي أحدثته كلماته فيها لم يفارقها قط
    حتى حدثتها أمها يوما بحديث قلب كيانها
    هل أنت معي!
    استيقظت فجأة من ذكرياتها والتفتت إليه، كانت السعادة تتراقص في عينيه وهو يقول مازحا : ما بك شاردة !أين رحل عقلك؟
    لم ترد على كلماته, تأملت ملامح وجهه فازدادت بداخلها مشاعر الغربة والوحدة، فالفارق شاسع بينه وبين يزن
    أشار إلى أحد الأشخاص وهو يقول : أريد أن أقدم لك بيتر الكسندر أفضل أصدقائي, والمحامي الذي يتولى جميع أعمالي.. ها هو
    نظرت إلى حيث يشير لتفاجأ بما لم تتوقعه على الإطلاق
    انه نفس الرجل الأسمر ذو الملامح القاسية والأنف الكبير الذي كان يراقبها في ساحة الجامعة
    كان يتفحصها بنظراته المخيفة, ثم سلم على ناجي وقدم إليه التهنئة, ثم التفت إليها وهنأها بكلمات رسمية استشعرت فيها الريبة والتعالي, ولكنها ظلت صامتة ولم تتكلم, فقد كان ناجي سعيد للغاية وهو يتلقى منه التهنئة ويمزح معه
    وانشغلت هي بوصول أحمد ورغد وتلقي التهاني منهما، ذلك الذي لم تكن تتوقعه أبدا بعد ما حدث بينها وبينهما في آخر مرة، فقد اعتقدت أنهما سيتجنبانها، لكنها فوجئت بهما يلبيان دعوة ناجي لحضور الزفاف
    وبقيت لين صامتة حتى وجدت فرصة مناسبة لتنفرد فيها بالحديث إلى ناجي، فقالت بشك : من هذا الرجل
    قال بابتسامة ودودة : أخبرتك أنه محاميّ وصديقي
    قالت ببعض الحدة : لقد رأيته هناك عند الجامعة
    لم تخطئ عيناها تغير يسير في تعبيرات وجهه : حقا! إن العالم صغير للغاية
    هل هو من أرسله خلفها إلى الجامعة؟
    ظل السؤال في عقلها , وصمتت تماما عندما اقتربت منهما سيدة جميلة طويلة ذات شعر أسود قصير ترتدي ثوب أسود أنيق ضيق قصير أبرز مفاتنها
    تذكرتها لين على الفور
    كانت هي نفسها تلك السيدة التي رأتها على باب المطعم عندما كانت مع أمل وكانت أمل تحييها باسم (جان)
    حيتها السيدة وهنأتها بالزواج وهي تتفحصها بنظرات ثاقبة
    وقدمها ناجي لها قائلا : جانيت سوايز صحفية في جريدة الشرق الأوسط
    أطلقت جان زفرة : وأخيرا تزوج ناجي عمر قبل أن يصل إلى الخامسة والثلاثين
    قال بمرح : مفاجأة , أليس كذلك؟
    قالت : أرجو أن يكون الأمر يستحق
    قال بتأكيد : يستحق وأكثر
    قالت وهي ترمق لين بنظرة لم تعجبها : أتمنى ألا تندم يوما
    عقدت لين حاجبيها وظلت على صمتها, لكن ناجي نظر إليها بعاطفة وقال : من يطأ الجنة لا يمكن أن يندم
    التفت إلى جان وقال : المهم هو الشخص المناسب
    تغير وجهه عندما وقعت عيناه على بعض الأشخاص يدخلون المكان, فقال بلهجة جادة : اسمحا لي , بضع دقائق وأعود سريعا
    تركهما ورحل بخطوات سريعة وتتبعته لين ببصرها ورأت بيتر يسبقه إلى هؤلاء الأشخاص وعندما وصل إليهم قادهم إلى باب جانبي اختفى الجميع خلفه
    شعرت بالقلق والتوجس من ذلك المشهد, ويبدو أن قلقها قد انعكس على ملامح وجهها , مما جعل جان تقول : يبدو أنك قلقة من شيء ما؟
    لم تعجبها لهجتها ولا نظراتها , لكن جان أكملت : من تحظى برجل مثل ناجي لا يمكن أن تقلق أبدا
    تعجبت من حديثها هل هناك شيء خاص بينها وبين ناجي؟ هل تشعر بالغيرة؟
    ناجي بالفعل تتمناه الكثير من النساء
    إلا هي
    فلازالت عاجزة عن التحرر من طيف يزن الذي أحكم القيد حول قلبها
    كان من المفترض أن يساعدها جو العرس الفخم ولمة الأصدقاء على التأقلم أو يضفي على قلبها بعض السعادة
    لكن السعادة بالنسبة إليها - ومنذ وقت بعيد - صارت غائبا لا يرجى رجوعه، ولم يكن قلبها فقط المفتقد للسعادة، بل ملامح وجهها أيضا كانت تفتقر إليها
    عندما غاب عنها ناجي عادت أمينة إليها - وكأنما أحست بما تعانيه صديقتها - ومعها كل زملائها وزميلاتها من العرب والتفوا حولها، وما بين صخب ومزاح وتبادل الأحاديث المرحة والتعليقات المضحكة عادت الابتسامة تزين وجه لين واندمجت معهم في مرحهم ومزاحهم
    وتعالت اعتراضات رغد بسبب الجو العام الأوروبي الذي طغى على عرس شامي! وشاركها أحمد الاعتراض بمرح فالعرس هادئ بارد لا زلاغيط ولا هناهين، فتطوعت رغد وأخذتها الحمية والشوق لموطنها ودعت الجميع للترديد معها وهي تلقي زلغوطة حماسية ابتهاجا بالعروس :
    أوها العريـس يا واحد
    أوها وعروسته يا اتنيـن
    أوها يـا خـرزة زرقا
    أوها تـردّ عنهن العيـن
    لي لي لي لي ليش
    أشعلت رغد حماس كل العرب في المكان فتجمعوا حولها وحول العروس
    ولين تحاول أن ترسم على ثغرها ضحكة تمسك بها الدموع التي كادت تنسكب على وجنتيها عندما عادت بها الذكريات لعمتها وأمها ..
    و(يزن(
    منذ وفاة والدها لم تر إشراقة سعادة على وجه أمها وعينين يترقرق دمع الفرح فيهما، وكانت المرة الأولى التي تسمع فيها أمها تردد هنهونة فرح طالعة من قلبها وذلك عندما أرسل يزن أمه تطلب خطبتها له وهو في الخليج:
    آويــــــــــــــــــها ع هالحــــــــسن سمـّــــو باسـم الله
    آويــــــــــــــــــها غــزالتنا عيـونا مكحـــلة مــــن الله
    آويــــــــــــــــــها الخــد مرمر والتـم خــــاتم سليمان
    أويـــــــــــــــــها وعريســـك لوشـافك صاح دخل الله
    وابتسمت وهي تتذكر عمتها التي هبت من مقعدها وأخذت تباري أمها وترد عليها بهنهونة :
    اويها يا عـــروس ما بحتــــاج أوصيكــي
    اويها لا تخلـــي احد بالدار يشتكـــــــيكي
    اويها بيت عمِّـك حبيــــــهم وعــــــــزيهم
    اويها وعامليهــــــم مطرح اهلك الربوكي
    وتجمع الأهل والأحبة والأقارب، عائلة واحدة وبيت واحد، فأعمام العروس هم أخوال العريس، والجد واحد يستظل بظله الجميع
    وزوج عمتها (طلال) ذلك الرجل المرح الطيب الذي دخل العائلة فصار جزءا منها وأحبه الجميع لطيبته وخفة ظله وسكن قلوبهم جميعا
    وكانت لين تحمل له في قلبها مكانة خاصة، لما تلمسه منه من اهتمام خاص بها في كل اجتماع عائلي، فقد كان يسعى دائما لإضحاكها والتسرية عنها بكلماته المضحكة ومناغشاته الظريفة
    أخذ يسخر من زوجته وهناهينها، ثم أطلق هنهونة لم يتوقعها أحد فجعل البيت كله يضج بالضحك :
    أويـــــــهـــــا .......... داسوا الحصــــر برجليهـــــــــــم
    أويـــــــهـــــا .......... و تغامـــــــــــــزوا بعينيهــــــــم
    أويـــــــهـــــا ......و قالوا (يزن) ما بيتجــــــــــــوز
    أويـــــــهـــــا ............(يزن) تجوز و قلع عينيهم
    نظرت لين إلى أحمد وهو يناغش رغد، شيء ما فيه لا تدركه يذكرها بالعم طلال، ربما ذلك الاهتمام الدائم بمن حوله، أو هو التفاؤل الذي يبثه في زملائه عندما تضيق بهم الحياة
    هتفت رغد عندما رأت ناجي قادم :
    صلوا على محمد .. مكحول العين ..
    حيوا العريس
    صفق الجميع عندما أقبل ناجي عليهم، وداعب أحمد رغد : شوية شوية بتسوي عراضة
    ضحكت رغد وجاوبته : لم نسمع لك حسا، ما بتكرم العروس وهي من بلدك!
    أخرجت من حقيبتها دبوس وأعطته لأحمد وهي تغمز له بمرح وتدفعه في كتفه ليقوم بوخز ناجي، فهتف زاجرا إياها بمزاح : يلعن روح الشيطان، ستتسببين بطردنا من العرس، هو لا يدري عن عاداتنا القديمة
    قال ناجي ساخرا: لم ؟ تظنني فرنسيا! ما رأيك بعراضة شامية
    اتسعت عينا أحمد وقال بدهشة : هه!!
    التفت ناجي للين وابتسم وهو يغمز لها ويعانق كفها بأصابعه
    واهتز قلبها بالحنين عندما سمعت أصوات مألوفة ومحببة لقلبها
    محمد زين. ذكره زين
    محمد يا كحيل العين
    محمد خاطبوا ربو
    وكانت ليلة الإثنين
    وانشق القمر نصفين
    من هيبة رسول الله
    لم تصدق لين ما فعله ناجي لأجلها، كيف استطاع تدبير عراضة شامية وبالزي الشعبي لحفل زفافها!
    ومن أين أتى بفرقة شعبية جلهم من الشباب يتقنون تلك الأهازيج والنقر على الدربكة في قلب باريس!
    اصطف شباب العراضة صفين
    وردد "قوّال" العراضة:
    يا أهل العدية... يا أهل العدية
    يا سامعين الندية
    فأجابه الشباب جميعاً: هيه!
    فردد:
    الله لا يقطع لنا ولا يقطع لكم ذرية
    بجاه النبي محمد خير البرية.
    وإن كانت راية وراية عريسنا وبيّض الله..
    فأجابه الجميع : وجهوووووه
    ضحكت لين ضحكة كبيرة تمتزج بدموع الحنين والشوق لموطنها وأهلها، عندما التف جميع الشباب في الحفل حول ناجي وحملوه وأخذوا يقذفونه إلى أعلى ويتلقفونه مرات عديد وسط الصخب المرح والكل يردد معا :
    جنة جنة جنة == والله يا وطنا
    يا وطن يا حبيب == يا بو تراب الطيب
    حتى نارك جنة
    وتذكرت ما فعله خالد يوم خطبتها، فقد اختفى من البيت وترك الجميع يبحثون عنه، وكانت أمها غاضبة للغاية، فكيف لأخ أن يترك البيت يوم خطبة أخته!
    كان عليه أن يحل محل والده المُتَوَفَى ويحمل بعض الهم عن أمه ويعمل على إسعاد أخته الوحيدة
    لكن الأخ المحب عاد أخيرا ومعه فرقة عراضة ملأت البيت بالأهازيج تجاوبت معها العائلة وتجمع الجيران حول البيت يشاركونهم أفراحهم، ونجح خالد كعادته في إدخال السعادة على قلب أمه
    كان أسعد يوم في حياتها رغم غياب يزن عن الحدث الهام لظروف سفره، إلا أن طيفه كان حاضرا بقوة في قلبها كسبب رئيسي لكل السعادة التي فاض بها قلبها وامتلأ بها بيتها، وأشرق بها وجه أمها
    كان كل شيء في حياتها ورديا وهي تشعر أنها قد امتلكت الدنيا, وكل أحبائها حولها ينثرون السعادة والضحكات ويتغنون بأغنيات الفرح والتهاني والدعوات الطيبة للعروسين
    .................................................. ..
    عليها أن تبعد طيف الماضي عن حياتها بأي ثمن, فقد أصبحت زوجة لرجل آخر, تحيا معه حياة أخرى تختلف تماما عن الماضي الذي ذهب للأبد ولن يعود، وبذلت جهدا كبيرا لتحاول إقناع نفسها بالاستغناء عن الحب في سبيل الوصول للنجاح والأمان وعدم العودة للجحيم الذي كانت تعيش فيه, فأخذت تردد بينها وبين نفسها : ناجي هو زوجي
    ناجي هو من سيمنحني الأمان
    ناجي هو من سيساعدني لأكون طبيبة محترفة
    لكن كل محاولاتها لم تستطع إزالة ذلك الانقباض الشديد في قلبها وهي تخطو أولى خطواتها في بيتها الجديد
    جلست بوجل على طرف الفراش الفاخر الممتلئ بوريقات الورد الحمراء والوردية والبنفسجية التي تعاونت معا في رسم لوحة رومانسية بديعة من القلوب الصغيرة والكبيرة تليق بفراش عروس
    كان أثاث الغرفة فاخر وحديث وملابس نومها الوردية فاخرة وعلى أحدث طراز فرنسي
    لكن الرهبة والخوف الذي يملأ قلبها أفسد عليها مشاعرها, كما أن إنفاقه بهذا البذخ الشديد ألقى في قلبها شعور مؤلم بأنها صارت قطعة أثاث أو لعبة اشتراها بماله ليتسلى بها
    (لين)
    انتفضت من شرودها على صوته يهمس في أذنها
    - لين, هلا نظرت إلىّ أرجوك؟
    بصعوبة التفتت إليه، كان ذهنها مشوشا وعقلها يسيطر عليه التوجس
    تطلعت إلى وجهه بنظرات مترددة لتطالعها ابتسامة دافئة وصوت حان : شكرا لأنك حققت لي أغلى أمنية تمنيتها في حياتي
    أعلم أنني أثقل عليك ولكن , أتمنى أن تحققي لي أمنية أخرى
    بدأ قلبها يرتجف وحلقها يجف : أريدك أن تحدثيني عن نفسك, عن حياتك , عن أهلك وأصدقائك
    ارتجفت شفتاها وحاولت أن تبتسم لكنها لم تستطع, وظهر الحزن والألم في عينيها وهي تقول : لا شيء يستحق الذكر, لقد مات أبي وأمي وانقطعت صلتي بعدهما بأهلي وحصلت على منحة دراسية ..
    قاطعها قائلا : لا, ليس هذا ما أريد أن أسمعه, أريدك أن تحكي لي عن طفولتك, مدرستك, أصدقائك, الأرض التي ولدت وتربيت عليها
    التفتت إليه بعينين تملأهما الحيرة , أيحبها إلى هذه الدرجة!
    هل وقع في غرامها بمجرد أن رآها وتحدث اليها لبضع دقائق في لقاءات متفرقة؟!
    بدأت تهدأ وتسترخي أعصابها المشدودة وهي ترى نظرات الحب والحنان في عينية وابتسمت أخيرا عندما اضطجع على الفراش وأسند رأسه إلى كفه واتكأ على ذراعه، وأخذ يصغي إليها باهتمام وهي تحكي عن ذكرياتها السعيدة وطفولتها البريئة
    لم تدر كم مر من الوقت وهي مستغرقة في الحديث الجميل الذي أضاء بداخلها شمعة من السعادة
    كانت تغالب النوم وتتثاءب وهي تكمل حكاياتها وابتسمت عندما تذكرت شهرزاد وهي تقص الحكايا ليلا لتسلي شهريار, وبين كل جملة وأخرى تتثاءب وهي تتوقع أن تسمع ديك الصباح يؤذن لقدوم الفجر
    أراحت رأسها على الوسادة بعد أن غلبها النوم وأغلقت عينيها على ابتسامة ناجي الحانية التي أشعرتها بالاطمئنان والاسترخاء، وهي تقنع عقلها أن زواجها منه ليس بشعا ولا مخيفا
    وأن حن المعاملة والتعود قد يعوض قليلا من افتقاد الحب
    وما بين النوم واليقظة شعرت بالغطاء ينسحب على جسدها ليدثرها وبأنفاس دافئة تلفح أذنها وخدها وكلمات هامسة حانية تتسلل الى أذنيها لم تتبين من حروفها سوى كلمة الحب
    أدركت أن ناجي يريد أن يخبرها كم يحبها فانطفأت جذوة الخوف والقلق بداخلها ونامت قريرة العين تأمل أن تتقبل حياتها الجديدة معه
    .......................................

  4. #4

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,437
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة الثالثة

    (3)
    (الشام بمياتها وحلب بأكلاتها وحمص ببناتها)
    أبعدت لين رأسها عن كتفه، وأسندت ظهرها للأريكة، وأخذت تحدق به لبرهة، وهو يبتسم متسليا من تلك الدهشة التي ارتسمت في محياها، فبدد دهشتها بصوت تجلت فيه العاطفة : مقولة سمعتها من أحد الشوام يوما في المطعم، ولم أختبر صدقها سوى الآن، محظوظ هو من يتزوج من حمصية
    لف ذراعه حول كتفها، وتخللت أصابعه شعرها الأسود الناعم، وهو يهمس في أذنها بعبارات الغزل والحب : لم أكن أعتقد أنني سأعرف يوما طعم السعادة! كنتِ لي نورا أضاء ظلام حياتي، وابتسامة بددت غيوم الحزن عن قلبي
    ضمها إلى قلبه، ومضت لحظات صمت وهي تتوسد كتفه
    هي تدرك مدى حبه لها، لكنه لا يدرك ذلك الصخب العارم الذي يملأ رأسها، صخب تعجز معه عن التركيز في أحاديثه لها أو كلمات الحب والغرام التي يبثها إياها
    مشدودة هي بقيود من حديد وسلاسل من فولاذ إلى ماضيها، وكل كلمة أو حوار أو لفتة أو حركة تصدر منه تردها بشكل ما إلى جزء من الماضي
    حتى صارت تعيش في ذكرياتها أكثر مما تعيش معه، كما لو كان الماضي هو الحقيقة الثابتة وحياتها معه ما هي إلا أطياف تمر مرورا عابرا بخاطرها
    تعلم أن الأمر يستنزف روحها ويقتل مستقبل قد يكون هو الأفضل لها
    لكنها لم تعد تملك من أمرها شيئا أمام سطوة الماضي وأسره لروحها، كل ما تستطيعه هو ألا تبدي له ذلك العذاب المتنامي في قلبها وقبو الشقاء الذي تحيا فيه روحها، فقد اختارت أن تمنحه قدر ما تستطيع سعادة مزيفة، فما منحه لها ليس بالقليل.
    تنحنحت ثم ابتعدت عنه قليلا : أخشى أن أفسد عليك لحظات السعادة، لكنني مضطرة للذهاب غدا إلى الجامعة، فقد يؤثر الغياب على تحصيلي
    قال بابتسامة خافتة تمتزج بالإحباط : أعلم، وعلى أن أجهز ثقل من حديد أضعه على قلبي ليكبت ذلك الشوق العارم إليك حتى عودتك
    حاولت الابتسام قدر ما تستطيع، لكنها لم تستطع أن تجد ما تقوله، فخفضت وجهها وأخذت تعبث بأظافرها، ثم قالت بعد صمت : غدا ستأتي أمينة لتصحبني إلى الجامعة، هز رأسه متفهما وابتسم : يسعدني أن أقلكما
    في اليوم التالي ..
    بمجرد أن خطت أمينة إلى داخل البيت الكبير – وكان ناجي ولين في استقبالها – هتفت بمرح : واو، رائع، بيت أكثر من رائع ، بيت فنان حقيقي
    الديكور، ترتيب الأثاث، المعلقات، المزهريات، الجداريات
    ابتسمت لين لصديقتها التي تضفي المرح على المكان بروحها العفوية اللطيفة وضحك ناجي قائلا : سعيد أنه نال إعجابك، قد يعجب لين يوما ما
    وفي لمحة عابرة التقت عينيه بعيني لين التي رمشت بتوتر، فبادرت أمينة بالتهنئة : زواج مبارك وحياة سعيد، وأسأل الله أن يرزقكما السعادة والذرية الصالحة
    فقال باسما : اللهم آمين، والعقبى عندكم
    أرجو أن تعتبري بيت لين كبيتك تماما
    شهقت وهي تدور بعينيها في المكان بانبهار وتهتف بمرح : إذا سأكون عندكم كل يوم
    ضحك الثلاثة، ثم اعتذر ناجي منهما ليبدل ملابسه ويلحق بهما ليقلهما إلى الجامعة، فاصطحبتها لين إلى غرفة المعيشة، وأخذت أمينة تدور فيها وتتفحصها بانبهار وهي سعيدة لصديقتها وتدعو لها بالسعادة طول العمر وتمزح معها وتضاحكها، حتى وقفت أمام صورة تأخذ حيزا عرضيا كبيرا من الجدار، وقدرت أمينة أنها صورة تضاء بإضاءة خاصة بها كلافتات المحلات ولوحات الإعلانات، كانت ملفتة بشكل أثار فضول أمينة، فقامت لين بإضاءتها لها
    وبمجرد أن ظهرت ملامح الصورة حتى ارتدت أمينة خطوة للخلف، مع شهقة خافتة
    كانت عبارة عن صورة ضخمة لناجي تشبه صور الدعاية للمشاهير، يظهر فيها مستلقي فوق العشب النامي في منطقة شديدة الخضرة إلى مد البصر، يرتفع بجذعه مستندا على ساعده، ترنو نظراته إلى السماء الصافية في نظرة حالمة كست وجهه ببراءة محببة زادته وسامة
    قالت أمينة بتحسر : هل على أن أصبح من المشاهير لأنال صورة رائعة كتلك! ربما عليك أن تطلبي منه أن يصنع لك واحدة مثلها
    سيكون سعيدا لو فعلت فهو يتمنى رضاك
    قالت ضاحكة : لست محترفة غناء مثله
    الحقيقة أنني غير راضية عن وجود صورة مضيئة بهذا الحجم هنا كما لو كانت لوحة إعلانات على الطريق
    - لا بأس بها على الإطلاق، ولكن ما قصة تلك الصورة؟
    - لا أدري
    - عجبا، ألم تسأليه!
    - الأمر لا يثير فضولي
    عاد ناجي بملابسه الأنيقة، فانتشر في المكان عطر فرنسي شهير : أنا مستعد، هل نذهب الآن؟
    بادرته أمينة بالسؤال الذي يلح عليها : ليس قبل أن أعرف قصة تلك الصورة
    قال باسما : إن كنت تنتظرين قصة مشوقة فسيخيب أملك بالتأكيد، تلك الصورة أهداها لي أبي رحمه الله، لذا فمكانتها في قلبي لا تقدر بثمن
    تنهدت أمينة : رحمة الله عليه، كان يحبك كثيرا
    أنهى الحوار وهو يدعوهما للذهاب : تفضلا
    .................................................. ...........
    وضعت لين كل همها في الدراسة وصارت شغلها الشاغل، وأي شيء عداها يأتي في المقام الثاني والثالث، كانت تحمد الله أن ناجي تفهم الأمر ولم يغضب من انشغالها عنه ولا غيابها لفترات طويلة عن البيت، وقد التحقت بصفوف لتعلم اللغة الفرنسية وإتقانها
    وكانت تقدر له أنه لا يزعجها كثيرا بمطالبه، بل إنها أحيانا قد تنخرط في الدراسة ويأخذها الوقت لدرجة أن تنسى حتى أن تأكل
    لكن ناجي لم يكن ينسى، فيأتي لينتزعها مما يشغلها ليطعمها بيديه
    وأحيانا كان ذلك يزعجها على عكس المتوقع، وأحيانا يظهر غضبها رغما عنها من تصرفاته، لكنها تعود فتندم وتعتذر وتتعلل بضغط الدراسة وصعوبتها، وصعوبة اكتساب اللغة التي تحتاج إلى جهد وتعاهد مستمر
    لكن الحقيقة هي أن كل تلك الحيل التي تمارسها على مشاعرها وعقلها، كانت تنكشف عندما تجرفها أطياف الماضي في نهر الذكريات، فتبدأ مشاعرها في التذمر وإبداء الغضب إذا ما حاول ناجي أن يعيدها لواقعها ويردها لواجباتها
    ثم يجرفها الماضي إليه من جديد في أوقات الفراغ، والأوقات التي تكون الوحدة فيها رفيقة لها
    خرجت إلى ساحة الجامعة وسارت متجهة إلى باب الخروج، لكنها تهادت في مشيتها عندما أتاها صوت صخب وضحكات الطلبة والطالبات العرب وقد تحلقوا في الساحة، ودون أن توجه بصرها إليهم عرفت فيهم أصوات أحمد ورغد وصالح، تظاهرت باللامبالاة واستمرت في طريقها، فسمعت صوت صالح يمازح أحمد : خطأ، نطقك خطأ، هي بالكسر وليست بالضم
    أحمد مازحا : وما أدراك أنت! لن تستطيع أن تنطقها كما ينطقها أهلها
    صالح : افهم يا غبي، في كل المراجع القديمة هي بالكسر وليست بالضم
    أحمد : تريدني أن أكسرها! أكسر رأسك ولا أكسرها، هي بالضم يا أبله، حووومص
    شعرت بعدم الرغبة للرحيل، رغم أن ناجي ينتظرها في المسرح ليعودا إلى البيت سويا، فجلست على أحد المقاعد في الساحة، وأصغت السمع للتجمع القريب منها
    أحمد : نحن من اخترعنا لغة الواو، الحومصاوية، لن تجد بلد اشتهرت بالواو مثل حومص، إنه الحووب
    انفجر الضحك بين الجميع من كلمات أحمد وطريقة نطقه للكلمات، ووجدت لين نفسها تبتسم ثم تضحك دون أن تلتفت، ومرة أخرى عاد إليها طيف العم طلال فترقرق دمع الحنين في عينيها وهي تسمع رغد تسأل أحمد عن أي فريق كرة يشجع، فأخذ يدق الأرض بأقدامه بمرح بإيقاع منتظم : دج دج دج دج الكرامة
    في الغالب يكون الفوز للأزرق، ولكن في ذلك اليوم امتلأت الشوارع بالرايات الحمراء، فأخيرا وثب الحصان الأحمر، وانتشرت كتائب التشجيع تجوب الشوارع والحارات، تهتف باسم فريقها الفائز على إيقاع الدربكة، وبعد أن أنهت لين جولتها مع يزن وخالد في شارع الدبلان أخذها يزن إلى السوق المسقوف، حيث يقع دكان الملابس الذي يمتلكه والده، لكنه لم يجد سوى أخوه يحيى في الدكان، فسأله أين ذهب الوالد!
    وقبل أن يجيب، سمعوا أصوات شجار صاخب ليس ببعيد، فهتف خالد وهو يشير نحو الشجار : العم طلال بالتأكيد
    اتجه الثلاثة صوب الصوت حيث يزداد الزحام تدريجيا حتى وصلوا إلى موقع الشجار، وكما تنبأ خالد وجدوا العم طلال يفصل بين فريقين من المشجعين رافعا عصاه الأبنوس لأعلى وصوته يُلَعْلِعْ في المكان وهو ينصح الشباب بالتهذيب والأدب والروح الرياضية مع بعضهم البعض، ونبذ الشجار والتعصب
    كان العم طلال رجل مسموع الكلمة، له هيبة ومحبة في قلوب الجميع، ويتحلى بخفة ظل وحب للنكتة والطرفة كأغلب أهالي حمص
    واستطاع الرجل بلباقته وحزمه أن يوقف الشجار الذي نشب بين مشجعي الفريقين، وانصرف الشباب بسلام كل إلى حاله
    هم العم طلال بالعودة إلى دكانه وعندما أبصر لين، أشرق وجهه لها بابتسامة حانية، واصطحب الثلاثة عائدا إلى الدكان، وخالد يشاكسه كعادته كلما التقيا، فخالد يشجع الكرامة والعم طلال يشجع الوثبة، ودائما ما تثير محاوراتهما ضحك لين ويزن وخاصة عندما تتجلى خفة ظل العم طلال ويفحم خالد بنكاته الظريفة
    كلما التقته كانت تحضّر نفسها للضحك والسرور، فما من أحد يجالس العم طلال ولا يكف عن الضحك
    وفي دكانه لفت نظر لين وجود عصا جولف معلقة على الجدار بجوار الملابس المعروضة، فسألته عنها متعجبة
    فقال ساخرا : أجهز نفسي لمشروع حلم حمص
    تساءل خالد : وما علاقة مضرب الجولف بمشروع كهذا!
    قال : ألا تدري أن الدكتور سيحول البساتين إلى ملاعب جولف!
    على أن أتمرن جيدا حتى إذا ما أخذوا أرض السوق وحولوها إلى أبراج وعمارات، والبساتين إلى منتجعات، أتكسب عيشي من الجولف
    هيييه، غدا نشرب عصير كرات الجولف بدلا من عصائر الفاكهة التي تأتينا من البساتين
    ضحك خالد : يقولون أن الجولف رياضة الملوك
    رد طلال مازحا : وأنا لها أيها الظريف
    العم طلال لم يكن ساذجا ولا يلقي النكتة جزافا، بل يعنيها تماما ويطلقها صوبها الصحيح، فالنكتة لديه هي احتجاج ساخر على أوضاع خاطئة لا يرضى عنها، وفهمت لين مقصده عندما اختصها بنكتة : إثنين حماصنة فاتوا على كلية الطب واحد طلع محاسب والثاني محامي
    علت الضحكات من القلب، ولين ترفل في السعادة، وقام العم طلال بزجر يزن : وأنت! ماذا تفعل هنا؟
    يزن : ما بك يا أبي، هل يسرك أن أعود للبيت !
    قال طلال ساخرا : لا تؤاخذني بها الكلمة، أنت عديم الزوق
    هيا خذها وارحل
    سألته وهي تغالب الضحك : نرحل إلى أين يا عماه!
    قال : عروس وتسأل إلى أين! إلى الغوطة الى شارع العشاق
    حلى تمك بكنافة من عند المعراوي
    قام يزن وهو لا يستطيع أن يقاوم ضحكه، وأشار إلى لين لتقوم معه، وكاد خالد أن يتبعهما فأحاط طلال رقبته بذراعه : لا، أنت ستبقى معي، سأصطحبك إلى رامي في الحمرا يحلق رأسك وينظف عقلك
    قال خالد وقد اختلطت كلماته بالضحك : ستكدرني أمي!
    رد بحزم : دع أمك وشأنها، سأرسل أم يزن لتدفع لها ديتك
    العم طلال من أكثر الناس الذين تضرروا مما حدث في العشر سنوات الأخيرة هو وأسرته وأولاده يزن وياسين ويحيى وياسمين، كان يعيش في الريف ويعمل بالزراعة، لكن موجة جفاف ضربت البلاد لأكثر من ثلاث سنوات، فاضطر لترك الزراعة والهجرة إلى المدينة وساعده والد زوجته على امتلاك محل بالسوق والاشتغال بالتجارة حتى تخرّج يزن في الجامعة وسافر للخليج ولازال العم طلال يكافح لأجل تعليم أولاده
    الذكريات تتلاعب بها وتأخذ عقلها حيث تريد، لكن جسدها كان يسير بآلية في الطريق إلى المسرح، تقوم بواجباتها المفروضة بلا حماس.
    كان يوم من أيام الشتاء الطويلة، لم تشعر لين بالبرد وهي تلتحف بمعطف من الجلد الأسود مبطن بالفراء الناعم، وعندما وصلت المسرح، وجدت ناجي يجلس على خشبة المسرح بصحبة أمل يحاول أن يقنعها أن تشرب فنجان من الأعشاب التي تساعد في تحسين الصوت، وأمل ترفض فطعمه بالنسبة لها سيئ، وما بين تدليل ومشاكسة لم تنطلي حيله عليها وجلست لين في مقاعد المتفرجين تنتظر ناجي حتى ينتهي من تدريباته مع أمل، لكنها انضمت إليهما عندما طلب منها العون لتقنع أمل بتناول شراب الأعشاب، واستجابت لها أمل بيسر عندما قالت لها ببساطة : انه ليس سيئا أبدا
    ثم قرنت كلماتها بالفعل وتناولت رشفة من الشراب،فتناولته أمل من يدها برضا وناجي يراقبها بدهشة وتعجب
    وضع ناجي كفيه في خصره وقال بتحدي : رائع أن وجدت أخيرا من يستطيع إقناعك، رغم أنك عذبتني طوال اليوم، ورفضت أن تتناوليه من يدي
    قلدت وقفته ووضعت كفيها في خصرها : لو كنت شربت منه لكنت قلدتك، أعلم أنك تكره هذا الشراب وترفض تناوله، فلم تريدني أن أفعل العكس!
    ابتسمت لين : كلام منطقي، كان عليك أن تجربه أولا
    ارتسم الاشمئزاز على وجهه : أوه، لا، إنه سيء الطعم
    قاطعهم دخول أحد الأشخاص، قدمه ناجي إليها بمرح : إنه سعد، وكيل أعمالي الفنية ومخرج العرض وصديق الطفولة وأيام الطيش
    حياها سعد قائلا : مرحبا سيدتي، كم تمنيت أن أكون موجودا في حفل زفاف ناجي، لكن مع الأسف كنت خارج البلاد في جولة مع أحد الفنانين، وناجي لم يستطع الانتظار لحين عودتي
    تقبلت لين تهنئته بزواجها واصطحبها ناجي ومعهما أمل لخارج المسرح، وقبل أن يستقلوا السيارة وقفت أمل رافضة أن تركب، حاول ناجي أن يستنطقها عما تريد، لكنها هزت رأسها بدلال الأطفال، فتبادل مع لين نظرات باسمة وهو يشير إليها حائرا أن تنصحه كيف يتصرف
    هزت كتفيها بأنها لا تدري، فسأل أمل : حسنا أيتها الأميرة الصغيرة، مُريني
    أشارت إلى محل قريب، فهز رأسه متفهما، لكنه قال معترضا : مثلجات!!
    أمل عزيزتي، اقترب موعد الحفل ولست على استعداد أن أفاجأ بإصابة حنجرتك بالبرد
    وأدركت لين مما حكته لها أمل سابقا أن تناول المثلجات هي عادتهما كلما غادرا المسرح، فتساءلت بدهشة : وفي الشتاء أيضا!
    لم يفلحا في إثناء الصغيرة المدللة عن رغبتها في تناول المثلجات في الشتاء، فدعاهما ناجي لتناول المثلجات مضطرا، وبينما هو يشتريها من المحل، اتجهت لين وأمل إلى الساحة التي أمام المسرح
    كانت الساحة تمتلئ بالحمام الذي تجمع على الأرض يلتقط حبوب يرميها له المارة
    وقفت لين تراقب أمل وهي تطعم الحمام، وابتسامة آمنة مطمئنة تزين ثغرها، فالحمام هو رمز للسلام، لا يتواجد إلا في المناطق الهادئة، ولا يتجمع إلا عندما يشعر بالأمان
    شردت عيناها خلف الحمام وهو يجري على الأرض
    تحب الحمام، فهو صديقها منذ كانت طفلة تتعلق بكف أبيها يوم الجمعة وتذهب معه إلى الجامع خصيصا لتطعم الحمام
    ويحكي لها والدها هي وأخيها عن بطولات سيف الله المسلول الذي سكن بلدتها ودفن فيها، وسمى خالد أخوها على اسمه بعد معارضة شديدة من أمها، فقد كانت تريد تسميته باسم آخر، لكنها رضخت مضطرة بعد أن أعجب الاسم الجد والعائلة
    أمها أيضا تحب هذا المكان وترتاده في ليالي رمضان والأعياد، فهنا للعيد طعم آخر
    رفعت عينيها لأعلى لتعانق روحها شوقا مئذنتين عاليتين تسبحان في زرقة السماء، وقبة معدنية كبيرة حولها قباب صغيرة تلمع تحت ضوء الشمس
    ارتجفت ألما من المفاجأة، فلم تجد أمامها سوى فراغ واسع وطريق ممتد، وأدركت أنها في باريس لا حمص
    أخذت تلهث فرقا وملأ الدمع عينيها، وحاولت جاهدة أن تتغلب على أحزانها لأجل ألا تلاحظ الصغيرة، لكن ناجي أدرك حين عودته تغير مزاجها وألم روحها البادي في دمع عينيها، فسألها باهتمام المحب : أحدث شيء؟
    هزت رأسها نافية، فلم تكن بها قدرة على الكلام، وطوال الطريق إلى البيت كانت تجلس في السيارة شاردة واجمة، تستمع بلا تركيز لكلمات ناجي وأمل ومشاكساتهما، وصخب الماضي يدوي في عقلها ويغطي على أي صوت آخر
    ليس أمامها سوى أن تدفن همومها بالانخراط في الدراسة، وتبعد ماضيها قدر ما تستطيع عن عقلها بالانشغال في حاضرها ومستقبلها
    فلا طريق واضح أمامها سوى أن تكون طبيبة، ولا أمل لها في مستقبل لا تستطيع فيه الاعتماد على نفسها ومساعدة غيرها، فلازالت غير راضية عن الطريقة التي تزوجت بها، يراودها إحساس دائم بأنها مجرد لعبة اشتراها شاب غني ليتسلى بها
    ربما كان هذا الإحساس تحديدا هو ما يصنع ذلك الحاجز الخفي بينها وبينه، ولا يجعلها تتقبل ما يقدمه إليها بقبول حسن ورضاء نفس
    لم تكن تدرك وهي في خضم صراعها مع نفسها لإبعاد الماضي عن حاضرها أنه قد يتجسد أمامها يوما في أسوأ صورة ويبعث لها بأشد مخاوفها ليكدر عليها حاضرها
    (مرحبا لين، صدفة عجيبة أن نلتقي هنا بعد سنوات)
    انتفضت مرتعبة من ذلك الصوت الذي يذكرها بأهوال مضت وأيام نحسات، وعقلها يتردد فيه سؤال، أهو حقيقة أم ذكريات، هل جرفتها دوامة الماضي إلى القاع ولم يعد لها منها فكاك
    هل جنت! والخيالات والأوهام تغزو عقلها!
    أم أن الماضي ابتلعها بداخله؟
    رفعت عينيها بتوجس عن الكتاب الذي كانت منهمكة في قراءته، لتطالع الوجه الكريه الذي تبدى لها من قعر جحيم الماضي
    تلفتت حولها لتتأكد أنها لازالت في مكتبة الجامعة لا المخيم
    ابتسم ابتسامته اللزجة المقيتة، هو يدرك جيدا حجم المخاوف التي يستثيرها في مشاعرها، فلا فائدة من مداراة ذلك الرعب الذي فضحته عيناها
    (أين ستذهبين وعنقك مقيد بسلاسل حديدية طرفها هنا! وإن ذهبت إلى آخر الأرض فلا مناص من العودة)
    تجاهلت يده الممدودة بالسلام وحملت أغراضها بارتباك ورحلت مسرعة وكأن شياطين الأرض تطاردها
    ولم تنتبه إلى عيني أحمد اللتين ترقبان المشهد بتربص وقلق
    وتتفحصان ذلك الغريب بارتياب
    .................................................
    كانت عاجزة تماما عن السيطرة على جسدها المرتجف وقلبها المرتعب وهي تدلف إلى البيت في وقت مبكر عن موعد عودتها، فلم تكمل يومها في الجامعة، ونسيت درس اللغة
    كل ما كان يشغلها هو الهروب واللجوء لمكان آمن، ولم تهتم بالسؤال عن سبب نوم زوجها حتى الظهيرة، فلا شك أنه قضى الليل في المسرح في تدريباته للاستعداد لحفلته القادمة التي لا تدري عنها شيء، ولا تتذكر في أي يوم ستكون
    شعرت ببرودة في أطرافها رغم جو البيت المكيف، فبدلت ملابسها واندست في الفراش الوثير بجوار ناجي تلتمس الدفء والأمان
    كان يوليها ظهره ويغط في نوم عميق، لكنها أدركت أنه أحس بها عندما التف بجسده وتوجه إليها واحتواها بين ذراعيه
    فلاذت من مخاوفها بصدره واختبأت بين أحضانه، وسال دمع الأسى على حالها، فأين تذهب والماضي يسجنها بداخله، كيف لها أن تتخلص من ذلك الرعب المسيطر عليها وقد تجسد لها اليوم في أسوأ وجه تعرفه
    هاجمتها القشعريرة عندما تذكرته وتحولت إلى ارتجافة قوية، وشعر بها ناجي تنتفض بين أحضانه فشدد ذراعيه حولها وزاد من احتضانه لها واضعا خده فوق خدها، وهمس بصوته الدافئ فتسللت كلماته الحانية إلى أعماقها : لا تخافي، أنت آمنة
    لن أسمح لمخلوق أن يقترب منك، أو يزعجك
    سأعمل كل جهدي لأخرج الأحزان من قلبك وأمحو الخوف الساكن في عمق عينيك
    كانت كلماته كدواء يهدئ من خوفها ويطمئن روعها ويبثها الأمن والسكينة، فكفكفت دموعها واستكانت في حنايا قلبه واستسلمت لنوم هادئ مطمئن
    تعلم جيدا أنه دواء مؤقت سيزول مفعوله بعد وقت قصير لتعود إلى سجن الماضي وقيوده التي أدمت قلبها
    ناجي يبذل ما يستطيع ليهدئ من روعها، لكن ما حيلته أمام جبروت الخوف وقسوة الألم، وكيف السبيل للخلاص من ذلك الجحيم!
    الخوف ميراث ثقيل تتوارثه النساء جيل فجيل، كما كانت أمها من قبل تستصرخ خالد من شدة الخوف ألا يفعل
    أمها التي تحلت عمرها بالهدوء والرزانة والصوت المنخفض، لأول مرة تراها تصرخ في خالد وتقف في وجهه كنمرة ضارية لتحمي صغارها من وحش مرعب
    مما اضطر خالد أن يستعين بالعم طلال ليتدخل لإقناعها
    لكن الأم التي كانت تكن كل الاحترام لأخو زوجها الراحل وعم أبنائها لم تستجب لكلماته : إن لم يكف عما يفعله ويغلق ذلك الكمبيوتر ويتوقف عن الحديث عن ما يحدث في تونس ومصر، أقسم بالله سأكسر الكمبيوتر على رأسه وأحبسه في غرفته، ولا خروج لجامعة ولا غيرها
    حاول العم طلال أن يتحلى بأكبر قدر من الهدوء : يا أم خالد ولدك رجل، ولا يصح معاملته كطفل
    قالت بانفعال : فليتصرف إذا كالرجال، ولا يرشد المصائب إلى طريق بيتنا، أخبره أين نعيش، يبدو أنه لا يدرك أن بين كل ثلاثة هناك اثنين مخابرات
    العم طلال : يا أم خالد الله يرضى عليك أخفضي صوتك
    قالت : حسنا، أخبره لم تريدني أن أخفض صوتي
    قال : هو يفهم ذلك جيدا، فلا داعي للضغط عليه
    قالت باكية : أخبره عما فعلوه بطل الملوحي وهي كانت تجلس مثله على الكمبيوتر، صبية لم تتجاوز السابعة عشر أخذوها فقط لأنها تكتب على الكمبيوتر، بل وشوهوا سمعتها وسمعة أهلها بهتانا
    قال : يا أم خالد ..
    قاطعته : وأطفال درعا، ما فعلوا شيء في حياتهم سوى أنهم كتبوا على جدار المدرسة (جاك الدور يا دكتور)
    التفتت إلى خالد وقالت : تظن أن باستطاعتك - أنت أو غيرك - أن تكرر ما حدث في تونس ومصر! أنت لا تدري شيئا عن نوعية الوحوش التي تسكن ديارنا من أربعين عاما
    أخبره يا أبو يزن، أخبره أن يتحلى بالتعقل ويبتعد عن المصائب
    وإلا .. سيحل عليه غضبي وأشكوه لربي
    تركتهم في الصالة ودخلت إلى غرفتها وهي تقول باكية : ذنبي وذنب أختك سيطوق عنقك إلى يوم القيامة إن حدث لنا شيء بسببك
    أغلقت الباب بقوة، ووقف الثلاثة معا والصمت يحفهم بردائه الكئيب
    سألت لين : ما العمل يا عماه، أمي غاضبة للغاية، وأخشى أن ترتفع نسبة السكري في دمها
    خالد : كيف السبيل لإقناعها أن التغيير قادم لا محالة
    قال طلال بأسى : ما من أحد عاش في حماه يمكن أن يصدق أن هناك خلاص من ذلك الطاعون الذي ابتلينا به من أربعين عاما، خاصة والدتك
    خالد : يجب أن أذهب يا عماه، لو لم نناصر درعا فسيأتي علينا الدور، لكن وقتها لن نجد من ينتفض لأجلنا
    لا يمكن أن نقبل بذلك الذل، كيف لنا أن نرفع رأسنا بعد أن ضربت الفتيات بنات الأكارم أمام وزارة الداخلية!
    وكيف نضمن ألا يحدث ليحيى وياسين كما حدث لأطفال درعا؟
    هز العم طلال رأسه بأسف : ليس لها من دون الله كاشفة
    بالروح بالدم نفديك يا درعا
    خمسة عشر شخصا أغلبهم من الأطفال يتم اعتقالهم وتعذيبهم بوحشية، والتهمة : الكتابة على الجدران!
    (جاك الدور يا دكتور)
    عبارة خطيرة على جدار مدرسة تستحق أن يعذب لأجلها خمسة عشر طفلا تعذيب وحشي! وإهانة أهاليهم الكرام وإذلالهم وطعنهم في شرفهم وعرضهم!
    ضرب الفتيات واعتقالهن للكتابة على الانترنت أو للمطالبة بالإصلاح والإفراج عن المعتقلين هو الطريقة الوحيدة لتعامل النظام مع البشر
    سحق أي صوت للمعارضة وسياسة تكميم الأفواه والاعتداء على الأرواح والأراضي والممتلكات أصبح هو أساس الحياة وطريقة التعامل مع الناس
    سدت أمامنا كل السبل وانعدمت كل وسائل الإصلاح، فالحاكم لا يسمع والحكومة لا تستجيب لمطالب الناس المشروعة
    فكان لابد لنا من أن نقوم بثورة
    (يلعن روح الثورة، خربتوا بلادنا، هدمتوا ديارنا، قتلتونا وشردتونا، شو بدكن تعملوا فينا أكتر من هيك!)
    انتبهت لين من شرودها على ذلك الصراخ الغاضب الذي قاطع أحمد وهو يقف في صدر قاعة المحاضرات وقت الاستراحة يشرح للطلبة الفرنسيين والعرب قضيته، والأسباب التي دفعتهم للثورة
    أخذت تتأمل الطالب الذي انتفض غضبا يعارض ما يقوله أحمد، واشتعل المكان بنقاش حاد وتراشق بالاتهامات
    رغد : وجه كلماتك للأنظمة التي تقتل شعوبها
    الطالب : أنتم من أشعل ذلك الجنون، من دفعكم ودفع لكم لتستفزوا الوحوش من جحورها!
    شاب يقف بجوار رغد : لا نحتاج لمن يدفع لنا لنطلب حقنا في الحرية
    رغد : انظر حولك وتأمل كيف يعيش الآخرون، هل ترى حاكما يقتل شعبه إلا في بلادنا
    حملت لين حقيبتها وغادرت مكانها بصمت، وفي طريقها للخروج مرت من أمام أحمد، والتقت عينيها بعينيه لترى في عينيه نظرة تحمل الكثير من العزم وهو يقول بثبات : الشعب السوري ما بينذل
    أسرعت للخارج، كانت تشعر بالحاجة للسير في الهواء الطلق رغم برودة الجو، قادتها قدماها إلى نهر السين
    عجبا، منظر الماء يذكرها بالعاصي
    ذلك الجاري عبر الأزمان، المتدفق بغزارة الذكريات، النابض بالخير والحب، يسير عكس اتجاه جميع الأنهار، يجري متحديا كل العقبات، مخالفا كل التوقعات
    كشعب خرج في 18آذار يتدفق صوب الحرية متحديا الرصاص مخترقا جسور الخوف هادما سدود اليأس
    (الشعب السوري ما بينذل)
    كلمات العم طلال تتردد دائما على لسان أحمد، ليبقى الماضي حيا في حاضرها لحظة بلحظة
    وقفت تنظر لمياه النهر وهي تهتز وتلمع بلون حبات الماس وتكوّن دوائر صغيرة مع كل قطرة مطر تنزل من السماء، مدت كفيها تستقبل قطرات الخير، تبتسم لقبس من السعادة أضاء شيئا يسيرا من روحها
    تمازجت دموعها بقطرات المطر على خديها، وهي تدندن بكلمات سمعتها كثيرا من العم طلال :
    والعالم كله منا
    واحنا اللى أكرمنا الضيف
    يقعد ويرتاح عنا
    تلج الشتا عنا صيف
    مسا الخير .. مسا الخير
    الله يمسيكم بالخير
    والخايف يأمن عنا
    واحنا لو جردنا السيف
    بيرجع بالدم محنى
    حنا عقيل .. حنا وحنا
    والخاين يرحل عنا
    حنا عقيل .. حنا وحنا
    حومصية واسأل عنا
    ...........................................

  5. #5

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,437
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة الرابعة

    (4)
    يوما ما ..
    كانت العودة إلى البيت ساعة تنتظرها وتتشوق إليها تجلب الفرح والسرور
    استقبال أمها لها، مشاكسات أخيها، الطعام الشهي الساخن، اللعب مع الرفيقات والجارات
    تلك الوجوه التي تحبها وتألفها
    الآن..
    أصبح الرحيل إلى البيت شاق على نفسها، ثقيل على روحها تحمل له ألف هم.
    تبقى في القاعة بعد انصراف الطلبة والطالبات، متعمدة إضاعة وقت إضافي بعيدا عن البيت، تبقى محملقة في اللاشيء، حتى لا تجد مفرا من الرحيل، ولا تجد مكانا تذهب إليه سوى بيت ناجي
    تدرك أنه حَسِنْ المعاملة، يُظهِر الحب والعطف في كل مناسبة وبكل وسيلة، لكنه أبدا لم يستطع ولوج قلبها، ثمة حاجز بينها وبينه يكبر يوما بعد يوم، تحيا معه كزوجة، وتحاول قدر ما تستطيع أن تفي بواجباتها تجاهه
    لكن قلبها لا سلطان لها عليه، لا تستطيع أن تُحَنِكه أو تقوده ليقبل بحب زوج فرضته الظروف السيئة عليها
    انتزعها رنين هاتفها من استغراقها في أفكارها لتجد اسم ناجي في صدر الشاشة
    ترددت قليلا، ثم أجابت مكالمته
    فهمت أنه يطمئن عليها، فهي لم تأتي للمسرح كما اتفقا صباحا ليعودا سويا إلى البيت، فتعللت بانشغالها في البحث في المكتبة ومرور الوقت عليها دون أن تلحظ، فلم يعلق، بل أخبرها أنه سيمر عليها ليقلها إلى البيت
    حملت أغراضها بضجر وخرجت من القاعة بتمهل وهي تشعر بالضيق من نفسها لتلك المراوغة الصغيرة التي افتعلتها لتتأخر عنه
    وخشيت أن يفتح ذلك الباب للمزيد من المراوغات فتنزلق يوما إلى مستنقع الكذب وتفقد احترامها لذاتها
    انتفضت كمن لدغها عقرب، وتجمدت لحظات عندما وقعت عيناها عليه
    إنه ذلك البغيض وابتسامته الشامتة الكريهة، يستلذ بإثارة خوفها ويستمتع بتوترها، مجرد رؤية وجهه تعيد لها أياما بشعة تحتاج إلى عملية جراحية لإزالة آثارها المدمرة
    تكرهه وتكره خوفها منه، ويؤلمها إحساسها الدائم بالتهديد كلما تذكرت وجوده معها في نفس المكان،فقد عرفت أنه التحق بالدراسات العليا في الجامعة، وسيصبح من رواد المكان
    أيام نحسات وسنوات مظلمة تنتظرها باجترار الكوابيس والأحداث المفزعة والتهديد بفضح ماضيها
    تجاوزته وأسرعت الخطا للخارج كما لو كانت الذئاب في أثرها، وبمجرد أن رأت سيارة ناجي حتى قفزت فيها تلوذ بها من خوفها، ومرت السيارة من أمامه وهي تتابعه ببصرها وهو يبتسم ابتسامته الشامتة المقيتة
    طوال الطريق وناجي يتحدث إليها بشكل متواصل، وهي عاجزة عن التركيز في حديثه أو استيعاب ما يقول
    ما وصلها هو أنه يتحدث عن حفلته التي اقترب موعدها ومشقة التدريبات والإرهاق اليومي في المسرح
    ليت الحياة بمثل تلك البساطة! أن ينشغل الإنسان بالتافه من الأمور، فالجدية قد تكون قاتلة أحيانا
    ليتها تستطيع أن تبوح له بما يؤلمها، كلما حاولت تتوقف الكلمات في حلقها ولا تستطيع، هل سيقدّر ما حدث لها ويتفهّمه؟ لكن غيره لم يفعل، فلم تجازف بإخباره إذا؟
    توقفت السيارة أمام المطعم، فقال باسما : اسمحي لي أن أدعوك لعشاء خاص في مكان خاص له نكهة ورائحة خاصة
    تساءلت : هنا! في المطعم؟
    هز رأسه وامتلأ صوته بالحنين : هنا شيء ما يجمعنا
    أكمل وهو يمسك بيدها ويصطحبها متمهلا إلى داخل المطعم : هذا المكان يحمل لي ذكريات غالية، هنا أكون على راحتي، استمتع بالعفوية والاسترخاء
    هنا أشعر بالانتماء وأشتم رائحة الأحِبّة
    لم تنتبه لكلماته، فقد كان عقلها في واد آخر، وعندما جلسا حول منضدته المفضلة، أدركت أنه دبر لها احتفال صغير بالاتفاق مع العاملين في المطعم، حاولت أن ترسم السعادة في ملامحها وهم يقدمون لها الكعكة المربعة والمزينة بصورة لوجهها، لكن شغلها سؤال كيف عرف ناجي بتاريخ يوم مولدها؟
    أدركت مدى سخافة السؤال عندما أجابها ببساطة : من عقد زواجنا
    كان الاحتفال بسيطا وجميلا، استشعرت فيه المحبة والإخلاص لناجي من كل العاملين في المطعم ومدى الود والاحترام الذي يكنه لهم
    وبعد أن أطفأت شمعات عمرها الخامس والعشرون، كان هتاف الجميع بمطلب واحد، وهو أغنية من ناجي
    كان صوته شجيا بحق، يرسل موجات من السعادة والمتعة في المكان وهو يردد أغنية يبوح لها فيها بعشقه وعيناه ترسلان رسائل الغرام صريحة يقرؤها كل من حوله
    تأثرت بذلك الجو الرومانسي الحالم، وبمحاولات ناجي للتعبير عن حبه لها، لكن فجأة في منتصف الأغنية جُر عقلها جرا إلى الماضي، وشردت عن كل ما حولها
    ؟ططططططططططططططططططططططططططط
    فوجئت به يجلس أمامها ويحدثها وهي لا تعي ما يقول، وخيبة الأمل ترتسم في ملامحه، فهي لم تنتبه سوى للقليل من أغنيته، وما ساءها أكثر هو أنه أدرك ذلك
    انتابها الندم لجرح مشاعره، لكن كيف للأسير أن يقود قلبه إلى حيث يريد؟
    تعجز عن اجتياز السور الذي بين مشاعرها وبينه، فبخلاف حبها القديم الذي يطبق بقبضته على قلبها، لم تكن راضية عن ذلك الرجل الذي تزوجته، يشتعل بداخلها الغضب والنفور كلما اقترب منها وتتحول لياليها الى صراع دائم لمحاولة إقناع قلبها بقبوله، أو حتى السيطرة على جوارحها حتى لا تبوح بما يخفيه قلبها
    صراع مضني تكابده وحدها، ولا تدرى إلى متى تستطيع الصبر
    تتأمل نظرات الحب في عينيه، وفي عقلها يحتدم سؤال مصيري
    هل يمكن أن تتقبل رجل يستفزها اهتزاز جسده الدائم على مشيته الإيقاعية؟ وتكره حركات يديه المتناغمة كلما تحدث أو انفعل
    أيمكنها أن تحترم رجل يصدمها بوشم بغيض على كتفه كلما خلع قميصه أو بدل ملابسه؟
    إلى متى ستكتم غيظها من أسلوب حياته الذي يقضيه ما بين دندنة مستمرة أو غناء متتابع أو صفير ملحّن لا ينقطع!
    لم يخطر على عقلها يوما أنها يمكن أن تتزوج من مغني، كانت فكرة مستحيلة تماما، والآن هي حقيقة واقعة
    عندما غادرت أفكارها شعرت بوخز من ضميرها لتلك النظرة المحبطة التي تملأ عيناه، فما ذنبه ليتحمل صراعها المرير مع نفسها، ورواسب ماضيها المؤلم؟
    أمسكت بيده محاولة تقديم اعتذار مناسب، لكنها لم تستطع أن تقدم أي مبررات سوى الإرهاق من الدراسة والقلق من المستقبل وخوفها من عدم إتقان اللغة
    هز رأسه متفهما، لكنها تدرك جيدا من ملامحه أن ردها زاد الأمر سوء
    علا في المكان صوت منكر، وعندما رفعت رأسها تنظر، طالعها مشهد سكير يترنح يدخل إلى المطعم، فاستقبله أحد العاملين وأجلسه إلى منضدة قريبة من الباب
    نظرت إلى ناجي مستفسرة، فهز كتفيه دون تعليق
    أخذت تتابع المشهد بصمت، لكن في داخلها نما غضب أخذ يشتد مع مرور الدقائق، ولم تمتد يدها لتذوق كعكة يوم مولدها برغم إلحاح ناجي عليها أن تأكل
    وعندما اشتد صخب الرجل وحركاته التي تثير الغثيان كانت دماؤها تغلي وفجأة التفتت إليه متسائلة بلهجة اتهام : أتقدمون الخمر للزبائن!
    قال بضحكة مغتصبة : بالتأكيد لا
    - هلا فسرت لي ما يحدث هنا؟
    - حسنا، - إن لم تكوني لاحظت ذلك - فهذا زبون يطلب طعام
    - سكير!!
    - أعلم، مطعمنا يقدم الطعام للجميع ولا يمكننا غلق بابه أمام أحد الزبائن، ولا حتى السكيرين، ولا من يجلبون معهم زجاجات الخمر خاصتهم
    أشاحت بوجهها إلى النافذة والغضب يكسو ملامحها، وصمت هو مستسلما للجو المشحون بالغضب والتوتر
    وبعد مدة قال بصوت خالي من المشاعر : إن لم يكن لديك مانع، أود العودة للبيت، فاليوم كان مرهقا للغاية
    نظرت لوجهه الذي تخلت عنه بشاشته، وآلمها وخز ضميرها لما أفسدته من لحظات سعادته وهو يحاول جاهدا إدخال السرور على قلبها، واستسلمت لرغبته قائلة : كما تريد
    جافاها النوم في تلك الليلة والدموع تترى فوق وسادتها
    كيف أمكنها أن تفسد الأمر إلى هذه الدرجة!
    وبعد لوم وعتاب اعتصرت به نفسها قررت أن تعمل على إصلاح الأمر.
    في اليوم التالي أنهت ساعات الدراسة، وقبل أن تذهب إلى المسرح اشترت له هدية وقررت أن تقدمها له اليوم
    لم يكن على خشبة المسرح كما اعتادت أن تجده، بل كان في غرفته يجلس على مقعد وثير يريح رأسه للخلف كما لو كان يعاني صداعا
    اقتربت منه بهدوء، ورأت الإرهاق باد في ملامحه، فقالت بتردد : أأنت بخير!
    فتح عيناه وابتسم لها : الآن أنا بخير
    ابتسمت لعبارته الرقيقة، فنهض من مقعده وهو يتساءل : أنهيت يومك الدراسي مبكرا
    قالت : لم يكن هناك الكثير
    ابتسامة ساخرة على إحدى زوايا فمه نبهتها إلى أنها اختارت إجابة خاطئة
    لكنها عجزت عن إضافة شيء، فاصطحبها ليعودا إلى البيت، كان هادئا صامتا على غير عادته، فطلبت منه أن تسير قليلا بصحبته على الجسر الجديد، وبرغم الإرهاق البادي على وجهه لكنه وافق على الفور
    سارت بجواره على الجسر الحجري العتيق المشيد في القرن السادس عشر يتوسطه تمثال للملك هنري الرابع على ظهر حصانه
    وانشغل عقلها باللحظة المناسبة التي تخرج فيها الهدية، وعند منتصف الجسر وقفت بجواره تنظر للنهر، صمته وهدوئه جعلاها تتردد ألف مرة أن تعطيه الهدية، وكلما حاولت أن تنطق تتوقف الكلمات في حلقها
    سمعت صوت خشن يقول كلمات مرتبة بشكل إيقاعي،فالتفتت لتجد رجل أسمر طويل الشعر يسير على الجسر، يحمل جيتار ويغنى بإيقاع رتيب وجسده يهتز وهو يمشي على صدى الإيقاع
    استنتجت أنه شحاذ يؤدي ذلك النوع من العروض على الجسر ليمنحه المارين بعض المال
    عادت تلتفت إلى النهر، وواتتها بعض شجاعة عندما شعرت بناجي يسترخي ويقرع بحذائه الأرض ويهز رأسه على الإيقاع
    قالت بصوت متردد وهي تقدم له العلبة الصغيرة المغلفة باللون الأحمر : أود أن أعطيك شيء، اخترتها بنفسي
    تناول منها العلبة وقد فاجأه الموقف، وانشرح وجهه وأشرقت ملامحه بضحكة سعادة لها ملمح طفولي جعلها تبتسم وتسترخي براحة
    قال مداعبا وهو يقلب الهدية بين يديه : أيمكن ألا أفتحها؟ أحبها بالغلاف
    ضحكت لتعليقاته، فتنهد وهو يلقي لها بنظرة عشق أخجلتها، فأدارت وجهها نحو النهر فرارا من نظراته
    عندما فتح العلبة ووضع الخاتم الفضي حول إصبعه هتف بصخب محبب : واو ، انه رائع، يناسبني تماما
    أحيانا تشعرها رد فعله بالمبالغة، لكنها قدرت أن مجرد هدية بسيطة منها أسعدته، وان استشعاره الاهتمام والتقدير أهم لديه من قيمة الهدية
    عاد الشحاذ الذي يقطع الجسر ذهابا وإيابا لعل أحد المارة يلقي له بعض المال
    وعاد حذاء ناجي يقرع الأرض بنفس الإيقاع وبصوت أعلى ويهز رأسه بسعادة ظاهرة
    التفت ينظر للشحاذ وهو يقترب، وعلا صوت ناجي وهو يردد نفس الكلمات التي يغنيها الرجل، وأدركت لين أنها ربما تكون أغنية فرنسية شهيرة
    بدا لها الأمر سخيفا وعلى ناجي أن يتوقف، لكن الرجل وقف أمامهما وكأنه سعد بتجاوب أحد ما مع أغنيته
    لكن ما صدمها هو ما حدث بعد ذلك، فقد انضم ناجي للرجل وبدأ يغني معه وتعالت أصواتهما، فتراجعت لين وانكمشت مصدومة وهي ترى بعض المارة قد اجتذبهم ما يحدث فوقفوا يتفرجون
    اشتعل الغضب في دمائها عندما بدأ ناجي والرجل يرقصان بحركات إيقاعية متناغمة وهما يتشاركان الغناء وحركات الأيدي المتتابعة
    وعندما امتلأ المكان بالناس وتوقف المارة على الجسر في دائرة كبيرة حولهما، توترت لين للغاية وانتابها الخجل فانسحبت من المكان بسرعة إلى السيارة
    وعندما أنهى ناجي الأغنية ولم يجدها لحق بها إلى السيارة، فانفجر في وجهه بركان الغضب واللوم والتقريع
    لم يتكلم، لكنه غادر السيارة بحركات غاضبة وبقيت هي في السيارة تحاول السيطرة على غضبها
    لمدة ليست بالقليلة، وقف ينظر للنهر حتى هدأ، وعندما عاد كان صامتا هادئا بوجه خالي من المشاعر
    عادا إلى البيت بصمت القبور، كل منهما يتجنب الاحتكاك بالآخر، وقضت هي أغلب الوقت في الغرفة التي تدرس وتستذكر فيها، وبقي هو في غرفة النوم لا يخرج منها، حتى طلع النهار، وأدركت أنها غفت في مكانها دون أن تشعر أو تحاول حتى أن تعود إلى غرفة النوم
    عندما دخلت إلى الغرفة لم يكن هو موجود، فزفرت متفكرة، حائرة هي في تفسير مشاعرها، هل ترتاح لأنه تجنب تكرار الاصطدام بها أم تنزعج من تجاهله ومغادرته البيت في غير موعده المعتاد
    هل قست عليه، أم أن الموقف كان محرجا لدرجة لا تحتمل!
    تذكرت فرحته بهديتها، وبعدها غضبه من ردة فعلها العنيفة وتقريعها له على ما فعله، فاستاءت كثيرا من نفسها
    هل أخطأت باستسلامها للغضب؟ هل كان عليها تنبيهه لانزعاجها مما فعله بطريقة أقل حدة؟
    تعجبت من نفسها، لقد أخذ ناجي من عقلها وتفكيرها مساحة أكبر بكثير مما كانت تتوقع، ولأول مرة تجد شيئا يشغل عقلها سوى ذكرياتها وماضيها، وأدركت أن عليها أن تعمل على إصلاح الأمر بينها وبينه، وفي آخر اليوم بدا لها أن الأمر ما كان يستحق كل هذا الغضب، فناجي يتصرف أغلب الأحيان بتلقائية وعفوية، ولا شك أن حبه للغناء أكسبه بالعادة استجابة وردود أفعال معينة تجاه أى لحن أو إيقاع يمر على أذنه
    عندما غادرت الجامعة لم تنتبه لتلك السيارة الحمراء التي كانت تتبعها، كانت شاردة في أفكارها ولم تلتفت إلا بعد أن ضُرب بوق السيارة عدة مرات، وعندما توقفت السيارة أمامها انتابها الخوف وأخذت تنظر لزجاج النافذة القاتم بتوجس
    ابتسمت عندما انفتح زجاج السيارة لتجد خلفه ناجي في مقعد القيادة يغطي عيناه بنظارة سوداء أنيقة ويبتسم ابتسامة باشة
    قفز من السيارة أمامها وخلع نظارته وقال ضاحكا : كيف لشاب مثلي أن يلفت انتباه فتاة جميلة ورقيقة مثلك ؟ كيف يمكنني أن استميل قلبك وأنت مستغرقة إلى هذا الحد في أفكارك!
    ضحكت من طريقة حديثه واستجابت لمزاحه : تعتقد أنني يمكن أن ألتفت لسيارة دون أن أعرف من بداخلها!
    انحنى مازحا وقال بدعابة : سائقك الخاص سيدتي الجميلة
    أثار مزاحه ضحكها، ثم انتبهت للسيارة الجديدة الفاخرة وتساءلت بدهشة : هل بدلت سيارتك!
    قال بجدية : إنها سيارتك أنت
    اختفت ابتسامتها لتحل محلها الدهشة، فأكمل بترقب وهو يتفحص تعبيرات وجهها : هديتي لك
    كانت تحاول جاهدة السيطرة على أعصابها بعد أن أشعلت فتيلها مفاجأة ناجي، فشيء ما في أعماقها يشعر بالإهانة والإذلال
    أمس تصرخ بوجهه وينفجر غضبها عليه وتفارقه إلى غرفة أخرى، والآن يهديها سيارة غالية هي الأحدث في السوق
    هل يسترضيها ويستجدي حبها بالمال!
    كانت الفكرة مهينة للغاية، مهينة له ولها
    هو لا يجد بأسا في شراء الحب، وهي صارت سلعة في ميزان يثمن حبها بالمال والهدايا الثمينة
    احتاجت لمجهود جبار لتسيطر على غضبها وهي تقول بصوت ضائع : إنها سيارتك، بمالك أنت
    اختفت ابتسامته تماما وقال بجدية : كل شيء أملكه هو بالضرورة ملكك
    لم تجد كلمات مناسبة لترد بها ، فكل ما يشغلها هو السيطرة على الغضب الذي استولى عليها
    الأمور تتوتر بينهما بسرعة، وهو يحاول الإصلاح كيفما يهديه عقله، أو كما أنبأته علاقاته النسائية السابقة عما يرضي النساء ويسعدهن
    أفزعها ذلك الخاطر وأثار اشمئزازها أن يساوي بينها وبين أخريات عرفهن في نزوة عابرة
    قال برجاء خافت : ألن تقتربي منها؟ اطمئني فهي لا تعض
    لم تبتسم لدعابته، لكنها آثرت السلامة وكتمان غضبها حتى لا يتفجر الوضع بينهما من جديد
    وضعت يدها على السيارة وبدأت تتلمسها بوجل وتفتح أبوابها بلا حماس، فقط لإرضائه، فسألها متعجبا : ألم تلحظي شيئا؟
    نظرت إليه نظرة خاوية ولم تجب، هز رأسه محاولا حثها على البحث عن شيء مختلف، فدارت حول السيارة وتفحصتها وفتحت أبوابها ثانية وقالت بضجر : لا شيء
    زفر بإحباط ومد يده إلى مساحات المطر في السيارة، فانتبهت لأول مرة لظرف وردي صغير معلق بالمساحة، انتزعه ناجي ومده إليها فتناولته وفضته لتقرأ كلمات ناجي الرقيقة يعبر فيها عن مشاعره ويدعوها لقبول هديته
    لفهما صمت طال وهي تحاول أن تفهمه وتفهم تصرفاته، وهو يترقب ردة فعلها وكلاهما يخشى أن يتكلم فيغضب الآخر
    حسمت أمرها وقررت أن تمرر الأمر دون مجابهة، فركبت السيارة في المقعد المجاور للسائق فتساءل : ألن تقوديها
    قالت باقتضاب : لا أعرف القيادة
    جلس في مقعد القيادة وقال : لا بأس، سأوفر لك سائقا حتى تتعلمين القيادة
    نظرت إليه متعجبة، هل مل من اصطحابها في الذهاب والإياب للجامعة؟ هل صارت عبئا عليه رغم قلة خروجها؟ هل أصبحت الأوقات التي تقضيها معه في السيارة تثير ضيقه؟
    أسئلة تعرف جيدا أنا لن تستطيع أن تبوح له بها، فهديته فائقة الغلو أضافت حاجزا جديدا بينها وبينه
    استفاقت على توقف السيارة بشكل مفاجئ، فالتفتت له لتجد الضيق مرتسم في ملامحه، قال : أتحدث إليك منذ انطلقنا، وأناديك ولا تجيبين!
    ابتلعت غصة في حلقها وقالت معتذرة : عفوا، كنت شاردة ولم أنتبه
    زفر بضيق وعاد ينطلق بالسيارة، ثم قال بعد قليل : لين، أتسمعينني
    أجابت بهدوء : نعم
    عادت الابتسامة ببطء إلى وجهه : أود أن أطلب منك طلب
    همهمت بالإيجاب، فأكمل : حفلي القادم يمثل أهمية كبيرة لي، أعلم أنك لا تحبين الغناء ولا ارتياد المسرح، لكن يهمني للغاية حضورك، فهو يعني لي الكثير
    قال برجاء : أتعديني أن تكوني موجودة في الحفل
    قالت باقتضاب : أعدك
    اكتفى بكلمة منها وعاد بها للبيت لتعيش قصة معاناة أخرى وصراع مع نفسها وقلبها لتقبل حقيقة أن الرجل الذي اشتراها بماله هو زوجها
    ..............................................
    لا تدري لم يلح عليها ذلك الوجه المألوف الطيب البشوش ذو السن الذهبي في أحلامها
    (الدنيا بالضيق بتورجيك مين بيبيعك ومين بيشتريك)
    كم تتمنى أن تسمع صوت جدتها وهي تلقي على أحفادها بأمثالها التي تحمل في طياتها حكم الأقدمين
    وجه جدتها الحبيبة المشرق بالبشر والإيمان
    كم تشتاق إليها وتتمنى أن تدفن رأسها بين أحضانها
    كانت تتقلب في فراشها الوثير تسترجع أحلامها التي تدور حول جدتها بعد أن هجرها النوم
    وجهها البشوش الذي لوحته الشمس، أسنانها البيضاء التي تحتضن بينها سنا ذهبيا مميزا له بريق جذاب، صوتها الحاني المحب وهي تقول نهفاتها بتقريع خفي : يلي بيشمت ويعاير، ما بيعرف شو في وراه داير
    التفتت إلى ناجي المستغرق في النوم بجوارها، وانسلت من الفراش بهدوء حريصة ألا توقظه
    انطلقت إلى الغرفة التي تستذكر فيها، لا تدري هل تهرب من ذكرياتها أم تهرب إليها؟
    في أنفها رائحة اليالنجي والكبة الكدابة، هي أغلى لديها من أشهر العطور الفرنسية، فهي تذكرها بكفي جدتها الشقراوين الممتلئتين وهي تطعمها أشهى الأطعمة التي تصنعها بيديها، وتفعل ما بوسعها لتسعد أحفادها
    في بعض الأحيان تستشعر كفي جدتها وهي تمسح على شعرها وتضفره، وأحيانا وهي ترقيها بآيات من القرآن، أو تحكي لها قصة الذئب والغنمات الثلاث
    (خبزي درة وخبزه درة ع شو هالأنبرة!)
    ضحكت عندما تذكرت كلمات جدتها لإحدى جاراتها التي عادت للتو من المدينة، وتحدثت إليها بأسلوب متعالي
    أطلقت زفرات الشوق والحنين من أعماق قلبها لأيام ولت
    لم توقد النور واكتفت بفتح الكمبيوتر المحمول محاولة التركيز في دراستها، لكن أحداث الأيام السابقة وأفعال ناجي المزعجة كانت هي المسيطرة على عقلها، ساءها كثيرا نظرته إليها كامرأة يسترضيها بالمال، وتلك الصورة المخزية التي تكونت في رأسها عنه كشاب غنى مدلل ترتمي النساء تحت أقدامه وتلهث خلف عطاياه وهداياه الثمينة، ذلك الإحساس البغيض بالمهانة قتل بداخلها كل أمل أنها من الممكن أن تفتح قلبها يوما لرجل يشترى الحب بالمال
    ترددت كثيرا، وارتجفت أطرافها، لم يكن بالأمر الهين لتفعله، هي تدرك أنه خطأ فادح، لكن حاجتها لرؤية شخص تألفه، شخص يحيا في ركن خفي من قلبها، أكبر بكثير من أية مقاومة بداخلها أو رفض
    فتحت صفحته على الفيس بوك وأخذت تقلب في ألبومات صوره مطمئنة إلى أن أمرها لن ينكشف، فحتى هو لن يعلم بولوجها صفحته
    بدأت تهدأ وتسترخي وشيئا فشيئا تتخفف من عبء الذنب، ولم تجد بأسا فيما تفعله، فهو لن يضر أحدا
    توقفت عند صورة شخصية له تظهر وجهه مقربا، تلك الوسامة والرجولة التى تنضح من عينيه ونظراته القوية الصارمة التي تحرك قلبها
    هو الأكثر شبها من بين جميع الأحفاد لجدته
    وجهه البيضاوي الأشقر وشعره الأسود المسترسل حتى شحمة أذنيه، لحيته القصيرة السوداء، شاربه الخفيف المهذب بعناية..
    تجمدت في مكانها عندما شعرت بوجود شخص معها في الغرفة، رفعت عينيها من شاشة الكمبيوتر وتبينت هيئة ناجي في الظلام يجلس على الكرسي المواجه لها، ظلت تحملق فيه وقد هربت الدماء من عروقها واشتدت ضربات قلبها، أرادت الهروب من أمامه لكن قدميها عجزتا عن حملها
    وعندما تحرك واقترب منها كادت أن تسقط مغشيا عليها، لكنه مد يده وتناول كفها وطبع قبلة رقيقة على أناملها، اقتراب وجهه من شاشة الكمبيوتر جعلها ترتجف رعبا من أن يرى الصورة المرتسمة على الشاشة
    نهض والتف حول مكتبها وهو يجذب يدها إليه حتى أوقفها أمامه وصار قاب قوسين منها، اتسعت ابتسامته وهو يتأمل ملامح وجهها وشعرها الناعم المنسدل على كتفيها على الضوء الخافت الصادر من الشاشة، لولا أنه يقف وظهره للكمبيوتر
    همس بصوت عاشق : ما أوسع الغابة .. وسع الغابة قلبي، يا مصور عا بالي ومصور بقلبي
    تمنيت لو أغنيها لك، لكن أخشى ألا يعجبك صوتي
    يرتجف قلبها كورقة شجر في مهب الريح، وحلقها الجاف عاجزا عن قول كلمة، كانت تنظر إلي وجهه وعقلها في شاشة الكمبيوتر المفتوحة على صورة يزن، لو التفت خلفه لانتهى كل شيء بشكل كارثي
    وعندما ضمها ناجي في عناق طويل مطلقا العنان لفيض مشاعره تعبر عما في قلبه، لم تسترخي وتهدأ بين ذراعيه إلا عندما مدت يدها إلى المكتب وطوت شاشة الكمبيوتر المحمول مغلقة إياه، مطمئنة إلى أن ناجي لم ير الصورة
    تبعته إلى غرفة النوم مستسلمة عندما طلب منها أن يحدثها في أمر هام
    أجلسها على طرف الفراش وجلس بجوارها، وأدارها إليه مقتربا منها
    بدا القلق جليا في ملامحه ونبرة صوته، وهو يحتضن كفيها بتوتر، وابتلع ريقه وأمسك بكفيها محيطا بها خديه محاولا السيطرة على انفعاله
    انتابتها قشعريرة عندما استشعرت أصابعها نعومة خديه، وأصابها ضيق شديد عندما تخيلته يستخدم طرق لإزالة الشعر وتنظيف الوجه لا تستخدمها سوى النساء، ورغما عنها عادت تلك المقارنة الفجة بينه وبين يزن تهاجم أفكارها
    حاولت أن تستوعب ما يحاول قوله، لكنها شعرت باشمئزاز جاهدت كي تبقيه داخلها ولا تظهره له، وفي لحظة ما عجزت عن التحمل فقاطعت كلماته التي لم تعي منها شيء، وهمست برجاء : أريد أن أذهب إلى الحمام
    صمت برهة، وعادت خيبة الأمل ترتسم في ملامحه، ثم هز رأسه ببطء، وهو يهمس : سأنتظرك
    أغلقت باب الحمام خلفها بإحكام، واحتمت بالوحدة والباب المغلق دونه لتفرج عن مشاعرها السجينة وتسكب دموعها الحبيسة علها تتخفف من بعض ذلك الألم الذي أطبق على روحها
    كانت تكتم شهقاتها وأنينها ونشيجها كي لا تفضحها الجدران وترسل صوتها إليه، ولم تهتم لطول الوقت قدر اهتمامها أن تمحو آثار البكاء عن وجهها وملامحها
    وعندما عادت للغرفة بعد فترة وجدته قد التحف بغطائه وأدار وجهه إلى طرف الفراش، حرصت على العودة للفراش بهدوء شديد كما خرجت منه، وأعطته ظهرها وهي تلهج بالحمد أن عتق النوم رقبتها - أو عتقها ناجي بإرادته - من صراع مؤلم بين قلبها وواجبها وهي في تلك الحالة النفسية المزرية ما بين إحساسها بالذنب وعدم إحساسها بالحب بعد ليلة حافلة بالحزن والاشتياق للماضي والقلق والتوتر والرعب
    .................................................. ........

  6. #6

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,437
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة الخامسة

    (5)
    قضت ليال مؤرقة الفكر، تتقلب على فراش من الشوك، يؤلمها الشعور بالذنب لما اقترفته في لحظة ضعف
    فمهما فعل ناجي، ومهما كان شعورها نحوه، فليس من حقها التفكير في أي رجل آخر مهما كان
    الصراع بداخلها يشتد، وليس من السهولة بمكان اقتلاع ذلك الساكن في عمق فؤادها من سنوات طوال، فيها كانت تجتمع العائلتان في المناسبات المختلفة
    وقتها، كانت ترى يزن كثيرا، فيتحرك قلبها لذلك الشاب القريب العزيز، وتهمس بأمنياتها لنفسها أن يكون لها وتكون له
    حلم صغير لا يعلم عنه أحد ظل يكبر مع أيام عمرها، وينضج بنضج شاب تسبق رجولته سنوات عمره
    لم يكن يزن يحب صحبة رفقاء عمره، بل كان يحب مجالسة الكبار
    وفي بيت الجد، كانت لين تساعد جدتها وتحمل الطعام من المطبخ إلى عمها طلال الذي عاد لتوه من المدينة يحمل الهم والتعب والإرهاق فوق كاهليه وزوجته تجلس بجواره تواسيه وتضع له أقدامه في طبق كبير به ماء وملح عله يهدئ من ألم قدميه المرهقتين من طول الوقوف في الطابور
    لا تنسى ابتسامته الباشة الحانية التي يستقبلها بها رغم إرهاقه وهي تضع الطعام أمامه
    وعندما اكتمل تقديم الطعام دعاها للجلوس إلى جواره، فجلست بفرحة طفلة تستشعر الاهتمام وبأنها حازت شرف الانضمام لجلسة هامة لكبار العائلة
    وكان يزن يجلس بجوار جده يستمع إلى حكايات اليوم الذي قضاه أبوه في المدينة في مركز توزيع قسائم المازوت المدعوم
    : آه، أقف على قدمي في طابور طويل من الصباح حتى المساء في انتظار توزيع دفتر المازوت!!
    لن تستطيع أن تتخيل كيف وصل الحال بالناس للمرارة والغيظ واليأس
    أحد الرجال هناك يعرف ابن عمي، انتحى بي جانبا وأسر إلى أن أدفع مبلغا من المال للموظف لأحصل على دفتر القسائم الخاص بي وبأم خالد
    صار فرضا علينا دفع رشوة لنحصل على حقوقنا!
    يدعون أن المازوت مدعوم، ويحصلون مبالغ طائلة من تحت المنضدة بالرشوة
    الجد : يتفننون في تصعيب الحياة على البشر، ويقتلون بداخلهم الكرامة
    الحاكم الذي يستذل شعبه، لن يتورع يوما عن قتله
    طلال : صرنا شحاذين، نتسوّل المازوت من الحكومة!
    لم تر الطوابير أمام المكتب، الناس يقفون بالساعات يمضغون الغيظ ثم يأتي شاب أزعر يتجاوزهم ويذهب للموظف مباشرة، فقط لأنه قريب لفلان أو حسيب لعلان
    الجد : لن يطول الأمر، فلن يستطيع الناس كظم غيظهم كثيرا
    طلال : لا شيء بيدهم ليفعلوه، والحكومة لم تكتفي بما يعانيه الفلاحين بسبب الجفاف، ليفاجئوهم برفع سعر المازوت ثلاثة أضعاف، وهم يدركون تماما أن مكن رفع الماء لا يعمل إلا بالمازوت
    الجد : لا يغرنك ما تراه من صبر الجِمال، قليل العقل من لا يحترس لغضبتهم
    طلال : تعتقد أن بهم قوة ليقفوا أمام الظلم والفساد !
    الجد : لا أتوقع شيء، لكن ما تراه الآن قد يتحول إلى نار موقدة إن صادف عود ثقاب في لحظة لا يعلمها إلا الله
    نظر له نظرة يائسة وقال بسخرية مريرة : عمي، تظن أن هؤلاء الذين صارت الطوابير جزء من حياتهم، والشحاذة من الحكومة مقرر يومي لهم، سيثورون يوما على الفساد ويغضبون لأحوالهم السيئة!
    هؤلاء إذا خرج سيدي خالد من قبره بيقتلوه
    العم طلال بلغ به الغضب مبلغه وهو يراقب أرضه تجف وتبور بسبب الصقيع والجفاف، وغلاء المازوت الذي يشغل ماكينات رفع الماء، وهو عاجز عن فعل شيء
    أحوال الفلاحين من سيء لأسوأ وكثير منهم يهجر أرضه ويهاجر للمدينة،
    وها قد أتى الدور عليه وأخذ زوجته وأولاده وذهب للعيش في المدينة كما سبقه من قبل أخو زوجته الراحل، وما شجعه على ذلك هو أن ولده الأكبر يدرس في الجامعة
    انتبهت على صوت قطرات المطر على زجاج نافذة سيارتها الحمراء، فابتسمت عندما مر بخاطرها وجه ناجي الباسم عندما يتبلل تحت المطر
    شيء ما تغير فيه لا تعرف ما هو، لكن الصمت أصبح هو الغالب عليه والشرود صار ديدنه، فكرت أن تتصالح مع نفسها وتتقبل عيشها وتبذل جهدا لتتقرب إليه وتفهم شخصيته وتستكشف مواطن الخير فيه
    وصلت السيارة إلى حيث تنتظرها أمينة، فضحكت من منظرها وهي تقفز مسرعة لتصل للسيارة وقد اشتد المطر، ففتحت لها الباب وأدخلتها، وسلمت عليها بحرارة وشوق، وجلست أمينة بجوارها وأخذت تمسح ماء المطر عن معطفها وتقول بمرح : ما توقعت أن تتصلي بي بهذه السرعة! هل انتهى شهر العسل، وبدأت شهور البصل
    لم تتكلم، وفضلت أن تنتظر حتى تصل إلى الجامعة، وشعرت أمينة بأن الأمور لا تسير على ما يرام، وبمجرد أن انفردت بها في وقت الاستراحة حتى سألتها بقلق : ماذا حدث، لا تبدين بخير
    ترقرق الدمع في عينيها وقالت بصوت متألم : الحياة لم تعد تحتمل، قبول الزواج كان خطوة خاطئة من البداية
    حكت لأمينة ما يؤرقها ويكدر عيشها، وسكبت مدامعها وتخففت من وطأة أحزانها، واستمعت لها أمينة بصبر وتفهم وتعاطف دون أن تقاطعها
    حتى انتهت، وتركتها تهدأ وتجفف دموعها : عزيزتي، هوني على نفسك ولا ترهقيها باللوم، زواجك كان ضرورة في حينه، وحتى الآن لازال فكرة صائبة، لكن تعلقك بالماضي وتمسكك بحلم ولى سيحطم مستقبلك، مما حكيتيه لي، لا أرى أنه إنسان سيء، هو فقط يعبر عن مشاعره باللغة التي يفهمها، والتي تكرهينها، فهو لا يملك ما يستميلك به سوى المال
    نظرت إليها نظرة لائمة، فقالت مفسرة : تلك هي اللغة التي يفهمها عالمه، والتي نشأ عليها، فكما سمعت، والده هو الذي بنى بجهده وعرقه سلسلة المطاعم المنتشرة في أغلب المدن الشهيرة
    وناجي ورث عنه كل ذلك، حسنا أنت لا تنجذبين لوسامته ولا لصوته ولا أناقته ولا شهرته كسائر النساء، تلك هي مؤهلاته الشخصية التي لا يملك غيرها
    حاولي أن تقدري قلقه وخوفه، من أن يفقدك
    اطمأنت لكلمات أمينة، فهي الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يهدئ من روعها ويصبرها بكلمات عقلانية، حساباتها بسيطة وتحليلاتها منطقية، وتتعامل مع الواقع بسلاسة، فهي شخصية مريحة وتشعر من يجلس إليها بالثقة، وتسدي النصيحة كما تراها بأمانة
    لولا أمينة لكانت حياة لين أشد صعوبة وتعقيدا
    ربما عليها أن ترضى بالمتاح، وتتقبل حياتها كما هي، ويكفي أن زوجها لا يعاقر الخمر ولا يقترف الزنى
    فكما تقول أمينة، حياتها ليست أسوأ من كثيرات غيرها يتمنين أن يكن مكانها
    ارتد إليها الشعور بالوحدة في طريق العودة، فأمينة وعدت رفيقاتها بالذهاب معهن إلى السوق، والآن تعترف بافتقادها لوجود ناجي، فحتى عند صمته أو انقطاع الحديث بينهما، كانت دندنته الخافتة تؤنسها، وتشعرها بأنها ليست وحيدة
    ترددت لحظات في تنفيذ الفكرة التي طرأت على عقلها، لكنها حزمت أمرها سريعا وطلبت من السائق أن يبدل طريقه ويعود للمسرح
    وعندما وصلت إلى هناك، لم تجده وحيدا
    كان مسترخيا على كرسي في صدر المسرح، يمد ساقيه على كرسي أمامه وعلى الكرسي المجاور له تلك المرأة التي قدمها إليها في حفل زواجهما وأخبرها بأنها تعمل صحفية
    حاولت أن تتذكر اسمها فلم تستطع
    تفحصتها جيدا وهي تتقدم من بين مقاعد المتفرجين دون أن ينتبها لقدومها، هي امرأة تحمل كل مقومات الجمال والجاذبية، ملامح فرنسية فاتنة، وجسد رشيق يمتلئ بالأنوثة، وثوب أنيق يكشف عن ساقيها وكتفيها
    كانت تتحدث إليه باهتمام، بصوت لم يصل إليها، حتى أطلقت ضحكة ساحرة قدحت شعلة حارقة من النار بداخلها، أخذت تكبر بسرعة وتكوي بحرارتها أعصابها الملتهبة
    لا يمكن أن تكون الغيرة استولت على قلبها، لكن ما يفعله ناجي هو إهانة لمقامها كزوجة
    طوال طريق العودة وهي تجلس إلى جواره في سيارته، تطبق فمها بإحكام مخافة أن ينطلق لسانها بهدير لا يتوقف، تكتفي بتحمل دندنته المستفزة التي علت اليوم على غير عادته في الأيام الأخيرة التي شابها التوتر والمشاجرات
    كان يبدو مسرورا بما حدث في المسرح، عندما تجاهلت متعمدة مصافحة جانيت التي ردت إليها الإهانة بأن اقتربت من ناجي الذي أصابته قلة الحيلة بالارتباك، وهمست في أذنه بشيء لم تسمعه لين وهي ترميها بنظرات ماكرة كلما تذكرتها لين اشتعلت النار في جوفها
    هتفت بغيظ: هلا أوقفت ذلك الأزيز المثير للأعصاب؟
    قال بتخابث : أي أزيز هذا! أتقصدين الدندنة، حسنا، أمرك مدام
    أغاظتها كلمة مدام، فالتفتت نحوه بحدة، وكادت أن تنفجر بوجهه عندما لاحظت محاولاته لإخفاء ابتسامة تغالبه
    بمجرد أن وصلا إلى البيت حتى استوقفته قائلة بتحفز : هلا أخبرتني بم كانت تهمس لك تلك المرأة في المسرح؟
    كلما حاول افتعال المكر، كانت ابتسامته تفضحه : امرأة! أية امرأة؟
    أها، تقصدين جانيت
    معذرة لا أستطيع، أخشى أن تغضبي
    سيطرت على أعصابها الملتهبة : حسنا، لن أغضب
    تنحنح وهو يكتم ابتسامة تجاهد للظهور على وجهه : كانت تهمس لي بأنك تغارين
    فاجأه رد فعلها الحاد، وكلماتها الغاضبة : ماذا! عن أي غيرة تتحدث تلك البلهاء، وممن أغار! من تلك التي..
    (أحقا تغارين!)
    كانت علامات الفرح تمتزج بالدهشة على وجهه وهو يكرر سؤاله دون الاكتراث لغضبها
    جرفتها مشاعره الجياشة المتأججة، وضاع صوتها الغاضب المعترض في رياح أنفاسه الصاخبة، وذاب غيظها من حرارة كلماته : أيما امرأة في العالم لا تستطيع أن تصل لقلبي وأنت تمتلكين كل ذرة فيه
    حارت في أمره وشغلها التفكير في تصرفاته،أحيانا يبدو لها كطفل بحاجة لأم، يفتقد العاطفة ويتشوق للحنان
    ينثر مشاعره بسخاء تحت قدميها، ويطير فرحا بأي لفتة أو همسة أو حتى غيرة تجود بها عليه مهما كانت قليلة
    .....................................
    (لين)
    رن صوت جدتها في أذنيها كنغم شجي يستثير ذكريات غالية
    وملأت عينيها من جمال البساط الأخضر الزاهي الممتد على مرمى البصر، تلك السكينة التي أشرقت في قلبها، منحتها طمأنينة افتقدتها لوقت طويل، وأشعرتها بالامتنان لدعوة ناجي لاصطحابها إلى الريف الفرنسي في عطلة نهاية الأسبوع
    رائحة الزرع الذي يحتضن الندى بين أوراقه والأرض المبللة بالماء تردها إلى تلك الأيام الغالية حيث كانت تذهب لزيارة بيت جدها في العطلات والمناسبات السعيدة، وهناك تجتمع العائلة الكبيرة وتستشعر الأنس والفرح بين الأهل، وتزول وحشتها لفراق أبيها، وتنسى يتمها وتأوي إلى كنف جدها وأعمامها، فبيت الجد على تواضعه يحمل قيمة كبيرة لها ولأبناء أعمامها وعماتها الذين كانوا يتجمعون كرفاق متقاربون في العمر تربطهم العائلة واحترام الجد وحب الجدة
    جدتها.. تلك الروح الجميلة التي تغمر أحفادها بالحنان والعطف ولا تدخر وسعا لإسعادهم
    تحمل للين منزلة خاصة فهي ابنة العزيز الغالي الذي رحل مبكرا وترك جرحا عميق الألم في قلب أمه، تلك الأم الثكلى التي تقرب حفيديها منها علها تشفي بعضا من ألم الفقد وتشم رائحة الغالي في ولديه
    استنشقت هواء الصباح بنهم وعبأت رئتيها برائحة الأرض، رائحة الخير والخضرة والزرع
    حب ورثته عن جدها، ذلك الرجل العظيم الذي رفض أن يترك أرضه حتى في أحلك الظروف
    الجفاف، الصقيع، الاضطهاد
    كل الأهوال التي مرت به عجزت عن خلخلة الجبل الشامخ من أرضه، وشاركته زوجته حبه للأرض، فصارت الصاحب والسند والسكينة ليس فقط لزوجها، بل لكل العائلة
    تلك الروح الجميلة التي يجتمع الجميع بين جوانحها ويستظلون بحبها وحنانها
    شعرت بذراعيه تطوقانها من الخلف وهو يضم ظهرها لصدره ويلصق خده إلى خدها ليتبخر حلمها ويعود عقلها إلى الواقع
    (أأعجبك المكان؟)
    تنهدت، وحاولت الانسلال من بين ذراعيه : ناجي، سيرانا أحدهم!
    تلفت حوله متعجبا : من سوانا هنا! لازال الوقت مبكرا على قدوم العاملين في الأرض
    قالت معاتبة وهي تبتعد قليلا : لا تتصرف كالأطفال
    اكتفى باحتضان كفها وسار إلى جوارها : لم تجيبي عن سؤالي، هل أعجبك المكان؟
    ابتسمت : كيف عرفت أني أحب الريف والحقول
    قال ضاحكا : ربما أعلم عنك أكثر مما تعلمينه أنت عن نفسك
    قالت بابتسامة كسولة : إذا دعني أعرف أكثر عن نفسي
    - أعلم جيدا احتياجك لتلك العطلة بعد أسبوع حافل بالضغط العصبي
    - شكرا لأنك اقتطعت من وقت تدريباتك لاصطحابي إلى هنا ولم يتبق الكثير على موعد حفلك
    - الانفراد بسيدة جميلة مثلك في مكان كهذا هو أمنية أي رجل
    لا تدرى لم لم تستسغ مغازلته الرقيقة، لكنها لم تفصح بذلك احتراما لمشاعره
    استنشقت العبير الأخضر : لا أحد يستطيع أن يقاوم ذلك الجمال الخلاب، رائحة الأرض أجمل من كل عطور العالم
    قطع سيرها، وأمسك بذراعيها، واقترب منها قائلا بعاطفة جياشة : أبي أيضا كان يحب الأرض كثيرا
    روحك تشبه روحه
    تعجبت من تسارع أنفاسه وذلك الانفعال المتدفق بالعاطفة الذي ملأ ملامح وجهه حتى ترقرق الدمع في عينيه، وهم بأن يقول شيئا
    داهمها فجأة شعور مبهم بالخوف لا تدري له سببا، وأرادت الهروب من الموقف، فقالت بابتسامة مفتعلة : أنا جائعة، فلنعد للبيت ونتناول إفطارا دسما
    انطفأ ذلك الوهج المتدفق بالعاطفة في وجهه وجف الدمع المترقرق في عينيه، ترك ذراعيها وسيطر على مشاعره وقال بصوت خاوي : كما تريدين
    صمته وشروده طوال فترة الإفطار أشعرها بالذنب، تشعر بأن لديه ما يريد البوح به لكنه متردد، فكرت أن تخرجه من صمته بحديث يشجعه على البوح، لكنها أعرضت عن الفكرة وانشغلت بذلك الصخب الذي يملأ عقلها، ووجوه الأحبة والأقربين، وشوق لا ينقطع لأيام ولت ولن تعود
    وبعد الإفطار انتحى كل منهما إلى عالمه وأفكاره الخاصة، فوقفت تنظف المطبخ وتجلى أوعية الإفطار، وبقي هو في الشرفة الخارجية هادئا شاردا
    صرخت صرخة فزع مدوية ترددت في أركان البيت، عندما وجدت أمامها شخص غريب يدخل إلى المطبخ
    وفي لحظة كان ناجي معها يطمئنها بوجوده وكلماته، تأملت الرجل الغريب الذي دخل عليها المطبخ، وتجمد هو في مكانه مرتعبا من صرختها المدوية، أعور له وجه به جروح قطعية قديمة، وعندما تحرك نحو باب المطبخ الخارجي ليغادر، ظهر بوضوح عرج خفيف في مشيته
    ألقى في روعها أنه أحد رجال العصابات أو هو لص محترف شجار الشوارع
    تركه ناجي يغادر، فالتفتت إليه وقالت بحدة : من هذا! وكيف يقتحم البيت هكذا دون أن تفعل شيء
    قال مطمئنا : انه حارس البيت، ويعمل أحيانا في الحقول
    سامحيني ، نسيت أن أخبرك أنه اعتاد الرحيل من باب المطبخ
    تأمل ما تفعله في المطبخ ثم قال، لا داعي لاستنزاف جهدك في التنظيف، المرأة المسئولة عن ذلك على وشك الوصول
    زفرت بضيق وهى تحاول أن تسيطر على انزعاجها وضيقها من الموقف السخيف : أحب مباشرة أعمال البيت
    قال معاتبا : وأنا أحب وجودك بقربي وإن لم تتكلمي
    وأنا معك تزول الوحشة عن قلبي
    اختطفها بين ذراعيه، وأراح رأسه على كتفها وأغمض عيناه وكأنما يلوذ بها من وحشته، فأخذت تمسح على ظهره كطفل يسكن إليها ينشد الأمان، وهي تفكر بالطريقة المثلى للتعامل معه، ولم لا يبوح بما يؤرق روحه؟
    كادت أن تتكلم لولا أن قاطعتهما طرقات على باب المطبخ، فاعتدل قائلا : الحاجة سعاد
    قالت متعجبة : ولم لم تدخل مباشرة؟
    قال باسما : امرأة كبيرة عركتها تجارب الحياة، وهي تدرك أننا عروسان
    مسح وجهه وهدأ انفعاله، ثم فتح الباب ورحب بها بود، ثم رحبت بها لين ببشاشة وتقبلت تهنئتها بالزواج دون أن تتبرم من تفحص المرأة الدقيق لملامحها وتفاصيل جسدها
    امرأة عربية في الخمسين، يبدو أنها تكن لناجي مودة وتقدير، تتفحص عروسه بدقة وتطمئن لحسن اختياره
    سألها ناجي مداعبا : ها، هل أحسنت الاختيار؟
    صمتت قليلا ورمت لين بنظرة خاصة : سنرى، المهم أنها عربية
    التفت للين واحتضن كفها باسما، وقال بلهجة عاطفية : وحومصية أيضا، يجري العاصي في دمائها
    قالت ضاحكة : دخلت القفص بقدميك
    أشارت لهما إلى خارج المطبخ بمنديل في يدها وقالت بحزم : هيا، اذهبا، استمتعا بوقتيكما فاليوم الذي يذهب لا يعود
    ضحكت لين متقبلة مزاحها ورافقت ناجي إلى الشرفة الخارجية، كان اليوم غائما لكنه دافئ، سألته عن الحاجة سعاد فقال : لها زمن طويل تعمل مع أبي، كانت تعمل في الفرع الأول للمطعم، وعندما كبرت سنها ألحقها أبي بالعمل هنا فلم تعد لديها القدرة الصحية على مشقة العمل في المطعم
    ستأكلين من يديها أشهى الأطعمة العربية
    دخلت عليهما الحاجة سعاد بصينية بها كوبين من العصير الطازج، فقالت لين تسمعها : سنرى، المهم أن يكون بها كبة
    رفعت الحاجة سعاد حاجبها الأيمن فقالت لين : كما تقول جدتي عليها رحمة الله : الأكل بَلا كُبِّة متل الجامع بَلا قُبِّة
    قالت الحاجة سعاد متحدية : سترين كيف تكون الكبة من يدي الحاجة سعاد
    ضحك ناجي بمرح وعادت الإشراقة لوجهه وهو يرقب تباسط لين وانشراحها، وعندما انصرفت الحاجة سعاد قال : ذلك التقبل والانسجام بينكما يطمئن قلبي، فالحاجة سعاد لا تتقبل من لا تعرفهم بسهولة
    قالت ببساطة : تذكرني بنساء بلدتنا، تحمل نفس الروح والمشاعر، لك في قلبها مودة كبيرة، أرى هذا بوضوح
    قال ضاحكا : أمر طبيعي فقد شاركت في رعايتي منذ صغرى
    تردد قليلا، وارتسم القلق في ملامحه : أنا سعيد لأنك أحببت المكان هنا، وارتحت إلى الحاجة سعاد، ومطمئن لأنك ستبقين عليها، هنا
    في بيتك
    قال الجملة الأخيرة بتأكيد مبالغ فيه، مما دفعها لتلتفت إليه وتحاول اختراق الحجب في عينيه لتصل لما يفكر فيه، ثم قالت بترقب : أمر طبيعي، فهي تعمل في بيتك عمرا
    سحب نفس طويل وقال ببطء : بل هو بيتك أنت
    قالت بحدة وتحفز : ماذا تعني!
    أعنى أن هذا البيت أصبح ملكا لك
    هزت رأسها محاولة استيعاب ما يقول، ثم سألته بغضب يتصاعد : هل منحتني هذا البيت
    توتره وارتباكه وتردده في الإجابة جعل شياطين الغضب تنطلق من مكمنها لتدفع الموقف إلى شفا البركان
    صاحت في وجهه : ما تفعله لا يفعله أحد عاقل ولا حتى مجنون، لأجل أي شيء تمنحني بيتا كهذا! وما هدفك من إذلالي بهذه الطريقة! أتظن أنني من النساء اللاتي يُشترى حبهن بالمال
    صدمه صراخها في وجهه وأربكه غضبها فصاح مدافعا : لا، لقد فهمت الأمر بصورة خاطئة تماما، اهدئي فقط واستمعي إلى، سأشرح لك
    علا صراخها وتفجرت دموعها : كيف تتصرف بتلك الطريقة المذلة!
    كيف تهين نفسك إلى هذه الدرجة! هل صارت الرغبة في امتلاكي هي محور حياتك! أتصنع لي قفصا من الذهب والماس حتى لا أفلت من يديك! كيف تحيا هكذا! النساء بالنسبة لك دمى في مزاد، كل واحدة تقف على كفة ميزان وكلما تمنعت استزدتها!!
    كان يعلى صوته محاولا أن يسمعها ما يقول، لكنها لم تسمعه، بل استمرت في صراخها الغاضب
    تفجر الموقف، واشتعل صراخهما وعجز عن أن يوصل لها صوته
    فتركته باكية واتجهت الى غرفتها وهو يناديها مهرولا في أثرها، حتى حال بينهما باب الغرفة التي أحكمت إغلاقها من الداخل، وانهارت في بكاء شديد، ونحيب مؤلم
    سمعت صوت طرقات كفه المستمرة على الباب فغطت أذنيها بالوسادة، حتى لا تسمعه وهو يصرخ باسمها من خلف الباب يرجوها أن تسمعه وتمنحه الفرصة ليصحح لها ما فهمته خطأ
    تحول بكاؤها لصراخ وعويل وتمنت لو تخرج من عالمه الغريب المذل المفروض عليها، وتعود إلى عالمها العزيز المألوف الذي ذهب بلا عودة
    تفطر قلبها من الهم والحزن حتى غلبها النوم
    أو هربت إليه
    أو ربما لعالمها الذي لا تستطيع أن تتحصل عليه في قيود الواقع، فتهرب إليه عن طريق الأحلام
    عادت طفلة بجديلة سوداء تقفز على ظهرها وهي تعدو بين بيوت القرية وتختبئ من رفاقها، وتلعب مع أقرانها بنتف الثلج، وتتورد وجنتيها بلون الزهور عند قدوم الربيع
    تذكرت بريق سن جدتها الذهبي وهي تضحك ضحكتها المشرقة وتحمل بين يديها حفيدها ياسين
    ياسين..
    ذلك العفريت الذي يصغرها بخمس سنوات، لكنه يملأ الدنيا صخبا ومرحا
    إن تواجد بمكان لا يكف الناس عن الصراخ باسمه
    كلما جمعتهم جدتهم لتحكي لهم قصة (الذئب والغنمات) لا يكف عن إثارة الشغب، والقفز فوق أبناء أخواله وهو يصرخ أنا الذئب
    لا يكف عن مشاكسة لين بشد جديلتها السوداء، فتجرى خلفه لتمسك به لكنها تعجز عن ملاحقته
    لا أحد من الأحفاد يتردد اسمه كما يتردد اسم ياسين، هو مصنع متنقل للكوارث ومخترع ماهر للمتاعب ولا يكتفي بذلك، بل يوقع يحيى في المتاعب، يستغل طيبته وهدوئه ليصنع منه جسرا للنجاة من العقاب، أو على الأقل لمقاسمته إياه
    كلما اجتمع الأحفاد للعب السبع حجرات، وبمجرد أن تصطدم الطابة بالحجرات يقفز هو قبل أي أحد ويسرق بعضا من الحجرات ويختفي قبل أن يمسك به أحد
    أفعاله لا تثير الغضب بقدر ما تثير الضحك، لا يستطيع أحد أن يكرهه، فمن ذا الذي يكره قلبا مشرقا كقلب ياسين! وروحا فتية جموح كروحه!
    لازالت تتذكر قامته القصيرة وعينيه الماكرتين وضحكته الماتعة وهو يمسك بالمطرقة ويضرب بها ضربات متتالية على الطاولة يكاد يكسرها، حتى أيقظ البيت كله وأتت جدته تجري لتنقذ الطاولة من الكسر تحت ضربات مطرقة العفريت الصغير
    لا يقدر على إيقافه أحد إلا يزن، كان ياسين يهابه حتى أكثر من والده، ودائما ما ينجح يزن في وضع حد لمشاكساته عندما يتواجد معه في مكان واحد
    ورغم أن ياسين هو أكثر الأحفاد مشاكسة على الإطلاق، لكنه قرة عين جدته ومحط أنظار العائلة، ربما لكثرة الحوادث التي يتعرض لها، والتي قد تصل لدرجة مفزعة من الخطورة
    لا تنسى اليوم الذي أنقذوه فيه من البيارة بمعجزة
    وذلك اليوم الذي كسر فيه عصا جده، وهرب خوفا من العقاب
    وخرج الأهل والأقارب والجيران كلهم للبحث عنه ذات نهار ولم يجدوه، وعندما حل الليل اكتشفت جدته أنه يغط في نوم عميق تحت سريرها
    لا تدري لم تحلم بياسين على وجه التحديد، ربما لأنه أكثر طفل محبوب في العائلة لخفة ظله ومشاكساته ومرحه وحيويته
    أو ربما لأن الأحداث المرتبطة بوجوده لا تنسى
    ملأ صوته أذنيها وهو يهتف : سلمية سلمية نحنا بدنا حرية
    الشعب يريد إسقاط الطوارئ
    لا يكاد يبدأ هتاف حتى يسري في الألوف كموجة ثائرة، ويصبح صوت واحد قوي يبلغ الآفاق وهم يسيرون من مسجد النور بالخالدية ويتوجهون إلى ميدان الساعة
    فبعد ما حدث يوم الجمعة الماضية عند مسجد خالد بن الوليد، فاجأت قوات الأمن الناس واستبقتهم إلى حصار المسجد قبل صلاة الجمعة حتى لا يتجمعوا حوله بعد الصلاة
    فاضطر خالد وأولاد العم طلال لتغيير خططهم والصلاة في مسجد النور بالخالدية
    وعندما عرض عليها خالد أن ترافقه في جمعة العزّة، وافقت بحماس كبير، وشجعها على ذلك أن أمها ذهبت إلى بيت الجد تزور جدتها مريضة، فصار الانضمام للجموع في الشوارع أمرا يسيرا بلا عقبات، آمنا من غضبة أمهما، واتفقا مع أولاد العم طلال ألا يخبروا أحدا من العائلة
    كان الهدير يملأ الشوارع وتعجبت لين من تلك الحشود الهائلة التي خرجت زرافات من المساجد بعد صلاة الجمعة يسعون للحرية و يهتفون بإسقاط المحافظ وإسقاط الطوارئ، كان ياسين كشعلة أوقدت فتوهجت، يحملونه على الأعناق لخفة جسده ونشاطه وحماسته في الهتاف
    لم يكن أحد يصدق بأنهم سيسمحون للناس بالمرور والوصول لميدان الساعة وهم يهتفون بالروح بالدم نفديك يا درعا
    فأنى لمن سجن وعذب أطفال درعا بأن يسمح بهتاف بدنا حرية!
    وعند نادي الضباط القريب من ميدان الساعة تجمع الكثير من الشباب يلقون الأحجار على البوابات وفي المدخل
    وتسلق بعضهم البوابة وانقضوا على صورة كبيرة للحاكم وسلفه معلقة على البوابة يمزقونها، والباقون يهتفون بفرح في مهرجان احتفالي ذكرها بمشهد مشابه في الثورة المصرية رأته يوما على شاشة القنوات الإخبارية
    لم يتدخل الأمن على غير المتوقع، والحشود كانت تتوافد من كل الأحياء في جماعات كبيرة
    وفي ميدان الساعة، بسطت الأرض لهم كفيها واحتضنت ثورتهم
    حتى توافد على المكان مسيرة مؤيدة للحاكم انطلقت من أحياء عكرمة والزهرة والنزهة تحت حماية فرع الأمن السياسي
    وبمجرد أن رآهم ياسين حتى صرخ بغيظ : الدكتاتور يريد أن يحولها طائفية
    ثم توافدت عدد من سيارات بيجو 504 وسيارات الشبيحة يحملون العصي هاجموا الشباب المتجمعين في الساحة، وأطلقت قوات الأمن عبوات الغاز المسيل للدموع
    وساد الهرج والفوضى والشباب يهربون من الغاز الخانق، واشتبك بعضهم مع الشبيحة، ومنهم ياسين الذي أخذته الحمية وفورة الشباب للتعبير عن غضبه، وحاول خالد حمايته فانجر إلى الاشتباكات
    وكانت فرصة سانحة لتدخل قوات الأمن لتعتقل المئات من المتظاهرين في الساحة
    وفرض على لين مواجهة لم تكن في الحسبان، أصعب مواجهة يمكن أن تتخيلها، إذ كيف لها أن تخبر أمها بأن خالد اعتقل!
    وكان حقا عليها أن تقلق، فقد ثارت ثائرة أمها بمجرد أن عرفت، وانهار جسدها بعد نوبة ارتفاع نسبة السكري في الدم
    وكان عليها الاستنجاد بالعم طلال الذي لم يدخر جهدا ولا مالا في بذل المحاولات لإخراج خالد من سجن القبو، ونجح في ذلك وعاد خالد إلى البيت بعد أيام
    عاد بوجه آخر غير الوجه الذي كان
    اشتد صوت طرقات المطرقة في رأسها
    (ياسين، كف عن الطرق ، رأسي يؤلمني)
    أخذت تتقلب في فراشها والصداع يكاد يفتك برأسها، وهي لا تدري إن كان الطرق في الحلم أم في الحقيقة، وعندما استيقظت أخرجت رأسها من تحت الوسادة، وهي تتساءل بلا وعي عمن يطرق الباب بهذه الطريقة، حتى انتبهت أخيرا وتذكرت ما فعله ناجي قبل استغراقها في النوم، فنهضت من فراشها تترنح وهي تهتف بنصف وعي : حسنا، قادمة
    هدأ الطرق على الباب وعندما فتحت وجدت أمامها ناجي بمظهره الذي تركته عليه، يستند بكفيه إلى مصراعي الباب بوجه ضائق حزين
    تأملها برهة بصمت ثم قال : كدت أكسر الباب
    همهمت بكلمات غير مفهومة وهي تحاول أن تتخلص من النعاس والصداع، فقال : مهما بلغ بك الغضب، لا تفزعيني إلى هذه الدرجة
    طوال طريق العودة والصمت يلفهما بضباب حزين
    لا تستطيع أن تتقبل حياتها معه على هذا النحو، كلاهما له عالم مختلف تماما عن الآخر، هو عالمه المال والشهرة والمتع والرغبات وهي عالمها أساسه البساطة والمحبة والمشاعر الصادقة
    كيف يجتمعان!
    صار الخلاص من عالمه أمنية تسعى إليها اليوم أو غدا، أو حتى بعد سنوات
    وحتى تحين اللحظة سيبقى كلاهما في عالمه البعيد عن الآخر، يجمعهما الواجب وتفرقهما المشاعر
    ................................................

  7. #7

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,437
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة السادسة

    ( 6 )
    عندما عادت إلى الجامعة أخذت تبحث عن أمينة، تحتاج لشخص تعرفه وسط الغربة التي تحياها، تحتاج لشخص تجد فيه ما تفتقده
    الألفة
    وقف أحمد أمامها في الاستراحة يستأذن للحديث إليها بموضوع هام، لم ترفض هذه المرة، وعندما جلس هبت إليها رياح الماضي
    كان يتحدث بتلقائية وحماس ويحرك يديه وكتفيه بطريقة تألفها جيدا : مدام لين، من دواعي سروري أن تكوني حمصية
    تذكرت ياسين، وأدركت أن أحمد لا يشبه العم طلال أكثر مما يشبه ياسين، لا عجب فياسين كان أكثر أولاد العم طلال شبها به، يظهر هذا بوضوح في الحكايات التي كانت تسمعها منه عن ذكريات طفولته
    أحمد يحمل نفس حماسة ياسين وحميته، تنتفض غضبته نصرة لما يراه حقا
    ياسين هو أكثر من تأثر بما لحق بخالد
    فقد بقي خالد في البيت فترة يعاني من آثار ما ناله من تعذيب جسدي ومعنوي في المعتقل، لم تر يوما خالد على هذه الصورة المؤلمة من الصمت الحزين
    ولم يكف ياسين منذ يوم جمعة العزّة عن الخروج في التظاهرات اليومية التي اشتعلت في غالبية أحياء المدينة
    كان خالد يحرص على إرضاء أمه وعدم إغضابها حتى لا يتسبب الغضب في ارتفاع السكري في دمها
    لكنه لم يستطع البقاء في البيت عندما بلغه أن قوات الأمن تستخدم الرصاص الحي ضد التظاهرات السلمية، ويتساقط الشهداء يوميا، وعندما يخرج الناس لتشييع الشهداء يطلقون عليهم الرصاص مجددا فيتساقط شهداء جدد
    وكان خبر استشهاد تهاني الخالدي - التي حاولت تصوير التظاهرة التي خرجت من مسجد خالد بن الوليد – برصاص الأمن حادثا جللا هز مشاعر الناس، فأصر خالد على الخروج في جمعة الشهداء مهما كان الثمن
    ولم تستطع أمه إيقافه، رغم أنها أغلقت باب البيت ووقفت بوجهه وأقسمت عليه ألا يخرج
    لم تر يوما ابنها غاضبا إلى هذا الحد، فقد اشتعلت عيناه بالإصرار وقال بحزم : سأخرج يا أمي، ولن أكف عن الخروج كل يوم وكل ليلة حتى يرحل، لا حل إلا أن يرحل
    حتى لا تضطر أية فتاة إلى الزحف يوما حافية القدمين من حماة إلى حمص فرارا من الموت
    طعنتها كلماته في الصميم، فانعقد لسانها وجفت دموعها من مآقيها، وتنحت عن الباب تاركة له المفتاح
    ومن يومها لم تحاول ولو مجرد محاولة منعه
    بل أن لين حتى لم تجد معارضة منها عندما تجرأت بعد ذلك وطلبت منها الخروج في المظاهرات
    أدركت أنها لم تكن تستمع لأحمد ولا تعي ما يقول، عندما سألها : عفوا مدام، هل سمعت ما قلت!
    تنحنحت بإحراج : أرجو المعذرة، هلا أعدت ما قلته من فضلك
    هز رأسه وقال : أنا ورغد وباقي الزملاء العرب نرجو منك أن تتحدثي إلى زوجك ليدعمنا في نشر قضيتنا
    تصاعدت الدماء إلى رأسها، وقالت بسخرية لاذعة : تريدني أن أطلب من زوجي أن يدعمكم!
    حسنا سأمد له يدي وأقول من فضلك ساعدنا، ساعد هؤلاء المساكين الذين تهدمت بيوتهم وتشردوا في الشوارع والطرقات
    أظلم وجهه وعلاه الغضب، وتوتر صوته : مدام، لم أقل هذا أبدا، لقد فهمت كلامي خطأ، ..
    لم تمنحه فرصة ليكمل : تستطيع أن تذهب إليه وتتسول منه بنفسك، ليس معنى أننا مررنا بنكبة شعب من قبل، أن نقبل بنفس المصير!
    الكرامة لا تشترى بالمال
    انتفض غضبا واعتصر قبضته وهو يقول : الصورة لديك مقلوبة، الشعب الذي يواجه وحده حربا عالمية، ليس متسولا، أخطأت بالتحدث إليك، ففي لحظة ما ظننت أنك حمصية حقا
    لكن يبدو أنك لا تختلفين عن الدكتور إياد في شيء
    رحل غاضبا وتركها ترتجف في كرسيها، هل يعرف إياد!
    تذكرت أنه كان يجلس في المكتبة على بعد أمتار قليلة منها عندما التقت إياد في الجامعة لأول مرة
    هل يظن أن هناك شيء بينها وبينه!
    يوم طويل مثقل بالهموم، كان يجب أن ينتهي تلك النهاية المأساوية البشعة، فقد انشقت الأرض عن إياد معترضا طريقها للخروج من القاعة
    كانت وحدها في القاعة كعادتها في الأيام الأخيرة، تتأخر عن الطلبة والطالبات وتبقى جالسة في مكانها حتى لا تجد بدا من الرحيل
    لكنها ندمت أشد الندم في تلك اللحظة على تأخرها، وتمنت لو كانت عادت للبيت مبكرا
    ارتجفت رعبا عندما دخل القاعة الخالية إلا منها، وأغلق الباب خلفه
    اندفع نحوها والشرر في عينيه، فتراجعت أمامه وكادت تتعثر، فقبض بكفيه على كتفيها وثبتها إلى الجدار
    حاولت أن تصرخ طلبا للنجدة، لكن صوتها حبس من الرعب ولم يخرج
    قال بصوت بث الرعب في خلاياها : تزوجت من ناجي الكيلاني!
    والآن، ما الذي تدبرينه مع هذا الشاب الحمصي؟
    أنصحك أن تهتمي لأمورك، ولا تتدخلي في أمور الآخرين، حتى لا يتكرر ما حدث لك سابقا
    فتح الباب فجأة ليظهر من خلفه أحمد الذي فوجئ بالمشهد، وظهرت الصدمة في ملامحه
    همت لين أن تستصرخه لنجدتها، لكن إياد عصر كتفيها بأصابعه وكأنما ينذرها مغبة ذلك
    ظنت أن أحمد سيغادر كما جاء، لكنه لم يفعل، بل وقف بتحدى عاقدا ساعديه ينظر لإياد شذرا
    فاضطر إياد أن يطلق سراحها، ففرت هاربة من المكان
    وعندما وصلت إلى البيت وجدت سيارة ناجي، لم تكن بها طاقة لمواجهته أو التحدث إليه فاتجهت للغرفة التي تدرس فيها وأغلقتها عليها جيدا، وانهارت على الأرض خلف الباب، وانفجرت في البكاء والنحيب وجسدها ينتفض ألما ورعبا
    عندما قررت يوما أن تكون طبيبة، ما تخيلت وقتها أن مهنتها ستعرضها لرؤية كل هذا القدر من الدماء والموت
    كان الدافع الأساسي لرغبتها في الانضمام للمظاهرات هو مساعدة المصابين بعد أن صار الرد بالرصاص على التظاهرات السلمية مقرر يومي
    وفي جمعة الإصرار خرجت لين خائفة مترقبة، وانضمت لخالد وياسين، وكانت تتوقع أن يسقط الكثير من الشهداء فقد كانت التظاهرات يومها ضخمة عمت أرجاء البلدة، لكن اليوم مر بسلام دون قتل
    ولكن في اليوم التالي خرجت مظاهرات ليلية في المدينة ردا على خطاب الحاكم أمام البرلمان، فواجهتها قوات الأمن بالرصاص الحي، وسقط أكثر من خمسة عشر شهيدا
    وفي الأيام التالية لم تهدأ البلدة، بل ازدادت التظاهرات وصارت تخرج من كل مكان والأمن يرد بالرصاص، فيشيع الناس شهداؤهم و يضرب الأمن الجنازة فيزداد سخط الناس وإصرارهم على الاستمرار في الخروج حتى إسقاط الحاكم
    كانت أياما عصيبة، شهدتها لين بحكم تواجدها المستمر في التظاهرات والمساعدة في اسعاف المصابين
    وفي يوم ذكرى الاستقلال عن المحتل الفرنسي عمت التظاهرات كل سوريا وكانت الأكبر، وأطلق الأمن النار على التظاهرات
    وفي حمص سقط أكثر من ثلاثة عشر شهيدا وكثير من الجرحى، وفي اليوم التالى خرجت حشود أكبر لتشييع الشهداء، وصلوا عليهم في مسجد المدينة الكبير، وبعد أن أتموا دفنهم في مقبرة تل النصر
    اتجهت الحشود الكبيرة في تظاهرة ضخمة إلى ساحة الساعة في وسط المدينة، وعندما مرت المظاهرة من حي الحميدية هتف الشباب (واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد)
    (حرية حرية.. اسلام ومسيحية)
    وبادر أهالي الحي برش المتظاهرين بحبات الأرز وقدموا لهم الماء، وانضم لهم عدد كبير من شباب الحي
    وكانت خطوة لها بالغ الأثر في النفوس، فالشعب كله بمسلميه ومسيحيه يؤيد مطالب التظاهرات ويسعى للحرية، إلا الطائفة المنتفعة من الحاكم والمستفيدة من قمع الشعب
    كان يوم الثامن عشر من نيسان يوم لا ينسى
    ....................................
    اضطرت لين للخروج من الغرفة، عندما طرق ناجي الباب بإصرار ليطمئن عليها
    فبالرغم من الأثر السيئ الذي لا يزال يعاني منه منذ عطلة نهاية الأسبوع، وصمته وشروده الدائمين، إلا أنه لا يبتعد كثيرا
    وانضمت مضطرة إلى مائدة الطعام التي أصر ناجي على أن تشاركه إياها، لا تمد يدها إلى شيء من الطعام، بل لا تراه أمامها من الضباب الذي غشي عقلها
    تتمنى أن يهدأ عقلها قليلا أو يأخذ هدنة فينسى كل ما يخيفها ويؤرقها
    انتبهت أخيرا على صوت ناجي يناديها : لين، ناديتك كثيرا ولم تسمعيني، ما بك، لم أنت شاردة دائما؟
    زفرت بضيق : لا شيء، فقط أعاني من الصداع، والإرهاق
    قال بخيبة أمل : حسنا، في أي لحظة تودين فيها الحديث، ستجدين هنا مستمع جيد
    هزت رأسها ولم ترد عله يعود لصمته، لكنه لم يفعل، بل قال : لين، الحفل غدا، تعلمين كم هو حضورك هام وضروري بالنسبة لي أحتاجك إلى جواري، أرجوك لا تخذليني
    قالت بنفاذ صبر وهي تكظم غيظها : حسنا سأحاول
    قال : عديني
    ضربت المائدة بكفها وانفجر غضبها من عقاله، كانت تفرغ في صراخها كل ما عانته اليوم من ضغوط شديدة : ألا تهتم لشيء في الحياة سوى الغناء وهذا الحفل السخيف!
    لم لا تأخذ الحياة بجدية وتنشغل بعمل مفيد، الحياة الحقيقية ليست غناء وحفلات وشهرة ومتع حسية
    كن جادا مرة وتحمل المسئولية
    كان يجابه صراخها بالصمت، ويبتلع اهاناتها بصبر، وكلما صمت زادت في صراخها واهاناتها، حتى صار الموقف لا يحتمل فانسحب من المكان وغادر البيت
    دخلت غرفة نومها واندست تحت أغطيتها، وسكبت مدامعها
    نادمة هي، لا تدري لم فعلت ذلك، خوفا منه أم من نفسها؟
    لِمَ تعجز عن البوح له! لا تثق به أم لا تثق بنفسها
    كانت في أشد حالات الإرهاق النفسي والبدني، ورغم ذلك لم تستطع النوم، وبقيت تتقلب في فراش من العذاب حتى طلوع النهار، وكان عليها الذهاب إلى الجامعة وهي في أسوأ حال، ثم تعود مبكرا لتتجهز لحفل الليلة، وبعد الحفل عليها أن تجد طريقة تصلح بها ما أفسدته في ثورة غضبها، وأن تقدم اعتذار لائق لناجي
    ماذا لو اعترض إياد طريقها وتحرش بها مجددا!
    كانت الفكرة مرعبة إلى درجة أن جعلت جسدها يرتجف، لكن اليوم مر دون أن تتحقق مخاوفها
    استوقفها صوت مشاجرة صاخبة وهي تتجه لباب الخروج، وأصابتها صدمة عندما رأت أحمد بكل ثورته وحماسته يشتبك مع إياد في شجار التف حوله كل الطلبة المتواجدين
    ورغم المحاولات المضنية من الطلبة العرب، لم يستطع أحد أن يفض اشتباكهما، والذي انتهى باستدعاء الشرطة
    أعاد لها هذا الموقف أحداث الليلة الماضية وما فعله إياد ومعها أسوأ مخاوفها
    كانت تجاهد للسيطرة على ارتجافة يديها، والتغلب على خوفها وهي تجلس وحيدة في المقعد الخلفي لسيارتها الحمراء والسائق يقودها للبيت
    امتلأ عقلها بالهواجس والظنون، هل علم أحمد بما بينها وبين إياد؟
    هل وشى إياد بها؟
    المقعد الخالي بجوارها، والصمت المطبق أصابها بالوحشة وضاعف خوفها، وتمنت لو أنها الآن في سيارة ناجي يؤنسها صوته، فكرت أن تتصل به، لكنها لم تفعل، لا شك أنه مشغول بالاستعداد لحفل الليلة
    دخلت غرفتها وألقت بجسدها المنهك على الفراش تنشد بعض الراحة قبل أن تبدأ الاستعداد للحفل
    اتصل بها خالد يخبرها بأن التظاهرة تتجه لميدان الساعة، وأن الناس يطالبون بالاعتصام، لم يكن الصوت الذي يصل لها من الهاتف هو صوت خالد وحده، بل طغى عليه أصوات الهتافات والمظاهرات من حوله، وتبينت كلمات مثل (إلى الساحة) (اعتصام)
    وكانت المفاجأة الحقيقية التي أسعدتها أيما سعادة هي عندما أخبرها خالد بأن العم طلال ويحيى معه الآن في المسيرة بعد أن شيعوا الجنازة
    فاتجهت من فورها إلى الميدان، هذه المرة لم تتمكن قوات الأمن من إطلاق النار، فعدد الحشود كان كبيرا ويتوافدون من كل مكان
    كان فرحة الناس بالوصول لميدان الساعة عارمة، فمنذ خروجهم من الميدان يوم جمعة العزة وهم يحاولون الوصول إليه مجددا لكن الحصار الأمنى كان شديدا حوله، واليوم فقط نجحوا، فقد اختفت عناصر الشرطة وقوات الأمن من المدينة
    وانضمت لين للنساء والفتيات الذين تجمعوا للمشاركة بأعداد كبيرة بشكل منظم وراقي، يحملن اللافتات ويهتفن بصوت واحد للحرية والشهداء والمعتقلين، ويهتفن باسم طل الملوحي (لوحي لوحي.. بدنا طل الملوحي)
    ويرفعن شعار (ارحل .. ارحل )
    وكان الهتاف الغالب للجميع هو الشعب يريد إسقاط الرئيس
    المطلب الذي توحد عليه جميع طوائف الشعب
    فبعد سفك كل تلك الدماء الطاهرة في أيام قليلة، لم يعد هناك أي أمل في أي تغيير إلا برحيل الحاكم
    نصبت الخيام، وتم تشكيل لجان لمراقبة المداخل وتفتيش الداخلين إلى الساحة للحفاظ على الروح السلمية للثورة ومنع تسرب أي مندسين أو حامل سلاح مهما صغر
    ولم يكسر المتظاهرون كاميرات المراقبة الموجودة على أبواب المصارف في الساحة، بل قاموا بتغطيتها بأكياس سوداء حتى لا تستخدمها المخابرات فيما بعد
    وتألفت قيادة من الشخصيات الوطنية والوجهاء والمشايخ لتتولى التحدث باسم المعتصمين
    كانت الأعداد في ازدياد حتى قدر عدد المشاركين بمئة ألف تقريبا
    وقام الشباب بتشكيل مجموعات لتنظيم الاعتصام
    مجموعات لتأمين النواحي المعيشية من طعام وشراب، ومجموعات للحفاظ على نظافة الساحة
    وتشكلت لجنة إعلامية تشرف على الهتافات والشعارات المرفوعة ومكبرات الصوت
    ولجنة لتنظيم الصفوف لتشكيل لوحات بشرية بالمتظاهرين أنفسهم
    كان الأمل والتفاؤل بالغد هو الغالب على المعتصمين، وكانت تجربة ميدان التحرير تجربة ملهمة ونتائجها حلما على وشك التحقق وإن قضوا أياما وليالي في الساحة يفترشون الأرض ويلتحفون بالسماء
    عزيمة ماضية وإصرار لا يلين، فقد شاركت كل حمص في هذا اليوم وكسرت حاجز الخوف
    ورفع علم الاستقلال عن المحتل الفرنسي، الأخضر والأبيض والأسود ذي النجوم الحمراء، وصار علما للثورة
    الأرض لا ترى من كثرة الناس الذين تجمعوا حول عامود الساعة، وتوزعت الحشود نحو شارع الدبلان وباتجاه الساعة القديمة
    وامتلأت ساحة مبنى البريد القديم وشارع نادي الضباط بالناس
    وقام أحد الشباب بتمزيق صورة كبيرة للحاكم معلقة على مبنى البريد، وإنزال علم حزب البعث وسط الهتافات ( ارحل .. ارحل ) من بقية الناس
    وانتشرت أنباء الاعتصام على الفضائيات
    وعند منتصف الليل وصل تسريب من أحد الضباط، بأن هناك أوامر عليا بفض الاعتصام قبل الفجر بأي ثمن كان
    وبدأ التوتر يعم الساحة، وحاول الشيوخ إقناع الشباب بفض الاعتصام، وانقسم المعتصمون، فبعضهم فضل الرحيل والبعض الآخر أصر على البقاء ومنهم ياسين الذي لم يستطع أي إنسان إقناعه بالرحيل عن الساحة
    وعند الواحدة والنصف صار التسريب تهديدا صريحا من قيادة أمنية اتصلت بأحد المشايخ وطلبت فض الاعتصام في موعد أقصاه الثانية صباحا، وإلا ستتدخل القوات لفضه بالقوة مهما بلغ عدد الضحايا
    لم يكن الوقت كافيا لإقناع ياسين والشباب المتحمس أمثاله بالرحيل عن الساحة، ولم يستطع خالد ويحيى ولين مغادرة المكان دون ياسين
    لكن العم طلال خاض شجارا عنيفا معه ليجبره على العودة، وحاول خالد ويحيى تهدئة العم طلال ووقفت لين تحادث ياسين بضرورة الرحيل الآن، وهو رأسه يابس كالحجر الصوان
    وتركهم ياسين وتقدم نحو شارع عبد الحميد الدروبي، ولين تحاول اللحاق به وتناديه أن يتمهل
    وعندما اقتربت منه سمعت دوي أصوات الرصاص، وفي لحظة أغمضت عينيها، وتطاير رذاذ سائل على وجهها وملابسها
    أدركت بعقلها أنها دماء ياسين الذي سقط بجوارها
    فتحت عينيها وأخذت تصرخ بفزع ولوعة : ياسين، ياسين
    عندما انتبهت لما حولها وجدت نفسها جالسة في فراشها، وناجي يضمها بين أحضانه بقوة ويمسح على ظهرها هامسا : لا تخافي، أنت بخير
    أنت هنا في أمان
    لم تكن واعية تماما لما حولها، فكل شيء مختلط في عقلها
    ولم تدري هل انتقلت من الحلم إلى الواقع أم العكس، لكنها تعلقت به محاولة الخروج من نفق الألم والخوف
    عندما استيقظت أخيرا، واستردت وعيها كاملا، لم تجده وكأنه كان حلما
    أزاحت الغطاء عنها فجدت نفسها بنفس ملابسها التي عادت بها من الجامعة، وأدركت أن النوم قد سرقها
    نظرت باتجاه النافذة، لتجد السماء مظلمة بالخارج، فهبت من فراشها مذعورة، لقد تأخرت عن الحفل، والآن عليها أن تتجهز في بضع لحظات، لتنطلق مسرعة إلى المسرح
    اغتسلت في بضع دقائق، وعندما غادرت الحمام، فوجئت بلون السماء يتبدل في النافذة وتزول الظلمة تدريجيا، داهمها الشك فتناولت الجوال لتجد الوقت فيه قد تجاوز الفجر، صدمتها حقيقة أنها نامت كل هذا العدد من الساعات وأضاعت الحفل، وجوالها يمتلئ بعدد لا بأس به من المكالمات الفائتة من ناجي وأمينة لم تسمع أو تنتبه لصوت أي منها
    كانت تحاول استيعاب ما حدث، وهي تلوم نفسها وتعاتبها بغيظ على غبائها، كيف يمكنها إصلاح الأمر الآن مع ناجي!
    ناجي..
    هل كان موجود بالأمس حقا! أم كان جزء من أحلامها؟
    ولكن أين ذهب ؟
    .................................................. ............

  8. #8

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,437
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة السابعة
    (7)
    السؤال الذي شغلها في الأيام التالية
    (أين ذهب؟)
    لم يعد ناجي إلى البيت ولم تره منذ غادر بعد آخر شجار بينهما
    فلتكن صادقة مع نفسها وتعترف بالحقيقة
    لم يكن شجارا، بل كان ثورة غضب منها رد هو عليها بالرحيل عن البيت
    كيف يمكنها أن تعتذر إليه وهاتفه دائما مغلق!
    تستطيع أن تقدر كم يبلغ عمق الجرح الذي أصاب مشاعره لعدم حضورها الحفل الذي كان يعتبره أهم مناسبة في حياته
    ترى كيف ينظر إليها الآن؟ وكيف أصبحت صورتها في عينيه؟
    أنانية! لا مبالية! تستخف بمشاعره!
    أقسمت بينها وبين نفسها عندما يعود ستقدم له ترضية يستحقها، وتفرغ نفسها لتتعرف أكثر على عالمه وما يحبه، وربما تقضي معه بعض الوقت في الريف
    ولكن، أين هو الآن؟ وكيف تصل إليه؟
    لم تكن تتخيل يوما أن ناجي سيضطرها لفعل أكثر شيء تكرهه
    كانت الدماء تغلي في عروقها وأصابعها تطرق يد المقعد بتوتر وهي تتأمل تلك المتحذلقة الباردة التي تتابع عملها بلا اكتراث لوجودها في مكتبها، وتتعمد تأجيل الرد على أسئلتها وكأنما تختبر آخر مدى لصبرها
    أصاب لين الندم وسيطر عليها الغضب، فما كان عليها اللجوء لتلك المغرورة لتسألها عن مكان ناجي
    زفرت لين بضيق : مدام سوايز
    رمتها جان بنظرة باردة وقالت بحزم : أرجو أن تمنحيني بضع لحظات فقط لأنهي عملي وأتفرغ لك
    ذيلت جملتها بابتسامة مفتعلة : من فضلك
    زفرت لين ووارت غضبها خلف صمتها وأخذت تتأمل تلك المتعجرفة ذات الجسد الأنثوي الفاتن، والملابس الأنيقة المنتقاة بعناية وهي منهمكة في مطالعة الأوراق التي أمامها على المكتب وتهز ساقها وتعبث بكعب حذائها فتدخله وتخرجه في قدمها
    انتظرتها لين بصبر حتى انتهت، والتفتت إليها قائلة : حسنا مدام لين، كيف يمكنني أن أساعدك؟
    ابتلعت لين عباراتها المستفزة، وقالت مباشرة : أين ناجي؟
    رفعت حاجبيها بدهشة مفتعلة : وما يدريني ! المفترض أن تجيبي أنت عن هذا السؤال!
    - ناجي اختفي من ليلة الحفل
    - هل أنشر إعلان لمن يرشد عن مكانه! لا أفهم لم أتيت إلىّ؟
    تحملت بصعوبة لهجتها الساخرة : أتيت لأسألك عن مكانه على اعتبار الصداقة التي بينكما
    - بالطبع الصداقة التي بيننا عميقة، وعمرها سنوات من قبل أن يتعرف إليك، لكن صدقيني هذه المرة لم يخبرني إلى أين ذهب
    - ومن أسأل إذا! قد تعرفين أصدقائه المقربين
    - ولكني لست زوجته لأعرف خاصته من الأصدقاء
    كانت لين تجاهد لإخماد ذلك البركان المتصاعد بداخلها وتفتعل البرود : حسنا، كما تعلمين، لازلت حديثة عهد بتلك البلدة، ولم أتعرف إلى ناجي إلا من وقت قصير
    - وماذا!
    - ناجي متغيب عن البيت منذ أيام، وهاتفه مغلق
    - ناجي رجل راشد، رجل حقيقي يعتمد على نفسه ويُعتمد عليه
    لا تقلقي، سيعود وقتما يشعر بالرغبة في ذلك
    - بهذه البساطة! ألا يشعرك تغيبه بأن في الأمر شيء غير طبيعي! وأنه قد يكون في خطر
    - أمر مستبعد، لم لا تقولين أنه يريح أعصابه في مكان هادئ ويستجم بعيدا عن الناس بعد الجهد المضني الذي قدمه في الحفل
    والخذلان الذي اعتراه بعده!
    لم يخف على لين ما في الجملة الأخيرة من اتهام مبطن لها، مما جعل أعصابها على حد سكين، وانبرت مدافعة بلا تفكير تبتغي رد الإهانة : ما كان زوجي ليذهب إلى أي مكان دون أن يخبرني
    صفعتها كلمات جان المفعمة بالسخرية اللاذعة وهي تسترخي في مقعدها باستفزاز : حقا!!
    ولم أتيت إلىّ إذا !
    .......................................
    لم يكن حظها مع المحامي أفضل حالا من جان التي أعطتها عنوان مكتبه
    إلا أنه كان وقحا ومتكبرا بشكل أشعرها بالتقزز
    كان مضطجعا على كرسيه مادا ساقيه فوق مكتبه يتأملها بوقاحة، وعلى وجهه ارتسم الاستخفاف
    تناول عدة مناديل ورقية من العلبة التي على مكتبه، وتمخط بصوت مقزز
    كادت أن تترك المكتب وترحل، لكنها تعلم جيدا أن آخر حدود معلوماتها عن ناجي هو ذلك الرجل المقزز
    انتظرت بصبر الإجابة عن سؤالها الذي ألقته على مسامعه، حتى قال أخيرا : وماذا تريدين الآن!
    - أريد أن أعرف أين زوجي
    - وهل سيحدث هذا فارقا!
    - ماذا تعني!
    زفر بقلة صبر وقال بروتينية : حسنا، يمكنك أن تعودي إلى بيتك ودراستك، واطمئني تماما، فسأتخذ كل الإجراءات اللازمة
    - لن أتحرك من هنا قبل أن أعرف ما الذي ستفعله، وما هي تلك الإجراءات!
    - مدام، هذا مكتب محاماة وليس متحر خاص
    - ظننت أنك محامي ناجي وصديقه!
    - بالفعل هو كذلك
    - لا مبالاتك تجعلني لا أثق بذلك
    - مدام، لقد فعلها ناجي مرات عدة من قبل، يختفي بضعة أيام ثم يعاود الظهور بمظهر مبهر جديد، تعلمين كيف هي حياة النجوم
    شعرت بتنميل في أطرافها، وأدركت أنها ستسمع شيء لا يرضيها، ورغم ذلك اضطرت لسؤاله : وإلى أين يذهب حينما يختفي
    ضحك بإحراج : مدام، لا أحد يجرؤ على توجيه مثل هذا السؤال له، فهي أمور خاصة، خاصة للغاية
    اشتعلت النار في عروقها من تلميحاته الوضيعة، لكنه أكمل باستفزاز مبطن : العمل شاق، والرجل منا بحاجة للترفيه عن نفسه كل فترة، التنزه، السفر، رفقة جيدة
    لم تعد تحتمل كلامه المستفز فانتفضت من مقعدها وقالت بحزم : كلامك يوحي لي بأنك تعرف مكانه، فلتفصح عن ذلك الآن
    قال بلهجة شامتة : مدام، لا أحد يمكنه الإفصاح عن مكان ناجي إلا ناجي نفسه
    اتجهت إلى باب المكتب وهي تهتف مهددة : إذا فلندعه يفصح بنفسه للشرطة، واعلم أنني سأوجه شكوى ضدك، لأنك تعرف مكانه وترفض أن تخبرني
    انتفض من مقعده بفزع، وقفز من مكانه يلحقها عند الباب وهو يهتف بتوسل : مدام، مدام، أرجوك، الأمر لا يحتاج للشرطة
    وقفت تنظر إليه بريبة، وتعجبت أن يضع ناجي ثقته في شخص لا يحترم مهنته ولا يعطي للصداقة حقها
    قال بلهجة مداهنة: أعدك أن أتقصى عن مكانه، وأتصل بك
    هددته قائلة : لن أنتظر كثيرا
    بمجرد أن غادرت وأغلقت الباب حتى صفع وجهه بكفيه وهو يطلق سبابا بذيئا، ثم هتف بغيظ : اللعنة على تلك المصيبة التي بليتنا بها يا ناجي
    من أي مكان في الجحيم أخرجتها!
    ...........................................
    قضت الليل ساهدة مؤرقة تتميز غيظا من ذلك المجنون الذي تزوجته، كيف يزج بها قسرا في مواقف تضطرها لسكب ماء وجهها عند نوعيات من البشر كذلك المحامي وتلك المرأة؟
    تزوجت من مجنون بالفن مزاجي كل يوم بحال، يترك زوجته لأنها لم تقف في محراب فنه ولم تتغزل بصوته ولم تنضم لصفوف المعجبات بالنجم الشهير!!
    راودها الندم والأسف على زواجها منه، لم تحسب حساب يوم كهذا، أن يهين كرامتها كزوجة ويضطرها لإذلال نفسها لمن يعرف مكانه واستجداء أية معلومة تدل عليه
    أخذت تسبه غيظا وتتمنى لو لم تكن التقته يوما ولا تزوجته
    ولكن..
    ماذا لو كان أصيب في حادث
    أو مات!
    أصابتها الفكرة بالانقباض، لكن سرعان ما عادت لنقمتها عليه، فليذهب للجحيم
    انسكبت دموعها على وسادتها، وعقلها يطحن خلاياه بحثا عن مخرج لما تعانيه
    لا يستحق الموت
    ما الجرم الذي ارتكبه ليقابل برصاصات اخترقت رأسه وصدره!
    أي خطأ فعله فتى لم يتم السادسة عشر ليصبوا عليه وابلا من النيران!
    لم يكن ياسين من الجماعات التكفيرية المسلحة كما ادعى تليفزيون الحاكم ليبرر سفك كل هذه الدماء الطاهرة
    لم يكن يحمل سلاحا، ولا حتى عصا خشبية
    لم يمهلوه حتى يمسك حجرا – فقط حجر – وبعدها يتهمونه بأنه إرهابي
    سقط ياسين غيلة، لم يمهلوه حتى أن يطلق صرخة ألم
    أطلقت قوات الأمن تهديداتها للمعتصمين إن لم ينته الاعتصام في الثانية صباحا، فسيتم اقتحامه مهما كانت الخسائر في الأرواح
    هم يعلمون أن هناك خسائر في الأرواح، ويهددون الثوار المعتصمين بذلك، لكن تهديداتهم كانت تقابل بالتكبير وبهتاف (الشعب يريد إسقاط النظام)، لم يكن هناك أي أثر لخوف في نفوس الشباب
    لكن الشيوخ بدوا قلقين، فهم أكثر من اكتوى بنيران هذا النظام
    لكنهم كعادتهم غدروا بالشباب وفتحوا النيران قبل نهاية فترة الإمهال
    قوات المخابرات الجوية وقوات المخابرات العسكرية والشرطة والقناصة والشبيحة يطلقون الرصاص من كل مكان صوب الميدان، يصبون النار صبا على شباب أعزل ليس معه ما يدرأ به القتل عن نفسه، ولا مكان يفر إليه من الموت المحيط به من كل اتجاه
    توقف الزمن في عقلها ولم تعد تسمع سوى صوت الرصاص ولا ترى سوى الدماء، يتساقط من حولها الشباب، والكل يجري فزعا في كل اتجاه هربا من الرصاص
    دماء ياسين المسفوحة لطخت وجهها وملابسها، لم تكن تعلم بأن الدماء لها طعم الألم والقهر
    حتى جسد ياسين الطاهر عجزوا عن استنقاذه منهم، فقد حملت جثته الجرافة وألقت به في شاحنة كبيرة أحضروها لتحمل جثث الشهداء إلى مكان ما، تبين فيما بعد أنه المستشفى العسكري
    ذهب العم طلال ليتسلم جثة ياسين، وكانت تلك هي آخر مرة ترى فيها العم طلال، فقد عاد من هناك إنسان آخر، إنسان سلبت منه آدميته
    فقد اضطروه قهرا للتوقيع على ورقة يعترف فيها بأن ياسين قتل برصاصات إرهابيين، وإلا فلن يتسلم جثمانه
    مئات من الشهداء لا يحصيهم إلا الله قضوا في تلك الليلة، وجُرّفت أجسادهم الطاهرة بالجرّافات وألقوا في شاحنات كما لو كانوا قمامة يسارعون بالتخلص منها، وأجبر أهالي الشهداء على التوقيع باعترافات أن أبنائهم قضوا بأي طريقة إلا برصاص الأمن
    وعند الفجر أزيلت الدماء الشاهدة على الجريمة البشعة التي ارتكبت ليلا بمياه سيارات الإطفاء وخراطيم البلدية، وكأن لم يكن هنا من ساعات قليلة بشر يتساقطون برصاص الغدر
    لن يستطيعوا أبدا إزالة ذكرى ذلك اليوم العظيم الشاهد على وحدة الشعب السوري من ذاكرة الناس
    فخيمة الوحدة الوطنية كانت تضم كل الأطياف وساحة الساعة التي تحول اسمها الى ساحة الحرية احتضنت الجميع في رحابها
    حتى عندما اندس بعض أفراد الأمن داخل الاعتصام ليشعلوا الفتنة الطائفية بهتافات ضد الشباب العلوية الذين أتوا للمشاركة في الاعتصام، انكشفت الخدعة للثوار وتبين أنهم من عناصر الأمن والشبيحة
    اعتصام كهذا لو كان استمر ربما غير وجه التاريخ وصنع نموذج قابل للتكرار في كل مكان في مصر حتى إسقاط النظام
    فعلم الثورة السورية الذي رفع يومها كان يوما رمزا للاستقلال عن المحتل، والآن صار علما لكل الثوار في سائر الأرض السورية
    لكن..
    ما كان لدكتاتور أن يترك الشعب يتوحد ضده، فانضمام المسيحيين للثورة وبعض من شباب الأحياء العلوية كان فضحا لكل أكاذيب إعلام الحاكم المتغطرس عن الطائفية والإرهاب
    وكان عليه أن يدافع عن وجوده وإن أحال البلاد كلها إلى جحيم
    وكأن الدماء التي سالت في تلك الليلة هي بداية نزيف شريان الحياة في سائر الأرض السورية
    .................................................. .
    استيقظت لأول مرة دون أن يطرق عليها أحد الباب، فلا أحد ليمسك بيدها وينتشلها من كوابيس الدماء إلى عالم الواقع، ولا أحد ليضمها إلى صدره، ويمسح دموعها التي أغرقت وسادتها
    وحتى غادرت إلى الجامعة لم تسمع في البيت سوى صوت الجمادات، واكتمل يومها الأخرس باعتذار أمينة عن الانضمام إليها وانشغالها بأمور تخصها
    كانت مضطرة لانتظار ما سيفعله ذلك المحامي المتغطرس، فلازالت غريبة عن تلك البلاد تتحسس خطواتها بتوجس وتحتاج لمن يرشدها
    أدركت متأخرة خطأ انطوائها، فوحدتها طوال اليوم وابتعادها عن تجمعات الطلبة والطالبات جعلت منها صيدا سهلا لذلك الذئب المتربص بها باستمرار، ومنحته الفرصة ليقتحم وحدتها بصفاقة ويكدر صفو هدوئها ويبدد شعورها بالأمن والاستقرار
    في حضوره تشعر دائما بأنها فريسة مستهدفة
    فوجئت به يجلس إلى الطاولة التي تجلس إليها، وهي عاجزة عن الاعتراض، منكمشة على نفسها كهريرة خائفة تتوجس الشر، فإياد بالنسبة لها هو تجسيد لصور الشر في عالمها
    أعياها الخوف عن الهروب من أمامه وأخذت تنظر إليه بتربص في انتظار ما سيقوله
    - يؤسفني حقا أن يكون التعامل بيننا على هذه الدرجة من الارتياب وانعدام الثقة، رغم أننا أبناء بلد واحد
    فاجأها أسلوبه المداهن، وألقى في روعها سؤال، ما الذي يريده منها!
    بل ما الذي يدبره لها
    صمتها شجعه ليكمل : ما رأيك أن نبدأ صفحة بيضاء جديدة مبنية على الثقة المتبادلة، فبالإضافة إلى أننا من بلد واحد، صرنا زملاء دراسة في الجامعة
    ابتسامته الصفراء زادت من مقتها له وارتيابها في نواياه، كانت تدرك تماما أن الشيطان لا يؤمن جانبه، والساذج هو من يثق بثعبان
    لكن عليها أن تبقى أفكارها داخل حيز عقلها ولا تبوح برأيها فيه حتى ترى كم يبلغ قاع البئر
    - أرجو المعذرة، نسيت أن أقدم لك تهنئة لائقة بالزواج، شيء رائع أن تلتقي برجل متفتح العقل كناجي الكيلاني
    توترت أعصابها وقبضت على مقبض حقيبتها حتى ابيضت أظفارها، وأخذت تهز ساقها بعصبية، وأنفاسها تتسارع وهو يكمل بكلمات بطيئة تحمل معاني مبطنة مقصودة تفهمها هي جيدا : رجل ينظر للمرأة نظرة مختلفة عن سائر العرب، لا يهمه ماضيها، ولن تتبدل معاملته لها حتى لو كان لها صور تخجل من أن يراها أحد
    انتفضت بحركة حادة، وهمت أن تترك الطاولة فعاجلها قائلا : لا تغضبي وكوني من أصحاب العقل المتفتح كزوجك (النجم ماتر جينا)
    وتقبلي ماضيه كما تقبل هو ماضيك، أنت في فرنسا، هنا ثقافة التسامح والتغاضي عن طيش الماضي والنزوات العابرة
    وفضيحته في المستشفى الذي كان يعالج فيها والده والتي تسببت بطرد الممرضة ليست بالخطأ الكبير
    تسارعت أنفاسها وكادت أن تصرخ بوجهه لولا وجود عدد من الطلبة والطالبات في المكان، فأخذت تطحن أسنانها غيظا وتقول بصوت حاولت جاهدة السيطرة عليه : كاذب وأفاق
    رمته بنظرة مقت حادة، فأكمل بصوت بدا في أذنيها كالفحيح : أعلم أنك تكرهينني، وتعلمين أنني ربما أكون أفاق، ولكنني لست بكاذب
    أستطيع أن أتفهم عدم ذهابك للحفل، عقلك كعقل سائر العرب، لا يتقبل الاختلاف بسهولة، ولا يستطيع التخلص من رواسب تربية الماضي
    .................................................. ...
    عادت إلى البيت تتقلب بين نارين، هل تصدق ترهاته أم تكذبها
    أيمكن أن تكون حقا قد تزوجت من راقص هيب هوب!
    لا شك أنها لعبة من ألاعيبه القذرة، فهو يجيد التلاعب بالكلمات والعزف على تضارب الأفكار وسوء الفهم، فذاك دأبه منذ أن رأته لأول مرة في المخيم
    كان طبيب المخيم، والمسئول عن تلقي المساعدات
    وقف يتفحصها بنظرات وقحة، وعيناه تجولان في ملامح جسدها بصفاقة وقد أتت إليه تطلب عملا في المركز الطبي
    وجودها في المركز الطبي هو معاناة فوق معاناتها في المخيم، تأبى نفسها العفيفة البقاء بلا عمل والوقوف في طابور انتظار المساعدات التي تجود بها منظمات الإغاثة على اللاجئين ، وانتظار علاج السكري الذي تحتاجه أمها باستمرار، كان هذا هو هاجسها المخيف، ألا تجد أمها يوما العلاج
    كان عليها العمل في المجال الذي نالت منه بعض خبرة في سنواتها القليلة التي قضتها في دراسة الطب في الجامعة
    تحمل الهم ليل نهار لمضايقات ذلك الوغد المتربص، لكن حبها لذلك العمل وحب رواد المركز لها واحترامهم لما تقوم به من خدمتهم خفف عنها الكثير، كذلك صار لديها أمل كبير في تقديم أوراقها للالتحاق بالجامعة في البلد المضيف لإكمال دراستها التي توقفت في بلدها
    ثم بدأت المشكلات ..
    عندما اكتشفت أن هذا الطبيب المدعو إياد يقوم بتشخيص أمراض لا يحملها المريض الذي يرتاد المركز، وبقليل من البحث أدركت أنه يتاجر بتلك الأدوية التي يتلقاها من منظمات الإغاثة ويبيعها بالاتفاق مع بعض الجمعيات المانحة الغير مرخصة
    ليس هذا فحسب، بل ويسرق من المساعدات الطبية المخصصة للمرضى لنفس الأسباب، يرتكب أكثر من جريمة ليتاجر بمعانات المرضى اللاجئين ويزيد من عذاباتهم
    وكان عليها أن تفعل شيء
    ..................................
    كيف لها أن تقاوم ذلك الفضول القاتل الذي يدفعها دفعا إلى البحث في الكمبيوتر عن ذاك الذي يدّعي إياد بأنه ناجي الكيلاني!
    لعنت روح شيطان الريبة الذي تلبّس عقلها، لا تستطيع أن تصدقه، لكنها في نفس الوقت تعلم أن إياد لا يجازف بافتعال أكاذيب لا أصل لها ويلقيها فقط ليستفز غضبها، بل هو يخطط لشيء ما، فعقله مصنع للمؤامرات
    هو يخلط الحقيقة بالكذب بنسبة تحقق له أهدافه التي تعلم يقينا خبثها
    يلقي بسمه الزعاف في العقول وهو موقن بأنه سينال مراده ولو بعد حين
    كان عليها أن تستعين بصوت العقل ربما يهديها لحل يهدئ من عقلها المشتعل
    لكنها اعتذرت كعادتها في الآونة الأخيرة
    أصبحت علاقتها بأمينة هما يضاف إلى همومها الكثيرة، وحيرة ترسم في عقلها علامات استفهام عديدة، توحي تصرفاتها واعتذاراتها المتكررة بأنها تتعمد الابتعاد عنها، مما جعل لين تراجع أقوالها وأفعالها معها في الآونة الأخيرة علها تجد فيها ما يسيء لأمينة أو يزعجها
    لكنها لم تهتدي لشيء
    لو تعلم كم هي بحاجة إليها ما تركتها تتخبط بين جدران الوحدة الضيقة
    دخلت إلى غرفة المعيشة وأضاءت صورته الكبيرة التي تملأ الجدار، وأخذت تتطلع إلى ابتسامة بها لمحة طفولية محببة لم تستطع ملامح الرجولة الناضجة أن تواريها
    هل يمكن أن يكون ذلك الكائن الذي أمامها واحد من مغنيين الشوارع الخلفية بكل ما فيهم من سوقية وفوضوية وتمرد! كثير منهم يستخدم بذاءة الألفاظ والحركات ليعبر عن تمرده على المجتمع من خلال أغانيه ذات الرتم الواحد والإيقاع الرتيب
    ما الذي تخشاه؟
    هل تخشى أن تتحقق كلمات إياد!
    عليها أن تحسم أمرها حتى لا تبقى أسيرة ظلال الوهم
    اتجهت إلى جهاز الكمبيوتر المحمول وهي تقنع نفسها بأنها لابد أن تعرف الحقيقة مهما كانت
    أدخلت الاسم بنفس الهجاء الذي كتبه لها إياد على ورقة كبيرة حتى لا تخطئ في حروفه
    وبرغم أنها لم تأخذ الورقة لكنها حفظت ترتيب الحروف في عقلها
    Maitre Gina
    لم تكمل إدخال الحروف، فقد تراصت نتائج خيارات البحث أمامها على الفور، فتحت بسرعة الفيديو الأكثر مشاهدة قبل أن تخونها شجاعتها
    وكان عليها أن تراقب بصبر اللحظة التي سيكشف فيها الشاب - الذي يغني ويرقص ويتقافز أمامها على الإيقاع الرتيب – غطاء الرأس المتصل بقميصه والذي يغطي نصف وجهه لتظهر ملامحه بوضوح
    ولم يطل انتظارها طويلا، فلم يكتف فقط بإزاحة غطاء رأسه عن وجهه، بل نزع قميصه عن جسده لتبدو بوضوح ملامح وجهه، وتبرز عضلات ذراعيه وكتفيه من خلال قميص داخلي بلا أكمام
    ويظهر معه وشم كتفه الذي تعرفه جيدا
    أغلقت الكمبيوتر ببطء بعدما داهمتها الصدمة التي لم يخفف من وطأتها معرفتها المسبقة بما ستراه
    ولم تنتظر لتشاهد أي من الفيديوهات الأخرى التي بدت بأعداد كبيرة مما يدل على شهرة صاحبها
    استولى على رأسها دوار عنيف وشعرت وكأن الجدران ستنقض عليها
    لآخر لحظة كان لديها أمل بأن إياد كاذب
    لم يكن بإمكانها تحمل اعتذار جديد من أمينة، فلا أحد لتثق به غيرها، وأسرعت إليها أمينة بعد أن أنبأها صوتها في الهاتف بعظم الخطب
    ألقت إليها بالقصة كاملة وكأنما تريد أن تتخلص منها وتريح نفسها من عبء ألقى على كتفيها ولا قبل لها به، وهي تسكب دموعها سكابا
    هزت أمينة رأسها بأسف وقالت بتعاطف : عزيزتي، الأمر ليس بهذه الصورة البشعة التي في خيالك
    قالت بصوت باك : كلماتك المهدئة لم تعد تجدي، كيف لا يكون الأمر بشعا!
    ألا تعلمين كيف هي حياة هؤلاء الذين اتخذوا من الشوارع الخلفية أسلوب حياة لهم!
    خمر، مخدرات، زنى، مشاجرات
    ومن يعلم، ربما يتورطون في السرقة والجرائم كما نسمع
    حارت أمينة كيف ترد، هل تهدئ من روعها أم تتعاطف مع فزعها وغضبها وتزيد من نيران نقمتها على ناجي
    تنهدت بحيرة وقالت : اهدئي عزيزتي، فثورتك لن تحل الأزمة، واضح أن الفيديو قديم، فملامحه تبدو فيه أصغر سنا، كما أن تلك الأمور لا يفعلها الشباب إلا في مرحلة المراهقة
    ناجي أصبح الآن رجل مختلف، فالحفل لم يكن بالصورة التي تعتقدينها
    هتفت غاضبة : لا تهوني من فداحة الأمر، فهو لازال يمارس تلك الحياة حتى الآن
    لقد كان يرقص تلك الرقصات مع شحاذ في الطريق
    وماذا عن تلك الفضيحة في المستشفى التي تسببت في طرد إحدى الممرضات! كلام إياد يدل على أنها من وقت قريب، عندما كان والده يتلقى علاجه في المستشفى قبل موته
    قالت أمينة : لا تثقي بكلام إياد فبرغم حداثة عهده بالجامعة إلا أنه اكتسب سمعة في غاية السوء بأفعاله القبيحة، ومشاجراته مع أغلب الطلبة العرب
    قالت بحرص حتى لا تثير تساؤلاتها عن علاقتها بإياد : نعم، علمت بذلك، لكن هذا لا يمنع أن أخباره صادقة
    زفرت أمينة : أعلم أنك لن ترتاحي إلا إذا تأكدت بنفسك
    حسنا فلنذهب للمستشفى ونتقصى الأمر
    لقائها مع مدير المستشفى كان تأكيدا على الصورة التي تشكلت في ذهنها عن ماضي ناجي، تلقت الصدمات واحدة تلو الأخرى لكن هذه كانت القاصمة
    وكانت كلمات مدير المستشفى كسياط ملتهبة : كان على أن أطردها، فلا عبث في أوقات العمل الرسمية
    حياتها الخاصة لا شأن لي بها، لكن العمل لا أسمح فيه بأي تهاون
    كان عليها أن ترى تسجيلات كاميرا المراقبة التي استفزت المدير لهذه الدرجة وجعلته يطرد الممرضة
    ووافق المدير بعد عناء أن يسمح لها بمشاهدة التسجيلات فقط لأنها زوجة ناجي، ذلك الذي ظهر بوضوح جالسا فوق المكتب في قسم التمريض، يبدو من حركاته بوضوح أنه يغني، والممرضة تتمايل أمامه منتشية بروعة صوته
    لم تستطع أن تكمل، فقد خافت مما يمكن أن تراه بعد تلك اللقطة
    عادت إلى البيت في أسوأ حال، وأمينة تحاول أن تهدئ من روعها، لكنها وجدت أن الكلمات لا تجدي في حالتها
    لين : أخبريني، كيف يمكن أن أتخلص من ذلك الكابوس، لم يكن لي من البداية ولم أكن له، والآن صارت الحياة معه مستحيلة، ولا سبيل إلا الانفصال
    قالت أمينة بأسى : حتى يتم ذلك عليك أن تجديه أولا
    انتبهت لين أخيرا من صدماتها على الحقيقة المرة
    ناجي لازال مختفيا ولا أحد يعرف مكانه
    وأخيرا كان عليها أن تبلغ الشرطة، فهي لا تثق بذلك المحامي المتغطرس، وبعد أن اتضحت لها حقيقة ناجي وكيف يحيا لم تعد تثق بأي إنسان يعرفه
    أخذت تسبه في سرها وهي تجلس أمام الشرطية التي تتلقى منها المعلومات والبيانات وتسألها الأسئلة الروتينية المعتادة من قبيل، هل تشاجرت مع زوجك؟ هل هو على علاقة بامرأة أخرى ....
    اضطرارها لعرض بعض من تفاصيل حياتها الخاصة على أغراب أصابها بالضيق والغثيان
    زفرت لين بنفاذ صبر وطلبت من الشرطية أن تكتفي بهذا القدر من الأسئلة و تأخذ منها بيانات زوجها وتتحرى عنه كيفما تريد، ولكن الشرطية بمجرد أن سمعت اسمه حتى انتبهت واعتدلت في مجلسها وتأملت لين لحظة، ثم استأذنت منها وغابت عنها، ثم عادت واقتادتها إلى مكتب رئيس الشرطة الذي تولى بنفسه التحقيق في الأمر، مما أوحى للين بالأهمية التي يحظى بها ناجي في البلدة،
    وبرغم أنها تركت الأمر برمته للشرطة، لكنها كانت تتميز غيظا من الموقف المحرج الذي وضعها ناجي فيه رغما عنها
    قررت أن تنتبه لدراستها وشئونها، حتى إذا ما ظهر مجددا فستطلب منه أن يطلق سراحها بهدوء ودون مشاكل
    وبعد عدة أيام تلقت اتصالا هاتفيا من شخص يقول أنه مدير البنك الذي يتعامل معه ناجي، يدعوها إلى مكتبه في لقاء عاجل لأمر هام
    وكان عليها أن تذهب لترى إن كان يعرف أية معلومات عن مكان ناجي
    كان الرجل في غاية التهذيب وهو يرحب بها ويدعوها للجلوس في المقعد المواجه لمكتبه، ملامحه ولهجته تشي بأنه من أصول عربية، يبدو في أواخر الأربعينات وسيم الوجه بهي الطلة ذو صوت هادئ جم التهذيب، وشخصية مريحة تدعو للاطمئنان، عرفها بنفسه قائلا : مراد كسّاب، مدير البنك الذي يتعامل معه السيد ناجي
    انتبهت حواسها وتحفزت لما سيقوله، وبدأ عقلها يضع الاحتمالات
    هل اتصل به ناجي؟
    هل يعرف مكانه؟
    هل تطلب منه بيانات بآخر عمليات صرف وإيداع قام بها ناجي في حسابه، ربما دلها ذلك على الأماكن التي يشتري منها ببطاقته البنكية (الفيزا)
    لكنه فاجأها قائلا : أرجو أن تتقبلي عظيم أسفي لاختفاء السيد ناجي، وأتمنى له السلامة
    داهمها الإحباط القاسي بعد أن خابت أمانيها، وتمتمت شاكرة، ثم سألته مباشرة حتى تقطع عليه أية أسئلة للاستفسار عن مكان ناجي : أرجو أن يكون الموضوع الهام الذي استدعيتني لأجله خيرا
    قال مطمئنا : كل الخير إن شاء الله
    أود أن أسألك، أما آن للحرب القائمة من أيام السيد عمر الكيلاني أن تضع أوزارها؟
    - عفوا لم أفهم مقصدك، عن أي حرب تتكلم؟
    - معذرة، ألم يحكي لك السيد ناجي عن ذلك الصراع الممتد بين والده السيد عمر الكيلاني رحمه الله والسيد كريستيان!
    - لم يفعل
    - إذا علىّ أن أخبرك بالسباق المحموم الذي يدور من سنوات طويلة بين السيد عمر والسيد كريستيان حول أحقية كل منهما في امتلاك أفرع المطعم المنتشرة في محافظات عدة
    - الحقيقة أنني لا أهتم بهذا الأمر، ولا ينتابني أي فضول لمعرفة تفاصيله
    ارتد بظهره للخلف وارتسمت الدهشة في ملامحه، وصمت يتأملها لبرهة
    تنحنح، ثم قال : الحقيقة أن زوجك ناجي ورث هذا الصراع من بعد والده الراحل، وبناء عليه فالأمر يعنيك، بل إنني أطمع في إنهاء تلك الحرب المستمرة من أمد بعيد على يديك
    قالت مصححة : عفوا سيدي، اخترت الشخص الخطأ، عليك انتظار عودة زوجي ليحل مشاكله بنفسه، فأنا لا علم لي ولا دراية بمشكلات عمله
    قال : وما الذي يضطرني لانتظار عودة السيد ناجي وصاحبة المطعم تجلس أمامي
    أصابتها كلماته بالتجمد للحظات وأرادته أن يعيد على مسامعها ما قال لتتأكد أن ما سمعته صحيح : عفوا، ماذا قلت!
    قال مؤكدا : المطعم ملكك سيدتي، ألم يكن لديك علم بذلك!
    نظراتها الذاهلة وانعقاد لسانها أنبأته بالإجابة، فقال موضحا : لقد نقل السيد ناجي ملكية المطعم بكل فروعه إليك
    أسندت رأسها بكفها، كانت عاجزة تماما عن استيعاب المفاجأة، لكن مراد لم يمهلها ولم يتركها تستوعب المفاجأة المذهلة
    بل قال مباشرة : وليس المطعم فحسب، بل نقل إليك كل أملاكه
    .................................................. .........

  9. #9

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,437
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة الثامنة


    (8)
    أغمضت عينيها للحظة طويلة، لا تعلم مداها، فقد كانت تود أن تستفيق من ذلك الحلم السخيف، أو تفتح عينيها فتجد من يقول لها انظري باتجاه الكاميرا فكل ما سمعتي الآن غير حقيقي
    كان مقلبا..
    هذا ما تشعر به في داخلها، ما الذي يدبره لها هذا المجنون، وأي سجن يحاول أن يسجنها فيه!
    كيف لها أن تهرب من ذلك الكابوس الجاثم فوق صدرها!
    والأهم من كل هذا، لم فعل ما فعله دون أن يخبرها!
    ولم رحل؟ وأين ذهب؟
    في الأمر سر بالتأكيد
    (عفوا سيدتي، هل أنت بخير!)
    فتحت عينيها لتواجه واقعها الجديد وتجيب عن سؤال مدير البنك
    لكن صوتها لم يخرج من حلقها، وكان عليها أن تبتلع ريقها وتتنحنح عدة مرات لتستطيع أن تتكلم : بخير، شكرا
    ظهرت الحيرة جلية في ملامحه، وقال بلهجة متحرجة : استميحك عذرا، لم يخطر ببالي لحظة أنه لم يخبرك
    قالت متظاهرة بالثبات : ولا أنا
    أرجو أن تعذرني، ولكني بحاجة للانصراف
    هز رأسه متفهما، ومد لها ببطاقة : تلك هي أرقام هواتفي، وأنا على يقين بأننا سنلتقي ثانية
    غادرت وهي لا تكاد ترى الطريق من فرط الصدمة، حتى أنها اصطدمت بشخصين على الأقل، وبمجرد أن عادت للبيت حتى اعتزلت العالم وأغلقت عليها باب غرفتها، تحتاج للهروب من كل شيء
    تأملت جدران الغرفة الفاخرة والديكورات الغالية، والأثاث المنتقى على أحدث طراز
    لكم تتوق إلى رائحة بيت جدها القديم وذلك الدفء الذي يملأ أركانه على بساطتها
    اشتاقت لأخيها وأمها
    اشتاقت لأحبتها
    راودتها نفسها أن تفتح جهاز الكمبيوتر وتنظر إلى بعض ممن تبقى لها من ماضيها، لكنها نفضت الفكرة عن رأسها بسرعة، لا يجب أن تنسى أبدا أنها زوجة وعليها أن تحمي كرامتها وتصون قلبها عن الزلل، وتحتفظ بكبريائها أمام نفسها
    بقيت لوقت طويل في صراع مرير، تعاني من وحدة قاتلة
    حتى انهارت أخيرا فوق وسادتها تسكب دموعها سكابا وتسب سجانها الذي طوق عنقها بأطواق من فولاذ تعجز عن التخلص منها
    ففرت مسرعة إلى النوم حتى تحمي قلبها من مزيد من الألم
    .................................................. ............
    كانت تنظر لوجه أمها المستدير كالبدر المنير، معذور والدها إذ أسر لها يوما بأنه يحب أمها حبا جما، فقد سكنت فؤاده من أول يوم رآها فيه، ووقع أسير تلك العيون الحزينة على الدوام
    كانت ابتسامتها عزيزة، لا تظهر إلا للغالي، تواري هموما ثقيلة في قلب غلفته بالصمت وأغلقته على ذكريات مروعة لا يعلم بشاعتها إلا الله
    لا يجرؤ أحد على توجيه أي سؤال لها يتعلق بالماضي
    فهو منطقة خطر عُزلت من حياتها وسُورت بأسوار عالية وسُيجت بسياج شائكة
    كان هذا هو العامل المشترك بين ذلك الجيل من أهل حماة
    الصمت..
    هو الدرع الذي يتحصنون به من تكرار ما حدث بالأمس البعيد
    ولكن، عندما قامت الثورة بدأت الأسوار تنهار والسياج يتفتت وأضحى الصمت عبئا على القلوب المهمومة
    كانت أم خالد هي أكثر من عارضت تلك الانتفاضة التي قامت ضد الحاكم في كل سوريا، وعارضت مشاركة خالد بها
    لكن دماء ياسين غيرت الكثير بداخل كل من عرفوه، الجميع لم يعد كما كان بعد أن سفكت دماء ياسين أمام أعينهم
    بدأت أم خالد تتابع أخبار الثورة تدريجيا، في البداية عن طريق الإنصات لأحاديث خالد والعم طلال
    لكن ما حدث بعد ذلك كان عجيبا حقا
    فبينما كان خالد ولين يتابعان أحداث الثورة في سائر محافظات سوريا ويشاهدان الفيديوهات التي رفعت على اليوتيوب للمظاهرات من كل مكان، انتبها إلى اهتمام أمهما بالأمر واقترابها من مجلسهما بصمت إلى درجة وقوفها في موضع يتيح لها مشاهدة ما يشاهدانه عن قرب
    لكنها اقتربت أكثر حتى صارت أقرب منهما لشاشة الكمبيوتر عندما رأت فيديوهات المظاهرات التي بُثت من حماة
    كانت تتأمل تفاصيل الصورة وتبكي بصمت وكأنما تعرف تلك الأماكن حق المعرفة
    كان خالد هو أكثر من يشعر بأمه وروحها المتألمة، كان يفهم نظرات عينيها ويسمع دموعها دون الحاجة إلى كلام، مما جعله يقرر فجأة اصطحاب أمه وأخته للمشاركة في أكبر مظاهرات حاشدة شهدتها الثورة السورية
    مظاهرات حماة
    أخيرا.. وبعد عشرات السنين
    تكلمت المدينة الصامتة
    استقبلت أم خالد التراب الحموي ساجدة باكية مُقَبِلّة أثرا عاش فوقه الأحبة وقضوا
    اصطحبها خالد لتمر على كل الأماكن والشوارع والأحياء التي عاشت يوما فيها، ولازال بعضها يحمل آثار الدمار الذي لحق بالمدينة حتى الآن
    تلك الأرض التي غادرتها من عشرات السنين بأقدام عارية دامية فرارا بحياتها
    تعود إليها الآن مستندة لذراعي فلذتي كبدها، تذوب بين أهلها في ساحة العاصي وتهتف معهم لبلدة استردت الحياة بعد عشرات السنوات العجاف
    لم تكن حماة بعيدة عن الثورة، بل كانت تغلي بصمت على تنور من الظلم والقهر المستمر من عشرات السنين، فشاركت من بداية الثورة على استحياء، حتى شهد أهالي المدينة فيديو للحظات مقتل أحد أبنائها تم بثه عبر الإنترنت وعلى وسائل الإعلام ، عندما كان يشارك الشاب عمران الدويك في رمي الحجارة على قوات الأمن التي تواجه التظاهرات السلمية بالرصاص
    تم القبض عليه واجتمع حوله رجال الأمن وأوسعوه ضربا بالهراوات على رأسه تحت سمع وبصر العالم حتى أصيب بشلل دماغي قبل موته
    اختلطت صورة الشاب الحموي في وجدان الناس بصورة الطفل حمزة الخطيب الذي تم تعذيبه بأبشع الوسائل حتى الموت في أحد الفروع الأمنية وبثت صوره عبر الانترنت ووسائل الإعلام، مما أشعل النار في قلب كل سوري فخرجت المظاهرات حاشدة في سائر الأراضي السورية تعبيرا عن الغضب والرفض لوحشية النظام وإجرامه
    وفي حماة خاصة
    لكن التظاهرات السلمية تم مواجهتها بوحشية من قبل النظام، وتساقط الشهداء والجرحى، لتخرج في اليوم التالي أعداد أكبر لتشييع ودفن الشهداء فلا يجدوا أمامهم سوى الرصاص ليتساقط المزيد من الشهداء
    ولم يكف الناس عن الخروج إلى الشوارع والساحات يهتفون بسقوط النظام رغم القتل والإرهاب
    وفي كل جمعة تمتلئ ساحة العاصي – أكبر ساحات المدينة – بمئات الآلاف من المعتصمين بعد انسحاب قوات الأمن من المدينة
    .........................
    صارت الأيام كئيبة تحت وطأة انتظار عودة الغائب، أو أي خبر عنه من تحريات الشرطة
    ولأنها ليس بيدها شيء لتفعله، فقد انخرطت في دراستها محاول نسيان همومها الخاصة كما نصحتها أمينة والاستذكار باجتهاد ودأب حتى تستطيع اجتياز تلك السنة الصعبة الحاسمة وتحتفظ بمقعدها في الجامعة.
    من بعد لقائها الأخير مع إياد أصبحت تتعمد الجلوس في أزحم الأماكن والاختباء داخل تجمعات الطلبة، بلا اختلاط حقيقي أو اندماج فعلى يساعدها على التعارف مع بعض من رفيقات دراستها، أو حتى مشاركة الطلبة العرب في أحاديثهم أو نقاشاتهم المشتركة
    كانت تجد الأمان من مطاردات إياد لها بين زحام الطلبة، لكنها تعزف عن الاختلاط بهم، ورغم ذلك لم تستطع حماية نفسها من نظراته المتوعدة ولا تهديداته الصامتة
    تحتاج لمن تتحدث إليه لكن أمينة صارت منشغلة عنها بالأنشطة التي تقوم بها مع أحمد ورغد وصالح وباقي الطلبة العرب، ورغم إلحاحهم الشديد لتنضم لهم وتشاركهم فعالياتهم
    لكنها رفضت ذلك رفضا قاطعا، فهي هنا لتكون طبيبة، ولن تدع أي شيء يشغلها عن ذلك، كما أن حراك كل العرب المقيمين في بلاد المهجر لن يغير أي شيء مما يحدث في المنطقة العربية
    كانت قد عاهدت نفسها أن تلقي وراء ظهرها أية أفكار تتعلق بوضعها الجديد وبما منحه لها ناجي
    فهي مقتنعة بأنها لا تملك شيء، وستجبره على إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه فور عودته
    لم تكن تصدق تلك الاحتمالات الغير واقعية التي تتعلق بفرضية انتحاره أو قتله مثلا، والتي وضعتها الشرطة كإحدى مسارات البحث
    شيء ما في أعماقها يجعلها تستبعد تلك الاحتمالات إلى درجة الاستحالة
    شيء ما لا تدري له سببا
    لم تدم فترة إبعاد نفسها عن سياق البحث عن ناجي بإلقاء الأمر برمته للشرطة طويلا، فسرعان ما عادت إلى واقعها الذي ترفضه بشدة باعتبارها صاحبة كل ما امتلكه ناجي يوما
    فقد اتصل بها السيد كريستيان، والذي عرفت اسمه بناء على المعلومات القليلة التي حدثها بها مدير البنك وطلب أن يلتقي بها لأمر هام
    لم تكن لديها فكرة عما يمكنها أن تفعله أو تقوله إذا ما تحدث معها في أمر الصراع القديم أو حل المشكلات الخاصة بما تملكه الآن
    لكن إلحاحه الشديد لم يترك لها رفاهية الخيار
    وعندما طلب منها أن يأتيها في البيت، حارت بما ترد، وكيف تفهمه أنها لن تستطيع استقباله في بيتها دون وجود ناجي!
    لكن فكرة لا بأس بها أسعفت عقلها في اللحظة الأخيرة، فطلبت منه أن يكون اللقاء في المطعم على اعتبار أنه محل العمل والمكان المتنازع عليه
    ذهبت قبل الموعد ببضع دقائق، واستقبلها العاملون في المطعم بالترحاب، وعلى رأسهم مدير المطعم، وهو شاب عربي لبق ومهذب
    وبرغم أنها ليست المرة الأولى التي ترتاد فيها المطعم، لكنها المرة الأولى التي تنتبه فيها لكل ما حولها وتتمعن في تفاصيل وأشياء لم تكن تهتم بها قبلا
    أوصت النادل بأنها تنتظر ضيفا هاما، وعندما انصرف لإعداد اللازم، ساقتها قدماها إلى آخر المطعم، حيث الطاولة المفضلة لناجي
    وكأن شيء ما يلقي في روعها أنها ستجده جالسا هناك ينظر شاردا من النافذة، كما رأته سابقا عندما أحضرتها أمل إلى المطعم
    توقفت فجأة عن التقدم وتجمدت في موضعها
    لم يكن ناجي هو من يجلس إلى الطاولة
    اشتعلت النار في جوفها وهي تتأملها وهي جالسة في نفس المقعد الذي يحبه ناجي، تحتضن قدح قهوتها بكفيها، وتلقى بنظراتها الشاردة خارج النافذة
    طحنت أسنانها بغيظ وتمنت لو تجذبها من شعرها وتلقي بها خارج المطعم
    لكن اللحظات التالية لم تدع لها فرصة للتصرف، أو حتى التفكير فيما ستفعله أو ستقوله
    فقد انتبهت جان من شرودها وتصادمت نظراتهما، كلتاهما تحمل للأخرى قدرا لا بأس به من المشاعر العدائية، تتجلى بوضوح من خلال نظراتهما
    في نفس اللحظة التي تحركت فيها باتجاهها لتقوم بتصرف ما، لحق بها مدير المطعم وأخبرها بأن السيد كريستيان يطلب لقائها
    ألقت إليها بنظرة متعالية ثم تبعته إلى حيث الطاولة التي اختارتها في صدر المطعم وأمرت بتجهيزها لاستقبال الضيف
    برغم المعاملة الدبلوماسية التي حظي بها السيد كريستيان إلا أنها لم تنتبه لنظرات الكراهية المحتدمة في أعين العاملين في المطعم، إلا بعدما نبهها هو قائلا بتهذيب : لم يكن مناسبا قدومي إلى هنا، لكنني أطعت رغبتك
    قالت بقلة فهم : لم؟ أعتقد أن المكان مناسب تماما للأمر الذي سنتحدث فيه
    قال بتحرج : الكل هنا ينظر إلى كعدو، فكلهم رجال ناجي وحاشيته، ويدينون له بالولاء
    لن أخفي عليك، لكنني بدأت بالفعل أصدق ما يقال عن هذا المكان
    قطع كلامه عندما مرت بالقرب منهما جان مغادرة، وتوقفت أمامهما للحظات تصب عليهما نظرات الاحتقار والاشمئزاز، وعلى ثغرها نصف ابتسامة ساخرة
    بمجرد أن رحلت قال بتوتر: لا أفهم حقا لم تكرهني!
    أرادت أن تبعد تفكيرها عن تلك المخلوقة المستفزة، فردته إلى طرف الحديث السابق : عفوا، ما الذي كنت تقصده بما يقال عن هذا المكان؟
    قال : إن ما يتداوله الناس عن هذا المكان ليس إيجابيا بالمرة، فيه الكثير من العنصرية، فهو يفضل الفرنسيين ذوي الأصول العربية على غيرهم
    - ليس ما يتداوله الناس صحيح دائما
    - لكن هناك شواهد كثيرة على ذلك، فكل من يعمل هنا هو بالضرورة من أصول عربية
    - لا أعتقد أن هذا قد يضر أحدا
    - مدام، لقد أصبت بالضرر بشكل مباشر، بت مقتنعا بأن هذا المكان يحوي عصابة يتزعمها السيد ناجي
    - سيدي، ليس لأن بينك وبين زوجي خلافات، أن أسمح لك..
    - مدام، لقد أصبت بضرر مباشر من عصابة السيد ناجي، لقد قاموا بتحطيم المطعم الخاص بي وضرب كل من يعمل فيه
    - ولم لم تشكه للشرطة!
    - فعلت، ولكنه محا كل دليل ضده
    - تتحدث كما لو كنا في دولة عصابات، لا دولة ديمقراطية حديثة!
    - السيد ناجي معتاد على مخالفة القانون منذ كان فتى جانح
    أكمل عندما وجد الدهشة العارمة مرتسمة في ملامحها : تعلمين كيف ينشأ هؤلاء الفتية الذين يقضون مراهقتهم في الشوارع الخلفية ويتمتع سلوكهم بالانحراف المجتمعي
    هم يعيشون في شكل عصابات تتخفى عن عين القانون، وكل عصابة يحمي أفرادها بعضهم البعض، وهذا السلوك قد يظل ملازما لهم حتى في الكبر إذا ما وجد البيئة المناسبة لذلك، والأفراد الذين يستطيع السيطرة عليهم وإقناعهم بأنه يستطيع حمايتهم
    لم تجد ما يمكن أن ترد به على كلماته، فهي لا تعرف شيئا بعد عن ماضيه، وما رأته في الفيديوهات ليس ببعيد عما يقوله السيد كريستيان
    - في كل الأحوال كان عليه أن يثبت أنه قوي كأبيه
    - أبوه!!
    - عمر الكيلاني، هو من أسس تلك الإمبراطورية التي تتخفى تحت ستار سلسلة مطاعم تعمل بشكل قانوني، وتضم تحت جناحها مهاجرين غير شرعيين وعاهرات و..
    - ماذا!!
    كان من الصعب عليها استيعاب كل تلك المفاجآت، والبقاء متماسكة أمام هذا الغريب الذي فتح لها نافذة تطل على الجحيم
    بقيت صامتة والحيرة تملأ عينيها ، فقال مؤكدا : بإمكانك أن تسألي محاميه الخاص، فهو لن يستطيع الإنكار، ورغم ما يتمتع به من سمعة سيئة، لكنه مخلص تمام الإخلاص لتلك العصابة التي ينتمي إليها
    عصابة مايتر جينا
    .................................
    لم تستطع أن تمنحه الإجابة التي أتى خصيصا ليسمعها
    ليس بإمكانها التصرف فيما لا تملكه، وإن كان ناجي قد ألقى إليها بذلك الحمل الثقيل، فهي توقن بأنه أمانة ستعود لصاحبها بمجرد ظهوره
    لكن ما أرقها وقض مضجعها هو أنها لم تعد على ثقة من ذلك الرجل الذي تزوجته ولا من أخلاقه
    وفي النهاية كان عليها أن تطلب لقاء المحامي ثانية رغم كراهيتها لذلك
    تحملت بصبر ذلك اللقاء السخيف المشبع بالصلف والتعالي وقلة التهذيب
    كان يجلس أمامها مضطجعا على كرسي مكتبه المتحرك، رافعا ساقيه فوق المكتب ينظر لها بنصف وعي وملابسه غير مهندمة، كرجل انتزع لتوه من تحت وسادته وجر جرا للقاء عمل
    همهم : عفوا مدام، أخبرتك من قبل أنني لا أعرف مكان ناجي
    قالت بضيق : محاميه ولا تعرف! ومن يعرف إذا!
    - أنا فقط محاميه، أدير شئون العمل الخاصة به
    - عليه أن يأتي ويتصرف في كل تلك المشكلات التي تركها لي
    هل علي أن أحل مشكلاته مع السيد كريستيان دون أن تكون لدي أية خلفية عما يحدث!
    أنزل ساقيه من فوق المكتب، واعتدل في مجلسه منتبها وفتح عيناه باهتمام : عفوا، هل قلت السيد كريستيان!
    - كما سمعت
    ضحك ضحكة قصيرة متوترة : وما علاقتك بالسيد كريستيان!
    - يريد مني أن أنهي ذلك الصراع القديم بينه وبين ناجي
    قال بحذر : وبم أجبتيه؟
    - أخبرته أن عليه الانتظار لحين عودة ناجي
    - حسنا فعلت
    - ولكنه لن يفعل، سيظل يطاردني حتى أتصرف
    - مسح وجهه بكفيه وهو يجر الهواء من أنفه بصوت مسموع : اطمئني، لن يستطيع شيء، هو مضطر لانتظار عودة ناجي، فليس بيدك شيء لتقدميه إليه
    - بل هو يريدني أن أعيد إليه المطعم الذي كان ملكا له
    - تعيديه أولا تعيديه! وما شأنك أنت بتلك الأمور!
    - أهذا سؤال يسأله محامي! كريستيان يعلم أن المطعم صار ملكا لي
    ذلك التعبير الذي ارتسم على وجهه وانتفاضته المتحفزة دليل واضح أنه لا يعلم شيء عما فعله ناجي
    قالت مفسرة : ناجي وهبني كل أملاكه، ودون أن أعلم
    هتف بثورة : ماذا! أأنت واعية لما تقولين!
    - انتبه أنت للسانك، فلن أسمح لك بكلمة اهانة واحدة
    ظل يحدق بها للحظات ونيران الغضب تشتعل في نظراته، ثم جلس مجددا وفتح جهاز الكمبيوتر وبدأ يبحث فيه بسرعة
    قالت هازئة : محاميه ولا تدري شيئا عما فعله بأملاكه!
    ترك الكمبيوتر وارتد للخلف والذهول يستولي عليه، ثم قال ببطء : كنت محقا في تحذيره منك
    في البداية تسقطينه في شباكك بادعاء البراءة والتدلل والتمنع، حتى يصبح زواجه منك هو هاجسه الوحيد
    والآن .. تستولين على ممتلكاته بخدعة ماكرة!
    أي شيطانة أنت!
    هتفت بغضب : أحذرك من التطاول، وإلا ..
    - بل أنا الذي أحذرك، أن تتصرفي في ممتلكات ناجي أو تعطي ذلك المأفون كريستيان ما يبتغيه
    لا أعلم ما الذي تدبرينه الآن مع هذا اللص، لكنني سأقف لخططك الخبيثة بالمرصاد
    - لقد اكتفيت من وقاحتك، لا أفهم لم أتيت إلى هنا! فلم تعد لك أية سلطة أو فائدة
    - لا تظني أن لعبتك انتهت، فلن أسمح لك بتبديد ما بناه صديقي ووالده حجرا حجرا، أنت لم تر بعد ما يمكن أن أفعله بمحتالة مثلك
    - أنت مطرود
    نزلت عليه الكلمة كدلو ماء مثلج، فبقي متجمدا يحدق بها
    قالت بتشفي : هيا أرني ما يمكن أن تفعله
    تركته يرغي ويزبد وانصرفت
    ..............................................
    لازالت أمينة عند رأيها، يجب أن تنتظر عودة ناجي ليحل مشكلاته بنفسه، فهي وحدها لن تستطيع التصرف في أمور لا تدري شيئا عن حقيقتها ولا خلفيتها
    اقترحت عليها أمينة أن تحاول بنفسها البحث عن ناجي بسؤال من يعرفه أو كان على علاقة به، وعرضت عليها مساعدتها في البحث بأن تستعين بالفيديوهات التي تم تصويرها في حفل زفافها لتتعرف منها على الأشخاص المحيطين بناجي
    لاقت الفكرة استحسان لين، فطلبت منها أمينة أن تترك لها هذا الأمر وستستعين بصالح في مساعدتها فلديه خبرة كبيرة في الكمبيوتر، كما أنه من مواطني هذه البلاد ويستطيع أن يعرف بسهولة الشخصيات الشهيرة فيها
    شعرت لين بالامتنان الكبير لصديقتها التي لا تتوانى عن مساعدتها قدر ما تستطيع فباستثنائها، كل من حولها صاروا أعداء، ينظرون لها نفس نظرة المحامي البغيضة
    محتالة لعبت برأس زعيمهم واستولت على كل شيء يخصه
    ترى هل يرتابون أيضا في أنها قتلته وأخفت جثته!
    الآن فقط فهمت لم يعاملها كل من في المطعم بحذر وتصنع، إذ يبدو أن ناجي كان محاط بالولاء من كل من كان يعرفه
    بمن تستطيع أن تثق وهي محاطة بكل هذا الكم من الكراهية والرفض!
    أخذت تسب ناجي وتلقي عليه باللوم بسبب ذلك الحصار الخانق الذي اشتد حولها
    لم تكن يوما مكروهة من أحد إلى هذه الدرجة، فدائما ما كانت تتمتع بالحب والاحترام من كل من حولها، حتى في أحلك الظروف التي مرت بها
    ......................................
    كانت تجلس أمامه وهي تسأل نفسها، أمن الممكن الوثوق به وهي لا تعرفه، وهل لديها حل آخر لتصل إلى الحقيقة!
    كانت تلك الأفكار تدور في رأسها وهي تجلس أمام السيد مراد كساب مدير البنك
    كان محقا في توقعه بأنهما سيلتقيان مجددا، فها هي تتصل به وتطلب لقاء عاجلا، فعليها أن تعرف أكثر عن ذلك الرجل الذي تزوجته، ومدير البنك يكون دائما حريصا على مصلحة عملائه، كما أنه عربي يبدو أنه وصل لهذا المنصب باجتهاده
    أجاب عن سؤالها ببساطة : حسنا، السيد ناجي له شعبية كبيرة هنا بين الجاليات العربية
    تنحنح، وخفض صوته قليلا ثم قال : لست بحاجة للتأكيد بأن ما سأخبرك به الآن لا يجب أن يصل إلى أذن أي من العاملين هنا
    انتبهت، وساورها القلق عما يمكن أن يبوح به لها، هل ستتلقى صدمات جديدة! لكنه لم يتركها في حيرتها طويلا، وقال بصوت منخفض : والد السيد ناجي كان قبضاي
    أقلقتها الكلمة، لكنها بقيت على صمتها لتستمع لما سيقوله
    - العرب هنا يلتفون حوله ويستعينون به في حل كل مشكلاتهم، ولم يكن هو يخذلهم أبدا
    - أي نوع من المشكلات بالضبط؟
    - أي شيء وكل شيء
    - ضد القانون مثلا!
    - مدام، لا أحد هنا يسأل مثل تلك الأسئلة، في كل يوم يفد إلى هذه البلاد أعداد هائلة من العرب بالطرق الشرعية والغير شرعية، هم بحاجة لقبضاي مثل عمر الكيلاني، يعرف تلك البلاد جيدا ليؤويهم ويحل لهم مشكلاتهم، وينجز لهم أوراقهم، وقد يجهز لهم أوراق بطرق خاصة لمن يعجز عن إيجاد أوراق له
    - تقصد تزوير!
    أدركت مدى غباء السؤال عندما قلب كفيه وألقى إليها بنظرة دهشة من غرابة السؤال
    تابع قائلا : لذلك فقد وجد الآلاف يرحبون بخدمته عندما طلب منهم مساعدته في تأديب كريستيان
    قال عندما وجد علامات الاستنكار على وجهها : مدام، العرب هنا حياتهم صعبة ويعانون من مصاعب كثيرة وفي أحيان كثيرة يعاملون بعنصرية بغيضة، وقد يتعرضون لاعتداءات من بعض الأفراد أو الجماعات التي تتبنى الفكر العنصري وكراهية المهاجرين
    هم بحاجة لرجل قوي وقديم هنا مثل عمر الكيلاني ليحميهم ويساعدهم ويخفف عنهم مصاعب الحياة، حتى وإن خالف القانون أو عمل أحيانا بالأعمال القذرة
    لا تدري لم لم تحل كلماته محل التعاطف بداخلها، فتلك الحياة الغريبة التي عاشها ناجي ووالده هي بعيدة كل البعد عنها
    قال عندما وجد عدم الاقتناع على وجهها : لا يمكنك إدراك صعوبة الحياة في الغربة دون ظهر يحميك، أنا نفسي استفدت في أوقات كثيرة من علاقتي بعمر الكيلانى، أدين له بإنقاذي من مواقف صعبة كثيرة
    هنا كل العرب يحبونه ويقدرونه، بل يطلقون عليه (لِمْعَلِمْ)
    لا تلومي عليه فيما فعله بكريستيان، فلِمْعَلِمْ يجب أن يحمي ممتلكاته ويحمي كل من يستجير به
    هل حقا يحتاج العرب إلى قبضاي يحميهم؟!
    نفس السؤال الذي فرض نفسه على الثورة السلمية التي صارت أنهار دمائها الطاهرة تجري في كل ساحة وشارع على أرضها
    لم يكن فض ساحة الحرية (الساعة) هي آخر الدماء التي سالت
    بل كانت مجرد بداية لشلال الدم
    فبعد انتشار المظاهرات في كل ساحات المدينة، وبالخصوص حي الخالدية فقد صنع الأهالي مجسما خشبيا كرمز لساعة حمص الجديدة في ساحة الحرية بالخالدية
    وكان النظام يواجه المظاهرات بالقتل والرصاص الحي، والتنكيل والتعذيب والإرهاب لمن يقع بين يديه من الثوار السلميين
    فنشر في الطرقات الحواجز الأمنية ليتصيد بها الثوار، وبدأ سلاسل من الخطف في الشوارع للرجال والنساء على السواء
    وانتشرت فيديوهات مروعة لرجال الأمن وهم يعذبون المعتقلين وينكلون بهم بوحشية، ويجبرونهم على قول كلمة الكفر وإعلان الحاكم إلها من دون الله
    وكان استنتاج خالد أنهم ينشرون تلك الفيديوهات ويعلنون عن اغتصاب النساء في المقرات الأمنية حتى ينشروا الرعب بين الناس فيحجموا عن النزول في المظاهرات
    أما العم طلال فقد كان يعتقد أن الحاكم يسعى بجد لإشعال فتنة طائفية وحرب أهلية في البلاد
    فكل عمليات خطف النساء تمت في الأحياء التي يعيش بها الطوائف المختلفة جنبا إلى جنب، مما قد يفتح الباب للانتقام من الطائفة التي ينتمي لها النظام وحاشيته، فيقومون هم بالرد، فتُفتح أبواب عمليات ثأرية لا تنتهي
    لكن كل هذا التنكيل البشع لم يفت في عضد الناس ولا حتى إقحام الجيش في قمع المظاهرات، والقيام بعمليات عسكرية في الأحياء واقتحام حي باب السباع والحميدية لتأديب الأهالي وترويعهم
    بل كان كل ذلك يزيد من إصرار الناس على التمسك بمطالب الحرية وإسقاط النظام، فلا حل لوقف القتل والتنكيل والترويع إلا برحيل الحاكم الدكتاتور ونظامه المستبد
    بانتشار القتل والخطف والتعذيب والاغتصاب صار الناس لا يأمنون على أرواحهم وأعراضهم، وأصبح هاجس الجميع هو كيف يحمون أنفسهم ويحمون المظاهرات السلمية؟
    أصبح من الضروري والحتمي الدفاع عن النفس
    وفي ذلك الوقت برزت حالات انشقاقات في جيش الحاكم لضباط وجنود رفضوا الولوغ في دماء بني وطنهم، بعضهم هرب بعائلته للخارج وبعضهم انضم للثورة
    وصار كل ضابط وجندي منشق انضم للثورة، محط احتفاء واحتفال بالقبلات والأحضان من الثوار في ساحات الحرية، وازداد الأمل بين الناس بإمكانية إسقاط النظام
    ثم صارت المظاهرات التي تخرج تصاحبها لجان مسلحة للحماية والتأمين من لواء الضباط الأحرار الذين أخذوا على عاتقهم مهمة حماية المدنيين
    وكانت تلك اللجان رادعا مؤقتا للشبيحة وقوات الأمن الذين يهاجمون المظاهرات بالرصاص الحي يسمح للثوار بالانسحاب من مكان الخطر
    لكن، مع ظهور السلاح بأيدي الثوار، بدأ النظام في استخدام إستراتيجيات تنكيل وأساليب وحشية جديدة في التعامل مع الثورة
    حتى تم الإعلان عن أول تنظيم مسلح في الثورة السورية لحماية المدنيين في حمص
    كتائب الفاروق
    .................................................. ......................
    في كل يوم تزداد علامات الاستفهام حول ناجي، والآن حول أبيه
    من هو ذلك (لِمْعَلِمْ!) وأي أعمال قذرة كان يتورط فيها ليحمي من حوله من العرب!هل حقا كان يحيط نفسه بعصابة من المهاجرين غير الشرعيين والعاهرات كما قال لها كريستيان!
    وما الذي يعنيه بالعاهرات!
    هل يقصد الاتجار بالبشر! هل كان والد ناجي على علاقة بتلك الجريمة الشنعاء!
    نفضت رأسها بقوة وانتابتها قشعريرة باردة، كلما حاولت إبعاد نفسها عن ذلك الفضول القاتل لمعرفة ماضيه، تجد نفسها تنزلق أكثر في هذا الطريق
    وفي النهاية كانت مضطرة أن تستمع لنصيحة السيد مراد وتتقصى أخباره من الفرقة الغنائية التي رافقته لسنوات، على الأقل حتى تنفي احتمالية أنه ربما عاد إليهم
    طلبت من سائقها الخاص مرافقتها في الشوارع الخلفية في الأحياء الشهيرة بتواجد هؤلاء الفتية والشباب الذين اشتهروا بممارسة ذلك النوع من الغناء المسمى بالراب والهيب هوب
    كانت تتأمل الجدران المرسومة بألوان عبوات الرذاذ بكل أنواع وأشكال الكلمات والجمل والتي لم تفهم أغلبها لحداثة لغتها الفرنسية واقتصارها على المصطلحات الأكاديمية
    طلبت من سائقها أن يشرح لها ما ارتسم على الجدران، فتنحنح متحرجا وقال : عفوا سيدتي، فلن يسرك ما ستسمعينه، أغلبها سبابا وألفاظا بذيئة، والبقية تعبر عن التمرد والاعتراض
    هزت رأسها متفهمة، ثم قالت :هلا سألت عن ذلك الشخص الذي نبتغي الحديث إليه
    قال : اسمحي لي سيدتي، تجوالك في تلك الأماكن خطر، فلتتفضلي بالعودة إلى السيارة، وسأقوم بالبحث عنه
    بدا لها كلامه مقنعا، فعادت لتنتظره في السيارة حتى يتم مهمته
    كان المغني سنومي هو رفيق فترة الفتوة لجينا، حيث استطاعا تكوين فريق غنائي نال نجاحا لا بأس به بين الفرق الأخرى ويقوم بجولات فنية في جميع المحافظات، حتى خبا زهوه وتراجع فنيا بانفصال جينا
    استغرق البحث بعض الوقت حتى عاد السائق يرافقه شاب في الثلاثينات يرتدي ملابس أكبر من حجمه وقدرا كبيرا من الخواتم والسلاسل والإكسسوارات، ذكرتها مشيته المتراقصة بناجي، فأدركت أن طول المكوث في تلك الحياة الشاذة تضفي ببصمتها على أفعال الإنسان التلقائية في ظروف الحياة العادية
    قدم الشاب نفسه إليها قائلا : الزعيم سنومي
    سألته مباشرة : أين ناجي؟
    قال متسائلا : ناجي!! ومن ناجي؟
    فجأة تذكر : أها، تذكرت، جينا. مايتر جينا
    وما أدراني! لم ألتق به منذ أن تشاجرنا وعاد لوالده الغني
    مرر أصابعه على جرح قطعي قديم في جبينه وأطلق سبابا نابيا، ثم أكمل : بعد أن سرق جهدي لسنوات في تأليف الأغاني وإيقاعها، ترك الفريق ثم كون ثنائيا غنائيا مع طفلة
    رأيته يوما في إحدى الحفلات يرافق الطفلة وأمها
    امرأة بارعة الجمال، تستحق أن يترك الفريق لأجل رفقتها
    تشكل وجه أمل الجميل في عقلها، فاقشعر بدنها، وشعرت بالغثيان، وأرادت الهروب من المكان قبل أن تسمع المزيد، لكنها أجبرت نفسها على أن تسأل السؤال الذي قدمت إلى هنا لأجل إجابته : ألا تعرف أي شخص يمكنه أن يصل إلى مكانه؟
    صمت لحظة مفكرا، وهز رأسه على صوت طنين يصدره من حنجرته، ثم قال : شانتال، أمه
    قالت بحذر : أمه!!
    رد بابتسامة ساخرة : هكذا يقولون
    انقبض قلبها، فابتلعت ريقها بقلق وتساءلت : وأين أجدها
    قال : ستجدينها في مركز رعاية المسنين بعد أن اعتزلت مهنتها وفقدت قدرتها الصحية على مزاولتها
    شعرت بقلبها يوشك على التوقف عندما ألقى إليها بنظرة ماكرة وقال بلهجة مفعمة بالسخرية : شانتال عشيقة والده
    إنها عاهرة
    .................................

  10. #10

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,437
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة التاسعة
    (9)
    كل شيء في عقلها صار سراب
    فحقيقة الرجل الذي تزوجته يخالطها الوهم ويمتزج بها الارتياب
    وماضيه لا تعلم عنه شيء
    وعليها أن تجد إجابة للسؤال المصيري
    (من هو؟!)
    كانت تحاول أن تجد الإجابة في البيت الذي كان يحيا فيه قبل اختفاؤه
    في الأدراج والجوارير، في الخزائن والمكتبة
    في كل ركن يحتمل أن يخفي فيه أوراقا أو أي شيء يدل على هويته أو ماضيه
    لكنها لم تجد سوى صور
    صور فقط
    أغلبها صوره مع (لِمْعَلِمْ)
    أبيه عمر الكيلاني
    والقليل مع معارفه وأصدقائه، تعجز العين عن أن تخطئ تلك الرابطة المتينة التي تربطه بأبيه، حسب كلمات كريستيان فناجي لم يرث فقط ميراث مادي، بل ورث شخصية أبيه وأفعاله
    (أفعاله!!)
    رنت الكلمة في عقلها وأصابتها بالقشعريرة، وجعلتها تتساءل عن ماهية تلك الأفعال ومدى مشروعيتها وقانونيتها
    لم تتوقف اتصالات كريستيان ومراد بها، يريدون منها أن تحسم الأمر سريعا وتنهي الصراع الممتد، وتعيد المطعم إلى كريستيان، ولا ينفكون عن تقديم العروض لها بالتعويض بأغلى الأثمان، وفي كل مرة يتلقون نفس الرد
    (لا استطيع اتخاذ أية قرارات قبل عودة ناجي )
    كانت تبتغي بإجابتها ما هو أبعد من صرفهم عنها وإرجاء التصرف في الثروة التي تركها لها
    بل كان هدفها الأساسي هو حثهم ليبحثوا عن ناجي، ليسعوا بجد لمعرفة مكانه
    فكريستيان بعمله ومنصبه ومراد بمعارفه وأقدميته في البلدة قد يستطيعان التوصل لمكانه
    كانت تبحث بجد، تريد الحصول على اجابات للاسئلة الكثيرة التي تدور في عقلها، فذهبت إلى المسرح علها تجد هناك بعضا من الإجابات من العاملين فيه
    ولأول مرة تدخل إلى هناك، تتأمل كل شيء فيه
    ذلك المكان الذي كان ناجي يقضي فيه جل وقته في أيامه الأخيرة قبل اختفاؤه، وتمرهي به مرورا عابرا لا يعنيها ما فيه ولا تهتم بتفاصيله
    عندما وقعت عينها على خشبة المسرح تخيلته كعادته جالسا هناك ينتظرها ليصطحبها إلى البيت، رغم تعمدها التأخر في الجامعة وإن لم يكن هناك ما يشغلها
    تعجبت من تلك المفارقة العجيبة، فقد كانت تطيل الوقت لتبقى بعيدة عنه، وينتظر هو عودتها بصبر دون تأفف أو ضجر
    وفي لحظة تاق قلبها لذلك الاهتمام وتلك العناية التي كان يحيطها بهما
    استفاقت من شرودها على صوت يقول بتهذيب : مرحبا مدام لين
    التفتت إلى محدثها وحاولت أن تتذكر اسم الرجل الذي قدمه إليها ناجي يوما كصديق له ومتعهد لأعماله الفنية ومخرجا لحفلاته
    لكنها تجاوزت الاسم، وردت تحيته، ثم سألته السؤال الذي قدمت إلى هنا تأمل في الحصول على إجابة له
    لكن أمانيها خابت حينما قال بأسف : حقا لا أدري، لم أره منذ يوم الحفل، وهاتفه مغلق، ولا يفتح بريده على الانترنت
    قالت بحيرة : ولكن أين يمكن أن يكون قد ذهب!
    تنهد قائلا : ليتني أعلم، حفله الأخير جلب له عروض لحفلات غنائية غزيرة وجولات عديدة في أوروبا وأمريكا، عليه أن يرى كل هذا عله يعدل عن قراره
    تساءلت : أي قرار تعني؟
    قال بأسف : قرار اعتزاله، لقد كان حفله الأخير
    صدمتها كلماته، إذا فناجي كان مبيت النية على الرحيل، وكان هذا هو آخر حفل له!!
    لم لم يخبرها؟
    باحت له بحيرتها : ما الذي يضطر مغني ناجح لترك كل نجاحه وشهرته والاعتزال، بل والرحيل دون أن يترك خبرا لأحد عن مكانه!
    تنهد بأسف : لو عرفت لاسترحت
    رن هاتفه فنظر في شاشته وظهرت ملامح القلق في وجهه، لكنه أغلق الاتصال دون أن يجيب وانتبه لها
    ترددت قليلا قبل أن تسأله : هل كان ناجي يمارس أي نوع من الأعمال سوى الغناء وإدارة سلسلة المطاعم؟
    فوجئ بسؤالها، وتغير لونه، وسألها بضيق : عفوا مدام، هل تحدثت إلى أحد قبلي بخصوص هذا الأمر!
    طريقته في إلقاء السؤال أشعلت الريبة في قلبها، وعاد هاتفه يقطع الحوار، وعاد هو لإغلاقه بضيق، وقال معتذرا : المعذرة مدام لين، فأنا مضطر للمغادرة، طائرتي على وشك الإقلاع
    لا ادري ماذا سمعت عن ناجي، لكن إن اردت ان تحصلي على اجابات فتأكدي ان تبحثي عنها عند اصدقائه ومحبيه، لا أعداؤه
    قالت بلهجة متهكمة : مثل من!
    تجاوز لهجتها المتهكمة وقال بجدية : مثل مدام جانيت وصديقه بيتر
    أكمل بعجلة عندما رأى السخرية وعدم الاقتناع في عينيها : مدام، حاولي أن تستمعي لهما، فهما يعرفان ناجي جيدا
    قالت بضيق : تقصد ناجي أم مايتر جينا!
    ظهرت الصدمة في وجهه وعاد هاتفه يرن فأغلقه بعصبية وقال : ما كان عليك أن تصدقي أكاذيب ذلك الوغد سنومي
    قالت بقسوة : أية أكاذيب بالضبط، تلك المتعلقة بماضيه في الشوارع الخلفية، أم المتعلقة بشانتال! أم المتعلقة بأفعال والده المحاطة بالشبهات!
    تغير وجهه أكد لها ما كانت تخشاه
    قال بضيق : لولا أن سفري لعمل هام لتركت الطائرة تقلع وبقيت لأشرح لك من هو ناجي عمر الكيلاني
    ولكني أعدك بعد أن أنهي جولتي الفنية سآتي إليك بنفسي لأشرح لك كل شيء
    فقط لو أن مروان هنا لقص عليك قصة (لِمْعَلِمْ) والثعالب الثلاث
    قالت بخيبة أمل : لا داعي، فالأمر أوضح من أي شرح
    عاد هاتفه يرن فزفر بيأس : سيدتي، أرجوك أن تصدقيني
    كل ما وصلك من إشاعات عن ناجي وعمر الكيلاني هي محض أكاذيب
    قالت بحزم : من الصعب أن أصدق المبررات التي ستعدها جيدا للدفاع عنه، فأنت صديقه وشهادتك مجروحة
    قال بأسف : يا إلهي! كيف لم تتعرفي للآن إلى الإنسان الذي يحمل لك كل هذا الحب في قلبه!
    لا تستطيع أن تتجاهل أن الكلمة تركت أثرا عميقا في قلبها، نعم هي تصدق أن ناجي يحبها، بل إنه مغرم بها، شغفه حبها وسلبه ثباته واتزان تفكيره، وإلا ما كان ترك لها ثروته
    ولكن أوليس المجرم أيضا يحب، واللص يحب ؟
    أيشفع له الحب جرائمه وخطاياه؟
    حياة ناجي من قبلها محاطة بكثير من الشكوك عن طبيعة أعماله القانونية وغير القانونية
    كيف يمكنها أن تحسم أمرا كهذا وهي لا تدري شيئا عن ماضيه!
    فكرت لأكثر من مرة أن تذهب للقاء شانتال، لكن شعورها بالاشمئزاز من ماضيها حال دون ذلك
    مما ألقى في روعها سؤال، إن كانت هي تشمئز من مجرد التفكير في الالتقاء بعاهرة!
    فكيف كان يشعر ناجي عندما أدرك أنها أمه؟!
    هل تتهمه لماضيه أم تشفق عليه منه! فلا يسحق كرامة الرجل سوى أمه
    لكن في النهاية كان عليها أن تذهب إليها ربما تتوصل لسر رحيل ناجي والمكان الذي ذهب إليه
    ...............................
    عندما وصلت لين لدار العجزة التي تقيم فيه شانتال، أصابتها الصدمة، فما كانت تتوقع أنها سترى أمامها امرأة تشبه المومياء في نحافتها
    خد هضيم، عينان جاحظتان، عروق زرقاء بارزة، شعر ابيض خفيف
    كانت المرأة القعيدة على كرسي متحرك تحمل بقايا من جمال قديم طمس الزمن والمرض أغلب ملامحه
    وكانت ترافقها امرأة تقوم على رعايتها وإطعامها، عندما نظرت لين في وجهها انتابها شعور غريب بأنها تعرفها
    جلست لين أمام شانتال تتأمل ملامحها التي اكتست بمسحة حزن ونظراتها الشاردة، وحارت كيف تبدأ الحديث ومن أين
    لكن كان عليها أن تفعل ما قدمت لأجله
    قالت بارتباك : مرحبا مدام شانتال، كيف حالك؟
    تأملتها شانتال بصمت حتى أن لين ظنت أنها لم تسمعها، فنظرت للمرأة التي ترافقها وكأنما تسألها، فهزت المرأة رأسها بأن تستمر في الحديث
    ابتلعت ريقها وقالت : ناجي، أتعرفين ناجي؟
    حركت المرأة حدقتيها ونظرت لها، وشعرت لين بملامح وجهها تنبسط وتضيء بلمحة سرور رغم أنها لم تبتسم
    ظلت المرأة على صمتها، وحارت لين كيف تتصرف، لكن المرأة الأخرى طمأنتها : إنها تسمعك وتفهمك جيدا
    صمتت لين وانتابتها الهواجس، هل تخبرها باختفاء ناجي؟
    وماذا لو كانت المرأة المريضة لا تعلم عن هذا الأمر! هل تفزعها على ولدها وتفجعها فيه؟
    أيمكن أن تتحمل في حالتها تلك خبرا كهذا!
    المرأة كما هو ظاهر لها مسنة قعيدة لا تعي شيئا
    ولكن، هل هي أمه حقا!
    قامت من مكانها مغادرة، لكن صوت ضعيف استوقفها : أنت لين
    عادت لمقعدها ونظرت في وجه المرأة : نعم
    ابتسمت المرأة : عمر يحبك كثيرا
    داهمتها خيبة الأمل، فالمرأة وصلت لدرجة من الخرف عجزت معها عن التمييز بين الابن وأبيه
    مدت لها المرأة يدها المعروقة، فنظرت لها لين بتردد، وانتابتها القشعريرة
    شيء ما بداخلها يجعلها تشمئز من لمس امرأة كانت يوما تفعل الفاحشة في مقابل المال
    لكن ذكرى قريبة فرضت نفسها على عقلها أيقظت بداخلها بعض الشفقة تجاه المرأة المريضة
    أحيانا قد يسلب المرء الحرية في اختيار الطريقة التي يحيا بها
    شعرت بالألم يجتاح قلبها، فيوما ما كانت مجبرة على الاختيار بين السير في نفس الطريق أو الموت، ويا ليته كان موتها هي
    مدت كفها وأمسكت بيد المرأة التي ابتسمت لها
    هل يمكن لشخص كناجي يحمل في قلبه كل هذا القدر من الحنان أن يلقي بأمه في دار للعجزة مهما كانت خطاياها وهي على حالتها تلك!
    أم أن الأمور في فرنسا تختلف كليا عما تربت عليه في بلادها؟
    نهضت مغادرة تحمل خيبة الأمل فوق كاهلها
    ثم التفتت للمرافقة : أرجو أن تعتني بها جيدا
    ابتسمت المرأة : اطمئني، فالسيد ناجي أحضرني إلى هنا خصيصا لأجلها
    سيطرت على انقباض قلبها، وحرصت على أن تبقى ملامحها محايدة لا تظهر ما يعتمل في صدرها، فقد تعرفت أخيرا على المرأة التي أمامها والتي كانت تظن أنها رأتها من قبل
    فبمجرد أن سألتها عن اسمها تذكرت مدير المستشفى الذي طردها وهو ينطق اسمها أمامها باحتقار واللقطة التي شاهدتها في كاميرا المراقبة في المستشفى
    فالمرأة هي نفسها الممرضة التي طردت من المستشفى بسبب الفضيحة التي تسبب فيها ناجي
    ..................................................
    من الصعب حقا أن تنتبه لدراستها وقد سقطت في خضم من الحيرة، وبئر من الأسرار!
    كيف تستطيع التركيز وكل يوم تداهمها مفاجأة جديدة من مفاجآت ناجي!
    لكنها كانت تحاول فلا يوجد أمامها خيار آخر، عليها أن تدرس بجد وتبذل أقصى جهدها لتحقق حلمها
    يوما ما سيعود ناجي، وسيعيد حياتها كما كانت من قبله، وستصبح طبيبة كما أقسمت
    انتفضت منزعجة على صوت أحمد يصرخ بغضب : يلعن روحك يا حافظ على ها الجحش اللى خلفته
    التفتت تنظر، فوجدته يقف وإلى جواره رغد في الساحة وقد علت الكآبة ملامحها، وهو يعيد ويكرر (يلعن روحك يا حافظ على ها الجحش اللي خلفته)
    فهمت ما يحدث من أمينة، فرغد مهددة بسحب المنحة الدراسية على إثر تقارير أمنية عنها رفعت لأجهزة المخابرات في دمشق من الاتحاد الوطني لطلبة سوريا – فرع فرنسا
    الاتحاد الذي يتابع تحركات الطلاب الموفدين وهمساتهم وعلاقاتهم ويدعوهم الى تجمعات سياسية أو اجتماعية في المناسبات المختلفة، ويتنصت على أحاديثهم
    يقوم بإرسال تقارير إلى دمشق قد تتسبب بحرمان الطلبة المتعاطفين أو حتى من يلتزمون الحياد مع ما يجري من منحتهم الدراسية
    وكانت رغد ضحية احدى تلك التقارير الوضيعة
    رفعت وجهها باتجاه رغد وتأملت عينيها الدامعتين، والهزيمة التي كست ملامحها
    لم تندهش من الخبر، فذاك هو المتوقع
    فاتحاد الطلبة ما هو الا فرع من فروع الامن داخل سوريا وخارجها، يقوم بتجنيد بعض الطلاب ليكونوا أعين وأذرع لعناصر الأمن داخل الجامعات
    قبل الثورة كان عملهم التجسس ورفع التقارير، وبعد الثورة تم تسليحهم وتحولوا إلى شبيحة ليدخلوا الى الجامعة تحت سمع وبصر الحرس الجامعي، ويعتدون على الطلبة وأحيانا المدرسين
    يشهرون مسدساتهم كنوع من التخويف أو التباهي، وقد يتحرشون حتى بالطالبات
    تذكرت لين تلك الطالبة التي كانت في كلية الآداب واقتادها الشبيحة الى احدى غرف الكلية بشكل مهين، وقام زملاء دراستها بالتحقيق معها وضربها
    ثم سلموها الى أحد أفرع الأمن
    أيهم غزول الذي قتل على أيدي زملائه في الجامعة، وفي إحدى القاعات داخل كليته تحولت الى غرفة للتحقيق والتعذيب أيضا، ضربه زملاؤه حتى فقد الوعي وأصيب بنزيف داخلي في الرأس، ثم سلموه لأحد الأفرع الأمنية ليموت هناك متأثرا بجراحة
    تذكرت تلك الإحصائية التي أجراها اتحاد الطلبة الأحرار فرع حمص
    آلاف الطلبة والطالبات تم اعتقالهم من الجامعات لم يتم توثيق سوى 524 معتقل ومعتقلة
    أشعلت دموع رغد نيران ذكرياتها وهي تراقبها من بعيد
    تعرف هي جيدا طعم القهر والعجز وفقد الحلم
    تمنت لو تربت على كتفها أو تواسيها
    لكنها تعلم جيدا أنها بحاجة لشيء أكبر من التعاطف والمواساة
    بحاجة لحل جذري لمشكلتها
    حملت أغراضها وبمجرد أن التفتت خلفها حتى طالعتها نظراته المتوعدة وابتسامته القميئة المتشفية
    لم يكن لديها أدنى شك أن له يدا قذرة في مشكلة رغد، فهي أكثر من اكتوى من خسته ودناءته
    ........................................
    (انتبهي جيدا للثعلب الصغير)
    تلك الجملة الغريبة التي ودعتها بها شانتال لم تكن جملة بلا معنى من امرأة غاب عقلها خلف حجب الشيخوخة والمرض
    بل كانت جملة واعية لها معنى واضح، (فالصغير) هو بالتأكيد ناجي
    (والثعلب) ذكرها بكلمات صديقه سعد : (فقط لو أن مروان هنا لقص عليك قصة (لِمْعَلِمْ) والثعالب الثلاث)
    من هو مروان؟ ومن هم الثعالب الثلاث؟
    حسب ما قالته شانتال فناجي هو أحدهم!
    وماذا عن سعد ومروان؟
    لقد التقت سعد، وبقي أن تبحث عن مروان
    لم يطل أمد بحثها، بل كان الأمر أسهل بكثير مما توقعت، فالعاملين القدامى في المطعم يعلمون جيدا من مروان
    هو بالفعل ثالث الثلاثة الذين يطلق عليهم كل من عرفهم معا الثعالب الثلاثة
    ناجي وسعد ومروان
    عندما اتصلت برقم بيته لم يكن موجودا، لكن والده ووالدته لم يعارضوا عندما طلبت زيارتهما
    كان البيت يقع في نفس الحي الذي فيه مطعم ناجي
    فعمر الكيلاني أطلق اسم ابنه المدلل على سلسلة المطاعم التي بدأها في بلدة صغيرة على الساحل الفرنسي
    هكذا بدأ أبو مروان حديثه معها
    كان يستخدم سلسة المطاعم في الدعاية الانتخابية للرئيس الجديد وقت الانتخابات
    هز رأسه بأسف : لا أفهم كيف استجبت له ولأفكاره المجنونة! ما علاقتنا نحن العرب إن كان الرئيس من الحزب الاشتراكي أو من حزب الاتحاد!!
    لم نشارك يوما في أية انتخابات، وفي المرة الوحيدة التي استجبت فيها له وشاركت في انتخاب رئيس فرنسي
    شن حربا على دولة مسلمة بمجرد أن نجح
    لم يكن هذا هو السبب الوحيد لنقمته الشديد على عمر الكيلاني
    وعندما انتقل الحوار تلقائيا للحديث عن مروان ازدادت العدائية في لهجته : لقد أفسد ابنه بالتدليل الزائد، وكاد أن يفسد علينا أبناءنا
    مروان وسعد تحولا إلى فتيين جانحين منذ أن انضما لابنه المدلل
    الغريب أنه كأب في المهجر ما كان يجد غضاضة في تشجيعهم على الجنوح والشجار والتصرفات السيئة
    كانا يلتصقان به وبابنه ويقضيان معظم الوقت في مطعمه، فقد كان يستميلهما بأطايب الوجبات المجانية، ويملأ عقليهما بكلماته وأفكاره الغريبة! بل ويمنحهما مالا
    حتى وقع الثلاثة في المشكلات، وقضوا بضعة أشهر تحت طائلة القانون
    وكان علينا أن نجبر أبناءنا على الابتعاد عنه وعن ابنه
    خاصة بعد أن عرفنا من هي أمه
    عادت لها القشعريرة ، وشعرت فجأة برغبة تدفعها للدفاع عن ناجي : وهل يمكن أن يعاقب بذنب والديه!
    - مدام، وهل يمكن الوثوق برجل يلقي بأمه في دار للعجزة وهي في مرض الشيخوخة!
    عجزت عن الرد على منطقه، لكنه أكمل : حتى والده عندما مرض تركه عام كامل في المستشفى دون أن يراه، ومروان وسعد قاما بالدور المفترض أن يقوم به ابنه
    حتى أجبره مروان على العودة لأبيه
    حتى المحامي الخاص به سمعته ليست فوق الشبهات
    قالت تحاول أن تنهي الحوار : حسنا، أليس لديك أي فكرة إلى أين يمكن أن يكون قد ذهب؟
    قال بلا مبالاة : بمنتهى الصدق، لا أعرف، ولا أريد أن اعرف، كل ما يهمني ان يبقى بعيدا عنا، فمنذ أن عرفناه لم نسلم من الوقوع في المشكلات، وحياتنا صارت جحيما بسبب عمر الكيلاني
    لقد يسر لمروان أوراقا بشكل غير قانوني ليتركنا ويعود لموطنه الأصلي العراق
    لقد وضعنا تصرفه هذا في موقف حرج، فالجميع من حولنا ينظرون لنا بارتياب، يظنون انه قد ذهب إلى هناك لينضم للجماعات الارهابية في العراق
    .......................................
    كانت تتأمل وجوه عديدة داخل أحد الصور الخاصة بناجي والتي تزينت بإطار أنيق
    التقطت الصورة للمعلم وهو جالس على كرسي متحرك في مدخل إحدى المستشفيات وحوله الثعالب الثلاثة، كانت اعينهم تشع بالمحبة للرجل الكبير الجالس بينهم
    عمر الكيلاني
    ذلك الرجل الذي رحل وترك خلفه أطنان من الشكوك تدور حول شخصيته وأفعاله
    والأصدقاء الثلاثة الذين تفرقت بهم السبل بعد موته
    أترى الذي كان يجمعهم خير ام شر ؟
    .........................
    عندما طلبت أمينة أن تلتقيها، أصابها القلق من نبرة صوتها، فلم تكن تبشر بخير، ولم يتركها القلق طوال الفترة التي قضتها في انتظار إحضار السائق لها إلى المنزل
    ترى هل وجدت ما يسوء في أفلام الفيديو الخاصة بحفل زفافها!
    سقط قلبها في أقدامها عندما رأت ملامح وجهها التي تنطق بالفزع وتنبئها بشر مما كانت تتوقع
    كان أمينة تلهث بشدة والإثارة تتملك كل جزء فيها : لا أدري كيف أخبرك بالأمر، كنت على حق لرفض تلك الزيجة من البداية
    احترقت أعصابها وصارت رماد فهتفت بها : ما الذي وجدتيه في فيديوهات الزفاف ؟
    قالت بتوتر : عندما ترك ناجي المدعوين وانصرف لاستقبال بعض الشخصيات التي قدمت إلى الحفل
    هزت لين رأسها بقلق، فأكملت بسرعة : حسنا لقد رأينا صورهم واضحة في الفيديو، أحدهم كان وجهه واضحا بصورة لا تحتمل أي لبس
    عرفه صالح على الفور، فهو محامي شهير هنا تتداول الصحف والمجلات صوره وأخباره
    صمتت برهة لتسترد أنفاسها المهتاجة، فاستحثتها لين بقلق : ها!
    قالت : انه أحد رجال الأعمال الأقباط المهاجرين، انضم الى منظمة تعمل على بث الفتن وإشعال الطائفية في مصر، وشارك في الإعلان عن دولة قبطية انفصالية
    عجزت عن أن تحملها قدماها، فلاذت من دوار رأسها العنيف لأقرب مقعد لها
    - عليك أن تعلمي الحقيقة كاملة، هذا الرجل وأمثاله هم من المتآمرين على الربيع العربي
    بدا لها صوت أمينة كما لو كان قادما من قاع بئر عميق : وليس هذا فحسب، بل شارك في إنتاج الفيلم المسيء للرسول وللإسلام والمسلمين
    ...........................................

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية