صفحة 4 من 4 الأولىالأولى 1234
النتائج 31 إلى 37 من 37
Like Tree2Likes

الموضوع: رواية لحن العاصي بقلم / سامية أحمد

  1. #31

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,520
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة الثامنة والعشرون
    (28)
    استمرت لين في قراءة الكتاب، صفحة تجرها لما بعدها حتى استغرقها تماما، ونسيت النوم والجوع والعطش
    كانت السطور والكلمات تسحبها عالك آخر، عالم تألفه وتشعر به، لكنها لم تعيشه ولم تدركه الا في سنوات عمرها المتأخرة، وأدركت أنها وعمر الكيلاني يربط بينهما الكثير من الأشياء والذكريات برغم أنهما لم يلتقيا أبدا في هذه الحياة، كانت تقلب بين صفحات الكتاب تقرأ ما خطته يد عمر الكيلاني :
    نشأت أنا وجمال، في ظل دولة يحكمها قانون الطوارئ والمحاكمات العسكرية، ورئيسها لا هم له سوى تكوين جيوش من الأجهزة الأمنية القمعية التي تبقي على حكم الفرعون
    الوحدات وسرايا الدفاع والكتائب العمالية والكتائب الطلابية وفتيان على وفتيات على وجمعية الامام المرتضى والفرسان الحمر، وجيوش من المخابرات والمخبرين
    ودستور يتيح للرئيس البقاء للأبد والسيطرة على كل مقدرات الدولة وقمع أي صوت معارض بالمحاكمات العسكرية وقانون الطوارئ
    أما حماة الديار الجيش العربي السوري، فقد سيطر عليه الأسد وأعاد هيكلته وبنائه، وفق عقيدة عبادة القائد العظيم
    وصارت السجون ومراكز الاستجواب والأمن السياسي والمخابرات العسكرية هي الجحيم ذاته للأبرياء والمدنيين
    ولم يعد للشعب خيار سوى أن يموت بصمت في أقبية السجون أو يقاوم بكل ما لديه من وسائل
    ورفض جمال الصمت، وخاصة بعد أن مات أبوه تحت التعذيب في مراكز الاستجواب بلا تهمة ولا جريرة، ومن بعدها صار جمال انسانا آخر، اشتدت نقمتة على حكم البعثيين، وعلى النظام الجائر وصار يجهر بكلمات الانتقام بلا خوف، وكنت أتفهم نقمته وغضبه واستمع إليه بصبر حتى لا تخرج حمم كلماته لأحد غيري فتصل لآذان أحد المخبرين وعندها ستكون العاقبة كارثية
    لم يكن جمال وحيدا في رغبته الانتقامية ونقمته على النظام، بل كان أغلب الشباب السوري كذلك، فخرج من بين تلك الثلة التي أحرقها الظلم بعض من يمسك السلاح في وجه النظام، وسموا أنفسهم باسم الطليعة المقاتلة، وتركزت عملياتهم الانتقامية في اصطياد رجال النظام والمخابرات ممن عرف عنهم شدة البطش بالناس والفجر في التعذيب والقتل
    وبعد عملية مدرسة المدفعية التى قتل فيها حوالى ثلاثمائة عسكري وقام بها أفراد من الطليعة المقاتلة وعسكريين من جيش الأسد، توحش النظام على الشعب بأكمله، وانتقم من كل من طالته أذرعه الأخطبوطية، ووجه التهمة لجماعة الاخوان المسلمين التي كانت تعلن رفضها للعنف، وتقوم بتزعم الاحتجاجات السلمية والعمل المدني والخيري في المساجد والنقابات العلمية، وانتقم منهم، وقتل أكثر من سبعمئة من المعتقلين في المجزرة الشهيرة في سجن تدمر والتي لا يعرف حتى الآن عدد ضحاياها على وجه الدقة، فقد دخلوا جنود النظام على المعتقلين في الزنازين وقتلوهم بوحشية
    وكان ذلك بعد محاولة فاشلة لاغتيال الأسد، أعلنت الطليعة المقاتلة مسئوليتها عنها
    ثم بدأت بعدها حمامات الدم والمجازر المرعبة فعليا، فلم ينتقم النظام فقط من جماعة الإخوان المسلمين، بل شمل الانتقام كل طوائف المعارضة على اختلافها، بل وامتد للتنكيل بالأبرياء من المواطنين الذين لا علاقة لهم بالسياسة ولا المعارضة
    كان جمال متحمسا للغاية لكل ما يفعله تنظيم الطليعة المقاتلة، ويرى أن وحشية النظام لا يردعها إلا السلاح
    وكنت عكسه، أرى أن الاحتجاجات السلمية والإضرابات الشعبية تأثيرها أكبر، وأن حمل السلاح لن يجلب الا مزيدا من الدم ولن يردع النظام بل سيزيد من وحشية انتقامه
    لذلك كنت أوافق أستاذي حامد الكيلاني، في كل آرائه وأتتبع خطاه في المعارضة السلمية وتوعية الناس في الجامعة والمساجد
    كان عام ١٩٨٠ هو الأشد وطأة على الناس في طول البلاد وعرضها
    ، فقد اشتدت وحشية النظام، وقام بالعديد من المجازر في محافظات سورية المختلفة، ولم يستطع الشعب البقاء صامتا أمام تلك الوحشية والتنكيل البشع، فقد كنا نجتمع في المساجد والنقابات المهنية نتناقش ونتدارس ما يمكن أن نفعله، واتفق الناس على إعلان مطالبهم التي تتلخص في رفع حالة الطوارئ، والغاء المحاكم الاستثنائية وتفعيل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واستقلال السلطة القضائية، واجراء انتخابات نيابية حرة
    ثم اتفقوا على اعلان الاضراب العام في كل الأراضي السورية، فأضربت النقابات وأغلقت الأسواق وتوقفت الحركة في المدن والأرياف
    وخرجت المظاهرات الحاشدة في طول البلاد وعرضها تعلن تضامنها مع المطالب التى طبعت وانتشرت في كل البلاد
    فكان الرد من النظام بحل النقابات العلمية وفروعها ومؤتمراتها، واعتقال أعضائها، واعتقال عدد كبير من أساتذة الجامعات والمدرسين والمحامين والأطباء والصيادلة، وآلاف من طلبة الجامعات والمدارس الثانوى
    وكنت واحدا من الذين ذاقوا البطش والاعتقال على يد النظام، وكان الرعب الذي سببته لكل العائلة وخاصة أمي سببا في تراجعي بعد خروجي من المعتقل عن الإنخراط في الاحتجاجات
    وخاصة وأن النظام قد قام بتمشيط الحي بأكمله بحثا عني، وأخذوا والدي لبعض الوقت وقامت عناصر النظام بسرقة كل مدخرات أمي وذهبها
    أما أستاذي عمر الكيلاني فقد تم اعتقاله بالطبع
    ومن بعد ذلك اليوم أمرني أبي بترك كل ما له علاقة بالاحتجاجات وعدم الجهر برأيي في أي شيء، فأنا الكبير الذي سيعتمد عليه في مساعدة العائلة وقد بدأ أبي عهد الكهولة
    فأطعته مستسلما بعد أن خسرنا كل مدخراتنا
    لكن النظام لم يتوقف، بل استغرق في عمليات حصار وتمشيط المدن والتنكيل بأهلها مرات ومرات، فحماة وحدها تم تمشيطها تسع مرات، حتى اعتاد الأهالي حملات المداهمة وحصار الأحياء فعلموا أولادهم التنبيه على بعضهم بإطلاق النداءات وقرع الأبواب قبل إحكام تطويق الأحياء
    وكانت أخبار المجازر البشعة تصلنا من كل مكان على أرض سورية
    فمن مجزرة جسر الشغور، إلى مجزرة قرية كنصفرة، ومجزرة سوق الأحد بحلب، ومجزرة سرمدا، ومجزرة حي المشارقة، ومجزرة بستان القصر
    حتى النساء لم يرحمهن، ونكل بهن أشد التنكيل، فقد كان يعتقل النساء من أمهات وأخوات الملاحقين، ويلقى بهن في سجن تدمر، ثم جمع الجنود مئة وعشرون امرأة من السجن وحفروا لهن أخدودا في الصحراء وساقوهم إليه ثم أطلقوا عليهن النار ليسقطن جميعا فيه، وأهالوا عليهن التراب فمن لم تمت بالرصاص وئدت تحت التراب
    أما في حماة فقد كان التنكيل شديدا، والبطش عنيفا ولم تهنأ بيوم دون دماء، فقد تم حصارها وقطع عنها الكهرباء والماء وتم تمشيطها وتفتيشها بيتا بيتا، بحجة البحث عن الملاحقين، لكن في الحقيقة أنها كانت عمليات انتقامية من النظام وفي كل مرة يقوموا بقتل عددا كبيرا من أعيان وأهالي المدينة ويعتقلوا المئات
    وفي إحدى المرات قامو بمجزرة بشعة وقتلوا ثلاثمئة وخمسة وثلاثون من أهلنا، وألقوا بجثثهم في الشوارع ولم يسمحوا بدفنهم إلا بعد عدة أيام
    وكان منهم أستاذي عمر الكيلاني، الذي لملمت جثمانه بعد أن مثلوا به وشاركت بدفنه
    عجزت لين عن تحمل المزيد، فأغلقت الكتاب وانسكبت دموعها مدرارا، فكل ما يحكي عنه عمر الكيلانى تصدقه بكل كيانها رغم أنها لم تره رأي العين
    بل رأته بالفعل
    فهو لا يختلف كثيرا عن السنوات الأولى للثورة والتي كابدت أحزانها ورأت فيها وحشية النظام واجرامه
    فالابن ثمرة الزقوم لأبيه، شيطانان من قعر الجحيم
    انخرطت في البكاء والنحيب بعد ما حاصرتها الذكريات، ذكريات رأتها وذكريات يحكيها عمر الكيلانى
    لكن عقلها أراد أن يتخفف من وطأة كل تلك الآلام فاستدعى تلك الصورة التي تهرب إليها كلما حاصرتها الوحدة واستبد بها الألم
    ناجي
    كم تحتاج إليه، كم تتمنى سماع صوته ليؤنسها ويخفف عنها وحدتها
    فتحت الكمبيوتر المحمول واستعرضت الفيديوهات التي أعطاها إياها سعد، واختارت منها الحفل الذي قدمه ناجي في غزة، واسترخت في مقعدها تنصت لصوته العذب الذي غاب عنها طويلا، وفي عقلها برز سؤال
    ترى كيف كان يشعر وهو يقرأ مذكرات أبيه ويتعرف على قصته المؤلمة؟
    ............................................................
    لم تمر عليه يوما أوقات كان فيها أشد وحدة منه الآن
    حتى وقت انفصاله عن أبيه، لم يكن وحيدا، كان يشعر به في كل مكان حوله، كان يعلم يقينا أنه إذا ما احتاجه سيجده على الفور، كان يعلم أنه إذا ما ذهب إليه فسيسامحه دون عتاب وسيجد متسعا في قلبه الكبير ورصيد من المحبة لن يحظى به في أي مكان آخر
    لكنه الآن صار وحيدا، لن يستطيع أن يناديه، ولا أن يراه أو حتى يستمع إلى صوته
    لم يتبق منه سوى ذكريات، يجاهد كي يحتفظ بها في قلبه ويستدعيها كلما حاصرته الوحدة بقسوتها
    لقد قرأ مذكراته سطرا سطرا، وعلم قصته الحقيقية
    كم تألم في حياته الطويلة! كم عانى من الظلم واكتوى بنيرانه
    لم يستطع عمر الكيلاني أن يتكلم ويحكي الا بعد أن رأى بذور الحرية تغرس في الأراضي السورية، لطالما بقي قلبه أسيرا مكبلا مكمما لعشرات السنين
    لكن الثورة أحيت أملا مات في قلبه يوم أن اجتث من أراضيها
    أخذت الذكريات تتداعى لرأسه ويتذكر ما كتبه عمر الكيلاني في مذكراته :
    أستطيع أن أتخيل الآن مشاعر جمال عندما استلم جثة والده وعليها آثار التعذيب الوحشي بعد أن رأيت جثمان أستاذي حامد الكيلاني بعد أن مثلوا به
    أستطيع أن أستشعر مشاعر الرغبة في الانتقام التي تأكل كبده وتبقيه دائما نكدا مهموما، تفور غضبته وتثور ثورته في كل حين ويجهر بكلمات الحقد على النظام ولا يخاف من أن يسمعه أحد
    أما أنا فقد كنت أخاف
    لم يكن جمال مكبلا مثلي بوعد لأبي أن أتولى مكانه وأحمل مسئولياته إن حدث له مكروه، فجمال ليس الابن الأكبر مثلي، له إخوة أكبر منه يحملون ذلك الهم، لذلك فلم يكن يبالي بالجهر بالعداوة للنظام
    أما أنا فلساني مكبل، وروحي سجينة، فأبي لن يتحمل أن أصبح ملاحقا أو معتقلا أو قتيلا ممزق الأشلاء على الطريق إذا ما أفلت بعضا من الغضب الذي يحرق صدري بكلمات تعادي ذلك الحكم الجائر
    وفهمت أمي ما بي، فأدركت بفطنتها أن نجاتي تكمن في شغل عقلي وإلهاء قلبي عما حدث ويحدث وابعادي عن تلك الأفكار السوداء التي ستجلب لبيتنا المصائب على حد قولها
    كنت أحب شجاعة جمال وأعجب بإقدامه وأتمنى أن أكون مثله، والأكثر من هذا، كنت أرى فيه فارس جرح قلبه العشق، فبرغم أنه لم يقدم على التحدث إلى زهرة أبدا، أو اطالة النظر إليها، فقد كان يرعى حقوق الجار ويستحي من الله، لكن قلبه كان معلق بها منذ أن كانت طفلة كما صارحنى بذلك مرات عدة
    كم تمنيته زوجا لزهرة، فمن سواه سيكرمها ويحملها في قلبه!
    لكن الصبية الجميلة المدللة لها رأس يابس كالحجر، لم تفلح محاولاتى ولا محاولات أبي وأمي في إقناعها بقبول جمال
    وكان على أن أفعل ما بوسعي لأواسيه وأخفف عنه الصدمة بعد أن أبلغته برفضها القاطع
    وفي يوم العطلة ذهبت العائلة للنزهة إلى حديقة أم الحسن كما نفعل دائما في أيام العطلات، وبذلت جهدا مضنيا لأقنع جمال أن يأتي معي كما اعتدنا منذ الصغر لنقوم (*بالنكسات) في منطقة باب النهر
    وأي متعة في الحياة كالقفز من جوار الناعورة والغوص في العاصي، ثم التعلق بالدولاب الكبير وهو يدور ويرفع الماء من أسفل لأعلى لأرتفع معه إلى السماء، حتى أصبح في أعلى دولاب الناعورة، فأقفز من فوقه محلقا في السماء لثوان قبل أن أغوص مجددا في العاصي
    كل ذرة في أجسادنا شربت من مياة العاصي حتى ارتوت، كانت تلك النكسات تشفي صدورنا وتزيل همومنا وتمسح عنا أحزاننا، إلا هذه المرة
    لم يستطع جمال أن يضحك أو حتى يبتسم، وكأنما تآمرت عليه الأحزان وسقته من شرابها المرير
    حاولت أن أواسيه، فلم أستطع، فقد كان حزينا صموتا، يرد باقتضاب إن ألححت عليه في الكلام، ولم أجد بدا من دفعه من فوق السور ليسقط في المياة بعد أن كان رافضا في البداية أن يقرب الماء أو أن يشاركنى ما اعتدنا عليه، لكننى أجبرته بتلك الدفعة على الخروج قليلا من همومه، ثم قفزت خلفه، وغسلت مياه العاصي بعضا من أحزانه، وأخذنا نستمتع معا بالنكسات من فوق دولاب الناعورة، حتى قال لي أخيرا : مصطفى، أنت أفضل صديق لي في هذا العالم
    انشرح صدري لكلمته واطمأن قلبي أن ما فعلته زهرة لن يؤثر على صداقتنا سمعت صوت عمر يناديني قادما من جهة الحديقة، فأسرعت إليه فقال : أمي تريدك أن تلحق بها عند جسر الشيخ
    قلت وقد ساورني بعض القلق وقد كنا نعاني من مداهمات جنود النظام المتكررة : أحدث شيء! هل الجميع بخير؟
    جميعنا بخير، ولكنها أخبرتني أن أناديك لتلحق بها عند جسر الشيخ
    لم أستطع سوى أن أطيع، وأنا أكثر من يعلم كيف هي أمي عندما تغضب إذا لم أفعل ما قالت، فأسرعت مع عمر إلى جسر الشيخ، بملابسي التي تقطر منها المياه، وخصلات شعري الملتصقة ببعضها على جبيني، ودون حتى أن أنتعل حذائي
    وصلت إلى الجسر بخطوات سريعة وعمر يهرول بجواري ليلحق بساقاي الطويلتين، ومن الجهة المقابلة على الجسر رأيت أمي قادمة تتهادى وهي تضحك والبشر والسعادة يكسو وجهها، لكنها لم تكن تضحك لي، بل لم تنظر حتى نحوي
    كانت تضحك لفتاة من عمر زهرة أختى تقريبا، تعلقت بذراعها وهما يتبادلان الحديث الضاحك الودود، وثالثتهما امرأة من عمر أمي
    وقفت في مكاني عاجز عن الحركة، لا أستطيع التقدم، ولا أستطيع الهروب، فلقد أدركت على الفور المؤامرة التي تحيكها أمي، فالمرأة التي تسير معهما بالتأكيد هي صديقة طفولتها التي تقطن في حي الكيلانية، والفتاة التي تتوسطهما هي ابنتها التي طالما حدثتني أمي عنها، وطلبت منى مرارا أن أذهب معها لرؤيتها
    كان عقلي يحثني على الهرب في تلك اللحظة، لكني لم أستطع، فقد تسمرت أقدامي في الأرض وأصابت جسدي رعشة غريبة عندما رأيت وجهها المستدير كالبدر، وابتسامتها الحيية
    يتقدم الثلاثة باتجاهي، وهيئة الفتاة تزداد وضوحا في عيني، وينكشف لي شيئا من روحها وأخلاقها، فهي تغطي شعرها وترتدي ملابس محتشمة، وأدركت أن أمي تفهمني وتعرف ما أبتغيه أكثر من نفسي
    وندمت أنني لم أقبل على الفور بتلك التي اختارتها لي أمي من قبل أن أراها، وصددت عنها صدودا، وتهربت من لقائها بكل الطرق، حتى أوقعتنى أمي اليوم، وساقتني دون أن أدري إلى قدري بمؤامرة لطيفة، وتواطؤ ماكر مع صديقة طفولتها
    كنت أتأملها مسحورا وقد ذهلت عن العالم، حتى تسلل جمالها الهادئ لقلبي، واحتلت روحها اللطيفة وجداني، ولم أستفق من تلك الحالة التي تملكتني إلا على أمي وهي تناديني بصوت فشلت في صبغه بصبغة جادة، ولم تنطلي علي محاولاتها الجاهدة لتخفي ضحكاتها الماكرة وسعادتها الغامرة بنجاح خطتها
    فقد أدركت من اللحظة الأولى التي رأت فيها عيناي معلقتان بالفتاة أنها نالت إعجابي، وحظيت بمكانة في قلبي
    لكني أشفقت على الفتاة عندما أدركت أنها انتبهت أخيرا لأنها وقعت ضحية المؤامرة مثلي ولكن بعد أن صرنا متقابلين وجها لوجه وفوجئت بي أمامها أنظر إليها طويلا، فصمتت تماما واختفت ضحكتها وحل محلها الارتباك والتوتر، واحمر وجهها بشدة حينما هتفت أمي بصوت مثلت فيه المفاجأة ببراعة : مصطفى!! لقد انتهيت مبكرا من نكساتك!
    انتبهت أخيرا إلى مظهري الذي لا يسر، فأول مرة تراني فتاة أنتوي خطبتها، تراني وأنا مبلل من أصابع أقدامي لشعر رأسي وبقميصي الداخلي، وحافي القدمين !! لا أدري من كان فينا الأكثر خجلا من الآخر، فالفتاة كانت تتململ لا تدري أين تهرب بوجهها وقد أغرقها الخجل وقد أطبقت أمي على يدها كي لا تهرب، ولكنها سحبت يدها أخيرا من يد أمي والتفت مهرولة دون أن تنطق باتجاه الكيلانية وأمها تناديها وتلحق بها وهي تضحك
    حميدة
    كان اسمها يرن في رأسي يعيد من جديد صورة وجهها المشرق وابتسامتها الحيية في عقلي مرات ومرات، وأمي تضحك وتحادثني بكلمات لم أعي منها حرفا، فقد كنت متسمرا في مكاني أنظر للطريق الذي رحلت منه وقد هرول قلبي خلفها
    لم أرد عليها سوي بكلمة واحدة أطلقت ضحكات السعادة من صدر أمي
    متى سنتمم الخطبة؟
    أدركت بعدها كل ما كان يعتري جمال من مشاعر القلق واللهفة والانتظار والخوف عندما كان يتقلب على جمر النار منتظرا رد زهرة على طلبه
    فلأول مرة تتفجر في قلبي مشاعر الرغبة واللهفة والشغف نحو فتاة
    ودعوت الله ألا أكابد ذلك الألم الذي يعانيه وتلك الخيبة التي يعجز عن التخلص منها حتى الآن، إذا ما رفضت حميدة القبول بي
    فما عرفته من أمي أن حميدة أيضا كانت ترفض لقاء أي خاطب يتقدم إليها، فما كان من أمها وأمي إلا تدبير تلك الخطة ليرى كل منا الآخر
    لم أصدق نفسي عندما أبلغتني أمي بموافقة حميدة على الخطبة، ونجحت أمي بالفعل في توجيه عقلي إلى منطقة أخرى بعيدا عما يحدث في البلدة في تلك الآونة، فصار قلبي معلقا بها، ينتظر بشوق اليوم الذي سيجمعني بها بيت واحد
    وأرادت أمي أن تحدد موعد للزيارة لروية الفتاة التي صرت أعتبرها خطيبتي في بيتها
    لكنني اعترضت، وطلبت منها أن ننتقل مباشرة لخطوة (*فصل نقد) العروس، ونحدد في نفس الجلسة موعد كتب الكتاب
    لم تتخيل أمي أن ابنها الأكبر الذي كان عصيا على الزواج سيتحول كل هذا التحول ويصبح متعجلا ليوم كتب الكتاب
    ورأيت أنه لا داعي للتأخير، فأبي منذ فترة وهو يجهز لي غرفة في البيت لتصبح سكنا لي مع عروسي، لكنني لم أكن مهتما بكل هذا من قبل أن ألتقي حميدة
    وكانت سعادتي عظيمة عندما وافقت حميدة
    وتحققت سعادتي الغامرة بأن صارت حميدة عروس لي
    الآن فقط بعد كتب الكتاب أستطيع أن أنعم بصحبتها، أن أتحدث إليها، أن أستمع لصوتها العذب
    اصطحبتها لنزهة في حديقة أم الحسن، لكن ما كدر على أوقاتي هو أننا لم نكن وحدنا، فالتقاليد تفرض على اصطحاب أحد معنا، ولم أجد سوى زهرة المشاكسه، الآن أنا بحاجة إليها فلا أستطيع الخروج مع عروسي بدونها، وهي تجيد ابتزازي، وتنتهز الفرص للانتفاع من حاجتى إليها
    أخ يا جمال، لو أن تلك المشاكسة قبلت بخطبته لما ركبت فوق رأسي
    لكن، سعادتي الغامرة بحميدة لم تستطع إفسادها تلك المشاكسة النكدة التي تتدخل بسماجة في كل حديث بيننا
    وأخيرا تحدثت حميدة عن نفسها وحيائها يذوب قطرة قطرة، وتقارب قلبينا وأدركت أنها تحب الكثير من الأشياء التي أحبها، وتحب قراءة الشعر وتحفظ الكثير من الأشعار، ولم أتركها ترحل إلا عندما ألقت على بعض أبيات الشعر، وأعدتها إلى البيت وتركت قلبي هناك، وعدت الى بيتي أصطلي بنار الشوق واللهفة للقائنا القادم
    ولم يخف حالي عن عيني أمي، بل سعدت أيما سعادة واستبشرت بزواجي، وقرت عينها، فابنها البكري سيستقر ويبتعد عن المشاكل
    ليت الأمر سار على هواها، لكن الأمور ساءت بسرعة عجيبة، وتردت الأوضاع بشكل لم يتوقعه أحد
    وذلك بعد أن تم تعيين رفعت الأسد شقيق الرئيس آمرا عرفيا لمنطقة دمشق وحلب وحماة
    عندها فقط أدرك أهالي حماة أن الجحيم على وشك الاندلاع
    فقد كان رفعت الأسد يتمتع بوحشية وسادية لا تقل عن وحشية هتلر وستالين، بل انه كان يتخذ من ستالين مثلا أعلى وهو يستشهد به في خطابه عام ٧٩ في مؤتمر حزب البعث أن ستالين قضى على عشرة ملايين انسان في سبيل الثورة الشيوعية
    وكذلك أعلن رفعت الأسد في غير ذات مرة بأنه سيبيد أهل حماة، بل سيجعل المؤرخين يكتبون أنه كان في سورية مدينة اسمها حماة
    فأتى ب ١٢ الف جندي من سرايا الدفاع واستولوا على عشرين موقعا في السوق وعشرة في الحاضر وأقاموا أمامها الحواجز الثابتة
    وانتشرت الدوريات المكثفة في كل مكان حتى صارت البلدة أشبه بثكنة عسكرية تعيش في رعب وتبيت على حظر التجوال
    واعتادت القوات استهداف وتطويق المساجد يوم الجمعة واعتقال العشرات منها
    فتخرج النساء من بيوتهن بعد الصلاة إلى المساجد لتفقد رجالهن والاطمئنان عليهم اذا ما تأخروا في العودة
    ولقد فعلتها حميدة مرة بعد أن أخبرتها أمي أنني اعتقلت من قبل، فانطلقت إلى الجامع ووقفت تنتظرني دامعة العينين مرتجفة القلب
    لكنها لم تكررها ثانية عندما استشعرت غضبي وضيقي من خروجها وحدها لتبحث عني، فما كنت لأتحمل أن تتعرض لأي مضايقات من عناصر الشرطة أو القوات
    ولم تسلم الكنائس ولا المسيحيين من الإيذاء، فقد ضربت القوات صليب كنيسة العذراء بالسلاح فانكسر، ونهبت الكنائس، وأهانوا مطران حماة حتى اضطروه للهجرة إلى أمريكا
    بل كانوا لا يفرقون عند مداهمة البيوت ما بين بيت مسيحي وبيت مسلم ولا تسلم بناتهن من التعرض للتحرش من قبل القوات
    وصار التنكيل بالمواطنين وإذلالهم في الشوارع والطرقات بحجة تبديل البطاقات الشخصية
    فيوقفون المواطنين على الحواجز الثابتة والطيارة ويعملون على إهانتهم وإذلالهم، وخاصة المسنين والنساء، ولقد تعرض أبي يوما للإهانة على أحد الحواجز، وكدت أشتبك معهم، لكنه توسل إلى ألا أفعل وصمت إكراما لخاطره ولكي لا يتمادون في إهانته وإيذائه، ويومها عدنا إلى البيت سالمين بمعجزة
    بل وصل الأمر لتطويق حي بأسره واخراج أهله من بيوتهم ونهبها وسرقة ما فيها، والتحرش بالنساء أمام رجالهن وأولادهن، والتفنن في إذلال الرجال أمام نسائهم، بل وإجبارهم على الركوع لصورة حافظ الأسد والهتاف له تحت تهديد السلاح، وكرروا الأمر في كل حي يدخلونه
    حتى ثار الأهالي عليهم في بعض المناطق وتصدوا لعدوانهم وقتلوا بعضا منهم انتقاما مما لحقهم من أذى وإذلال
    فلجأ النظام لوسيلة قذرة لتأديب الأهالي وجعلهم عبرة لغيرهم، فكانوا يفجرون البيوت بالديناميت بقذارة فجة وخصومة فاجرة، ويدعون بأن أهل البيت لهم صلة بالإخوان، أو أن لديهم تقارير من عملاء بأن أحد المعارضين يتردد على البيت
    ويقومون بالتفجير دون أن يحذروا السكان المجاورين أو يتركوا لهم الوقت الكافي لإخلاء بيوتهم التي قد تتضرر أو تنهار من أثر التفجير
    بل قد يطلقوا عليهم النار لأنهم لم يشوا بجيرانهم ويبلغوا عنهم
    وقر في روعنا كشباب أن هناك أمر يدبر لحماة، وأن تجمع تلك الحشود الرهيبة من عناصر الجيش التي جمعوها فيها ما هي إلا تمهيدا لعمل إجرامي سيقوم به نظام الأسد ضد أهالي المدينة
    فقد حاصرت المدينة حشود ضخمة من قوات سرايا الدفاع واتخذت لها العديد من المراكز في الملعب البلدي ونقابة المعلمين ومعهد الثقافة الشعبية وغيرها، والمخابرات العسكرية، والمخابرات العامة والوحدات الخاصة، والشعبة السياسية والكتائب الحزبية المسلحة واللواء ٤٧ المدرع
    كان الأمر يشي بحرب حقيقية يستعد لها نظام الأسد بعد أن قطع كل الطرق التي تصل حماة بما حولها بتمركز قواته فيها
    وأدركنا أن هدفه هو قطع صوتنا عن العالم، أو قطع العالم عنا وحصار حماة بأكملها
    ولم يعد بإمكاننا الوقوف مكتوفي الأيدي ضد كل ما يحدث لمدينتنا وأهلنا
    فالتقيت جمال واتفقنا على أن ننضم لأفراد المجاهدين الملاحقين والمختبئين، فتواصل مع صديق له ووجدنا الكثير من شباب حماة مثلنا يبادرون بحمل السلاح والانضمام للمجاهدين للدفاع عن المدينة
    ولم نكن لحاجة لتدريب فقد كان سهلا علينا استخدام السلاح، فقد تمرنا على استخدامه في العسكرية
    انتشر الخبر بين أهالي حماة ودعت المساجد الشباب للدفاع عن البلدة، وتجمع الكثير من الشباب في المسجد وحملوا السلاح وانتظموا في لجان ليدافعوا عن أحياء المدينة
    ورابطت أنا وجمال في حي البارودية دفاعا عن بيوتنا وأهلينا، ووقف أخي عمر يمارس عمله مع رفقائه ممن هم في مثل عمره بالوقوف فوق أسطح المنازل ومراقبة الطرقات والأزقة واكتشاف أي هجوم مباغت ليرسلوا لنا إشارات التنبيه لنستعد للهجوم
    كانت الليلة طويلة ومرعبة
    لكن صورة حميدة كانت تلح على عقلي وتغزو قلبي، وداهمني الخوف ألا أراها مجددا، فاشتعلت نفسي اصرارا أن أراها الآن، وحاول جمال أن يثنيني عن ذلك، فكيف لي أن أترك موقعي، واحتمال أن يداهموا البلدة يتزايد باطراد مع دخول الليل، وكيف سأجتاز كل هذا الطريق لأصل إلى حي الكيلانية!!
    لكنه استسلم أخيرا لإصراري، فمن مثله اكتوى بنيران الحب ليتفهم ما أشعر به!
    وانطلقت متسترا بالليل، محتميا بالأزقة والبيوت القديمة بعيرا عن أماكن تمركز القوات حتى وصلت إلى بيتها
    وقفت أمام البيت لا أدري ماذا أفعل، هل أطرق الباب، أم أنادي! وقد كان المكان غارقا في الهدوء بعد أن أوى الجميع لبيوتهم، وجمعت النساء أولادهن كي لا يصيبهم مكروه في تلك الليلة المرعبة، وغادر الشباب للاستعداد والمراقبة
    لكن باب البيت فتح ببطء، وأطلت هي من فرجته، فتقدمت منها تسبقني لهفتي إليها، ودخلت وأغلقت الباب ووقفت تتطلع إلى بصمت، وعلى ضوء خافت قادم من نافذة البيت، رأيت عينيها الدامعتين، وأدركت أنها كانت تبكي من صوت أنفاسها المختلطة بالنشيج، كانت حميدة تنتظرني خلف النافذة الخشبية وقلبها ينبئها بأنني سآتي محمولا علي أجنحة شوقي إليها، منقادا للوعة قلبي، وعندما رأتني هرولت لتفتح لي
    كلانا يدرك بأن هناك أمر جلل سيحدث تلك الليلة، كلانا يستشعر الخوف في قلب رفيقه
    وقفت أمامها صامتا أملأ عيني من جمالها وأشبع قلبي من طلتها، أستمع لصوت نشيجا وأعد قطرات الدمع التي تتواتر على خديها، أمسك على قلبي حجر وإكبل مشاعري بسلاسل من حديد كي لا أضمها لصدري
    رؤيتها لم تزيدني إلا شوقا، ولم تروي قلبي بل زادته حريقا، فرؤيتها حزينة تبكي زادتني ألما فوق ألم وهما فوق هم
    حاولت أن أقول كلمة، لكن أنى لكلمات الأرض كلها أن تعبر عما أشعر به الآن
    وكيف لذلك الحب أن يرتوي بالكلمات
    هل أقول لها أنني أتيت لأودعها
    أقول لها أنها قد لا تراني مجددا
    أنني لو مت شهيدا سأفتقدها ولن أرتضي لها بديلا ولو كانت من الحور العين
    ولو اعتقلت سيكون غياب وجهها عني أقسى علي من سياط التعذيب
    هل أقول لها أنني ما أمسكت السلاح إلا لأحميها، لأشعرها بالأمان، لأجعلها تسير في الطرقات مرفوعة الرأس لا تمتد إليها يد نجسة، أو يتحرش بها كلب من كلاب النظام، أو يداهم بيتها خسيس
    أومأت برأسها وهي تكفكف دموعها وكأنما تسمع ما يقوله قلبي ولا ينطق به لساني
    تفهمني وتشعر بلوعتي وحبي، تدرك قلقي وخوفي لأجلها
    أردت أن أودعها فلم يطاوعني لساني، وأدركت أن الوقت يهرب من بين أيدينا وأنني مضطر للعودة إلى مكاني
    كانت روحي تنسحب من جسدي كلما فكرت بأنني سأفارقها، لكنني استجمعت شجاعتي وأمسكت عن ذرف دموعي التي كادت تفضحني والتفت لأفتح الباب وأغادر، لكن همسة منها جمدتني في مكاني
    مصطفى
    عندما سمعت اسمي من بين شفتيها، انهارت مقاومتي، واندفعت إليها عاجزا عن ردع نفسي بعد أن أمسكت طويلا عن أن أضمها بين ذراعي
    تمنيت لو أخفيها بين أضلعي فلا يراها أحد وإن حطموا عظامي
    تمنيت لو أسكبها في قلبي فلا يصلوا لها ولو اعتصروا عروقي وصفوا دمائي
    أخذت أشدها إلى قلبي، وتزداد ذراعاي إطباقا حولها حتى ماعادت أقدامها تلامس الأرض، أغمضت عيناي لأملأ أنفاسي برائحتها، وتنصت أذناي لدقات قلبها، وتتساقط دموعي
    كانت تلك هي الضمة الأولى والأخيرة التي عشت على ذكراها ما تبقى لي من عمر كان أطول على وأقسى من عمر سجين بالمؤبد في زنزانة إنفرادية
    .............................................................



  2. #32

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,520
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة التاسعة والعشرون
    (29)
    توقف كل نبض فيها حتى أنفاسها، لا تكاد تصدق أنها تقف أمامه الآن
    هو بشحمه ولحمه، وبخلاف نحوله الزائد وشعره الذي قصر، لم يتغير فيه شيء، لازالت ملامحه وهيأته كما افترقا منذ آخر مرة، لكن عيناه السوداوان خبا بريقهما وسكنت فيهما نظرة انكسار
    لم يخطر ببالها قط أن تلتقيه هنا
    في باريس..
    هنا أمام عينيها، يقف بالباب بعد أن أخرجتها الخادمة من استغراقها في الكتاب، لتجيب من يسأل عنها، المفاجأة لم تسمح لها إلا بكلمة واحدة
    (يزن!!)
    كان هذا هو كل ما استطاعت أن تقوله بعد أن استغرقتها المفاجأة، وانخرط عقلها في صراع أسئلته الحائرة
    أخرجتها عمتها من حيرتها، وانتزعتها من جمودها بعناق حار مشتعل بكلمات الشوق الحانية، وفي لحظة عاد للين ماضيها كله متمثلا في تلك الوجوه المحببة المألوفة، فارتمت بين أحضان عمتها تبكي الشوق والفقد لأيام ولت ولن تعود، ولم يتبق منها سوى لقاءات الغرباء، وسكبت مدامعها حتى ارتوت الأرض من حولها، وعقلها يجتر الذكريات واحدة تلو الأخرى
    ثم احتضنت ياسمين ابنة عمتها ورحبت بها، ودعت الجميع للدخول
    كانت لحظات تحمل من الشجن والفرح الكثير، والقلوب مثقلة بالشوق والدموع
    ومر الوقت في حكايات وذكريات الطفولة، وتجنب الجميع الخوض في الذكريات القريبة ونكأ الجروح وتذكر الراحلين الذين انطوت ذكراهم في مكان بالذاكرة، واختفوا في ركن قصي بالقلب وربط عليهم كي لا يتفلت الألم من عقاله
    ورغم أن اللقاء كان حميما وأشعل في قلبها ذكريات كثيرة، لكنه ألقى في قلبها شعور بالغربة والوحدة كان يتعاظم مع مضي الوقت وهي تجلس مع عمتها ومن تبقى من أبنائها
    برز هذا الشعور عندما سألتها عمتها عن زوجها، فأخبرتها بأنه سافر في رحلة عمل وسيعود قريبا
    وعندما نظرت إلى يزن، شعرت بأن ملامحه تنطق بالأسف والندم، ولكنه لم يتحدث كثيرا، وكانت كلماته لا تخرج عن عبارات الترحيب والمجاملة العادية، لم يشارك حتى في سيل الذكريات التي أشعلتها أمه وياسمين
    وعندما تأخر الوقت كان على المسافرين الإيواء إلى غرفهم التي أعدتها لهم الخادمة وأشرفت لين بنفسها عليها، وعندما اطمأنت أن كل شيء مريح ولا ينقصهم شيء، تركتهم في الطابق العلوي وعادت لغرفة الدراسة، وما أن فتحت الكتاب لتكمل، حتى نادتها الخادمة مجددا فالضيف يطلب أن يتحدث إليها في البهو
    أسرعت إليه فوجدته يقف شاردا حائرا، يبعثر نظراته في كل اتجاه، تقدمت منه بثقة ودعته للجلوس وجلست في المقعد المقابل وهي تسأله : أحدث شيء! هل عمتي مرتاحة في غرفتها؟
    تنحنح بإحراج : كل شيء بخير, وعذرا إن كنت أزعجتك, أردت أن أشكرك على حفاوتك البالغة
    كانت تعلم أن خلف حديثه حديث آخر يريد أن يبوح به, ولكنها قالت بلهجة جادة : لا تشكرني, فنحن أهل
    أهناك شيء آخر؟
    لهجتها الجادة المتعجلة جعلته يسرع بالقول : نعم, هناك الكثير ..
    (أود أن تسامحيني) قالها بلهجة مترددة تمتلئ أسفا، ولكنها لم تكن على استعداد للخوض في الماضي, فقد ضاقت روحها بكل شيء, يكفيها ما تعانيه الآن وهي تخوض تجربة مؤلمة لرجل ميت فقط لتصل للحقيقة
    قالت وهي تنهض من مقعدها لتشعره بجديتها في إنهاء الحديث : لقد نسيت كل شيء
    قال بلهجة نادمة : لكنني لا أستطيع أن أنسى, لم أندم في حياتي على شيء قدر ندمي أنى تركتك في المخيم ورحلت
    زفرت بضيق وهي تحاول جاهدة أن تغلق بابا للذكريات المؤلمة انفتح فجأة على مصراعيه : أتفهم أننا كنا في وضع صعب, ولم يكن لديك بديل لما فعلته, فلا داعي للخوض في ماض لن نجني منه سوى الألم
    قال : لقد عشت لسنوات أعاني الألم والندم, وخاصة عندما علمت بوفاة أمك, أردت أن أعود لأبحث عنك, لكنني لم أستطع
    ـ لقد وضعتنا الحرب في وضع مأساوي, وفرضت علينا خيارات لا نملك التحكم فيها, اطمئن, لقد سامحت ونسيت
    أدرك أخيرا أنها تحاول الابتعاد عن الخوض في الماضي، فبدل الحديث إلى وجهة أخرى : احم، لن تتخيلي قدر السعادة التي غمرت أمي عندما جاءتنا دعوة من زوجك للالتقاء بك هنا في باريس
    تعلقت الكلمات بسقف حلقها, وسيطر عليها الذهول
    ناجي من جديد!
    تسارعت دقات قلبها وهي تحاول أن تستوعب ما قاله, وهمست باضطراب : ناجي!
    أومأ قائلا : نعم, لقد وصل إلي رقم هاتفي عبر بياناتي في العمل, واتصل بي، وقدم إلىّ دعوة لقضاء الإجازة هنا في باريس
    كان الاضطراب باديا في ملامحها, فسألها بدهشة : ألم يخبرك!
    ثم أضاف عندما لم تجب سؤاله : ربما أراد إسعادك بتلك المفاجأة
    قالت بشرود : اسمح لي فعلي الذهاب إلى النوم
    تركته وغادرت المكان, لكنها لم تذهب لغرفة نومها, بل عادت لغرفة الدراسة, وأخذت تدور فيها كالمجانين وهي تتمتم : ناجي, ناجي, ناجي
    أيريد حقا مفاجأتي أم يريد إصابتي بالجنون!
    كيف يسمح لنفسه باتخاذ قرارات نيابة عني, دون حتى أن يخبرني أو يترك لي وسيلة أصل بها إليه!
    صارت الآن موقنة بأنه أكثر إنسان مجنون التقته في حياتها, لم يترك لها أي خبر وتركها تتخبط بين أفعاله وماضيه ومفاجآته
    ألقت بجسدها على مقعد وثير وانخرطت في بكاء متواصل, لقد كان آخر ما تتمناه في ذلك الوقت هو أن يتجسد لها الماضي في صورة يزن, وأن تطحنها رحى الذكريات الأليمة بلا رحمة بعد أن فعلت ما بوسعها لتبعد الألم عن عقلها
    ربما لو كان ناجي هنا كان الأمر سيصبح محتملا, لكنه غائب لا تعلم أين هو الآن ولا متى سيعود
    والآن تجرفها الذكريات الحزينة بلا رحمة, وتمزق كل غصن أو حتى قشة تحاول أن تتمسك بها لتخرج من تلك الدوامة
    لكنها استولت عليها وأغرقتها, وفرضت عليها العودة بذاكرتها لأيام المخيم الأليمة
    عندما كادت تطير فرحا بعودة يزن من الخليج, وقدومه للمخيم ليبحث عنها وعن من تبقى من أهله, وكانت المرة الأولى التي تستشعر فيها الأمان عندما أخذها بين أحضانه بشوق, وبكت على كتفه بحرقة, لقد عاد يزن لينتشلها وأمها من الحياة القاسية في المخيم, لقد فقدت الكثير وعليها أن تحافظ على ما تبقى لها, تعلم أنها بسفرها مع يزن للخليج لن تحقق حلمها بأن تكون طبيبة, لكن هذا لم يكن يحزنها, فما أكثر الأحلام التي تركتها خلفها تحت أنقاض بيتها المهدم, ويكفيها حلم واحد تحيا لأجله, أن تكون زوجة ليزن
    كان يجهز الأوراق ويعد العدة ليحمل زوجه وأمه وأخته التي صارت أرملة ويأخذهم للحياة معه في الخليج حيث مقر عمله
    ثم توقف كل شيء..
    فقد جاءهم خبر بأن يحيى أخاه تم اختطافه من عناصر السلطة على أحد الحواجز على الحدود, وهو يحاول العبور قادما إليهم
    وبعدها دار يزن في دائرة مؤلمة خطرة يبحث عن أخيه, وتعرض للموت عدة مرات, حتى وصل لبعض الشبيحة الذين استطاعوا بطرقهم الخاصة وبمبلغ كبير من المال أن يتوصلوا إلى أن من خطف يحيى هم جماعة مسلحة من الجماعات التي تدعي قتال النظام, فخاض يزن معهم عدة مساومات وطالبوه بفدية كبيرة ليتركوا يحيى بعد أن علموا أن يزن يعمل في الخليج
    ولم يدخر يزن وسعا ولا مالا لإنقاذ أخيه وجمع أغلب مدخراته من سنوات الغربة واتفقوا على موعد ومكان التسليم
    وأعطاهم يزن المال, لكنهم سلموه جثة يحيى
    وكانت مأساة عظيمة زادت العائلة المنكوبة هما فوق هم, وألما فوق ألم
    مات يحيي من الضرب والتعذيب وتعرض يزن للخداع والسرقة، وضاع المال, وحزنت أم لين واشتد عليها المرض, وانهارت أم يزن وكادت تموت من القهر والألم
    لم تر في حياتها يزن منكسرا وحزينا كما رأته يومها وهو جالس بجوار جثة أخيه، صارت الحياة في عينيه أضيق من ثقب الإبرة، وتوقف الزمن به عند تلك اللحظة، وانهارت حياته، وتحطمت أحلامه
    وعندما صرخ مخرجا كل ما في قلبه من قهر وألم لم تستطع أن تسكته، كان يطلق اللعنات مع كل كلمة، وكل جملة، صار الكل في عينيه سواء، السلطة والجيش الحر والجماعات المسلحة
    كان يصرخ ويلعن كل الأطياف ويسبهم وينعتهم بالقتلة
    وعندما فرغ منهم بدأ في لعن الثورة ومن بدأها ومن شارك فيها
    كانت كلماته تشعل النار في قلب لين وتؤجج الغضب، فهي لا تزال مؤمنة بأن الثورة كانت ضرورة وبأن خالد لم يخطئ أبدا عندما حلم بالخلاص من سيطرة العائلة الحاكمة التي ترث البغي والولوغ في الدماء كما ترث الجينات الوراثية
    هل كانت الثورة خطأ!
    هل كانت خطيئة!
    هل كان الرضا بالوضع القائم والدكتاتورية وتوريث السلطة والقبول بالظلم والجور والحياة الدنية هو الحل الأفضل لتجنب كل ما نحن فيه الآن!
    هل كان على الثوار عدم التورط بالإمساك بالسلاح!
    وهل كان من الممكن ألا يتورطوا! مع كل ذلك القتل والذبح للمظاهرات السلمية
    سؤال لا إجابة له
    صار عقلها مشوشا وشل تفكيرها أمام ما مر بها من أهوال تجسدت كلها في لحظة واحدة بحضور الماضي أمام عينيها
    (يلعن روحك يا ناجي) صرخت بها بين جدران غرفتها ودموعها تغرق خديها
    كيف يتركها وحدها تواجه دوامة الماضي العاتية!
    لقد أيقظ يزن بحضوره كل الألم والغضب والحيرة التي حاولت بكل جهدها إبعادها عن حاضرها
    ليس هناك أقسى من أن تتجسد لها الخيبات والانكسارات وهزائم الروح في لحظة واحدة
    ليس هناك أشد وطأة على الروح من أن ترى كل ما آمنت به وضحت من أجله تحول إلى جريمة يدفع ثمنها الجميع
    وأن كل المعاني التي عاشت سنوات من عمرها تؤمن بها كالثورة وحلم الحرية والدفاع عن الأرض وحماية البيوت والأعراض
    أن تتحول في لحظة إلى كابوس وتنقلب إلى الضد
    ماكان ينبغي أن نقوم بثورة
    ما كان ينبغي أن نمسك بسلاح
    كان هذا هو ما يردده يزن ويصر عليه بعد أن فقد كل شيء
    لا تنكر أنها وقتها اهتزت لديها كل القيم، وتزلزل إيمانها بحتمية الثورة التي جعلتها تبقى في حمص ثلاث سنوات تحت حصار قاتل، وتحت القصف والقتل
    ولكنها لم تفقد إيمانها لحظة بأن ما حدث كان يجب أن يحدث، بل كان يجب أن يحدث في الماضي
    الماضي..
    ذكرتها الكلمة بما كانت تفعله قبل حضور عمتها وأسرتها، فمسحت دموعها وجلست خلف مكتبها لتعود إلى الكتاب الذي كتبه عمر الكيلاني، وفي رأسها ألف سؤال تتمنى أن تجد الإجابة عنهم في الكتاب
    ...........................................................
    كانت ليلة الثلاثاء الثاني من شباط للعام اثنين وثمانون ليلة غائمة ماطرة، عجز فيها كل أهالي حماة عن النوم وانتشر الشباب في الأحياء فوق الأسطح وبين الأزقة يحملون أي شيء تطاله أيديهم ويصلح للدفاع عن أنفسهم وأعراضهم، وكان الكثير منهم يحملون بنادق قديمة ومسدسات يمتلكونها أهلهم
    زاغت منهم الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، كل منهم في حيه، يقف حارسا مترقبا خائفا من غدرة النظام وجنده، فما فعلوه في عام 80 و81 عندما اقتحموا حماة لا يغيب عن بال، ولا يخفى عن صغير ولا كبير
    وكذلك ما يبيتونه لحماة، فهذه المرة ليست ككل مرة، فحقد رفعت الأسد على حماة لا يخفى على أحد، وهو لا يحاول مداراته أو إخفاؤه
    بل حقد حزب البعث، فهم لا يمكنهم نسيان أن حماة وقفت بوجههم عام 64 ورفضت ظلمهم وانتهاكاتهم بحق الناس وثارت ضد شعاراتهم المنافية للدين، والمستفزة لمشاعر أي مسلم
    ولهذا فالكل وقر في يقينه أنهم إذا دخلوها هذه المرة فلن يبقوا ولن يذروا، ولن يرقبوا في أهلها إلا ولا ذمة
    في الساعة 1.20 دقيقة كنت أنا وجمال في مخبئنا ينظر كل منا للآخر بوجل، نتجنب الحديث حتى لا يعرج بنا إلى ما نخافه، حتى وصلتنا الإشارة بأن قوات سرايا الدفاع قد وصلت وبدأت بتطويق الحي
    كانت 20 سيارة اقتحام مصفحة، لغمت بعض البيوت التي كانوا يعتقدون أن الشباب المقاوم يختبئون بها بالعبوات الناسفة ، وفجروها
    كانت البداية عنيفة للغاية، فتوقعنا أن القادم أسوأ، فتعاهدنا أنا وجمال على الشهادة، وانطلقنا مع شباب الحي نصد الهجوم ونحاول فك الحصار، وكان الاشتباك عنيفا، لكننا رددناهم عن الحي وتم فك الحصار
    كانت دفعة معنوية كبيرة لنا أن نراهم يهربون، وفي نفس الوقت جاءتنا الأخبار بأن الشباب في حي الشريعة ضربوا مركز لسرايا الدفاع في نقابة المعلمين كان يرسل نجدة وتعزيز للقوات التي حاصرتنا في البارودية
    وعندما علمنا بأن السلطة تقوم بإنزال آلاف العناصر حول المدينة وتجمعوا في الملعب البلدي، أدركنا أنهم يبيتون الشر لغزو حماة
    وأدرك الأهالي الخطر عندما علموا بأن الدبابات الثقيلة على وشك الوصول، فحدثت اشتباكات في حي البياض واقتحم الأهالي مستودع السلاح وغنموا منه الكثير، فعلمت بقية الأحياء فانطلق الأهالي لبعض مستودعات السلاح ومخافر الشرطة يبتغون ما يدافعون به عن أنفسهم ضد وحشية النظام الذي فوجئ بأن هناك من الأهالي من يرفض الذل والاستسلام ويتحداهم بالمقاومة، فزجوا بالمزيد من القوات وبأعداد كبيرة ومنها الوحدات الخاصة، وكذلك وصلت طائرات نقل عسكرية ضخمة إلى مطار حماة، وإنزال جوي للجنود في الحميدية
    ووصلت الدبابات الى الجسر الجديد ومعها قوات كثيفة من الوحدات الخاصة وأخذت المدفعية تضرب بعنف فاستشهد الكثير من الناس
    ومن اليوم الأول استهدفت المدافع وقذائف الدبابات مآذن المساجد، فتلك المآذن هي التي كانت تنادي في الناس بالمقاومة والدفاع عن البيوت والأعراض وتحذر الناس
    فتم قصف مآذن أكثر من ثلاثين مسجدا في جميع الأحياء وتضررت مبانيهم
    كانت خطة الأسد تقضي بحصار المدينة من محاورها الأربعة وقطع كل صلاتها بالعالم الخارجي، فلا يدخل ولا يخرج منها أحد لكي لا يعلم العالم بما يجري فيها
    مع قصفها بالمدفعية ونشر الدبابات في المناطق الرئيسية والمراكز الحساسة فيها
    ليبدؤوا بالسيطرة على قلب المدينة من بداية شارع العلمين الى نهاية شارع الشهيد سعيد العاصي وهو الشريان الحيوي لقلب المدينة
    ثم تقسيم المدينة وعزل الأحياء عن بعضها البعض
    فتقدمت ثلاثون دبابة في شارع العلمين فتصدى لهم الشباب المقاوم فدمروا بضعة دبابات ببعض قذائف الآر بي جي، لكن قلة القذائف والذخيرة أجبرتهم على الانسحاب واحتلت الدبابات وسط المدينة، وفي حي البارودية وجدنا قوة من سرايا الدفاع تتمركز فوق مبنى وكان يبدو أنها في انتظار الدبابات القادمة من شارع العلمين فاشتبكنا معهم لساعتين وانتصرنا عليهم
    وفي نفس الوقت كانت الدبابات في شارع سعيد العاصي تحاول فصل حي البارودية في الشرق، عن الأحياء الغربية وهي تقصف كل مبنى تمر به، لكنها فشلت أمام إصرار وعزيمة شباب الحي، وزاد من ثباتنا أن وصلتنا أخبار أن الشباب تصدوا للدبابات على طريق حلب واستشهد منهم الكثير بعد أن أعطبوا ثماني دبابات
    كان اليوم الأول ذاخرا بالأحداث والانتصارات على قوة غاشمة تتصدى بالدبابات والطائرات والقوات الخاصة لشعب أعزل لا يملك سوى الدفاع عن نفسه بما يغتنمه من المعارك، أو بما يتحصل عليه من مستودعات السلاح والذخيرة في البلدة
    فهاجم الشباب مستودع الجيش الشعبي قرب البئر الإرتوازي، فأمدهم بالبنادق الروسية والذخيرة
    لكن ذلك لم يكن كافيا أبدا للتصدي للآلة العسكرية الضخمة المتوحشة التي تضرب في خاصرة البلدة القديمة بجميع أحيائها بقذائف الدبابات يدعمها الطيران المروحي برشاشاته، وراجمات الصواريخ التي وضعوها النظام فوق المباني الرئيسية وفي الأماكن الحساسة
    كنا نحاول بأسلحتنا البسيطة صد ذلك الغزو الإجرامي التتري، فنكمن للدبابات ونحاول إعطابها بقنابل المولوتوف، فيكون الرد قصف المباني والمنشئات بالمدافع وقذائف الدبابات فتهدمت الكثير من المباني
    كنا نفعل ما بوسعنا، ونحصن الحي ونغلق مداخله بحطام الدبابات والأحجار الكبيرة، وخاصة من ناحية شارع سعيد العاصي، وانتشر شباب الأحياء المجاورة عبر الأزقة والمداخل المطلة على الشارع كي لا تقتحم قوات النظام الحي، فيقومون بإعطاب الدبابات التي تحاول اقتحام الشوارع التي بين الأحياء
    ولم تستطع الدبابات أن تدخل شارع سعيد العاصي، الا بعد اليوم الثالث وهي تصب نيرانها وقذائفها على المباني والمنشآت، فاشتعلت النار في بعض المباني، وتهدم جامع الأربعين، ثم تجمعت الدبابات عند جسر العبيسي
    ثم تبعت الدبابات قوات المشاة، فتصدى لهم الشباب وردوهم، لكنهم لم يستطيعوا التصدي للدبابات التي تدعمها المروحيات في سوق الشجرة، فسقط منهم الكثير من القتلى والجرحى، وكذلك في حي الدباغة بعد أن نفدت منهم الذخائر القليلة التي يحملونها
    وفي حي البارودية كنا نتصدى لتسلل عناصر سرايا الدفاع فنقتل بعضهم فيتراجع الباقون
    وكانت الثكنة في حي الشرفة المطل على المدينة فيها مدفعية ثقيلة وراجمات صواريخ تصلي الأحياء القديمة بنيران القصف العشوائي الذي يصيب المباني والأهالي، ورأينا بأعيننا ما كان يحكيه آباؤنا وأجدادنا لنا عن دور الثكنة في قصف المدينة في ثورتي 1925 و1945 أيام الاستعمار الفرنسي
    كانت مقاومة شباب أحياء حماه القديمة باسلة، وصموده أسطوري في وجه آلة عسكرية شديدة التسليح، فانتقمت السلطة من صمودهم بأحقر وأخس طريقة لأنهم منعوهم من التقدم في شارع سعيد العاصي وفشلوا لليوم الثالث من السيطرة على وسط المدينة
    إذ يبدو أنهم كانوا بحاجة لأي انتصار ولو كان زائف
    فاتجهت عناصر السلطة لحي جنوبي الملعب في حماه الجديدة، واقتحمته بأعداد كبيرة، ولم يقابلوا بأية مقاومة، وقد كان الحي هادئا للغاية
    فمنذ البداية لم يشترك ذلك الحي الجديد في المقاومة، فقد صممته السلطة بتخطيط حديث يسهل احتلاله واكتشاف أي حركة فيه، لذلك فلم يقترب منه شباب المقاومة، وبقي بعيد عن الأحداث التي اجتاحت المدينة
    دخلت عناصر سرايا الدفاع الى الحي بأعداد كبيرة، وأخذوا ينادون على الناس بمكبرات الصوت ليتجمعوا في ساحة الحي، وحذروهم من الاشتراك في المقاومة، وأقنعوا الناس بأنهم لا يريدون بهم شر
    ثم صرفوهم، وبعدة فترة جمعوهم ثانية في الساحة، ووجهوا إليهم التحذيرات الشديدة من الاشتراك في المقاومة ثم صرفوهم، فاطمئن الناس ومن كان مختبئا عاد لبيته
    ثم جمعوهم في الثالثة بأعداد كبيرة ومن بينهم الكثير من النساء والاطفال والشيوخ
    ولكن هذه المرة لم تكن للتحذير، بل كانت حفلة إهانات وتعذيب، وأعقبها قتل لكل الحاضرين في الساحة رشا دون تفرقة بين امرأة ورجل وطفل
    ثم اتجهت عناصر السلطة إلى البيوت وبدأت عمليات السلب والنهب وقتل كل من تطاله أيديهم ممن لم يحضر للساحة، فيخرجون الأسر والعائلات كلها من البيت ويقتلونهم فردا فردا بالرشاش، الأب أمام أبيه والابن أمام أمه، ويسرقون كل ما في البيت من مال وذهب وأشياء ثمينة
    بل أنهم قطعوا أيدي النساء وأصابعهن لانتزاع الحلي الذهبية منهن
    ومن يجدونه حيا بعد كل هذا القتل، يشحن في شاحنات إلى مقبرة سريحين ويقتل أمام خندق حفروه ليدفنوا فيه أهالي حماه جماعات، فيرشونه أمام الخندق ليسقط فيه فوق جثث من سبقوه بالشهادة
    ولم ينجو حتى العاملين بحزب السلطة من أهالي حماه فقتلوهم مع من قتلوا، بل طاردوا حتى الجرحى إلى المستشفى الوطني وقتلوا بعضهم
    ومن القتلى أحد الضباط الحمويين هددوا والده وأجبروه على الإعلان بأن من قتله هم الشباب المجاهد، وأرسلوا له برقية تعزية رسمية
    كانت مجزرة مروعة زلزلت أركان البلدة، وجعلت كل الأهالي يوقنون بغدر النظام، ونيته المبيته لتدمير البلدة وسحق أهلها سواء كانت هناك مقاومة أم لا
    ومن تلك اللحظة تعاهدنا جميعا كشباب مقاوم على الموت دون أهالينا وبيوتنا وأعراضنا
    ولن نسمح بدخول أي عنصر من عناصر السلطة لأي شارع أو زقاق إلا على أشلاء جثثنا أجمعين
    .................................




  3. #33

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,520
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة الثلاثون
    (30)

    وصلنا لليوم الخامس ولازلنا أحياء! وعلامة الحياة فينا هو صمودنا حتى الآن وتشبثنا بالدفاع عن الأحياء التي هي لنا وطن
    واشتد ضغط السلطة على أحياء العصيدة والزنبقي بالدبابات وراجمات الصواريخ والقصف المدفعي وهدموا كثير من البيوت، ثم هاجموا الحي هناك، لكن الشباب تصدوا لهم ومنعوهم
    ولم تتقدم قوات النظام شبرا في حي الدباغة إلا على جثث وأشلاء شباب الحي
    واستطاع الشباب هناك إعطاب ثلاث دبابات في طريق حلب، لكن القصف العنيف أدى إلى تهدم جامع الهدى على ثلاثين جريحا كانوا يعالجون فيه
    وفي السخانة، استخدمت عناصر النظام تلغيم البيوت وتفجيرها بيتا من بعد بيت، لتوفر للدبابات الفرصة للاقتحام وتمنع الشباب المقاوم من الاختباء
    بدأت الذخائر تنفذ منا في البارودية، فابتكر بعض الشباب عبوات من الألغام توضع في طريق الدبابات وتموه، وعند عودة الدبابات صباحا تنفجر العبوات تحتها فتعطبها، مما وفر لنا طريقة جديدة للمقاومة
    تلك المقاومة الباسلة جن لها جنون السلطة، حتى صار السيطرة على شارع سعيد العاصي هو هدفها، ورمز انتصارها وطريقها للسيطرة على قلب المدينة
    فأحكمت الحصار على المناطق المحيطة بشارع سعيد العاصي لمشاغلة الأحياء المدافعة عنه من خلفها
    فقامت بإنزال جوي للوحدات الخاصة، والالتفاف بالدبابات حول المدينة من خلف الأحياء، وتقدمت دبابات أخرى عبر جسر العبيسي وخلفهم المشاة يحتلون المنشآت مع قصف مركز للدبابات وراجمات الصواريخ من منطقة حوش الشريعة ونادي الطليعة
    وفي نفس الوقت سيطرت السلطة على الجهة الشرقية لحي الحميدية بإنزال قوات قرب غابة الثورة والتمركز فيها، واشتد الضغط من شارع السجن حتى الجامع الشرقي القريب منا حتى سقط شارع سعيد العاصي، وصرنا محاصرين في البارودية من الجهتين، وصار الدفاع يدور من بيت لبيت داخل الأحياء
    كانت البارودية هي أهم دفاعات الشباب فركزت السلطة علينا الهجوم، وعند مدخل الحي الرئيسي دمرت بناء بسكانه
    واحتلت عدة بيوت في البارودية التحتانية وأخرجت منهم الرجال وأطلقت عليهم النار رشا
    كنت أنا وجمال وبعض شباب الحي نتصدى لهم في حارة الجورة، وبعد معركة عنيفة قتلنا بعض عناصر السلطة وفر الباقون، وبعد أن انتهينا منهم وجدت عمر قادما يجري، وعرفت أن وراءه خبرا، فقد كان هو أحد جنود الاتصالات بيننا وبين المواقع الأخرى، أخبرني أن هناك دبابة عند صيدلية خطاب ترمي بقذائفها على البيوت، فاتجهت أنا وجمال بسرعة إلى هناك لندعم الشباب الذين في الموقع، فوجدنا أحدهم قد تسلل إلى الدبابة وأعطبها
    وعندما علمنا أن السلطة قد حشدت جنودها في حديقة أم الحسن، وتستعد لشن الهجوم على الزنبقي، انطلقنا لمساعدة الشباب الذين يقاومون هناك في مدرسة العفاف العالية المشرفة على الحديقة
    كنا ندافع عن الأحياء وقد تقطعت بنا السبل، وصارت أرواحنا رخيصة بالنظر لما سنخسره إذا ما نجح النظام الباغي في اقتحام أحيائنا
    وكانت الأخبار تأتينا من كل حي سقط تنفث فينا روح المقاومة وعدم الاستسلام
    فقد تعمدت قوات النظام عند ارتكاب المذابح أن تبقي على حياة البعض لينطلقوا إلى بقية الأحياء ويحكوا عن الفظائع التي يرتكبها النظام لبث الرعب في قلوب الأهالي
    في حي البياض جمعت السلطة مجموعة كبيرة من الأهالي وحشرتهم في الشاحنات حتى امتلأت عن آخرها، ثم قاموا بقتل أكثر من خمسين معتقل لم يجدوا لهم مكان في الشاحنات، وألقوا بجثثهم في حوض كبير تتجمع فيه مخلفات جلي البلاط بجوار مصنع البلاط
    ولم تظهر جثثهم إلا بعد عشرة أيام
    ولم ينجحوا في اقتحام حي سوق الشجرة إلا تحت القصف العنيف، وهدموا خمسين بيتا وقتلوا أعدادا كبيرة من الأهالي بعد أن قسموا الحي إلى محورين، شارع سوق الشجرة ونزلة حي الشيخ عنبر
    وفي شارع سوق الشجرة قتلوا الرجال على الصفين، وجمعوا عدد كبير ممن تبقى حيا وحشروهم في أحد الدكاكين وأطلقوا عليهم النار رشا، ثم أحرقوا الدكان حتى تحول إلى رماد
    وعند مسجد سوق الشجرة قتلوا على جداره 75 مواطن
    وفي طاحونة سوق الشجرة قتلوا عدد كبير من الأهالي ولم يسمحوا بدفن جثثهم إلا بعد أربعة عشر يوما
    ثم اتجهوا إلى الأزقة الضيقة يقتلون العائلات في بيوتهم بالسكاكين
    وفي حي الحميدية حاولت السلطة اقتحامه عدة مرات بعد قصف عنيف أدى إلى تهدم كل الأبنية المواجهة لغابة الثورة
    وكلما تقدمت القوات لاقتحامه نهب أنا ومجموعة من شباب الحي من البارودية لمساعدتهم في صد الهجوم
    واستشهد كثير من الشباب ونحن ندافع عن الحي من بيت لبيت، وفي الليل كنا نتسلل ونسرق سلاحا وذخيرة من غابة الثورة
    تلك المقاومة الباسلة أجبرت السلطة على الكف عن مهاجمة تلك المنطقة لعدة أيام
    وفي حي الدباغة استشهد الكثير من الشباب المدافعين عن الحي، بعد أن دفعت السلطة بأعداد كبيرة من القوات لاقتحام الحي وتقدمت الدبابات عبر شارع الدباغة تقصف المحلات التجارية على الجانبين
    وقتل جنود السلطة ثلاثين شابا على سطح سوق الطويل، وكثير من الأهالي في الأزقة، ونهبوا الدكاكين وأحرقوها
    وفي دكان للأدوات المنزلية حشروا أكثر من 35 مواطن وأطلقوا عليهم النار وسرقوا ما معهم من أموال وساعات، والضابط المسئول يأمر بصنع الشاي بالأدوات التي في الدكان، ثم أخذ يشرب الشاي وهو يأمر جنوده بالقتل والحرق، ولكن اثنان من الشباب استطاعا الهرب من سقيفة الدكان ليخبروا بقية المناطق عما يحدث في الدباغة
    كانوا يجمعون الناس ويحشرونهم في الدكاكين بعد سرقتها ونهب ما فيها من أموال، ثم يقتلونهم ويحرقون الدكان بالقتلى والجرحى
    حتى عملاء السلطة الذين كانوا يرشدونهم إلى بيوت المعارضة قتلوهم أيضا
    مائتان من الدكاكين نهبت أموالها ومحتوياتها وأحرقت
    وفي سوق الطويل بلغت الدكاكين التي نهبت وأحرقت وهدمت ثلاثمائة وثمانون دكان
    أما في حي الباشورة فقد أطلقت القوات النار على الأهالي في بيوتهم وقتلت أيضا المختبئين في القباء، مما ألقى الرعب في قلوب الباقين عندما جمعتهم القوات من بيوتهم وأجبروهم على الهتاف للأسد، فهتفوا مرغمين خوفا من القتل، ثم سيقوا للاعتقال
    سقطت منطقة السوق وانتهت المقاومة فيها تماما بدخول قوات السلطة حي الدباغة وتلاقت مع قواتها القادمة من محور المدينة الجنوبي، ثم اتجهت القوات لإسقاط القلعة
    .......................................................
    في اليوم الثامن تسربت أخبار ما يحدث في حماه إلى خارجها
    فثارت المدن الأخرى وبدأ الغليان في جميع محافظات سورية
    ولكنه جاء متأخرا جدا عن مواكبة ما يحدث في حماه
    وفي هذا اليوم قامت السلطة بقصف المدينة من الصباح للمساء بشكل متناوب، ساعتان قصف وساعتان هجوم من القوات، وفي هذا اليوم كان القتال عنيفا للغاية وشهد قتلى من الجانبين
    بل أيضا قتلى بين عناصر السلطة بعضهم ضد بعض، فقد حدث اشتباك عندما رمى بعض عناصر السلطة قنابل يدوية على قبو يحتمي فيه الأطفال والنساء، وعندما اعترض البعض الآخر اشتبكوا معهم بالسلاح وقتلوا منهم عددا
    توالت سقوط الأحياء وانتهاء المقاومة فيها، فسقطت الأميرية والمناخ، وسقط حي طريق حلب وأحرق
    وفي حي السخانة كانت السلطة تنهي القتال في الأزقة بتفجير البيوت بيتا بيتا، وتستخدم سياسة الأرض المحروقة
    وانخلع قلبي من الخوف عندما علمت بأنهم قصفوا جسر الشيخ عبد القادر الكيلاني،
    وقصفوا قصور حي الكيلانية الأثرية وأحرقوها بقذائف المدافع والقنابل الحارقة، وظلت النار مشتعلة فيها طوال أربعة أيام ولم يتمكنوا من إخمادها
    كنت قلقا على حميدة أفكر فيها باستمرار، ولكن لم يكن بإمكاني ترك موقعي في حي البارودية، فراجمات الصواريخ قد نصبت في الصالة الرياضية على كورنيش العاصي تقصف الشرقية بكثافة، والدبابات في طلعة الشريعة تصب حممها على البارودية والشرقية ومعها مدافع الهاون، واستطاع أحد الشباب النيل من راجمة الصواريخ بقذيفة آ ربي جي، وعجزت عناصر السلطة عن نصب غيرها وشباب القناصة لها بالمرصاد
    كانت البارودية عصية عليهم، فشددوا عليها القصف وتوالت عليها هجمات المشاة، لكنا كنا لهم بالمرصاد، وقد استمر الهجوم علينا يوميا من الصباح حتى الظهر وأحيانا للعصر ومقاومتنا لهم مستمرة
    كنا قد اتخذنا تكنيك ناجح في صد هجوم القوات، فقد توزع الشباب المقاوم على كل الجهات
    وكوننا مجموعتين فدائيتين للتدخل السريع لتعويض نقص الأسلحة بجلبها من مواقع عناصر السلطة
    وكنت أنا وجمال في إحدى المجموعتين، وتسللنا ليلا على إحدى المواقع، وعندما شعر بنا عناصر السلطة أخذوا يطلقون القنابل المضيئة ليلا لمدة نصف ساعة، فكمنا منبطحين أرضا لفترة طويلة حتى مرت، ثم هاجمناهم بغتة واشتبكنا معهم في الظلام وحصلنا على بعض الأسلحة والذخائر
    وأحيانا كنا نكمن في الأماكن الخطرة ونوقف تسلل عناصر السلطة حتى لا تباغتنا بهجوم مفاجئ بعد أن اشتد الحصار والضغط على البارودية
    وفي اليوم الثاني عشر سقط حي الشمالية، وارتكبوا فيه المذابح
    ثم قاموا بالهجوم على حي الحميدية والشرقية بثمانين دبابة وألفي جندي، ولم يتبق من المقاومين هناك سوي بضعة شباب مسلحين ببنادق خفيفة ذخيرتهم على وشك النفاذ
    فكان السقوط حتميا وبمجرد أن دخلتهما عناصر السلطة، أخرجت الرجال من البيوت وأطلقت عليهم النار من رشاش متوسط فوق دبابة لتلقي الرعب في قلوب من بقيت في نفسه رغبة في المقاومة
    ولغرض آخر أيضا، لإرهاب من يتعاطف مع الأهالي من عناصر السلطة، ولقد عرفنا بأن هناك أصوات إطلاق نار تصدر كل ليلة في مقر اللواء 47 في جبل معرين، مما جعلنا نستنتج بأن السلطة تنكل بكل من يظهر تعاطف مع الضحايا
    خرج من حي الحميدية أربعة آلاف من الأهالي مشردين، بعد أن انتشرت الإعدامات بشكل مكثف في الأحياء التي سيطرت عليها السلطة، وفي الطريق تم اعتقال الرجال جميعا
    وصلت السلطة إلى مسجد الشيخ ابراهيم والقبو الذي يقع بين حي الكيلانية وحي بين الحيرين، واتسع تفجير الأماكن والأبنية
    في ذلك الوقت كنا منشغلين بمعركة ساحة القصابة بعد أن اقتحمتها 12 ناقلة ومئات من عناصر السلطة على جانبي الطريق يحيطون بالناقلات، فكمنا لهم بالتنسيق مع من بقي من شباب حي الشرقية وامتنعنا عن ضربهم حتى توغلوا في التقدم، وعندما توقفوا، وعندما نزل أحد الضباط ليقوم بتوزيع الجنود، صدرت إشارة الهجوم وتعالت صيحات الله أكبر مع طلقات الرصاص، وتحطمت الناقلات وعلت سحب الدخان الأسود، وقتل من عناصر السلطة من قتل وفر الباقون، وغنمنا منهم أسلحة وذخيرة
    وفي الصباح الباكر من اليوم التالي شنت السلطة هجوم عنيف على حارة الجورة بالقذائف والقنابل ودكوا الكثير من المنازل
    ثم أوقفوا القصف لتتقدم عناصر السلطة، لكننا اشتبكنا معهم حتى أوقعنا منهم قتلى وجرحى
    في ذلك الوقت انقطع الاتصال بيننا وبين شباب حي الكيلانية المقاوم، ولم تعد تسمع أخبار من هناك!
    لم نعد نسمع سوى صوت تفجير البيوت
    أردت التوجه إلى الكيلانية، أردت أن أطمئن على حميدة، لكنني لم أستطع، لقد منعني الجميع، فما كان بإمكان أي منا مغادرة موقعه، كما أن الشباب الذين ذهبوا لتحسس الطريق إلى الكيلانية أدركوا أنه قد أغلق وما من سبيل للتسلل إلى هناك
    وانشغلت بصد هجوم ليلي على المنطقة التي نتحصن بها، واشتبكنا مع عناصر السلطة في معركة عنيفة حتى انسحبوا هاربين
    وفي الصباح التالي سقط حي الشرقية واقتحمت السلطة البيوت بيتا بيتا وأخرجت منها الرجال، وأجبروهم على ترديد هتافات التأييد لحافظ الأسد
    ثم أجبروهم على التجرد من ثيابهم ، وحشروهم في مسجد الشرقية وفجروه بهم
    كانت مجزرة مروعة أشعلت النار في صدورنا، وأدركنا المصير الذي ينتظرنا إن تركنا موقعنا
    وفي نفس اليوم علمنا بخبر التفجير الذي حدث في وزارة الإعلام بدمشق، فقد أعلنت السلطة بأن سيارة مشحونة بعبوة ناسفة دخلت إلى مستودع مبنى الوزارة وانفجرت محدثة خسائر كبيرة ودويا هائلا، سمعه مايكل فرينشمان محرر بصحيفة التايمز اللندنية، كان في الوزارة وقتها يقوم بلقاء صحفي في الوزارة، فنقل الخبر لوسائل الإعلام
    في الأيام التالية كانت السلطة تضرب وتهدم بعنف لتقضي على كل سبل المقاومة ليستتب لها الأمر، وكنا نقاتل بما تبق لدينا وبما استطعنا الحصول عليه من غنيمة – وما أقله-
    نقاتل وما نعلم ما فعل أهلنا من خلفنا، نقاتل لأنه لا خيار أمامنا إلا أن نقاتل للنهاية
    نقاتل حتى لا يبقى أي ما نمسكه بأيدينا
    نقاتل حتى الرمق الأخير
    نقاتل معذرة إلى ربنا بأننا لم نترك أوطاننا وأهلنا فريسة للطغاة
    .......................................
    عشرون يوما ومقاومتنا مستمرة
    كانت عناصر السلطة تتقدم وتضيق علينا الخناق، وتحاصرنا في المناطق التي نتحصن فيها، لكنا كنا نقاتلهم من بيت لبيت
    نختفي ونكمن لهم، ثم نفاجئهم من كل مكان فلا يعرفوا من أين تأتي النار، فنقتل ونصيب منهم ويفر الباقون مخلفين أسلحتهم غنيمة لنا
    كانت السلطة تحتل البيوت بعد القصف بقذائف الآر بي جي، والدبابات، وعندما يتوقف القصف كنا ندخل معهم في معارك حامية لساعات بعد أن نفاجئهم بالهجوم بالقنابل اليدوية والملوتوف
    وكانت المعارك تشتد في حارة الجورة، ولم تستطع السلطة اقتحامها إلا بعد تفجير عدة منازل، ودارت فيها معركة لعدة ساعات على جهتين نلنا منهم الكثير، كنت أنا وجمال ومجموعة من الشباب نقاتل في جهة، ومجموعة تقاتل في الجهة الأخرى من الحارة، ولكننا اضطررنا للانسحاب لقلة الذخيرة وعدم توافر أسلحة سوى البنادق، وما إن غادرنا المكان حتى اقتحمته السلطة ولغمت البيوت وفجرتها
    وانقطع الاتصال بين مجموعتنا والمجموعة الأخرى فلم نعد نعلم عنهم شيء
    في صباح اليوم التالي ..
    اشتدت عمليات التفجير في الأبنية حتى ظننا أن السلطة ستدك الحي ولن تترك فيه حجرا على حجر، وباتت المنطقة التي ندافع عنها لا تتعدى عشرون بيتا وحاصرتها الدبابات من كل جانب ولم تتوقف عن القصف، وأخذت السلطة تزج بمئات من العناصر وعشرات الآليات وتستخدم القنابل الحارقة والغازية وكافة أنواع الأسلحة
    وتساقط الكثير منا شهداء ونحن نقاومهم بالبنادق، ونستخدم معهم أسلوب القنص
    وأخذت تضيق المنطقة التي ندافع عنها وكلما اقتحمت السلطة بيتا فجرته، حاولت عناصر السلطة اقتحام المكان قبيل الفجر، وهم يطلقون القنابل المضيئة لكشف الأماكن التي نختبئ فيها، فنتوارى حتى تنطفئ ثم نهاجمهم حتى كبدناهم خسائر فادحة
    لكن جمال أصيب إصابة بالغة في ساقه، ولم يستطع الوقوف على قدميه، فحملته على كتفي وعدنا لمكمننا متسترين بالظلام
    انسحب جنود السلطة ليلا، وفي الصباح هاجمونا من كل الجهات وهم يقصفون المنزل الذي نختبئ به، فتهدم بالكامل إلا القبو الذي صار ملاذا لنا، فكنا نناور ونخرج لهم فنقتل منهم ويقتلون منا لا نبالي بنيرانهم
    كنا نعلم أنها معركتنا الأخيرة، وأقسمنا أن نموت بشرف وسلاحنا في أيدينا ولو كان فارغا من الذخيرة
    وليشهد الله وملائكته في السماء أننا بذلنا ما في وسعنا لنحمي أرضنا وأهلنا
    وعند العصر قررنا مغادرة القبو لنستشهد في ساحة المعركة ونحن نواجههم وجها لوجه، فانقسمنا إلى مجموعتين، خرجت المجموعة الأولى من القبو، وبقيت مع جمال بسبب إصابته، وبعدها سمعنا أصوات لمعركة عنيفة تدور بالخارج، ولم نستطع الخروج
    وكلما تقدمت عناصر السلطة من القبو أطلقنا عليهم ما تبقى لنا من ذخيرة، فيتراجعون، فلم يجرؤوا على اقتحام القبو
    ثم جاؤوا ببلدوزر وأخذوا يهيلون التراب على القبو حتى ردموه بالكامل، وأدركنا أن تلك الساعة هي آخر ساعة لنا في الحياة، فودعنا بعضنا بعضا آملين أن نلقى الله شهداء، وقد تيقنا أنهم سيفجرون القبو بعد أن ردموه علينا
    وبقينا على تلك الحالة حتى الساعة الثامنة مساءا دون أن يحدث شيء، ففتحنا ثغر في القبو، وذهبت لاستطلاع المكان بالخارج فلم أجد أحدا، فعدت لجمال
    وحاول أن يقنعني بالرحيل لكنني أبيت أن أتركه وأغادر، وعند منتصف الليل أدرك جمال أنني لن أغادر دونه فتحامل على ساقه السليمة واستند إلى كتفي وقد عزمنا على الخروج معا والموت فوق الأرض برصاص السلطة بدلا من انتظار الموت في تلك المقبرة
    ونجحنا في الانتقال من مكان لمكان والتواري بين أنقاض البيوت حتى تمر الدوريات، وهالنا حجم التدمير الذي طال البيوت والمساجد
    استغرقنا مدة طويلة للغاية حتى اقتربنا من حارتنا التي كانت نصف بيوتها مهدمة من الأمام، ودخلناها بقلب وجل نتوجس خيفة مما حدث لأهلنا وبيوتنا
    كان الخراب يعشش في كل مكان والصمت يظلل الحي بغيمة سوداء، ونحن نتقدم ببطء صوب بيت أبي
    دخلت من الباب المفتوح بخطوات وجلة تتحسس والبيت غارق في الصمت، لا يسمع فيه إلا صرير الباب العتيق
    وقفت متجمدا في مكاني تدور عيناي في محجريهما عاجز عن التصديق، كل ما كنت أشعر به وقتها هو الإنكار وعدم التصديق
    فهذا الغارق في دمائه ليس أبي، ليس هو أبدا
    ذلك الذي كان صوته الجهوري يلعلع من أول الحارة يحمل معه المحبة والمهابة لكل أهلها، لا يمكن أن يكون جثة هامدة لا حياة فيها
    وتلك المرأة التي ترقد على وجهها وظهرها تبدو منه طلقات الرصاص من بين الدماء، لا يمكن أن تكون هي أمي التي كانت تحنو على الجميع وتملأ البيت بالبهجة
    وعمر! العفريت عاشق الكرة قائد فريق الكاسح، هل يشبه ذلك الصغير المذبوح بجوار أمه!
    وعادل الصغير ذو الابتسامة الساحرة، أهو حقا ذلك الطفل الذي أغرقت الدماء جسده وماتت الابتسامة على وجهه وهو يرقد في أحضان جدتي العجوز التي لن أراها مجددا ولن أنعم بدعواتها الطيبة لي!!
    لا أكاد أصدق أن هؤلاء هم من قضيت الأيام والأسابيع أقاتل دفاعا عنهم
    حتى لا أراهم في ذلك المشهد الرهيب، صرعى متناثرين في أرجاء بيتنا الذي كان منذ ثلاثة أسابيع فقط يضج بالحياة
    أيقظتني صرخة جمال الملتاعة من سباتي، وأخرجتني من الوهم الذي صنعه عقلي كي يحميني من الجنون في أشد لحظات عمري مأساة
    وبدأت أدرك حجم الفاجعة وأنا أرى جمال يزحف على الأرض بجسده وساقه السليمة ويتحسس أجساد أبيه وأمه وإخوته
    لقد جمعت السلطة الأهالي الذين بقوا في بيوتهم في الحارة، وحشروهم في ساحة بيتنا، وقضوا عليهم رشا
    لم يفرقوا بين رجل وامرأة وطفل
    ألقيت بنفسي على جثث أحبتي أحتضنهم وأشمهم وأقبلهم وأتحسسهم
    أصرخ عليهم فلا يجيبون، أبكي فلا يستمعون
    من عدة ساعات فقط كنت متيقنا من موتي أنا وجمال، وكنا نودع بعضنا بعضا لنستقبل الموت بترحاب
    والآن أتمنى لو أنني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا
    صار الموت الآن عزيزا غاليا بعد أن وضعت الحرب أوزارهم وانتهت المقاومة، فمن يقع في أيديهم لن يقتلوه، بل سيتم ترحيله إلى المعتقلات ليذوق عذابا فوق عذاب وينكلوا به أشد التنكيل
    دفنا أهلنا وأحبائنا، ودفنا معهم قلوبنا وأرواحنا، وصرنا أحد الشهود على اجتياح تتار العصر مدينتنا واستباحتها وتدميرها وذبح أهلها
    نجونا!!
    ربما
    ولكن، بلا أرواح، ولا قلوب ولا ألسنة
    فما حدث للمدينة العريقة أبشع من أن نستطيع أن نجتره ونحكيه، وصار الصدر سجنا لحكايا لا تجد سبيلا للوصول لآذان الناس
    هربنا من الاعتقال لنسجن أنفسنا بين جدران الصمت، لم تعد للكلمات قيمة بعد أن صارت أوطاننا محرمة علينا!
    بل لم تعد للحياة ذاتها قيمة بعد أن عجزنا عن ترطيب شفاهنا بذكر اسم الوطن
    الوطن!!
    لم تعد لتلك الكلمة معنى سوى الألم
    لم يعد لها مرادفا في اللغة سوى القهر، بعد أن دفنا فيه أغلى ما نملك
    وتمر السنون ويبقى الألم في القلب، ويعجز اللسان عن البوح، لكن في لحظة ما أدركت أن على واجب أن أحكى لمن لم يسمع ولم ير قصة مدينة عصرتها أيادي الظلم في غفلة من العالم
    أحكي لأبناء تلك الثورة المباركة ما لم يسمعوه ولم يعايشوه من تاريخ وطنهم
    فهل سيعيد التاريخ نفسه؟
    أم أن شيء ما تغير؟
    أغلقت لين آخر صفحة من الكتاب ودموعها تهطل على صفحاته، وقد عجزت عن السيطرة على شهقاتها وأنينها
    كانت ترى مأساتها في كل صفحة من صفحاته، وفهمت أخيرا أن ما يربطها بعمر الكيلاني أقوى بكثير من القرابة والدم
    إنه المصير
    ناجي!!
    طرق الاسم عقلها كجرس إنذار واستفاقت على حقيقة نسيتها عندما غرق عقلها بين سطور الكتاب
    لم يذكر عمر الكيلاني أي شيء عن ناجي في الكتاب
    عادت تفتح الكتاب وتقلب فيه بسرعة وتعيد قراءة المقدمة والخلفية
    لم يذكر عمر أو مصطفى شيء عن ناجي
    أسقط في يدها ونسيت الحزن والبكاء وحل محلهما الذهول والدهشة
    وعادت للدائرة المغلقة التي تدور فيها بلا فائدة
    من هو ذلك الرجل الذي تزوجته!!
    ...........................



  4. #34

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,520
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة الواحدة والثلاثون
    (31)
    ما من سبيل لإغلاق بابها عليها والانخراط في بكاء لا جدوى منه، بعد أن قضت الليل تعايش قصة عمر الكيلاني وتتجرع الألم مع كل سطر فيها
    فهناك ضيوف في البيت وعليها أن تقوم بواجبها تجاههم، عليها أن تتجلد وتخرج إليهم مهما كانت تشعر بالإرهاق، والحاجة إلى النوم، ومهما بلغت حالتها النفسية من سوء
    عليها أن تقوم بدور سيدة المنزل وتضيفهم كما ينبغي
    وقبل كل هذا، عليها الاتصال بجان لتطلب منها لقاء عاجل اليوم فيالمطعم لتبوح لها بحيرتها علها تجد عندها ما يشفي فضولها
    كانت تجلس إلى مائدة الإفطار ساهمة، ترد على حديث عمتها الودود بكلمات بسيطة لم تمر على عقلها الذي كان في خضم عاصفة عاتية لا يراها أحد، لكن يزن كان يتابعها بنظراته من وقت لآخر، يستشعر غرابة في تصرفاتها لا يدري لها سببا
    لم تستطع أن تنهي إفطارها بهدوء، فقد أتتها مكالمة على هاتفها المحمول من بيتر المحامي، فاستأذنتهم وخرجت إلى غرفة المعيشة لتتحدث إليه، وأتاها صوته عبر الهاتف وهو يقول بأسلوبه الفظ : عليك أن تأتي في الحال إلى مكتب التحقيقات
    فسألته بوجل : هل هناك معلومات عن ناجي!
    قال مباشرة : لا، ولكن لديهم ما يجب أن تسمعيه
    سأنتظرك هناك فلا تتأخري
    بقي الهاتف معلقا في يدها بعد أن انتهت المكالمة وقد اجتاحها شعور بالقلق العارم وتتابعت الأسئلة الحائرة في عقلها
    هل وصلتهم معلومات عن ناجي؟ أم يريدونها أن تتعرف على جثة أخرى!
    قطع حبل أفكارها وجود يزن معها في نفس المكان، لقد تبعها إلى غرفة المعيشة عندما استشعر في صوتها قلقا وارتباك
    وقفت أمامه صامتة، وانتظر هو أن تبدأ الحديث، لكنها لم تفعل، فقال بتردد : أتمنى أن تكون الأمور على ما يرام
    قالت بجدية : مشاكل العمل المعتادة، اطمئن، فمحامي ناجي يتولى الأمر
    ظهرت في ملامحه أمارات عدم الرضا، وكأنما كان يريد أن يسمع إجابة أخرى لسؤاله
    أدركت لين أنه يريد الحديث، وإن فتح الحديث الآن فلن تستطع أن تنهيه لتلحق ببيتر في مكتب التحقيقات، فبادرت قائلة قبل أن يتكلم : أرجو المعذرة، فلابد أن أخرج الآن فلدي موعد هام
    أطرق برأسه متفهما : أردت فقط أن أقول، إذا صادفتك أية مشاكل، فأرجو أن تعتبريني كخالد تماما
    أجابت بلهجة جامدة متعجلة وكأنما تريد إنهاء الحوار : هذا مما لا شك فيه
    ابتلع باقي كلماته والتف مغادرا، فاستوقفته قائلة : يزن
    إلتفت إليها منصتا باهتمام، فقالت بلهجة يشوبها التردد : أرجو ألا تسيء فهمي، لكن زوجي اضطر للسفر في أمر عاجل، وأرجو أن تقبل أنت وعمتي دعوتنا لقضاء بعض الوقت في البيت الريفي لحين عودته، لنجتمع جميعا هناك وتتعرف إليه
    أدرك يزن أن وضعه في البيت صار به حرج لعدم وجود صاحب البيت، فأومأ برأسه متفهما، فأكملت بعجلة : سأترك لك مهمة شرح الأمر لعمتي، وأشكر لك تفهمك للأمر، سيصطحبكم السائق الخاص للبيت الريفي بعد ظهر اليوم
    غادرت المكان وهو يتتبعها بنظرات الأسف والندم، وعندما التفت خلفه، رأى صورة ناجي الكبيرة التي تحتل الجدار، لم تكن مضاءة، لكن ملامحه كانت واضحة في ضوء النهار، وقف لدقائق يتأمل ملامح الرجل الذي حل محله في حياة الإنسانة الوحيدة التي أحبها بصدق
    راوده شعور مرير بالأسى والألم، ولعن الحرب التي سلبته كل شيء
    سلبته الحب، وانتزعت منه أغلى الناس، وسرقت منه أجمل أيام حياته، وحجبت عنه مستقبله وأحلامه
    لقد اضطر أن يتركها هناك هي وأمها في المخيم بعد أن فقد كل ما جناه من سنوات الغربة الطويلة ودفعه فدية لينقذ به أخاه الذي عاد إليه جثة هامدة
    وبعدها نجح بصعوبة في استخراج أوراق السفر لأمه وأخته ليصطحبهما معه
    أما هي، كانت زوجته بحكم العقد المكتوب، لكنها ما كانت تستطيع أن تترك أمها المريضة في المخيم وتسافر معه، كما أنه عجز عن استخراج أوراق لأمها، فهي ليست من أقرباء الدرجة الأولى
    واضطر للعودة الى عمله في الخليج بعد أن أنفق آخر ما لديه من مال، ولكنه ترك لها ورقة تحررها من ارتباطها به
    بعد أن تحطمت كل أحلامه، علها تجد من ينقذها هي وأمها من مصيرهما كلاجئتين في مخيم
    ومن يومها لم يستطع أن ينعم بلحظة سكينة، ولم تتخلص مشاعره من إحساس الندم القاتل لأنه اضطر أن يتركها وحيدة هناك
    ........................................
    كانت تجلس في السيارة المنطلقة إلى مكتب التحقيقات تجتر ذكرياتها الواحدة تلو الأخرى في أحلك فترات حياتها سوادا في المخيم
    عندما بلغها نبأ طلاقها وهي تراقب أمها في فراش المرض، عاجزة أن تخبرها بما آل إليه حالها، وأنها صارت مطلقة قبل أن تتزوج، تحبس الحقيقة في صدرها لتخبر أمها كذبا بأن يزن سافر ليعد بيت الزوجية لاستقبالهما كي يليق بعروسه
    وحتى لحظاتها الأخيرة في الحياة لم تستطع أن تخبرها بالحقيقة
    لم تستطع أن تصب غضبها ولا نقمتها على يزن، فقد سلبته الحرب كل ما يملك كما فعلت معها
    فرحى الحرب تسحق تحتها كل شيء
    وصلت إلى مكتب التحقيقات، وهناك كان بيتر بانتظارها وملامحه مفعمة بالقلق
    التقت الشرطي والشرطية اللذان يباشران قضية اختفاء ناجي، وقد تعرفت اليهما من قبل عندما استدعياها سابقا لثلاجة الموتى لتتعرف الجثة التي وجدوها
    جلست امام الشرطية تستمع ببالغ الصبر لذلك الهراء الذي تقوله، وتكبت غضبها العارم بداخلها، وفي رأسها تتكون فكرة واضحة عما تريد ان تصل الشرطية اليه باتهاماتها المبطنة لناجي
    أنهت الشرطية شرح الأمر للين، وسادت لحظة صمت تبادل الجميع فيها نظرات الترقب، لين وبيتر والشرطي والشرطية
    تنحنحت لين لتنقي حنجرتها التي تحشرجت من الغصة التي تسدها، وحاولت السيطرة قدر استطاعتها على مخارج كلماتها حتى تحتفظ بأدنى قدر من التهذيب، ثم قالت بترقب : هل أعتبر هذا اتهاما رسميا!
    قالت الشرطية بلهجة تشوبها السخرية : حتى الآن لا شيء رسمي، ولكن قد نضطر إلى..
    صاحت لين في وجهها بغضب : إلى ماذا! هل ستلصقين بزوجي تهمة ليست لها أدلة!!
    تدخل الشرطي محاولا التهدئة : سيدتي لا أحد يحاول إلصاق اية تهم، نحن نبحث فقط عن الحقيقة
    هتفت : أية حقيقة، كل ما قالته زميلتك محض هراء، تحاول أن تتهم ناجي ولا تملك سوى شكوك ووساوس
    قالت الشرطية ببرود : الأمر ليس فقط وساوس، ألم يسبق له أن زار غزة؟!
    هتفت : وما الجريمة في ذلك؟! لقد أدى حفل غنائي هناك، ثم عاد إلى بلاده كأي مواطن صالح
    قالت الشرطية بخشونة : مدام، هل تعلمين كم عدد الذين خرجوا من فرنسا ليتطوعوا في الجماعات الارهابية في الشرق الأوسط!! زوجك ليس استثناء
    سألتها بتهكم : اذا فأنت متأكدة أن ناجي خرج من فرنسا!! حسنا، أريد دليلا واحدا على ذلك
    تراجعت الشرطية في مقعدها وتبادلت النظرات المترقبة مع زميلها الشرطي بصمت
    أراد بيتر تهدئة الموقف فمال عليها قائلا بالعربية : ليس في صالحنا الانفعال الآن، فلنستمع لما عندها، و..
    نهرته زاجرة بالعربية : اخرس أنت
    ارتد للخلف من المفاجأة وابتلع ما كان يهم بقوله بعد أن أدرك أن لين قد استنفرت كل قوى الغضب بداخلها
    وكذلك صمت الضابط وساوره القلق وهو يرقب ردود أفعالها، أما الشرطية فقد ارتسم في ملامحها مزيج من التهكم والشماتة
    التفتت إليها لين وقالت بوجه متجهم : لم لا تصرحين بها علانية ودون مواربة، هل تتهمين ناجي بأنه انضم لداعش!
    قالت الشرطية ببرود : لا تبرير مقنع لسبب اختفائه سوى ذلك
    قالت : سألتك إن كان لديك دليل فلم تجيبي!
    قالت الشرطية : لدي ما يكفي من القرائن، فلا سبب يدعو نجم شهير للاختفاء الا ان كان غادر البلاد بطريقة غير شرعية
    قالت بحدة : وهل هذا سبب كافي لاتهامه!!
    أم أن هناك أسباب أخرى كزواجه من امرأة سورية مثلا!!
    هزت الشرطية كتفيها وهي تلوح بكفيها كمن يتفق مع تلك الرؤية
    فهتفت لين وقد بلغ غضبها مبلغه : ترى هل أعتبر هذا تحيز وكراهية ضد المهاجرين العرب!! أم أترك العنان لعقلى لتخيل أن هناك عنصر خارجي تدخل لتوجيه سير القضية!!
    لم يجرؤ بيتر على فتح فمه ولا التدخل بعد أن نهرته لين بعنف أمامهما، لكن الشرطي تدخل وقال : عفوا مدام، كلماتك بها اتهام صريح للشرطة
    قالت بتهكم : لقد اتبعت كل السبل القانونية للبحث عن زوجي، ولجأت للشرطة، ولم تتخذوا أية خطوات جدية للبحث عنه، وبدلا من أن تقوموا بواجبكم في ازالة الغموض عن اختفاء مواطن فرنسي، توجهون له تهمة بلا دليل، ولا أساس لها من الصحة
    قال : سيدتي لقد بذلنا ما في وسعنا ل..
    قاطعته متهكمة : حقا!! وهل توصلتم لمكانه!! لا
    ما رأيكما إذا أن أوجه الدعوة للصحافة لتساعدني في البحث عن زوجي!
    هتفت الشرطية غاضبة : هل تهدديننا بالصحافة!!
    قالت بتهكم : ألسنا في بلد ديمقراطي حر يحترم القانون! لا تقولى ان الشرطة تخشى أن تعلم الصحافة بأنهم فشلوا في معرفة سبب اختفاء مواطن فرنسي صالح، ونجم محبوب
    قالت الشرطية بتحدي : افعلى ما ترينه صوابا، فنحن لا نخشى شيئا
    قالت : ربما يتوصلون لما لم تستطع الشرطة التوصل إليه، ويكتشفوا أن ناجي تعرض للاختطاف مثلما حدث معي
    تساءل الشرطي بدهشة : وهل تعرضت لمحاولة اختطاف!
    مال عليها بيتر محاولا إيقافها عما تفعل وهمس لها : أتوسل إليك لا تبدأئي طريقا أخره هاوية لا نعلم كم يبلغ قعرها
    همست له بالعربية وهي تصر بأسنانها غيظا : قلت لك إخرس
    قالت الشرطية باستهانة : وكيف نصدق أنك تعرضت إلى الاختطاف ولم تتقدمي بأية شكوى!
    قالت متهكمة : إلى من أتقدم بالشكوى! إلى من فشلوا في التوصل لمكان زوجي المختفي!!
    حسنا، ها أنا ذا أتقدم بالشكوى، فهل ستسجلان ما أقول، أم أذهب مباشرة للصحافة لعلي أجد هناك الاهتمام الذي أفتقده هنا!
    قال الشرطي : ولماذا لم تتقدمي بالشكوى بعد الحادث مباشرة؟
    أجابت مباشرة : لأنني كنت مهددة، ولأنهم أحرقوا المطعم أيضا
    كما أنني كنت أخشى ألا تصدقني الشرطة لأنني عربية فما أسمعه عن تلك الممارسات العنصرية ضد المهاجرين العرب، أصابني بالخوف
    صمت الشرطيان تماما وتبادلا النظرات المترقبة، وكأنما كلمات لين قلبت لهما ما كانا يدبرانه، وأسقط في يد بيتر وظهر على وجهه القلق
    وبقيت لين تنظر إليهما منتظرة ما سيقولان، وعندما عيل صبرها قالت بنفاذ صبر : ألن تسجلا شكواي!
    قال الشرطي : حسنا، هل تتهمين خاطفيك بأنهم أحرقوا المطعم!!
    قالت مباشرة وهي تومئ برأسها : أجل
    قال : أتعرفينهم؟
    قالت مباشرة : السيد كريستيان، ويوسف منير ومراد كساب
    هتفت الشرطية باعتراض : أتتهمين السيد كريستيان؟!!
    تفحصتها لين وقد اشتمت أنفها رائحة قذرة في الأمر، وقالت بتهكم واضح : إن لم يكن لديك مانع
    قال الشرطي : ألديك دليل أو شهود؟
    قالت : السيد بيتر، وبعض العاملين في المطعم، وسائقي الشخصي، وحرس البناية التي بها مكتب زوجة مراد كساب
    كان بيتر قد وصل لآخر درجات القلق، وتعرق جسده وهو ينتظر الوبال الوخيم الذي ستسقطه على رأسه تلك المتهورة بأفعالها الطائشة
    فهمس لها بالعربية وهو يطحن أسنانه : ستفتحين أبواب جهنم فوق رؤوسنا
    ردت بصوت خفيض : وربما فوق رؤوسهم أيضا
    لن أسمح لهم بتلفيق تهمة كاذبة لناجي أبدا وان اقتضى الأمر فسأهدم المعبد فوق رؤوس الجميع
    خرجت من مكتب التحقيقات بخطوات سريعة بعد أن ألقت القضية برمتها في ملعبهم مع تهديد صريح بتوصيل الأمر للصحافة ووسائل الإعلام، وتهديد مبطن باتهامهم بالعنصرية ضد المواطنين ذوي الأصول العربية
    كانت تسرع الخطى لتلحق بموعد لقائها مع جان في المطعم، وبيتر يتبعها قائلا : ستفسدين كل شيء بتهورك
    قالت دون أن تبطئ : تلك الشرطية القذرة رائحة العنصرية تفوح من كلماتها البغيضة
    هتف : أعلم، وربما تكون على صلة ما بكريستيان او بحزبه، ولهذا كان عليك التريث وعدم المواجهة الآن حتى نرتب للأمر
    قالت : قلت لك قبلا إن كنت خائفا فابتعد عن الأمر والعديد سيسره التطوع للقيام بمهماتك
    تلك القذرة تريد أن تغلق منافذ العودة إلى فرنسا أمام ناجي، ولن أسمح لها بذلك
    هتف بغيظ : أنت تلقين بنفسك في قلب الخطر، وتعلنين الحرب على يوسف منير وكريستيان، و لن ..
    هتفت آمرة : اتصل بسعد وأخبره أن يعد حملة دعاية كبيرة لحفل ناجي القادم
    كانت قد وصلت لسيارتها وتهم بفتح بابها الخلفي عندما هتف بها : حفل!! أي حفل؟!
    قالت بثقة : الحفل الذي سيقدمه ناجي بعد عودته، أخبره بأن تكون الدعاية ضخمة، أكبر حملة دعاية قام بها في حياته، أريد لفرنسا كلها أن تسمع بذلك الحفل الضخم الذي سيغني فيه ناجي، وكذلك دعاية ضخمة لجولة فنية قريبة لجميع محافظات فرنسا
    هتف بها مندهشا : إن ما تفعلينه هو الجنون بعينه! وماذا لو قمنا بحملة الدعاية ولم يظهر ناجي ليغنى في الحفل؟!!!
    التفتت إليه قائلة بلهجة مهددة : أنت لم تعد تصلح للعمل معي أو مع ناجي، لا فائدة منك، فأنت لا تفعل أي شيء سوى الاعتراض
    وصله تهديدها الصريح بالاستغناء عنه، فابتلع ريقه بتوتر وقال بهزيمة : حسنا، مريني وسأنفذ، ولكن أريد أن أفهم، كيف سيحيي ناجي حفلا وهو مختفي
    صمتت لحظة، ثم أجابت بثقة لا تشوبها شائبة : سيعود، سيعود قريبا جدا، وستسمع فرنسا كلها صوته
    ........................................
    اجتمعت مع جان حول طاولة من طاولات المطعم في ركن قصي، بعيد عن الحركة والضجيج، والتمست جان لها العذر لتأخرها عن الموعد بعد أن قصت عليها لين حديثها مع الشرطي والشرطية
    وحضر الصمت ضيفا بين الاثنتين واستغرقت جان في التفكير في كل ما حدث، وكل ما حكته لها لين وعقلها يعمل جاهدا لتقدير الموقف وتوقع القادم
    وبقيت عيناها تتابعان بشرود حركات العاملين في المطعم ، ومجموعة الشباب الذين تطوعوا بوقت فراغهم للمساعدة ليعود المطعم أفضل مما كان
    ومنهم زملاء لين في الجامعة
    ابتسمت جان عندما لاحظت حركات أحمد النشيطة، وهو يمزح مع صالح، قالت : هؤلاء الشباب رائعون، لديهم الكثير من الحماس لفعل أي شيء
    لا ينقصهم سوى هدف يجتمعون له
    التفتت للين التي تجالسها حول نفس الطاولة وقد أخذت تتابع بنظرها زملائها، ثم قالت : لم لا تنضمين إلى القافلة التي يجهزونها للذهاب لسوريا بعد انتهاء الدراسة!
    سألتها لين : وهل تعتقدين حقا أن ناجي ذهب إلى هناك!
    هزت جان رأسها : ربما، بنسبة كبيرة نعم
    -كان عليه على الأقل أن يخبرك إن كان حقا ينتوى الذهاب إلى هناك
    -إن كان ناجي سيخبر شخصا بالمكان الذي سيذهب إليه، فلن يكون هذا الشخص أحد سواك
    نظرت إليها لين وارتسمت على وجهها الدهشة، فقالت جان مؤكدة : صدقيني، أنا أعرف ناجي جيدا، الأمر لا يتعلق فقط بالحب، ناجي رجل يتحمل مسئولياته، وما كان له أن يترك زوجته حائرة لا تعلم مكانه
    تنهدت لين وقالت بحيرة : ولماذا يذهب إلى سوريا! ما الذي يريده من بلدة أنهكتها الحرب
    -ربما اشتاق لعمر الكيلاني
    -إنه مجنون، الكل يتربص به هنا، لو طالته أيديهم فسينكلون به
    -ليس هو المجنون، لقد انتشر الجنون في كل مكان في فرنسا، أحيانا أنظر حولي فلا أعرف البلدة التي ولدت وعشت فيها عمري، العنصرية والكراهية صارت كموج عال يضرب الشواطئ الآمنة
    أكثر من ثلاثين عاما قضاها ناجي في فرنسا، كان فيها فرنسيا أكثر من الفرنسيين أنفسهم
    والآن يريدون إلصاق تهمة الإرهاب به!!
    سألت لين : من الذي أحرق المطعم؟
    ردت مباشرة : يوسف منير
    -وماذا عن كريستيان!
    -بالتأكيد يعلم، لكنه لا يستطيع أن يورط نفسه في جريمة مباشرة وهو مرشح للانتخابات البرلمانية
    -إذا فيوسف منير هو اليد التي تقوم بكل الأعمال القذرة! ولكن لم! بعد موت عمر الكيلاني واختفاء ناجي، لم يعد المطعم يمثل أي خطر عليهم
    -لقد رأى الخطر القادم متمثلا فيك
    نظرت لها بدهشة، ولم تفهم جيدا ما ترمي إليه، فأكملت جان موضحة : الحقيقة أنني لم أر أحدا أشبه بعمر الكيلاني منك
    عقدت حاجبيها بحيرة، فقالت جان : بالطبع لا أعني الشكل، بل الروح
    شردت لين وعادت بعقلها إلى الكتاب الذي تركته بالبيت، وأخذت تفكر في الشبه الذي تعنيه جان في حديثها بينها وبين عمر الكيلاني
    هل هي وحدة البدايات، أم تشابه الظروف التي مر كلاهما بها، أم هو تشابه القربى
    (حتى ناجي لم يكن يشبهه بهذا القدر)
    أدركت أن السؤال لمتعجب لم يكن من داخل عقلها عندما انتبهت لجان وهي تكمل : بل لم يكن يشبهه أبدا، فبعكس عمر، كان ناجي مؤمنا بأن فرنسا هي موطنه، وعليه أن يتصرف كمواطن فرنسي له كل الحقوق
    أتذكر عندما اجتمع عمر الكيلاني مع رجاله المقربين وقد فاجأهم ناجي بإحدى اقتراحاته الأشد جنونا (لماذا لا نشارك بالتصويت في انتخابات الرئاسة بكل طاقتنا!)
    كان الجميع ينظر عليه كمجنون فر من مستشفى للأمراض العقلية
    لكنه كان مؤمنا بفكرته لأبعد مدى
    لم يكن عمر الكيلاني ورجاله يهتمون قبلا بالانتخابات، ولا بأي حزب يتولى زمام الأمور، ولا بمن فاز ولا من خسر
    بعكس يوسف منير، الذي لم يكن فقط يهتم أو يكتفي بالتصويت لمن يراه يحقق مصالحه
    بل كان يتداخل مع الأحزاب، ويساعد في الحشد لمن يمنحه المصلحة الأفضل، ومن يستطع أن يحميه ويحمي أنشطته القذرة
    ظهور يوسف منير في محيط ناجي جعله يفكر كيف يستغل الأمر ويمارس حقوقه كأي مواطن فرنسي، ويستفيد من الانتخابات
    استطاع ناجي أن يغير الكثير من آراء وأفكار عمر الكيلاني الذي وافق أخيرا على المشاركة في الحشد للحزب الذي يظنون أنه أقل عنصرية تجاه العرب المهاجرين
    قالت لين : أتذكر جيدا أن الصحافة في المنطقة العربية تداولت وقت الانتخابات الفرنسية موقف المسلمين الفرنسيين من الحزب الحاكم والرئيس الذي أصدر قوانين ضد مصالحهم هناك
    ابتسمت جان : لأول مرة يجيد اللوبي المسلم استخدام قوته التصويتية بشكل منظم، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يكتشفوا فيها كيف يمكن أن يؤثروا بشكل فعال في المجتمع إذا ما اتحدت أصواتهم ضد أصوات العنصرية البغيضة
    لقد كان حلم ناجي عن بلدة يمكن التعايش فيها بعدالة
    كان مؤمنا بمبادئ الثورة الفرنسية، لهذا لم اندهش كثيرا عندما عرفت الحقيقة بعد اندلاع الثورة السورية
    أفصحت لين عن السؤال الذي يؤرقها : ولكن، من هو؟ وما علاقته بعمر الكيلاني!
    ألم يثر فضولك ذلك السؤال!
    أجابت : وما الفارق إن كان ابن عمر الكيلاني أم لا!
    هذا الشيء يخصهما وحدهما، ومهما كانت حقيقة أباه وأمه، سيظل في عيني ناجي الذي أحبه
    تغير وجه لين، وبدت عليها أمارات الصدمة، فقالت جان بصدق : لا تتعجبي، فقلما امرأة – صغيرة كانت أو كبيرة- تقترب من ناجي ولا تتعلق به، و يغمرها شعور جارف بأنها مسئولة عنه أو مسئولة منه
    وعلى أن أعترف بذلك رغم ما أراه في عينيك من الغيرة الشديدة، وعلى الرغم من أنني لن أجني شيئا من هذا الحب، فقد كان ناجي صريحا وواضحا منذ البداية عندما صارحني بأنه يعتز بي كصديقة، ولا أمل لأكثر من هذا
    آلمني قراره، لكن ما يواسيني حقا هو أنه عندما يعود سيجد هاهنا امرأة مختلفة، تبادله حبا بحب، وتعمل جهدها لإسعاده
    سألتها بفضول : ألم تقرري الانسحاب من حياته!
    قالت باسمة : لست امرأة عربية لأثور وأغضب من قراره وأبتعد عنه!
    إن وجودي بالقرب من ناجي هو أكثر فائدة لي من ابتعادي عنه، وفي كل الأحوال إن لم أكسبه حبيبا، فلن أخسره صديقا
    حانت لحظة الوداع ورافقتها لين إلى باب المطعم، وصافحتها جان بود كبير وهي تقول باسمة : سأظل دائما صديقة وفية له ولك، ولا سبيل للخلاص مني
    تبسمت لين ضاحكة وشدت على يدها بمحبة، وجان تقول : ربما نجلس معا يوما ما لتحكي لي كل ما حدث لك، وأدونه في كتاب آخر يحكي عن شعب قام بثورة عظيمة من أجل الحرية
    وانتصر..
    ارتج قلبها بين جنباتها من صدق الكلمة التي مست روحها، فعانقتها بود وسكبت دموع الألم، وربتت على كتفها، وقد استشعرت تعاطفها الصادق مع قضيتها
    فقد كانت جان تؤمن بصدق بمبادئ الثورة الفرنسية وتعرف للحرية قدرها
    ...........................................
    عادت لين بعد الظهر لتلحق بعمتها وتودعها قبل ذهابها إلى البيت الريفي، وكررت اعتذارها أكثر من مرة بأنها لن تستطيع أن ترافقهم وتقوم بواجب الضيافة
    فالسنة الدراسية على وشك الانتهاء، ويجب أن تبقى حتى تعلم ما حققته هذا العام، مما سيحدد مصيرها العام القادم وأين ستكون
    احتضنتها عمتها بحب كبير وطمأنتها أنها تقدر ظروفها، وستنتظرها هناك حتى تنتهي من دراستها
    ثم سالت دموعها بحسرة، وتبدى في صوتها الأحلام والأمنيات المستحيلة : ما كنت أتخيل أبدا أن ابنة أخي الغالي يمكن أن تتزوج من رجل ليس سوريا، للأقدار تصاريف أخرى لا يعلمها البشر
    ولكني الآن أتوق للتعرف إلى ذلك الرجل الرائع الذي تزوجته
    عانقتها عمتها بقوة، ووقعت عينا لين على وجه يزن الذي يكسوه الأسف والحسرة، وعندما رآها تنظر إليه، قال بصوت خفيض : تذكري أننا عائلتك، وإن احتجت لأي شيء، فاعتبرني مكان خالد
    هزت رأسها ودموعها تغمر وجهها، وودعتهم حتى السيارة، وهي تتعجب من تبدل مشاعرها على هذا النحو، فها هو يزن يغادر أمام عينيها دون أن يترك في قلبها أية مشاعر، بل هي سعيدة برحيله، وكانت تدبر وتسعى لمغادرته البيت بسرعة
    بل هي تتساءل الآن مندهشة، هل أحبته يوما حقا!!
    عادت إلى البيت بخطوات بطيئة، مستو حدة
    كل شيء حولها صار خاويا فارغا
    كان اليوم قاسيا مؤلما يفيض بالمشاعر المتضاربة، مرهقا لأقصى درجة، ضاغطا بعنف على أعصابها
    وبرغم انقضاء ساعاته القليلة، لكنه ترك روحها مرهقة، وقلبها مفعم بالألم
    اتجهت إلى غرفة المعيشة، ووقفت لحظات أمام صورة ناجي المظلمة، ثم أضاءتها فأنارت الغرفة، وأظهرت ملامح ناجي المحببة المختبئة في الظلام
    تأملت وجهه، ونظرته الحالمة التي تمتلئ بالسكينة والسلام، لكن أعصابها اشتعلت فجأة وشب الغضب في روحها، وبدأت تتحدث إلى الصورة وكأن من فيها يقف أمامها يستمع إليها
    أين أنت؟
    لم رحلت وتركتني، دون كلمة !
    هل كرهتني!
    ألم يعد في قلبك هذا الذي يسع العالم مكان ليلتمس لي بعض العذر!
    أتعاقبني بالفراق!!
    سالت دموعها وانتحبت بألم : لم لم تصرخ في وجهي! أو تتشاجر! لم لم تخبرني كم أنا حمقاء غبية!
    لم لم تمنحي الحق لأعرف مكانك! لم أسمع صوتك في الهاتف، لم تترك لي حتى رسالة !
    هل ستكون سعيدا لو أصبتني بالجنون!
    انتبهت فجأة لشيء نسيته : أم تراك اكتشفت حقيقة ما كان بيني وبين يزن! هل علمت بأنه كان خاطبي!
    هل أتيت به إلى هنا لتعذبني به! أتظن أنني لازلت أحبه!
    اشتعلت جوارحها بالغضب وتفجرت الدموع من عينيها واحمر وجهها
    لماذا أحضرت غريمك إلى هنا!
    لماذا تعذبني باختفائك!
    إن كنت كرهتني فليس من حقك أن تعلقني هكذا بين السماء والأرض بلا خبر أو كلمة
    صرخت بعنف وقد بلغ انفعالها مبلغه : أين أنت ! أخبرني! تحدث إلى !
    لم يجاوبها سوى الصمت، ولم تسمع حيرتها سوى الجدران، حتى باتت تشعر بأنها على وشك الجنون، فصرخت تفرغ ذلك الغضب الهائل الذي يحرق كل خلية في جسدها : أنا أكرهك ، أكرهك
    حملت الطاولة الزجاجية الموضوعة بجوار الأريكة، وقذفتها بكل قوتها في الصورة الزجاجية الكبيرة، فتحطمت محدثة دوي هائل، وتناثرت شظايا الزجاج في كل مكان
    استفاقت من غضبها على الكارثة، فقد تحطمت صورة ناجي بالكامل، وضعت كفيها على فمها غير مصدقة، وأنفاسها تتردد في صدرها وجسدها يرتجف
    قالت بصوت باكي : لم، لم أكن أقصد، لقد..
    عجزت عن الإكمال وانهار جسدها ولم تعد قدميها تحملانها فسقطت على ركبتيها تنتحب بندم وهي تصرخ باسمه وكأنما تناديه ليعود
    تردد حروف اسمه بتوسل وتصرخ عله يجيبها، واستلقت على أرض الغرفة تبكي، ولم تدر كم بقيت على تلك الحالة المؤلمة
    حتى انتبهت فجأة على شبح يقف بباب الغرفة
    هيئة رجل لم تتبين ملامحه بسبب ظلام الغرفة، توقفت عن البكاء ونهضت مستندة على كفيها، ومسحت دموعها وهي تتساءل غير مصدقة : ناجي!!
    أهو أنت!!
    تتمنى أن تصدق أنه هو، لكن شيء ما يمنعها، ربما تخاف من الخذلان، أو تخاف من مواجهته، لا تدري!
    كانت تقترب من باب الغرفة ببطء وهي ترتجف بخوف، لم تكن تتخيل أن عودته ستكون أصعب عليها من اختفاؤه، وشيئا فشيئا كانت هيأته تتضح وهي تقترب منه رويدا، كان جسده يرتكز على عكازين، وقد فقد إحدى ساقيه، صدمتها المفاجأة بشدة، فتجمدت مكانها تنتحب وهي تهمس باسمه غير مصدقة (ناجي!)
    كان عليها أن تتحلى بالكثير من الشجاعة لتعاود التقدم منه، وأخيرا اتضحت ملامحه وتبينت هويته فوقفت مشدوهة لا تكاد تصدق، اختلطت مشاعرها بشكل كبير وتضاربت أحاسيسها فلم تدر هل تفرح بعودة خالد أم تبتئس لأنه ليس ناجي!
    ما كانت تتخيل أنها يمكن أن تقف متجمدة خائفة مترددة أمام أخيها الذي فقدت يوما الأمل في رؤيته حيا من جديد، لكن المفاجأة هزمتها
    وفي النهاية كان عليها أن تتحرك عندما همس باسمها بصوت مرتعش يوقظها من صدمتها : لين، إنه أنا، خالد
    كان عليها أن تحتضنه برفق، وتمسح على وجهه وكتفه بروية حتى لا تؤلم جسده المشوه بالكدمات والندوب البشعة، وأدركت من الندبات البشعة في وجهه انه نال قسطا من التعذيب لا يتحمله بشر
    ساعدته على الانتقال إلى غرفة الاستقبال وصوت عكازيه يتردد في المكان مع كل خطوة يخطوها ببطء
    ساعدته على الجلوس فوق أريكة مريحة في غرفة الاستقبال، وعقلها شارد فيما آل إليه حالهما، فما كانت تتخيل يوما أن يصبح الصمت حاجزا بينها وبين خالد، فلم يعد به طاقة للكلام، وهي صار عقلها منشغلا بالكثير من الأشياء أولها زوجها الغائب
    خطر ببالها فجأة أن تسأله إن كان ناجي هو من أحضره إلى فرنسا، وكادت أن تخرج مباشرة على لسانها، لكنها حبست السؤال داخلها مرغمة، وأجلته حتى يرتاح أخيها وتسأله عن أحواله
    ارتبكت مشاعرها وخافت أن يسألها عن أمها، وأخذت تعصر أفكارها لتأتي بجواب مناسب يخفف من أثر الصدمة عليه
    وأدهشها أنه هو أيضا كان صموتا وكأنما لا يجد ما يقول، فقد وجهه بشاشته بعد أن ملأته الندوب، ينظر لعينيها المتلهفتين من حين لآخر ثم يشيح بوجهه بعيدا، وكأنما يخشى أن تسأله
    وما كانت هي لتجرؤ أن تسأله عما حدث له، فمنظره يحكي دون كلمات، وندوبه تفصح عما عاناه دون صوت
    كانت تحاول جاهدة أن تخرج صوتها من حلقها، وترددت عدة مرات حتى استطاعت أخيرا أن تقول : لعلك جائع، سنتعشى سويا، و..
    قاطعها بصوت غريب متحشرج، لا يمت لصوت أخيها بصلة : لا، لقد أكلت في الطريق
    افتقدت بشدة مشاعرها القديمة تجاه أخيها، وكرهت تلك الغربة الخانقة التي فرضت وجودها على لقائهما بعد كل ذلك الغياب
    كان اللقاء مؤلما للغاية، انتزعت منه الفرحة، وافتقدت فيه التلقائية وروح المرح والمحبة الخالصة التي كانت دوما تجمعها بأخيها
    انسكبت دموعها وهي تقول بألم : افتقدتك كثيرا يا أخي
    لم يستطع أن يجيبها، وكأنما صار الكلام ثقيلا على لسانه مؤلما لروحه، ولكنها أدركت أنه هو أيضا يفتقدها بشدة عندما هز رأسه وترقرقت الدموع في عينيه
    سألته : كيف وصلت إلى هنا!
    أجابها بصوته المتحشرج بما كانت تتوقعه وتنتظر سماعه : زوجك أحضرني إلى هنا
    لم تفاجأ ولم تتعجب، فلم يعد للمفاجأة معنى بعد كل ما مرت به
    ساد الصمت بينهما لدقائق وكأنما انتهى كل ما يمكن أن يتحدثا فيه
    وعندما أدركت أنهما قد يقضيان الليل على تلك الحالة دون أن يتبادلا أية أحاديث، قامت من مقعدها وهي تقول : سأعد غرفتك للنوم، لا شك أنك متعب وتحتاج إلى الراحة
    نظر إليها بوجه جامد وسألها مباشرة : ما الذي بينك وبين زوجك!
    رمته بنظرات متسائلة وانتظرت أن يشرح لها، لكنه عاد لصمته مترقبا ردها على كلماته، فابتلعت ريقها بتوتر وسألته بقلق : هل قال لك شيء
    أجاب ببطء : نعم، حملني مسئولية سؤالك عن قرارك النهائي، هل قررت البقاء معه، أم الانفصال عنه
    اشتعلت روحها بالغضب، وثارت الدماء في عروقها، وهي تهتف بغيظ : ولماذا لم يعد إلى هنا ليسألني بنفسه!
    فكر قليلا، ثم قال بحيرة : لا أدري
    كل ما قاله لي هو أنه ينتظر قرارك، وإذا ما قررت الانفصال، فسيتمم إجراءات الطلاق بأكبر قدر من الهدوء وسينفذ كل رغباتك
    عجزت تماما عن الرد، فقد صدمتها المفاجأة، وألقتها في لجة من الحيرة، هل ظهر ناجي بعد غياب ليخيرها بين البقاء معه او الانفصال! وما أشعل الغضب والنقمة في قلبها عليه أنه لم يعد ليتحدث إليها أو يخيرها ويحسم أمره معها بنفسه، شعرت بمرارة الاهانة في حلقها، فسالت دموع القهر من عينيها وهي تقول : ليس هكذا تدار الأمور، عليه أن يعود ليواجهني، ويسمع قراري بأذنيه
    سألها : وان كان قرارك هو الانفصال، فلماذا يعود وقد فقد كل ما يربطه بهذا المكان
    هتفت بغيظ : يعود لمطاعمه، لممتلكاته، يعود ليحمي كل ما بناه عمر الكيلاني
    قال ببطء : لقد ردها إليك
    قالت باستنكار، وكأنما لا تريد أن تصدق الفكرة التي وصلتها من كلام أخيها : رد ماذا!!
    قال : رد كل ممتلكات عمر الكيلاني لوريثته الشرعية
    كانت كلماته تقرر واقعا علمته من قبل أن يقوله، ولكنها ترفض تصديقه، لكنه أكمل ليجبرها على الاعتراف ببما تعرفه : تعلمين جيدا انك ابنة أخت مصطفى الوحيدة التي أفلتت من الموت بأعجوبة في أحداث ٨٢
    برغم أنها استنتجت كل ما قاله أخوها عندما قرأت الكتاب، لكن مواجهة الحقيقة بالنسبة لها كان مخيفا وقاسيا
    ألمها أن تعرف أن أمها تعرضت لكل هذا العذاب الذي مر به عمر الكيلاني (أو مصطفى) ، آلمها للغاية أن تعرف أن لها خال على قيد الحياة كل تلك السنوات ولا تعلم عنه شيء، آلمها أن تعيش مأساة الظلم والقهر مرتين، مرة في ثورة عاشتها، ومرة في جريمة صارت تاريخا يحكى
    لكن الأشد قسوة على نفسها، وما مزق فؤادها بحق، هو أنها شعرت في تلك اللحظة أن ناجي لم يحبها يوما، بل تزوجها فقط لينقل لها إرثها من خالها بطريقة تحفظ ماء وجهها، ولا تفضح سره وسر عمر الكيلانى الذي حافظا عليه بحياتهما
    فقالت بحسرة : إذا فقد انتهت مهمته أخيرا، وانزاح العبء عن كاهله وسيتحرر أخيرا من جميل عمر الكيلاني، بعد أن سدد دينه إلى ورثته
    بدا لها شيئا جديدا يمكن أن تثور لأجله وتفرغ غضبها العارم فيه : وماذا عنك! لماذا لم ينقل الثروة باسمك أنت !
    لم يكن ما يقوله جديدا، لكن رأسها الذي يفور بمشاعر شتى تناساه : لم أكن موجود في عالمكم هذا، ولم يكن أحد يعلم بأنني حي
    لقد أخرجني زوجك من الجحيم
    قالت بوجل : الجحيم!!
    خالد، ما الذي حدث هناك!
    لقد كنت ممن يدافعون عن مقام سيدي خالد والمسجد العتيق، حتى قامت قوات النظام بأسري أنا واثنين من الشباب، ثم نهبوا محتويات المسجد ودمروا أجزاء منه، ونبشوا قبر سيدي خالد
    ثم أخذونا إلى سجن تدمر، وهناك قضيت في أحد أقبية التعذيب مدة لا أستطيع عدها، لا أنا بحي ولا أنا بميت
    ثم تم الهجوم على السجن وإخراج السجناء منه، ثم وقعت في أسر داعش، فنكلوا بي بعد أن عرفوا أنني كنت في الجيش الحر
    وبقيت تحت أسرهم حتى حدثت بينهم وبين إحدى كتائب الجيش الحر صفقة لتبادل الأسرى، وبمجرد أن حدث التبادل، وعندما وجدوا حالتي الصحية سيئة وقد أوشكت على الموت وأصيبت جراح ساقي بالغر غرينا، أرسلوني لإحدى مستشفيات الإغاثة بتركيا، والتقيت هناك زوجك، وقبل يومين من مغادرتي لتركيا حكى لي كل شيء
    تمتمت بدهشة : ناجي!
    أومأ برأسه وأكمل : لقد بحث عنى شهورا طويلة، وترك خبرا لجمعيات الإغاثة التركية والدفاع المدني للمناطق السورية المحررة، وهم من قاموا بإبلاغ مروان عندما توصلوا إلي
    تساءلت بدهشة : وكيف حصل على معلومات عنك!
    قال : من سجلاتي في الجامعة، تدرين كيف تحل كل الأمور بالمال
    لقد حصل على المعلومات اللازمة عنى وعلى صورتي الشخصية، ونجحت إحدى جمعيات الإغاثة في معرفة مكاني، فاتصلوا بمروان، واتصل هو بناجي ليأتي مسرعا إلي
    سالت دموعها غزيرة : ولم لم يخبرني!
    قال : لقد أراد أن يجنبك خيبة الأمل وعذاب الانتظار، فلم يكن يدري على أي حال سيجدني
    لقد كنت ميتا بالفعل
    تذكرت ما حدث ليزن ويحيى، فانتحبت وهي تسمعه يقول : لو كان وجدني ميتا، كان سيخفي عنك الأمر حتى لا تتألمي، فما فائدة أن تكتشفي إن كنت مت الآن أو قبل سنوات سوى فتح الجروح وتجديد الأحزان!
    لا تدري هل تضحك أم تبكي أم تصرخ أم تجن!
    أراد ناجي أن يحميها من الحزن لموت أخيها، لكنه تركها تواجه جثة مشوهة تظنها هو
    قالت بغيظ : أيظن أن إعادتك إلى ستغفر له اختفاؤه من حياتي فجأة دون أن يترك لي أي خبر!
    هل يمكن أن أسامحه على الأيام التي قضيتها أبحث عنه في كل مكان وأنا معتقدة خطأ انه قتل او اختطف!
    قال متسائلا : ولم تبحثين عنه قد ترك لك رسالة!
    كسا الغضب ملامحها وقالت بصوت باكي : ناجي لم يترك لي شيئا يدلني عن مكانه، لم يهاتفنى حتى أو يرسل لي رسالة
    قال مؤكدا : لقد أخبرني بأنه ترك لك رسالة يخيرك فيه بين البقاء معه أو الانفصال
    هتفت بغضب : أيخبرك أنت ولا يخبرني أنا؟!!
    لماذا لم يواجهني! لم لم يتحدث إلي!
    لقد كان نادما على الطريقة التي تزوجك بها
    قالت بترقب : أية طريقة!
    قال بأسف : استغلاله لظروفك السيئة واحتياجك للمال
    تغير وجهها وهتفت بغضب : أيظن أنني قبلت زواجه من أجل المال!
    رد : بل يظن انه اضطرك للقبول بذلك مرغمة
    هتفت : كيف يفكر هذا المجنون!! أي عقل يحمل في رأسه يحشوه بكل تلك الهواجس والأفكار المغلوطة
    قال : ألم ترفضيه مرتين قبل أن تقبلي في المرة الثالثة مضطرة!
    هتفت بدهشة : هل أخبرك بهذا أيضا!!
    ألم يخبرك بشيء آخر! عن أمي أو..
    قاطعها بصوت متألم، وقد امتلأت عيناه بالدموع : أخبرني أنها ماتت في المخيم، ماتت وتركتك وحيدة في الحياة
    انسكبت دموعها وانتحبت بشدة، وهو يكمل وقد سالت الدموع على وجنتيه : حتى مهمة إخباري بموت أمي، حمل عبأها الصعب عنك
    ولهذا تعجبت كثيرا عندما حملني أمانة أن أسألك عن اختيارك
    فما أعرفه عن أختي أنها لا تتخذ قرارا مصيريا في حياتها إلا بعد تفكير عميق، ولا تختار رجلا ليشاركها حياتها إلا لو كانت مقتنعة به
    نظرت له بصمت ولم تستطع أن تتكلم، ترى ألا يزال خالد يعرف أخته جيدا، أم أن الحرب والزمن وقسوة الحياة ورحلة اللجوء المؤلمة غيروا بداخلنا الكثير من الأشياء
    هل لازالت لين التي يعرفها خالد وتربى معها في بيت واحد بداخلها، أم ماتت وتركتها خلفها مع جثة خالد الصغير في ايطاليا!!
    قال خالد : لا تتركيه ينتظر طويلا، فقد عانى بما يكفي، عليك اتخاذ قرارك وإبلاغه به كما أخبرك في الرسالة التي تركها لك
    هتفت بغضب : قلت لك لم يترك لي أية رسالة، بل لم يخبرني أبدا أنه سيرحل إلى أي مكان
    عندما رأت الحيرة وعدم التصديق في عينيه قالت بانفعال : أخبرني إذا أين تركها!
    قال : أخبرني أنه تركها في غرفتك
    قالت بانفعال : لم يترك شيئا، لقد فتشت الغرفة مرات وقلبتها رأسا على عقب ولم أجد أية رسالة
    بل فتشت البيت بأكمله
    قال بحيرة : ربما ضاعت أو أخذها أحدهم
    هتفت : من يجرؤ أن يمد يده لشيء يخص صاحب البيت! رأيت بنفسك البيت الحرس والخدم و..
    صمتت لحظة وتغير وجهها عندما تدفقت في عقلها فكرة أشعلت النار في عروقها
    ، لم تكن تود أن تظلم أحدا بشيء غير مؤكد، لكن كلمات جان بدأت تتداعى إلى رأسها بسرعة كبيرة
    فقلما امرأة – صغيرة كانت أو كبيرة- تقترب من ناجي ولا تتعلق به، و يغمرها شعور جارف بأنها مسئولة عنه أو مسئولة منه
    واسترجعت في عقلها كلمات شانتال من قبل، مما تكونت في عقلها صورة لشخص بات من الضروري أن تلتقيه الآن
    نهضت من مجلسها وقالت بصوت متقطع وهي تلهث من الانفعال : يجب أن أرحل الآن إلى البيت الريفي
    هتف قائلا : أتدرين كم الساعة الأن، لقد تجاوزت منتصف الليل، لا يمكنك السفر في الليل
    قالت بإصرار : لن أستطع الانتظار للصباح، السائق سيوصلني
    ..................................


    التعديل الأخير تم بواسطة أم عز الدين ; 13-11-17 الساعة 12:34 PM

  5. #35
    عضو نشيط
    رقم العضوية : 81626
    تاريخ التسجيل : Feb 2014
    المشاركات: 32
    التقييم: 10

    افتراضي

    السلام عليك غاليتي سامية احمد واسمحي لي أن ادعوك غاليتي فانا حقا غالية عندي اختي الحبيبة عندما رأيت اسمك على الرواية جهزت نفسي لاستقبال ابداع اخر وقضية جديدة
    حقا انت مبدعه اعيش كاني أحد أبطال القصة اتالم وأبكي معهم. سلم قلمك ولا حرمنا الله منك

  6. #36

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,520
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة الثانية والثلاثون
    (32)
    عجز خالد عن إثنائها عن قرارها واستسلم لرأسها اليابس، وانطلق السائق بالسيارة وهي تجلس في مقعدها الخلفي تجتر ذكرياتها وتربط المواقف بعضها ببعض حتى ما عاد عندها ذرة شك واحدة فيمن كان سببا في معاناتها المؤلمة لشهور طويلة
    وصلت البيت الريفي عند الفجر، ولم تهتم بالتوجه لجناح الضيوف، بل اتجهت مباشرة خلف البيت إلى الغرفة الخارجية الملحقة به واقتحمتها وأضاءت المصباح ، ووقفت تتطلع بغل للمرأة التي فزعت من نومها، وهبت من فراشها جالسة تتطلع للين بمزيج من الدهشة والكراهية
    وجهت لين سؤالها إليها بحزم وقالت مباشرة بلهجة قاسية : أين ما تركه ناجي لي
    تطلعت سعاد إليها بفهم، وانقلبت نظراتها للبغض الشديد، وقالت بصوت يملؤه الكراهية : متأخرة للغاية، هل انتبهت الآن فقط أن لك زوج ترك لك كل شيء!
    لم تكن على استعداد لتحمل أية كلمة فصرخت في وجهها : أين ما تركه ناجي لي!
    تأملتها بمقت، ثم نهضت من سريرها واتجهت إلى خزانة ملابسها، وأخرجت منها حقيبة هدايا أنيقة مدتها إليها، فأخذتها لين ونظرت بداخلها لتجد علبة مغلفة كهدية، وعليها بطاقة أنيقة كتب عليها بحروف عربية واضحة : إلى من ستظل إلى الأبد حبيبتي
    داهمتها صدمة كبيرة، واشتعلت عروقها بدماء الغضب، فحتى أخر لحظة لا تكاد تصدق أن امرأة كسعاد ألقت بها في جحيم الحيرة وأغرقتها في تلك الدوامة التي لا تعرف لها قرار
    صرخت في وجهها والشرر يتطاير من عينيها : لماذا!!
    قالت بمقت شديد : لأنك لا تستحقينه
    لا تستحقين ذلك الحب الذي أغدقه عليك قلبه الذي كسرتيه وأحلتيه إلى شظايا، وكلما مر في طريق تجددت جروحه، وتكاثرت آلامه
    ابن عمر الكيلاني لا يقف ساعات بباب امرأة تحتقره، يطرق فلا تفتح، يستعطفها فلا تلين، يبثها حبه وقلبها كالحجر الصوان
    ناجي لا يتذلل لامرأة باردة قاسية تدير له ظهرها مهما كان قلبه غارقا في عشقها
    عادت الذكريات بلين إلى اليوم الذي قضته مع ناجي في البيت الريفي وكانت نهايته شجار قاسي مؤلم حبست نفسها بعده في غرفتها ورفضت تجيب على طرقاته وتوسلاته
    سمعت صوت سعاد يمتلئ حقدا وغلا : ذلك اليوم، كرهتك كما لم أكره إنسانا من قبل
    ولكن، عندما اتصل بي وطلب مني أن أذهب إلى باريس لأكون رفيقة لك حتى لا تشعري بالوحدة، لم أستطع أن أرفض طلبه، وفي قرارة نفسي، تمنيت أن أعذبك كما عذبتيه
    وأؤدبك لتعرفي قدر الرجل الذي أحبك حتى انفطر قلبه

    انكسر بداخلها شيء كبير، وداهمها شعور مؤلم بالذنب وحاولت أن تتماسك لتواجهها، بقدر العذاب والحيرة التي ألقتها بها، لكن صوتها خرج ضعيفا مهزوزا : وما شأنك أنت! لم تحشرين أنفك بين رجل وامرأته!
    صرخت في وجهها : لأنه ابني
    جابهت لين غضبها بغضب أكبر : أنت مجنونة! ناجي ليس ابنا لك ، لست أمه لتفرضي على حياته وصايتك
    هتفت بعنف والدموع تتفجر من مقلتيها : بل أنا أمه رغما عن أنفك وأنف عمر الكيلاني
    ولو حرمني أن أشاركه حياته، لقد تربى ناجي في حجري
    حملته طفلا ولاعبته صبيا، واهتممت به في فتوته، وراقبته وهو ينضج أمام عيني ويستوي كشاب مفعم بالرجولة
    ناجي ما كان يستحق امرأة أنانية مثلك
    أدركت لين أن أي كلام لن يجدي مع امرأة كسعاد جنت بحب ناجي، ومن قبله عشق عمر الكيلاني
    تركتها وغادرت الغرفة بصمت، واتجهت مسرعة إلى البوابة الخارجية، لترحل قبل أن تستيقظ عمتها أو أحد أبنائها، لكنها تجمدت عندما فوجئت أمامها بحارس البيت الأعرج، يتطلع إليها بنظراته الغريبة من عينه الواحدة، وعلى وجهه ذو الندبات تشكلت ملامح حزن دفين
    تركها الحارس والتف راحلا نحو البوابة، لكن فكرة غريبة سيطرت على رأسها وجعلتها تهتف بصوت عالي : جمال
    توقف في مكانه، والتفت إليها، وعلى وجهه أمارات الذهول، لا تكاد تصدق أن الفكرة العجيبة التي قامرت بإخراجها من عقلها للعلن قد صارت حقيقة بالفعل
    لا تعلم أي شيطان ألقى في عقلها فكرة أن جمال لازال حيا، ربما عودة أخيها من أقبية التعذيب جعلها تربط بين الندبات التي على وجهه وجسده، وتشوه جسد الحارس الأعرج!
    أم ربما هي القصة التي حكاها عمر الكيلاني في الكتاب عن إصابة جمال البالغة في ساقه، وقد تكون تلك الطريقة الغريبة التي ينظر بها إليها كلما وقعت عينيها عليه
    ترى هل تشبه أمها إلى هذه الدرجة!
    هل يرى صورة زهرة فيها!
    أدركت أن لديها فرصة نادرة لإكمال القصة، ومعرفة كيف خرج عمر من سوريا، اقتربت من جمال وقالت آمرة : أريد أن أتحدث إليك في أمر هام
    أومأ برأسه، ثم تبعها إلى الشرفة المطلة على حديقة البيت، ودعته للجلوس على المقعد المقابل لها وسألته باهتمام : ماذا فعل مصطفى بعد أن دفن عائلته!
    تقوس فمه وارتسم الأسى في ملامحه، فقالت بلهجة اعتذار : أعلم أن العودة لتلك الذكرى أمر مؤلم للغاية، ولكن سامحنى، فعلى أن أعرف الحقيقة
    أغلق عيناه بقوة محاولا التغلب على الألم، ثم قال بصوت حزين : لقد انهار، فقد قدرته على السيطرة على نفسه، وسقط في دوامة مريرة من الصراخ والبكاء، أعقبها ذهول تام عن كل ما حوله، حتى أنني اضطررت لضربه مرتين على وجهه حتى يستفيق وينظر إلى
    لقد حفر له قبرا بجوار عائلته وقرر انتظار الموت فيه
    لكنني توسلت إليه أن يستفيق، ويساعدني في البحث عن زهرة، فلقد أدركنا أنها نجت بصورة ما من تلك المجزرة البشعة، فلم نعثر على جثتها
    كان مصطفى يائسا تمام اليأس من أن يجدها، فبالنسبة له أن يكون مصيرها الموت أفضل ألف مرة من أن يأخذها جنود النظام، حتى أقنعته أنها ربما تكون هربت وذهبت إلى حميدة
    اسم حميدة أيقظ في قلبه الأمل، وجعله ينهض معي للذهاب إلى الكيلانية، اعتمدت في سيري على ذراعه وكتفه وسرنا في الطرقات نتواري بالجدران المتبقية، ونختبئ بين الأنقاض والمباني المهدمة كلما سمعنا صوتا أو لمحنا دورية من بعيد
    وفي الطريق سألني كيف سنهرب من البلدة المدمرة، إن وجدناهما! فاسمينا على قائمة المطلوبين للنظام
    أخبرته باسم وعنوان شاب فلسطيني في المخيم أعرفه من سنوات، يجيد تزوير جوازات السفر للفلسطينيين الراغبين في الهجرة، أعلم جيدا أنه سيساعدنا وسيخفينا عن أعين النظام
    أكملنا سيرنا باتجاه الكيلانية، لكن كم الدمار الذي رأيناه كان يسحب من قلبينا الأمل رويدا رويدا حتى صار كل منا متأكدا أننا لن نرى الفتاتين ثانية أبدا
    لكننا عجزنا عن مواجهة الحقيقة المريرة بالمجاهرة بها، وظل كل منا صامتا يتألم، يذرف الدمع فوق أطلال بلاده بلا صوت
    وصلنا بصعوبة إلى الكيلانية، وكما توقعنا، وجدنا بيت حميدة أنقاض، ولم يكن فقط بيت حميدة، بل كان الحي الأثري العريق كله ركام، تهدمت القصور والبيوت الأثرية ومرابط الخيل
    ذكرياتنا وماضينا، وكل شيء جميل في بلدتنا انسحق تحت أقدام تتار العصر
    وانهار مصطفى من جديد يبكي أطلال حبيبته، وبقيت أفكر كيف يمكن أن نجد زهرة، فلازال الأمل بقلبي أنها لم تمت
    استحلفته بالله أن يساعدني، فأنا بدونه عاجز حتى عن السير، وسألته عن أقرباء أو معارف لوالده يمكن لزهرة أن تلجأ إليهم، وأخبرني عن صديق لوالده تاجر في حمص، كان يورد له العطارة اللازمة لدكانه
    بدا لي ذلك أملا كبيرا في نجاة زهرة، لكنه بالنسبة لمصطفى كان أملا ضعيفا للغاية، فكيف لفتاة في عمرها وجمالها أن تستطيع الهروب من جنود النظام، وتخرج من تحت أعينهم من البلدة المدمرة التي صار كل شيء يتحرك فيها هدفا للمدافع وزخات الرصاص، ثم تسير على قدميها عشرات الكيلومترات حتى تصل لحمص!!
    قام مصطفى وسار معي فقط بعد أن هددته أنني سأكمل الطريق وحيدا حتى لو فقدت ساقي وسدت في وجهي كل السبل، وسحقني جنود النظام
    ولكن، قبل أن نغادر الحي الذي صار ركاما واختفت منه معالم الحياة سمعنا صوت رضيع يبكي، كدنا نتركه ونرحل فحملنا ثقيل، لكن مصطفى أصر أن يبحث عن مصدر الصوت، واتجه الى ركام البيت الذي يصدر منه صوت بكاء الرضيع، وبدأ في ازالة الركام بحذر عله يصل إليه، وساعدته في ازالة الركام، حتى وجدنا سجادة صلاة صغيرة خضراء، ومعها وشاح امرأة مردوم تحت الأنقاض، فأخذنا نزيل من حولها الأحجار والتراب بحرص وصوت الصغير يعلو، وبعد فترة أدركنا أن المرأة كانت تتخذ وضعية السجود فوق سجادة الصلاة ورضيعها أسفلها، تلك الوضعية التي أنجت الرضيع من الموت بعد أن انهدم البيت فوق رأس أمه
    كان ذلك الرضيع هو الناجي الوحيد من الحي بأكمله، وعندما حمله مصطفى بين يديه، وكأنما ردت روحه إليه، وتدفقت في قلبه دماء الحياة، كان ينظر إليه كأب يتلقى بين يديه وليده الأول، وبكى كثيرا وهو يهتف عدة مرات : يا الله
    ورفض ان يتركه بعد أن أنجاه الله على يديه، وأدركنا أننا هالكون بعد أن عادت دوريات النظام تسرح في الحي، وشعرنا باقتراب إحدى الدوريات فاختبأنا في بيت مهدم لم يتبق فيه سوي جدارين قائمين، وتسترنا خلف جدار منهما، لكن الدورية ترجلت وأخذت بتمشيط المنطقة، وأخذت أبادل مصطفى نظرات مرتعبة، ونحن نكتم أنفاسنا خشية افتضاح مكاننا، وصار الصغير بالنسبة لنا كارثة، فلو بكى من سيستطيع اسكاته
    كان مصطفى يهزه ويهدهده بلا صوت، ثم وضع بنان خنصره في فم الصغير الذي تلهي بمصه كما لو كان استبدله بثدي أمه، وتساقطت دموع مصطفى بصمت وهو يتأمل الصغير بنظرات حانية، وصرت أتساءل في خضم تلك الأحداث الجسيمة والخطر الداهم الذي نمر به عن سر تعلق مصطفى بذلك الرضيع، هل يذكره بطفولة أخيه الأصغر عادل!
    لم أجد الوقت الكافي للاستغراق في الأسئلة، فقد بات جنود النظام على بعد شبر واحد من الجدار الذي نختبئ خلفه، وصار انكشاف أمرنا حتميا، وبحسبة بسيطة أدركت أن موت واحد هو أقل الخسائر بالمقارنة بموت ثلاثة، فجنود النظام لن تأخذهم شفقة ولا رحمة برضيع، بعد أن قتلوا أغلب أطفال المدينة
    وعندما نظرت إلى مصطفى وقد غاب عقله عن العالم وهو يهدهد الصغير اندفعت زاحفا من خلف الجدار مبتعدا وكأنني أفر من الجنود الثلاثة الذين اتجهوا إلي وحاصروني، وأوسعوني ضربا، ثم سحبوني إلى سيارة كبيرة ألقوني فيها مع مجموعة من المعتقلين، وأدركت أن خطتي نجحت عندما اكتفى الجنود بأسرى واتجهوا إلى منطقة أخرى
    وانتهى بى المطاف إلى قضاء ثلاثين عام في المعتقل
    ولم أخرج إلا بعد أن بدأت الثورة
    قالت متسائلة : وذهب مصطفى إلى صديقك الفلسطيني، أليس كذلك!
    قال مؤيدا : نعم، وهذا ما علمته من صديقي بعد أن خرجت من المعتقل، لقد ذهبت إليه لأسأله عن آخر من تبقى لي في هذه الحياة، وبالفعل أخبرني عما فعله معه
    في البداية نصحه أن يترك الصغير في ملجأ آمن ليستطيع أن يعيش ويجد من يطعمه، وكذلك حتى يستطيع مصطفى أن يسافر لدولة أوروبية ويجد عملا بسهولة، فمامن أحد سيقبل بعامل يصطحب معه رضيعا
    في البداية رضخ مصطفى من أجل الحفاظ على حياة الصغير، وأودعه في ملجأ للأيتام تابع لكنيسة، ولكنه بدل رأيه بسرعة وعاد مهرولا ليسترد الصغير، وعندما سأله صديقى عن سبب تغيير رأيه، أجابه متعللا بأن أمه كانت امرأة مسلمة تصلي وتعرف ربها، وما كانت لتقبل بأن يكبر ابنها ويعتنق دينا آخر
    وقرر مصطفى المجازفة بكل شيء واصطحاب ذلك الصغير معه وتولي مسئوليته، وتخلى عن اسمه الحقيقي واسم عائلته، ومنح الصغير اسم عائلة تبقى له دوما ذكرى من الحي الذي ولد فيه، والرابط الوحيد بينه وبين أسرته التي لا نعلم عنها شيء سوى أنهم من أهل هذا الحي
    الكيلانية
    عم الصمت المكان، وبقيت لدقائق تكفكف دموعها بعد أن استمعت لآخر فصول القصة الحزينة، وعرفت إجابات الأسئلة التي حيرتها لشهور
    قصة رجل عوضه حب ذلك الرضيع عن كل ما فقده، فمنحه كل حياته
    تنهد جمال بأسى : استطاع صديقي الفلسطيني بعد بحث قصير أن يعرف مكان التاجر صديق والد مصطفى والذي يسكن حمص، وتأكدت أنني كنت محقا عندما أخبرني إلى من زوج التاجر ابنه
    قالت مؤكدة على كلماته : الى زهرة
    أومأ برأسه وقال : كان صديقي الفلسطيني هو أداة الوصل التي من خلالها عرف ناجي طريقي، واتى إلى خصيصا ليصطحبني إلى فرنسا لألتقي صديق عمرى الذي كان بدوره يبحث عني بعد قيام الثورة
    والتقينا أخيرا بعد فراق لأكثر من ثلاثين عام
    لكن الأوان كان قد فات، فمصطفى كان يحتضر في الرعاية الفائقة، ولم أحظى سوى ببضع دقائق قضيتها بصحبته، وعرف مني أن زهرة لازالت على قيد الحياة
    مما جعله يوصي ناجي بأن يبحث عنها ويحضرها إلى فرنسا مهما كانت الظروف
    ادركت لين أن ناجي بدأ رحلته بالبحث عن أمها، لكن وقتها كانتا قد غادرتا حمص إلى المخيم، ووصل متأخرا بعدما توصل إلى مكانها، بعدما ماتت أمها، وغادرت هي المخيم متجهة نحو أوروبا
    ................................
    لم تكف طوال طريق العودة عن البكاء، ولم تجف دموعها لحظة، منذ أن فتحت الرسالة وأخذت تقرأها عشرات المرات في ضوء النهار الوليد، وهي تتذكر كلمات شانتال (هناك نوع من البشر اذا ما صادفناه يوما تتغير حياتنا بعده للأبد)
    أمسكت بالعلبة المغلفة بغلاف أنيق على هيئة هدية، والمجاورة للرسالة في حقيبة الهدايا، وفضت الغلاف لتجد بداخله دفتر قديم سودت سطور صفحاته كلها بالجمل والكلمات بخط أسود أنيق، وعندما عادت لأول صفحاته وجدت كلمات خطت بخط مغاير باللون الأزرق، استنجت على الفور أنه خط ناجي
    ( تمنيت أن تكون أول نسخة تطبع من هذا الكتاب بين يديك، فأنت أحق الناس بها، لكن الوقت داهمني، ولم أستطع الانتظار، لكن ما يعزيني هو أنك ستعرفين الحقيقة من خط صاحبها الحقيقي، ذلك الرجل الذي عاش جل عمره ضحية للصمت)
    لم تكن بحاجة لمعرفة ما في الدفتر بعد أن قرأته من نسخة الكتاب التي أعطتها إياها جان، فأعادت الدفتر إلى الحقيبة وأمسكت بالرسالة لتطالع كلماتها من جديد وتذرف دموعها وتنتحب من جديد:
    كان أبي يقول لي دائما أنني أفشل الناس في مواجهة من أحبهم، كنت أخطط لأصارحك بالحقيقة بعد الحفل
    ولكنى عندما عدت إلى البيت وجدتك غارقة في الكوابيس المؤلمة، تبكي حتى داخل أحلامك، وعجزت عن إيقاظك، أو إخراجك من دوامة أحزانك
    تذكرت ليلة الحفل، وأدركت أنها لم تكن تحلم عندما استيقظت ليلا تصرخ، وأنه كان بالفعل معها، يحتضنها ويربت على ظهرها ويهدئ من روعها، لكنها لم تكن وقتها واعية أنه موجود
    كان دائما موجود، ولم تعي ذلك إلا بعد أن رحل
    عادت تستكمل قراءة الرسالة :
    سأترك عمر الكيلاني يشرح لك بنفسه ما عجزت عن إخبارك به، ستجدين القصة كلها في الدفتر الذي وضعته مع الرسالة
    وأدعو الله ألا تكرهينني أو تحتقريني بعد أن تعرفي الحقيقة، وحتى إن فعلت فلن أستطيع أن ألومك لأنك كرهت الإنسان الذي احتل مكانك في حياة أقرب الناس إليك، واستولى على مكانتك في قلبه
    والآن أنا مضطر للسفر في أمر هام لا يحتمل التأجيل، ودون حتى أن أستطيع توديعك
    اعتبرها فرصة لتفكري جيدا وتختاري بكامل إرادتك الحرة، ودون ضغوط أو خوف من المستقبل أن تكملي حياتك معي أو بدوني
    أنت سيدة قرارك، ومهما كان اختيارك فلن تتبدل مكانتك في قلبي
    ستكونين دائما الفتاة الوحيدة التي أحببتها وسأظل أحبها للأبد
    لن أتخلي عنك أبدا، فإن احتجت لي، فاطلبي من صديقي سعد أن يتصل بمروان ليبلغني وسآتي إليك من فوري
    فسعد لا يعلم، ولا احد يعلم أنني غادرت فرنسا سواك، فلا تخبري أي إنسان عن مكاني، وإن سألك أحد، فقولي لهم أنني أنعم بفترة استجمام في البيت الريفي بعد عناء المجهود الذي قمت به في الحفل
    فبعض الناس لو وصلهم خبر رحيلي قد يثيرون المشكلات
    لا تقلقي لو تأخرت وتابعي دراستك في هدوء ودون شجارات أو ضغوط او مشاكل، وعندما أعود سننهي كل الأمور المعلقة بيننا على النحو الذي يرضيك
    فقط أرجو أن تهتمي بأمل، فأنا أترك لك عبء إخبارها بأنني سأغيب عنها لفترة، فلن أستطيع تحمل ثورة غضبها، كما أنها تحبك وتثق بك وتستمع لك، فاعتذري لها بالنيابة عني لأنني لم أستطع أن أودعها، كما لم أستطع أن أودعك
    أثق أنك قادرة على حل كل الأمور وتجاوز العقبات، فأنت قوية، وابقي دائما كذلك
    أستودعك الله
    وإلى لقاء قريب يجمعنا، أو تكملين بعده حياتك كما تشائين
    عندما عادت إلى البيت تجر أقدامها جرا، كان خالد ينتظرها على نفس الأريكة لساعات بلا كلل، فهو يدرك أنها ستكون بحاجة ماسة للحديث إليه بعد أن تصلها الحقيقة كاملة وينقشع من عينيها الضباب
    ضحكت بسخرية مريرة، ضحك بطعم البكاء : سألني ألا أخبر أحد أبدا أنه رحل
    ألقت بجسدها المكدود إلى جواره، وأطلقت العنان للدموع والنحيب وهي تقول : لم أترك أحدا يعرفه في فرنسا إلا وأخبرته باختفائه
    لا أدري هل أصب نقمتي عليه لأنه لم يشرح لي أي شيء قبل رحيله! أم على نفسي لأنني لم أستمع إليه، ولم أمنحه الفرصة لذلك!
    قال بهدوء : كانت روحك أسيرة لسنوات العذاب والمعاناة التي مررت بها، ولم يستطع مواجهتك بالحقيقة، حتى تحصلي على وقت كافي لتطيب جراحك
    هكذا أخبرني
    قالت بمرارة : هل كان يحاول حمايتي من الألم!! ليته كان هنا وأنا أستقبل الصدمات والآلام الواحدة تلو الأخرى
    اكملت بألم : لقد، لقد أحضر يزن إلى هنا، أتصدق!!
    قال بهدوء : أعلم
    نظرت إليه بدهشة، فأكمل هو : الدعوة كانت موجهة لعمتك وأولادها، هو لا يعلم أي شيء عما كان بينك وبين يزن
    قالت بتهكم أليم : يعلم كل شيء عني وعن حياتي، ولا يعلم إلى من كنت مخطوبة!!
    قال : لقد كان يبحث عنك أنت، لا عن ماضيك
    لقد أراد أن تكون عمتك إلى جوارك لتواسيك إذا ما صدمت بنبأ موتي
    قالت بألم : حتى هذه فكر فيها!!
    قال : من يحب بصدق يفعل اى شيء ليبعد الحزن عن قلب محبوبه
    وها هو قد أبعد عنك ما يحزنك، فهل أنت سعيدة الآن!!
    أدركت ما يرمي إليه، ولم تستطع الرد
    استغرقت بعض الوقت حتى استطاعت أن تجمع شتات أفكارها، وتكفكف دمعها، وتتمالك نفسها
    وأدركت أخيرا أن عليها أن تخوض الرحلة التي كانت تخشاها، وترفض حتى التفكير في طريقها الذي يمكن أن تسير فيه
    كان ناجي هو أخر إنسان يمكن أن تفكر يوما أنه من سيعيدها لبداياتها
    ما كانت تصدق أنها لأجله ستستدعي كل ما تملكه من شجاعة لتواجه أشد ما تخافه
    أمسكت بجوالها، واتصلت برقم أحمد، وعندما أتاها صوته مجيبا قالت جملة واحدة : سأرافقكم في رحلة القافلة
    إلى سورية
    ........................................
    كان الشيء الوحيد الذي استطاعت تنفيذه من رسالة ناجي هو أن تهتم لأمل، فدعتها لنزهة إلى الحديقة التي أمام المسرح وتناولت معها المثلجات كما كان ناجي يفعل، وجلستا معا على المقعد المقابل للمسرح
    كانت أمل سعيدة بصحبتها للغاية تحكي لها عن يومها كيف يسير في المدرسة، وعن أصدقائها
    شردت لين للحظات وهي تتأمل مبنى المسرح وعادت لها ذكرياتها مع ناجي وكم انتظرها هناك، وهي تتعمد التأخر عليه، كم تفتقد تلك المرات التي شاركته فيها سيارته، واستمعت لدندناته، كان دائما ينزعج عندما يتحدث إليها وهي لا تسمع
    انتبهت على صوت أمل تناديها، وأدركت أنها استغرقت في ذكرياتها أكثر من اللازم، شعور الطفلة بالضيق انتقل إليها، فها هي تعاود الاستغراق بعيدا عمن يحدثها ولا تستمع إليه
    اعتذرت لها، بأنها ليست على ما يرام اليوم، فقبلت منها الطفلة ببساطة وقالت : لا بأس، أعلم أنك تفكرين في ناجي
    ناجي!!
    كان دائما ما يلتمس لها العذر لابتعادها عنه، ويسامحها سريعا دون حتى أن تقدم له مبررات، كم يشبه قلبه قلب أمل!
    سألتها لين : أمل، هل تذكرين أباك؟
    قالت ببساطة : ليس كثيرا، أمي كانت دائما تحكي لي أنه ذهب إلى بلاده، ولم يعد أبدا
    مات هناك، مات في الثورة
    كان يريد لي أن أعود وأكبر هناك في وطنه
    أدركت لين الآن لم تولى عمر الكيلاني أمر أمل بعد مقتل والدها الذي كان يتمنى لابنته أن تعيش في وطن حر، لكنهم قتلوا حلمه
    فعمر الكيلاني كان يرى حلمه ومأساته في كل إنسان يبحث عن الحرية
    قتل أبو أمل في وطنه وترك من خلفه طفلة تنتظر وطنا بلا أمل
    هتفت أمل بضيق : متى سيعود ناجي! لقد اشتقت إليه كثيرا
    لم تعد لين متأكدة من الإجابة، ولم تشأ أن تكذب على الطفلة أو تعلقها بشيء غير مؤكد
    ابتلعت ريقها وقالت بعد تفكير : أتعلمين، في رحلة حياتنا، أحيانا قد نفقد أغلى ما لدينا، ويعوضنا الله بمن يمسك بيدنا عند كل جسر نعبره لنكمل الطريق، وعندما نصل لوجهتنا ندرك أن الله قد سخر لنا الكثير من البشر
    فلا تدعي ما فقدتيه ينسيك ما وهبك الله إياه
    وكوني قوية لتنجحي في الوصول إلى هدفك في الحياة
    في تلك اللحظة لم تكن تدري هل تتحدث إلى أمل أم إلى نفسها!
    لكن أمل نظرت إليها ومنحتها ابتسامة عذبة

    عادت بها لين إلى المطعم لتطمئن على سير العمل، وهناك عرفتها إلى أخيها خالد الذي رفض بإصرار البقاء في البيت للاستشفاء، فقد كان خالد قويا بما يكفي للتغلب على ما أصابه، كانت تراقبه وهو يتحدث بهدوء إلى أمل ويسألها عن دراستها وألعابها وأغنياتها وهي تجيبه بود
    وشردت لين وأخذت تفكر في جراح أخيها وإصابته الظاهرة وتشوه وجهه، وأدركت أن روحها أشد تشوها من جسم أخيها، لقد نجا خالد من تشوه الروح وعاد قويا برغم جراحه وآلامه وبرغم اختفاء ابتسامته الباشة التي تفتقدها، لكن قلبه نجا
    وهي لم تنج
    لقد تبدلت لكائن آخر، كائن منزوع المشاعر، غير قادر على الشعور بالحب أو مبادلته حتى مع قلب كقلب ناجي
    هل لو نزعوا عنها الجلد ستجد لحما ودما، أم ستجد دمية آلية منزوعة الحياة!! كيف لم تستطع أن تشعر بحب ناجي وتبادله مشاعره!
    انتبهت من أفكارها عندما أتاها الشاب محمد : مدام، السيد كريستيان
    نهضت من فورها وتبعته نحو باب المطعم، لتجد كريستيان واقف هناك وعلى وجهه ارتسمت شياطين الغضب، و ثلاثة من العاملين بالمطعم، يقفون حوله بتحفز
    الآن فقط فهمت ما الذي فتح عليها جبهة الحرب تلك التي ما كانت تدرك بوجودها، ومن الذي أخبر كريستيان من البداية باختفاء ناجي ليأتي إليها ويساومها على بيع المطعم
    إنه نفس الشخص الذي قدمت إليه الشكوى ضد كريستيان ويوسف منير ومراد
    الآن فقط تدرك أن الشرطية العنصرية على علاقة وثيقة بكريستيان أو حزبه
    عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بوجه متجهم : ماذا تريد!
    قال بصوت صارم : لنتحدث أولا لتعرفي ماذا أريد
    أشارت للعمال بالانصراف وتوجهت لأقرب طاولة من الباب وجلست، فجلس في الكرسي المقابل لها وقال مباشرة : لقد عرضت عليك أن تبيعيني المطعم بسعر لا يرفض، ولكنك رفضت!
    ما رأيك أن أزيد السعر للضعف!
    سألته مباشرة : لماذا! ما الذي تريده من صالة للطعام لا يرتادها سوى العرب!
    -ربما لهذا السبب
    -وما الخطر من بضعة شباب جامعيون وفقراء يرتادون مطعما صاحبه رجل عربي
    -تعلمين أنه ليس كأي رجل، ولا هذا المكان كأي مطعم
    لقد كان خطأ زوجك أن زج بنفسه والمكان في السياسة
    -أليس مواطن فرنسي ومن حقه الدعوى لانتخاب من يراه الأصلح! أليست هذه حقوقه القانونية
    -لا تلعبي بكلمات أكبر منك، فأمثالك قادمون من بلاد لا تعلم أن في الكون شيء يسمى الديمقراطية
    -وهل تعلم أنت!
    -لا تبدأئي باستفزازي فالعاقبة ستكون وخيمة
    -عرضك مرفوض، فهذا المكان سيظل ملكا لعائلة عمر الكيلاني للأبد، ولن تستطيع أنت ولا أحد سواك انتزاعه منا
    -احترسي، فمن أحرق المطعم سابقا قادر على إحراقه مرة ثانية وثالثة ورابعة، وقد تكونين بالمصادفة بداخله
    -أتهددني بالقتل!
    -لا يا صغيرتي، أنا فقط أنصحك بالابتعاد عن الخطر
    -إذا فأنت من أحرق المطعم!
    -قد أقوم بأسوأ من ذلك إذا لم تبتعدي عن طريقي
    نهض من مكانه وقال بلهجة تمتلئ بالوعيد : إذا أردت أن تعيشي بأمان أنت وزوجك، فعليكما التنازل عن هذا المكان وترك البلدة
    عودا من حيث أتيتما، ففرنسا ليست مرتعا لأمثالكم
    غادر المكان، وبقيت هي جالسة في مقعدها حتى اقترب منها الشاب خالد وتجمع حولها بعض العمال، فسألت الشاب خالد : هل تم كل شيء كما ينبغي؟
    رفع إبهامه علامة الانتصار وابتسم، ثم نظر إلى كاميرا مخبأة بمهارة فوق رأسها وقال مازحا: السيد كريستيان نجم سينمائي بالفطرة
    فقالت ضاحكة : سنسدي له صنيعا ونحوله إلى نجم اليوتيوب الأول في فرنسا، ربما يكتشف مواهبه أحد السينمائيين الكبار
    قال بجدية : ولكن، ما يحيرني أن ذلك لن يكون دليل كافي لإدانته أمام القانون
    قالت : ونحن لن نلجأ للقانون، فقط فلنراقب ما سيفعله ذلك الفيديو بمستقبله السياسي في الانتخابات البرلمانية القادمة
    هز الشاب محمد رأسه وهو يبتسم بإعجاب لذكائها
    نهضت من مقعدها واتجهت لآخر المطعم لتنضم لخالد وأمل، وهي تمني نفسها بأن خالد سيقبل بإدارة المطعم ويستوعب سريعا طريقة العمل قبل أن تنضم للقافلة المتجهة لسورية
    ........................................
    في اليوم التالي وصلت إلى الجامعة واتجهت مباشرة إلى المكان الذي اعتاد أن يجلس فيه أحمد مع بقية الأصدقاء، ووقفت تطالعهم من بعيد وهي تسترجع تفاصيل تلك المكالمة التي وصلتها من أمينة قبيل الفجر، لقد أخبرتها أن أحمد فقد أخوه المعتقل منذ فترة طويلة في سجون الأسد
    لقد وصلته رسالة ليلة أمس من والده بسوريا يخبره أن أخاه مات من التعذيب
    أخذت تنظر من بعيد لأحمد وهو جالس بينهم، ذاهلا لا يرد على من حوله، في عينيه نظرة حزينة ثابتة لا تتبدل، ودمعة معلقة في عينيه لا تنهمر
    تذكرت كلماته التي قالها لها بعد أن عرف بشأن الفيديو الذي صوره لها إياد، كان يتحدث عن أخيه وأنه أجبر على تصوير فيديو مشابه
    أحزنها كثيرا ما آل إليه حال أحمد، تستطيع أن تستشعر ذلك الحزن الذي ملأ قلبه، فكم تتشابه قصتها وقصته، قبل أيام فقط لم يكن لديها أدنى أمل أن ترى خالد مجددا
    أدركت أنه انتبه إليها عندما صوب نظره نحوها، ثم قام من بين أصدقائه وسار متجها نحوها، ثم تجاوزها مكملا طريقه، فسارت هي إلى جواره وقالت بأسى : تمنيت لو أننا ولدنا في زمان غير هذا، ربما استطعنا أن نحيا دون كل هذا الألم
    قال بصوت يقطر ألما: كان سيأتي من بعدنا ليغرقوا في بحور الدم
    إذا لم تمتد يد لتوقف كرة النار فسيظل كل جيل يقذفها لمن بعده أملا في النجاة بنفسه
    -هل كان علينا أن نمسك السلاح!
    -وهل كان علينا أن نساق للذبح دون ضجيج!
    هل يلام من يشعل النار ليجد طريقه وسط الظلام الدامس! ألا لعنة الله على من محا النور من بلادنا
    تنهدت بألم وأمسكت عن البكاء وقالت بثبات : حزنت للغاية لأجل أخيك، تقبله الله مع الصديقين والشهداء
    قال بشرود وهو يسير في طريقه وكأنما لم يسمعها : قال لي أخي يوما (ربما لا نستطيع أن نحيا في أوطاننا بكرامة، لكننا نستطيع أن نختار أن نموت لأجلها بكرامة)
    -لقد ضحينا بكل غال، فما قيمة ما فعلناه! وما الذي كسبناه!
    -بدأنا ولا أمل لنا في أية نهاية
    كما كنا من قبل لا أمل لنا في أية بداية، ولكننا بدأنا
    قالت مبدلة الحدث المؤلم : متى ستنطلق القافلة؟
    قال : بمجرد أن ينتهي العام الدراسي مباشرة
    ...................................
    أخيرا وصلت إلى تركيا، وكان هناك في استقبالها مروان بعد أن اتفق مع سعد بحديث مبطن بينهما وكلام مشفر يفهمانه جيدا لا يوقع ناجي تحت طائلة القانون إذا ما كان هناك من يتجسس على هاتف سعد
    كان مروان قد افتتح مطعما في تركيا، وسرعان ما نال شهرة في المكان بسبب مهارته في الطبخ والتي ورثها له لمعلم، ودعاها مروان للتعرف إلى زوجته التركية وولديه التوأم، ودمعت عينا لين تأثرا حينما رأتهما وعلمت أنه سمى أحدهما سعد والثاني ناجي
    ثم أخذ يحكي لها عن اللحظات الأخيرة في حياة لمعلم :
    لقد غامر ناجي بكل شيء لكي يأتي بلمعلم إلى هنا، فهرب به من المستشفى، وغادرا فرنسا عبر الحدود، ثم إلى طائرة خاصة بجوازات سفر مزورة، ثم التقيتهم في تركيا وعبرنا الحدود ودخلنا إلى المناطق المحررة في سوريا معا بمساعدة الجيش الحر، ثم كان علينا أن نستقل سيارة وقطع مسافة طويلة لنصل إلى حماة، وكانت لدينا عدة مشكلات كادت أن تقعدنا عن الذهاب لولا ان وجدنا لها الحلول
    أولها أن حماة تحت سيطرة النظام، وكنا بحاجة إلى دليل يسير معنا عبر الطرق، ويكون عارفا بها، وخبيرا في الطرق البديلة إذا ما صادفتنا مشكلات
    فتطوع أحد شباب الكتائب لاصطحابنا
    ثانيا، كان علينا أن نتصرف اذا ما مررنا على حواجز النظام، أو قطع علينا الطريق الشبيحة، ولقد حلت تلك المشكلة بالمال، فدخلنا حماة بعد أن فتحت أموالنا الحواجز وذللت العقبات
    الثالثة هي الحالة الصحية الخطرة التي وصل إليها لمعلم
    كنا نعلم أنه يحتضر، وكان ناجي يسابق الزمن كي يحقق آخر أمنية له ويرى لمعلم موطنه قبل موته، وكانت تلك هي المرة الأولى التي اعرف فيها أن لمعلم سوري وليس فلسطيني
    قطعنا بالسيارة طريق طويل، وكنت أجلس بجوا السائق وكل عدة ثواني أنظر للخلف خشية أن أفقد لمعلم في إية لحظة وكان ناجي يجلس في المقعد الخلفي ورأس لمعلم فوق ساقه إذ لم يكن قادر على الجلوس، وكان ناجي يلهيه بالحديث كي يتأكد أنه لا يزال حيا، كان لمعلم يتحدث عن آخر أمنية له في الحياة وهي أن يسمع لحنا لم يسمعه منذ زمن بعيد، عندها قال له ناجي والدمع يملأ عيناه وصوته : سأغني لك أي شيء، فقط تمنى علي
    قال لمعلم بصوت متعب يمتلئ بالشجن : ليتك تستطيع أن تسمعني ذلك اللحن الخالد الممتد على مدار التاريخ، عندما تشدو الناعورة بصوتها الحزين على ألحان العاصي
    تسمعها الطيور فتحلق عاليا، وتخضر الأرض وتزهر الأشجار، ويتضوع الياسمين
    إنها جنة الأرض
    حماه
    اشتاق الجسد البالي لترابك
    أما أن للغريب أن يعود ليحظى بضمة من الحبيبة
    اعتدلت في مقعدي بعد أن عجزت عن امساك دموعي التي انسكبت مدرارا وجسدي يرتج من نحيبي الذي كتمته بصعوبة، وشردت في مدينتي التي تركتها خلفي، ولعنت ألف مرة من شردنا من ديارنا وجعلنا غرباء تبتلعنا أمواج الحياة لا نكاد نجد شاطئ يمنحنا الأمان
    استفقت من شرودي على صوت ناجي وهو ينتحب بشدة ويناديني : مروان، أوقف السيارة، لقد مات لمعلم
    انتفضت من المفاجأة وأوقفت السيارة والخيط الأبيض من الفجر يتبدى في الأفق
    غادرت مقعدي، ثم فتحت الباب الخلفي بسرعة وتفحصت جسد لمعلم لأجد علامات الحياة قد فارقته، فشاركت ناجي البكاء والنحيب وأجمل ذكريات العمر مع لمعلم وناجي تتداعي الى رأسي، تأتيني صورته وهو في طور الشباب ثم الكهولة، ثم سنوات المرض، عطاء لا ينقطع
    حمل ناجي الجسد الذي تضاءل كثيرا بسبب المرض بين ذراعيه وغادر السيارة وقد انبلج نور الفجر وبدا صوت العصافير من أعشاشها، فهتف ببه ناجي وهو يبكي : أبي، أبي هل تسمع! إنه العاصي، تمهل قليلا فقد أوشكنا على بلوغ حماه
    أدركت أننا دخلنا حماة بالفعل، وأن لمعلم مات على عتباتها، ولم يتحقق حلمه الأخير
    انهار ناجي وأخذ يهتف بلمعلم ويبكي : أبي، استيقظ، ستسمع صوت النواعير وهي تغني على ألحان العاصي
    أبي ، لا تمت الأن فقد أوشكنا أن نصل، ألا تشم رائحة الياسمين
    لم أبكي يوما في حياتي قدر بكائي ذلك اليوم،ليس فقط لافتقادي لمعلم، بل من أجل ناجي، فأنا أكثر من يعرف أن لمعلم لم يكن له فقط أب، بل كان الحياة ذاتها
    مات لمعلم ودفنه ناجي في تراب حماة كما أوصى من قبل،
    وصار ناجي آخر، بلا روح، بلا أمل
    كان الشيء الوحيد الذي أخرجه من حالته تلك هو أنني أوصيته أن يبحث عن أقارب للمعلم ربما اوصى لهم بميراث او يود ان يصل ابنه رحمه
    راودتنى الشكوك أنه نجح بالفعل في العثور على بعضهم عندما علمت أنه تزوج، وعندما رأيتك صار الشك يقينا
    تعجبت من كلماته، فكم من أحد قبله أخبرها أنها تشبه لمعلم!!
    وها هو مروان يعيد ما علمته سابقا
    تمنت لو كانت رإته وتحدثت إليه لتعرف إن كانت حقا تشبهه
    قال مروان بأسى : عندما كنا نسعى خلف خالد، كان الاتفاق أنه عندما يجده يعود به إلى فرنسا
    وكان يسألنى كل يوم (هل اتصل سعد؟) وعندما أجيبه بالنفي كان جزء من الأمل في عينيه يذوي، وعندما وجدنا خالد أصبح يكرر سؤاله لي عدة مرات في اليوم، ثم فوجئت بأنه غير الترتيبات التي اتفقنا عليها وأرسل خالد إلى فرنسا وحده ليستقبله رجالنا هناك، وعندها فقط كف تماما عن السؤال
    كان الحزن يأكل قلبها بعد أن عرفت كم المعاناة التي مر بها ناجي، لقد كان ينتظرها
    ينتظر أن تتطلب من سعد أن يتصل بمروان كما أخبرها في الرسالة
    قالت بصوت حزين : أين هو الآن؟
    أجابها : سآخذك إليه
    .....................................



  7. #37

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,520
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة الثالثة والثلاثون
    الأخيرة

    (33)
    كانت رحلة دخول سوريا معاناة أخرى
    كانت السيارة تمر عبر القرى والبلدات التي فقد النظام سيطرته عليها، لكنه وضع بصمته السوداء بوضوح فوق كل شبر فيها
    ركام البيوت، وأنقاض المباني، بقايا الوطن
    تتمزق روحها إلى أشلاء مع كل كيلومتر تقطعه السيارة وتتوغل فيه بين هذا الخراب الذي كان يوما مدن وقرى تمتلئ بالحياة والبشر
    وبقي الدمار شاهدا إلى أين يمكن أن يصل حكم ديكتاتور!
    تذكرها حطام البلدة بجسد أخيها والذي لم يتركوه إلا بعد أن شوهوه بالقهر والظلم
    ترى هل كانت حماة ٨٢ مثل ذلك الذي تراه الآن!
    تذكر عندما زارت حماة أثناء الثورة، كانت تضج بالحياة
    تسرب من قلبها الأمل، وصارت روحها تعتصر مع كل مشهد يمر عليها من نافذة السيارة
    بشر يسيرون بين الخرائب والدمار، أطفال يلعبون على أراجيح صدئة مهترئة، بائعون يفرشون بسطاتهم فوق الركام
    (الشعب السوري ما بينذل)
    لازالت أذنيها تصران على التمسك بهدير عاصمة الثورة ونهر البشر الذي كان يملأ ميدان الساعة وصوت هتاف عبد الباسط الساروت، وأغاني وصفي المعصراني
    صورة تتصارع بداخلها مع ما تراه الآن
    كان هتاف (الشعب السوري ما بينذل) يدوي في أذنيها بشكل متكرر والدمع المنهمر من عينيها يتلقفه الهواء قبل أن يغرق خديها
    روحها تئن وقلبها ينتحب مخلفا رجفة مستمرة في جسدها لازمتها طوال الطريق الطويل
    توقفت السيارة وترجلت منها ومعها مروان، في إحدى البلدات التي غادرها النظام ولم يعد له سيطرة عليها
    هنا يتحرك الناس بحرية أكبر، ورغم الدمار الذي طال اغلب المباني، لكن الحياة لازالت هناك، لازال البشر يصنعون من ركام الموت حياة
    أطفال يلعبون، وبشر يتجولون ويمارسون كافة أشكال الحياة
    لم تشعر بغربة واللهجة السورية تصب في أذنيها من كل اتجاه، فقد عاشت أكثر من عشرين عاما لا تسمع سواها
    بل غمرتها مشاعر الألفة والاطمئنان بين تلك الوجوه التي تألفها، وبرغم أن طائرات الأسد والطيران الروسي قتل الكثير من أشكال الحياة، لكن، لازالت هناك بعض حياة في هؤلاء البشر
    أخذها مروان إلى مبنى به الكثير من الأطفال، كان ملجأ لإيواء اليتامى ومن فقدوا كل أفراد عائلتهم
    كان المبنى الذي طاله بعض الدمار في أحد جوانبه، يضم مسكنا للأطفال، ملحق به روضة وساحة للألعاب، وفي المبنى أيضا بعض الغرف التي تأسست بأثاث بسيط للغاية لتكون فصول معدة لتعليم الأطفال
    كان المكان يفتقر للكثير من الإعدادات والأثاثات الضرورية، ولكنه يقدم بعض الخدمات لهؤلاء الأطفال الذين فقدوا أهاليهم، وأيضا لأهالي المنطقة
    كان مروان يقوم بدور المرشد لها وهو يشرح بدقة ما يقدمه ذلك المركز للأيتام ولأطفال المنطقة، وهي تستمع لكلماته بنصف عقل، فقد كان عقلها يتساءل أين يمكن أن يكون ناجي الآن وماذا يفعل؟!
    فعندما دخلت إلى ذلك المبنى ظنت أنها ستجده هنا، تخيلته للحظة يجلس وحوله الأطفال يغنى لهم فيشاركونه الغناء ويصفقون على إيقاع صوته الشجي
    فناجي لديه قدرة لا محدودة أن يرسم البسمة على تلك الوجوه الصغيرة
    دخلت أحد الفصول فوجدت فتاة لا يتجاوز عمرها الثانية أو الثالثة عشر، تجمع حولها مجموعة من الأطفال الأصغر سنا تردد على مسامعهم السور القصيرة من القرآن، وهم يرددون خلفها
    وقفت لين تستمع إليهم لدقيقة ، حتى قررت أنه حان الوقت لتسأل مروان ( أين ناجي؟)
    أجابها باسما : سنذهب إليه، أردت فقط أن تشاهدي هذا المكان أولا، وتتعرفي إلى رزان
    تبع كلماته بإشارة إليها، فأكملت رزان تلاوتها وختمت السورة، ثم قامت لتنضم إليهما، فاستقبلها مروان بابتسامة كبيرة وهو يقول لها : مرحبا رزان، كنت تسألين دوما عن زوجة ناجي
    أومأت الفتاة برأسها بابتسامة يشوبها بعض الحياء، فأكمل وهو يشير إلى لين : ها هي أمامك
    التفتت رزان إليها واتسعت ابتسامتها، وقالت بود وهي تمد يدها لتسلم عليها : تمنيت كثيرا أن أراك بعدما حكى لي ناجي عنك
    سلمت عليها لين بحرارة وبادلتها الابتسامة الودودة : ناجي أينما حل يكسب الكثير من الأصدقاء، فالجميع يحب صوته
    قالت : لا أحد هنا لا يعرف صاحب الخوذة البيضاء كقلبه
    غربت الابتسامة عن وجه لين، وساورها قلق عميق، لكن الفتاة أكملت ببساطة : صوته هو ما جعلني أتمسك بالحياة في أحلك الأوقات التي مرت علي
    ساعدني كي أتغلب على ألمي وأتجاوز خوفي وهو يمسك بيدي
    ختمت الفتاة حديثها مع لين بقولها : ليس من السهل قضاء يوم في الظلام تحت الأنقاض
    رحلت لين وكلمات الفتاة تدوي في أذنيها، وعندما غادرت المبنى شاردة، لم تفهم معنى الجملة التي قالها مروان إلا بعدما التفتت خلفها تنظر لواجهة المبني التي لم تنتبه لها عند دخولها
    (كان يرسم اسمك على كل شيء يمثل له معنى الحياة)
    تجمدت في مكانها وانهمرت دموعها غزيرة عندما وجدت واجهة المبنى تحمل لافتة عليها اسمها هي
    .......................................
    انقبض قلبها بشدة وهي تسمع أصوات انفجارات قادمة من الاتجاه الذي تسير نحوه السيارة
    وما زاد من قلقها هو صوت مروان وهو يكبر ويحوقل مع صوت كل قذيفة يسمعها
    ثم قال كلمة ألقت الرعب في قلبها ( أتمنى أن نجده هناك عندما نصل)
    استغرقت السيارة وقتا حتى وصلت إلى مبنى من طابق واحد، وقفز مروان من السيارة وخلفه لين تهرول، واتجها مسرعين إلى المبنى الذي حاولت لين أن تتبين ماهيته من واجهته لكنها لم تفلح
    أخذ مروان ينادي ناجي وهو يبحث عنه في كل أركان المكان، لكن المكان كان خاليا من أي إنسان
    ولين تدور بعينيها في كل شبر فيه، وبدأت تفهم طبيعة المكان وتأكدت عندما رأت بعض الشارات على الجدران وبعضها متناثرة فوق المكتب الوحيد الموجود في المكان
    هتف مروان بغيظ : تأخرنا!! لقد ذهب !
    لم تسأله لين إلى أين ذهب، فقد باتت الآن تدرك ذلك أكثر من أي وقت مضى
    وسكن قلبها الهلع والذعر، لأول مرة تخاف على ناجي إلى هذه الدرجة، وخاصة مع تجدد أصوات القصف وبات الصوت أقرب بكثير
    وقفت تنظر حولها بحيرة، لا تدري كيف تتصرف الآن! وكيف تصل إلى ناجي
    أخيرا ظهر أحد الأشخاص يرتدي الرداء البيج المطعم بالأزرق والمميز كزي للدفاع المدني يحمل شارته المميزة مطبوعة على ظهر سترته
    هتف به مروان : عبد الله، هل ذهب ناجي!
    أجاب : نعم، خرج بالسيارة منذ قليل ومعه الشباب
    ضرب مروان قبضته اليمنى في راحته اليسرى بغيظ ووجهه يعلوه الإحباط
    لم تحاول لين أن تسأله متى سيعود، فصوت القصف المستمر ينبئها بأنه سيستغرق وقتا طويلا للغاية قبل أن تستطيع أن تراه، أو ربما لا تستطيع أبدا
    مجرد مرور ذلك الخاطر السوداوي على عقلها، أصابها بالوهن ولم تعد قدماها قادرتين على حملها بعد أن باتت أعصابها على حافة الاشتعال، فارتمت على مقعد خشبي قديم يشبه مقاعد الدراسة، وتسارعت أنفاسها
    اقترب منها مروان وقال مطمئنا : سيكون بخير إن شاء الله
    عندما هز عبد الله رأسه لمروان وهو ينظر إليه مستفهما، تمتم مروان له : زوجة ناجي
    قضت لين قرابة الساعة تدور في المكان بقلق بالغ تستمع لحكايات عبد الله مدير ذلك المبنى الفقير الذي يتخذونه مركزا للدفاع المدني في تلك المنطقة
    كان يحكي لها عن ناجي الذي انضم للمركز منذ أشهر قليلة وصار عضوا فيه :
    كان القصف شديدا على أحد الأحياء، ورجالنا قلة يحاولون ما استطاعوا إخراج الناس من تحت الأنقاض، وفوجئنا بشاب يرتدي سترة سوداء يجري بيننا، يحمل معنا الأطفال ويساعد الرجال والنساء، ويخلى الجرحى من المكان
    كان مظهره مميزا في ذلك المكان بملابسه الأنيقة الغالية، والتي تحمل أحدث الماركات العالمية
    وسرعان ما خلع عنه سترته واندفع معنا يزيل بيديه الأحجار والركام والتراب ليخرج من دفنوا تحت ركام منازلهم
    عمل معنا بصمت ودأب كبير للساعات التالية
    وامتد العمل لأيام تالية وهو لا ينال سوى القليل من فترات الراحة، وعندما سألناه عن من يكون، عرف لنا نفسه بأنه ناجي
    فقط ناجي
    شاب سوري لا نعلم من يكون ولا من أين أتى، ومنذ ذلك اليوم وهو يعمل معنا بكل دأب وإخلاص، كلما علم بوقوع قصف يتوجه مع الشباب إلى مكان القصف ولم يتأخر يوما عن تقديم ما يستطيعه من مساعدة مهما كان حجم الخطر المحيط بنا
    قطع عبد الله حديثه، ورد على اتصال اللاسلكي، ثم غادر المبنى ليجهز العدد والأدوات التي طلبها زملاؤه، ويستعد لاستقبال السيارة القادمة من مكان القصف
    التفتت لين لمروان متسائلة : لماذا يخفي ناجي حقيقته؟
    أجاب بحيرة : لا أدري، لكنه أوصاني بشدة ألا أخبر أحدا بأية معلومات عنه
    شردت لين في أفكارها عن ناجي، وهي تحاول استنتاج السبب في أنه تعمد عدم ذكر حقيقته لأي أحد في هذه البلاد!!
    وصلت السيارة، وبدأ عبد الله ينقل فيها العدد والأدوات المطلوبة ومروان يساعده
    وقفت لين تنظر للسيارة التي تستعد للانطلاق، وفجأة اندفعت لتركب في المقعد المجاور للسائق، فهتف بها مروان : انتظري، المكان هناك خطر ولا يمكنك الذهاب
    قالت بحزم : طالما ناجي هناك فسأذهب إليه
    هتف مروان : ناجي سيغضب للغاية إن علم أنني تركتك تذهبين إلى مواقع الخطر، القصف لم ينته بعد، بالأمس تعدت الغارات الخمس والعشرون، واليوم لا نعلم إلى أي مدى قد يصل إجرام الأسد وحلفاؤه الروس
    قالت : سأذهب إليه مهما حدث، لا تقلق في وقت ما كنت معتادة على ذلك
    نظر إليها بدهشة، فأكملت : لقد كنت هنا من قبل
    لم يستطع مروان ولا عبد الله ولا حتى سائق السيارة الوقوف أمام عنادها، وانطلقت بها السيارة إلى موقع القصف
    كلما اقتربت السيارة علت أصوات الهرج والصراخ، وترى الجميع يهرولون باتجاه المباني التي تهدمت لتوها، لم ينته القصف، والناس يسارعون للنجدة في أي مكان وتحت أسوأ الظروف
    لم يعد أحد يختبئ في بيته، فالبيوت صارت قابلة للتحول لقبور في لحظة
    هنا..
    مات الخوف
    صار الموت رفيقا مألوفا، فهو كظل يتبع الجميع أينما ذهبوا
    وقفت السيارة على ركام عدة بيوت متجاورة، وانطلق السائق يفرغ حمولتها بمساعدة بعض من في المكان، وترجلت لين وأخذت تبحث في المكان وبين الوجوه
    الجميع في حالة استنفار والهرج شديد، يشكلون تجمعات حول كل بيت تهدم، وأصحاب الخوذ البيضاء بأعدادهم القليلة يتوزعون في المكان، يفسح لهم الجميع ليتقدموا ويندسوا بين الركام وتحت الأسقف المهدمة، يزيلون التراب، يحملون الأحجار الثقيلة يكسرون قطع الخرسانة بالمعاول، يصنعون من أكتافهم جسورا يعبر عليها العائدون للحياة
    أين تستطيع أن تجد ناجي! وكيف تعثر عليه وقد ذاب بين هؤلاء البشر
    استغرق البحث منها أكثر من ساعة ونصف
    ولم يدلها عليه إلا صوته، ميزته من بين أصوات المئات الذين يهتفون ويصرخون ويتحدثون في وقت واحد، لكن أذنها لم تخطئه
    وعندما اقتربت لمحته في قلب دائرة كبيرة من الناس الذين تجمعوا حول ركام بيت يعمل ذوي الخوذ البيضاء على انتشال البشر من تحته
    اتخذت لها مكانا عاليا فوق الركام لتستطيع أن تراه بوضوح وهو يعمل، كان يعتمر الخوذة وهو مغروز في حفرة مع مجموعة من الرجال يعملون على تقطيع قطع الخرسانة القاسية، ثم أمسك بمشار تقطيع الحديد الكهربائي، ليقطع كمرات الحديد التي اعترضت طريقهم وهم يحاولون توسيع تلك الحفرة، وبالنظر المدقق أدركت أن داخل الحفرة بشري يحاولون إخراجه دون أن يؤذوا جسده، لم تتبين إن كان حيا أو ميتا، لكن بعض الرجال من حولها يحاولون تهدئة الناس ليتبينوا ما يصدر من الحفرة من أصوات
    (هناك أحياء) هكذا هتف أحد أصحاب الخوذ البيضاء ليهتف الجميع بالتكبير، كان قلبها يرتجف وأنفاسها تتسارع من هول الموقف، مشاعر مختلطة ما بين قلق وخوف ودهشة ولهفة وألم، كل ذرة فيها تنتفض، وعينها لا تفارق ذلك الوجه المألوف المحبب لها والتراب يغطي كل ذرة فيه
    نجح ناجي ومن معه في تكسير الخرسانة وتقطيع الحديد ووسعوا الحفرة وأزالوا الأحجار الكبيرة، ثم أخرجوا بصعوبة جثة رجل تلقاها منهم الرجال المتجمعون ليلفوه في بطانية ويأخذوه بعيدا
    وخفت هرج الأصوات احتراما للموت المحلق فوق الرؤوس، وعلا الألم وجوه رجال الإنقاذ عندما أخرجوا بعده جثة طفل تقريبا في العاشرة، ورغم ذلك استمروا يعملون بدأب عظيم، وبلا لحظة راحة، وصوت الانفجارات يبلغ مسامع الجميع، فالطائرات لازالت تقصف عن قرب، وربما تعاود قصف تلك المنطقة مجددا، لكن الشعور بالخطر واقتراب قذائف الموت لم تثنهم، ولم توقف عملهم، ولم يغادر أي منهم موقعه، بل باتوا أكثر إصرارا على زرع الحياة تحت ركام الموت، وإن بذلوا في سبيل ذلك الأرواح والدماء
    لم تمض دقائق حتى سمعت ناجي يصرخ : يا الله
    ثم انتفض جسده وأخذ يعمل بكل همة ليزيل الركام من الحفرة حتى ظهر له جسد رضيع مغطى بالتراب، فانهمك هو ومن معه في تخليص جسده الصغير من أنقاض الهدم بحرص كبير، واستغرق الأمر أكثر من نصف ساعة حتى نجح في إخراجه، وعندما صرخ الصغير باكيا كبر ناجي بصوت يختلط بالنحيب، وكبر كل من في المكان في مشهد يهز القلوب، احتضن ناجي الصغير وأبى أن يعطيه لأحد من الأيادي الكثيرة التي امتدت له تطالب أن تأخذ الصغير
    وخرج من الحفرة وهو يكبر ويحوقل محتضنا الصغير ودموعه تسيل من عينيه وتشق طبقات التراب التي استقرت فوق وجهه
    شاركته لين البكاء وإن لم يرها، لكن روحها التقت بروحه لتشعر بكل ما يشعر به
    كانت تراقبه بدقة وتحاول أن تترجم حركاته وأفعاله، ما كانت أقرب إليه منها اليوم، منذ أن عرفته، لم تشعر بأنها تفهمه كالآن
    وهو يحفر بمنتهى الحماس، وكأنما يبحث عن ذاته بين الركام، وعندما استطاع إخراج الصغير من تحت الركام كان كمن يسترد جزءا من روحه الضائعة
    تأملته وهو يسير بين الناس يبكي محتضنا الصغير وكل ذرة من ذرات جسده مغطاة بالتراب
    في عينيها، لم يكن أشبه بشاب سوري أكثر منه الآن
    يحمل ناجي بين جنباته روحا ممزقة، وعليه أن يجمعها جزءا جزءا من تحت الركام كي تكتمل صورته عن نفسه
    حان الوقت أخيرا لتلتقيه، فغادرت مكانها فوق الأنقاض وأسرعت إليه، وهو يسير نحو سيارة الإسعاف، وعندما وصل فوجئ بها تنتظره أمام السيارة
    وقع المفاجأة ظهر جليا على وجهه، مزيج ممن الدهشة والذهول والغضب والخوف
    صمته الذي طال أنبأها بأنه قد ينفجر في وجهها في اللحظة التالية
    لم يكن هذا هو اللقاء الذي تنتظره بعد غياب، لم تر في عينيه الفرحة التي كانت تنتظرها، حتى بات قلبها يتساءل بوجل هل لازال قلبه يحمل لها حبا!
    نظرة الغضب التي سكنت عيناه أقلقتها بشدة، فناجي يحمل وجها شفافا يقرأ منه أي إنسان ما في قلبه
    لا تدري لم تذكرت في تلك اللحظة الكلمات التي سمعتها من شانتال (إذا أردت امتلاك رجل فعليك امتلاك ابنه)
    مدت يدها وتلقت منه الصغير الباكي فتركه لها بيسر وهو لازال تحت تأثير المفاجأة، فأخذت تمسح عن وجهه وجسده التراب، وطلبت المساعدة من المسعف، فأعطاها ما تحتاجه من مطهرات وضمادات، وانشغلت بتنظيف وجه الصغير وجراحه، وناجي يراقبها عن قرب حتى انتهت
    التفتت اليه عندما هتف بصوت غاضب : لم تصرين على التصرف وحدك دون الاستماع لأي إنسان
    نظرت إلى وجهه الذي خلا من ملامح الحنان والرفق التي اعتادتهما منه، وتأملت الأخاديد التي كونتها أنهار الدمع في التراب الذي غطى وجنتيه، لم يكن هذا الذي أمامها هو ناجي الذي تعرفه سابقا، الشاب الفرنسي المدلل المندفع حد التهور، بل كان شخصا آخر ربما تألفه، لكنها تشعر كما لو كانت تراه لأول مرة
    قالت بصوت مهتز : كان على أن ألتقيك بأي ثمن
    قال وغضبه يتصاعد : أخبرتك في الرسالة بالطريقة التي تتصلين بها بي
    جف حلقها تماما، وبات قلبها كورقة بالية، ولأول مرة تشعر أمامه بالتردد وبأنها عاجزة عن قول شيء
    كيف يمكنها أن تخبره بأنها لم تقرأ الرسالة!
    بل لم ترها من الأساس
    كيف يمكنها أن تخبره بأنها لم تعرف قصة عمر الكيلاني إلا من وقت قريب للغاية
    وهل سيصدقها؟! هل تخبره بما فعلته سعاد بها، أم تعتبر ما حدث عقاب رباني ورسالة تنبهها بحجم ما اقترفته في حق زوجها!
    فاجأها بسؤاله : أين مروان!
    أجابت بصوت مرتبك : في المركز
    فقال آمرا: ستعودين الآن إلى المركز
    هتفت وقد بلغ الخوف منها مبلغا : سأبقى معك
    صرخ في وجهها صرخة فتتت شجاعتها وأسالت مدامعها : ستعودين الآن وبلا نقاش
    قالت بصوت مشتت وهي تبحث عن سبب لتبقى : ولكن، الناس! بحاجة لمساعدة، ولن ..
    قال بلهجة صارمة وهو يمسك بكتفيها : لين، أتسمعينني!
    صمتت لحظة وهي تنظر إليه برجاء، ثم قالت بضعف : نعم
    قال وقد انخفضت حدة غضبه : أترينني!
    انتبهت أخيرا لذلك الشرخ العميق الذي يملأ نفسه، فهي لم تحاول أن تسمعه يوما، بل لم تكن تراه، لم تشعر بمشاعره ولم تنظر يوما داخل قلبه
    لكن اليوم صار كل شيء مختلف، الآن هي تراه وتستمع إليه جيدا وتشعر بما يشعر به، فأجابت بصدق ودموعها تسيل : نعم
    هدأ صوته وقال ببطء : جيد، والآن ستعودين إلى المركز
    انتحبت وهي تحاول الاعتراض : ولكن!
    قال بصرامة : أنا هنا، أتفهمين!
    أنا .. هنا
    أومأت برأسها بطاعة، فسحبها من كفها وأركبها في السيارة التي أتت بها وأمر السائق أن يعيدها للمركز، فنادته برجاء قبل أن تنطلق السيارة : ناجي، أحتاج أن أتحدث إليك
    قال : عندما أعود ربما نجد بعض الوقت لنتحدث
    ..................................
    كانت تجلس في المركز تتمزق خوفا وقلقا، شعور ظنت يوما أنها قد تركته خلفها بلا رجعة، لكن ها هي تكابده كأشد ما يكون، ولازالت تتساءل أين ذهبت كل الأحلام والتوقعات التي ظلت لفترة طويلة ترسمها في عقلها عن لقائها بناجي!!
    كانت تظن أنها ستفاجئه لكن المفاجأة كانت من نصيبها هي، بل انقلبت إلى شعور قاسي بالرعب والخطر الداهم بعد أن وصلهم في المركز خبر عبر اللاسلكي بان الطائرات عادت تقصف الموقع الذي هم فيه، وهناك إصابات بين رجال الدفاع المدني
    همت أن تهرول ثانية إلى الموقع، لكن عبد الله ومروان منعاها، وتراجعت عن فكرتها عندما تذكرت غضبة ناجي
    استطاع عبد الله إن يطمئنها على ناجي عندما تأكد عن طريق سؤاله لرجاله باللاسلكي وعلم أن ناجي لم يصيبه مكروه، فهدأت لين قليلا
    قضت الوقت في التعرف على الدور الذي يقوم به المركز، وأعمال فرقة الإنقاذ التي انضم إليها ناجي، أخذت تتأمل شعار الدفاع المدني
    وصور عمليات الإنقاذ، وأخذت تقرأ قصاصات الصحف المعلقة على الجدران
    خبر عن منظمة رايت ليفيلهوود السويدية تمنح جائزة نوبل البديلة للخوذ البيضاء
    وخبر عن دعم الناس لها للترشح لنيل جائزة نوبل
    وخبر عن فوز فيلم صور عن المنظمة بجائزة الأوسكار
    ثم أخبار عن أرقام وإحصائيات عديدة لم تكمل لين متابعتها، والتفتت إلى عبد الله الجالس خلف المكتب وسألته : هل حقا فاز فيلم عن المنظمة بالأوسكار!
    أجاب بسخرية مريرة : نعم، ولم يستطع أحد من المنظمة استلام الجائزة، فقد كنا تحت القصف، ولا يمكن لأحدنا مغادرة سوريا بعد أن أوقفت حكومة الأسد جوازات سفر كل من يعمل بالمنظمة
    تنهد قائلا : على كل الأحوال لا يعنيني هؤلاء الذين يهتمون بالشاشات أكثر من حياة البشر
    إن ما نحتاجه حقا هو جائزة لإيقاف القصف، أو لمنع الموت
    رغب الكثيرون في ترشيحنا لنيل جائزة نوبل
    أما أنا فقد بت أتساءل، ما حاجتنا لنيل جائزة هي في أصلها عبارة عن غسيل أموال لرجل اخترع أكثر الأسلحة قتلا على وجه الأرض!
    صمت لحظات، ثم قال : سامر كان سعيدا للغاية بخبر الأوسكار، كان يهتف ضاحكا كالأطفال ( أخذنا الأوسكار يا أبو وليد)
    يعشق الصحافة برغم أنه كان يعمل بنّاء قبل الحرب، وكان دائما يجاهر بأمنيته بأنه كان يتمنى أن يكون صحافيا
    جلست لين في المقعد المقابل للمكتب، وسألته : هو من جمع كل تلك الأخبار عن المنظمة؟
    كان الرجل الأربعيني الذي نبتت الشعيرات البيضاء بين شعره الأسود يتحدث بهدوء يكتنفه الحزن وكأنما يحمل أطنانا من الهموم فوق كتفيه : نعم، كان يجيد اجتذابنا بالحديث وقت الراحة ويرتب لنا الأخبار كأفضل معد لنشرة الأخبار، ثم يلقيها علينا وهو يقلد أحد المذيعين في القنوات الإخبارية
    كان يحلم بتكوين جهاز إعلامي للمنظمة يعمل على أعلى مستوى، كان يمارس عمله في الإنقاذ، ثم يقوم بجمع الفيديوهات التي صورها الناس أثناء عمليات الإنقاذ ليصنع أرشيف وثائقي للمنظمة
    ترقرقت عيناه بالدموع وانكسر صوته : عليه رحمة الله
    صدمتها الكلمة رغما عنها برغم أنها كانت تتوقع أنه يتحدث عن ميت : مات!!
    أكمل بصوت يملؤه الحزن : وترك من خلفه طفلة، ورضيع
    نهض من مكتبه مقاوما انهمار دموعه، ثم أشار للقصاصات على الجدار : ١٥٨ لقوا حتفهم تحت القصف وهم يسابقون الموت لإنقاذ الأرواح
    القصف لا يمتنع حتى عن سيارات الإسعاف ولا عن فرق الإنقاذ
    محمد.. ترك عزاء أخيه وأسرع ليبحث عن أحياء تحت الأنقاض
    أيمن.. دفن زوجته وفي اليوم الثاني أنقذ شاب من تحت الركام
    حتى الحزن، لم يعد له وقت هنا، وطالما اشتد القصف فسندفن جثث أحبتنا ونحن نخرج الأحياء من تحت التراب
    انتفضت فزعة على أصوات الانفجارات التي صارت أقرب، وبدأت تتمتم بكل دعاء تذكره أن يحفظه الله ويرده إليها سالما
    قال عبد الله : كلما بدأت غارة أتساءل متى تتوقف
    متى يتوقف كل هذا!
    .................................
    لم تكن تتوقع أن يواصل الليل بالنهار ويبقى في موقع القصف حتى اليوم التالي، ولكن عبد الله بدا معتادا على ذلك وقد كان يطمئنها بما يستطيعه من كلمات
    وعندما جن الليل، أوصلها لبيت قريب من المركز وأخبرها بأنه سيرسل ناجي إليها بمجرد أن يعود من مهمته، وأوصى بها الجارة التي تسكن فوقها ، ولقد رحبت بها بحفاوة وهدتها بصينية عليها ما قسمه الله لها من طعام، استطاعت الوصول إليه تحت ظروف الحصار القاسية، وشكرتها لين بعمق وقد عرفت منها بأن هذا البيت لأحد شباب الدفاع المدني ، وطمأنتها السيدة ألا تقلق من قطع الكهرباء ليلا، فهم معتادون على ذلك حتى تظل البيوت مظلمة فتضلل الطائرات، ومدتها ببعض الشموع والكبريت
    لم تمس لين صينية الطعام، بل أشعلت الشموع، وبقيت تدور في البيت قلقا، والخوف يأكل قلبها وهي ما بين صلاة وابتهال أن يرده الله سالما حتى مطلع الفجر، وبمجرد أن أدت الفريضة سمعت طرقا على الباب، ففتحت بسرعة لتجده أمامها
    وكأن روحها كانت هائمة وردت إليها
    وعلى ضوء الشموع، هالها ما تراه في عينيه من نصب وتعب وحزن وألم، أرادت بشدة أن تضمه في صدرها، لكنه تركها ودخل البيت يجر أقدامه وجسده يترنح من الإرهاق حتى ارتمى على أقرب مقعد إليه وخلع خوذته فتساقطت ذرات التراب من رأسه على كتفيه
    لا قيمة للكلمات وهو على حالته تلك، فأسرعت إلى المطبخ تسخن الماء وتعد الحمام، ثم سحبته من يده بصمت ليتلقى حماما دافئا يزيل عن جسده التراب والقاذورات والتعب والإرهاق، وبعدها جلس على الأريكة فقربت إليه الطعام وقالت : يجب أن تأكل
    نظر إليها متسائلا فأخبرته أن جارتها هي من أحضرت صينية الطعام قال بصوت متعب : لماذا لم تجيبي عن سؤالي!
    قالت بارتباك : أي سؤال!
    -لماذا أتيت إلى هنا؟
    -لأراك
    -كان لديك الوقت الكافي للاتصال، وقد أخبرتك أنني سأعود إذا ما احتجت لي
    -ما كسرته، لا يمكن إصلاحه بمكالمة هاتف
    قال بضيق : لماذا تتعمدين دائما تجاهل ما أقول
    حاولت أن تقول شيء، لكنها أخفقت في اختيار أي كلمة مناسبة لا تشعل غضبه
    سألها السؤال الذي كانت تخشاه : ماذا فعلت في الجامعة؟
    ارتجف جسدها وتوترت بشدة، كيف لها أن تخبره بأنها أخفقت في اجتياز المستوى وأنها لن تستطيع الانتقال لدراسة الطب
    لكنه فهم ذلك من صمتها وتعبيرات وجهها
    فأطرق برأسه آسفا، فلم تستطع أن تمنع دموعها
    لقد خذلته
    قال بيأس : يبدو أن الفشل في كل شيء يخصك سيظل ملازما لي
    لقد فشلت في اكتساب ثقتك، وفشلت في الفوز بمحبتك، وفشلت في إخبارك بالحقيقة
    وهاأنذا أفشل في تحقيق حلمك
    داهمها الألم ولم تستطع أن تقول شيء، لكنه قال : لا أدرى ما الشيء الصحيح الذي يمكن أن أفعله ليجلب لك بعض السعادة
    تأملت ملامح وجهه وحارت كيف ترد على كلماته!
    كيف يمكنها أن تقنعه بأن مجرد جلوسه أمامها الآن سالما معافى هو أكثر ما يجلب لها السعادة في هذه الحياة
    مسحت دموعها، وهمست بصوت باكي : غن
    ظن أنه لم يسمعها جيدا فتساءل : ماذا!
    كررت برجاء : غن، لا يسعدني في هذه الحياة سوى أن أسمع صوتك
    قال بألم : أغنى!
    استردت بعضا من شجاعتها وانطلقت تقول : لا شيء يبدد وحدتي، يطمئنني، يدفئ روحي سوى دندناتك
    قال بصوت يائس : كيف أغني والأطفال لا يبتسمون!
    لا يبكون!
    نحيا في عالم بشع يجعل الطفل يشيخ قبل أن يولد
    زميلي الذي أصيب اليوم، له طفله تنتظره، أي شيء في العالم قد يعوضها عن فقد أبيها!
    صاحب هذا البيت الذي استضافنا فيه، فقد زوجته من أيام وأرسل طفلتيه عند أم زوجته، وصار المركز هو ملاذه
    أتدرين ما هو الأبشع من الموت!
    هو أن أخرج من تحت الأنقاض طفلا فقد جزء من جسده
    هل يمكنك تخيل أن طفلا يكمل حياته بلا ساقين، أو بلا عينين، أو طفلا فقد كل عائلته وصار يتيما بلا دعم أو حماية!
    قالت بيقين : سيقيض الله له من يحميه، كما سخر له من ينقذه
    نظر إليها بأسى، فأكملت مؤكدة : أنت أكثر من يدرك هذا
    تجاهل مقصدها، قال مبدلا الحديث : غدا سيوصلك مروان إلى تركيا، ثم تعودي إلى باريس
    هزت رأسها نفيا وقالت باعتراض : سأبقى معك
    استفزه اعتراضها فقست لهجته : ستفعلين ما أقول بلا اعتراض
    لا مكان لك هنا
    اشتعل غضبها لإصراره على إبعادها : بل لي مكان، أستطيع تقديم الكثير من المساعدة، لقد عملت في الإسعاف من قبل، هناك الكثير يحتاجونني
    سألها بقسوة : هل أنت طبيبة!
    تلجلجت وهي تقول : لا ولكن..
    نحتاج إلى أطباء، كان من الممكن أن تقدمي المساعدة لو أنك أصبحت طبيبة، والآن لديك عمل في فرنسا لابد أن تتميه، ولن تعودي إلى هنا قبل أن تصبحي طبيبة
    بكت بشدة وانتحبت : لا، لن أرحل
    اشتعل غضبه عنيفا وسحبها من يدها وأمسك بوشاحها الملقى على الأريكة، وألقاه إليها وهو يقول بحزم : ارتدي وشاحك سترحلين الآن مع مروان قبل بدء الغارات مجددا، أتفهمين!
    وقفت أمامه تبكي بشدة، ورفضت أن تغادر، فأمسكها من ذراعيها وقال غاضبا : لن أسمح لك بالبقاء هنا
    صرخت في وجهه وهي تبكي : لن أذهب، لن أبتعد عنك
    بكاؤها أجبره على الصمت، لم يرها يوما تبكي إلى هذه الدرجة
    لأجله!!
    قال وقد أسقط في يده، وعجز عن الاستمرار في إيلامها : أنت لا تفهمين، لن أستطيع أن أتقبل فكرة وجودك وسط الخطر، قد أتحمل خسارة أي شيء، لكنني لن أتحمل أبدا خسارة فقدك
    لم تهدأ روحها إلا عندما ضمها لصدره وأحكم ذراعيه حولها، وصارا كيانا واحدا، عندها فقط اطمأنت أن قلبه صار ملاذها الوحيد، فهمست في أذنه : بل أنت الذي لا تفهم، أنني لا أستطيع الابتعاد عنك
    ...................................
    • في هذا اليوم هدأ القصف، ونام ناجي لساعات طويلة يعوض بها الإرهاق الشديد الذي نال منه في اليومين الماضيين، وبقيت لين إلى جواره تراقب ذلك الذي يخاف عليها أكثر من روحه، تتأمل الكدمات والجروح والخدوش التي ملأت كتفيه وصدره، مسحت بأصابعها كفيه اللذين فقدا نعومتهما السابقة، وصارا خشنين يمتلآن بالندوب والجروح فانسابت دموعها بصمت حتى لا توقظه من نومه، وهي تقبل كفيه وأصابعه بحب، وعندما صافحت عيناها وجهه، وجدت عيناه تتطلعان إليها بحب، ثم ضمها إليه بشوق وأخذ يمسح دموعها ويهدئ من روعها، ويبادلها حبا بحب وشوقا بشوق
    وقرت روحها بين جوانحه، واستكانت بوداعة بقربه، واختفى الألم ، وتسلل الفرح إلى قلبيهما بعد أن التقى كل منهما رفيق روحه
    فأشرق وجهه أخيرا بابتسامته المميزة، فامتلأ قلبها بالسعادة وهي تقول مازحة : هل على أن أقول لك كم أحبك، أم أنك ستعي ذلك وحدك
    -أتبخلين بها على
    -ليت لدي ربع جمال صوتك فأغنيها لك
    أدرك أنها تلاعبه وتحاول جاهده دفعه للغناء مجددا، لكنه قال : هذا لن يغنيني عن سماعها من بين شفتيك
    أحبطها كثيرا فشل خطتها، لكنها حاولت من جديد، فقالت : ما أوسع الغابة وسع الغابة قلبي
    لم تنجح في دفعه للغناء، لكنها نجحت في رسم ضحكة كبيرة على محياه، وسعادة أكبر في قلبه وقد ذكرته بتلك الأغنية التي حاول يوما أن يغنيها لها، فتنهد باسما مستمتعا راضيا بنظرات العشق التي تبثه إياه عينيها
    في اليوم التالي كان عليه التوجه للمستشفى لزيارة ذلك الرضيع الذي أخرجه من تحت الأنقاض، وسعدت روحه وقر قلبه بتحسن حالته، وبنجاته من الموت، وحمله بين ذراعيه وأخذ يلاعبه ويهدهده ولين تتأمله بحب كبير، وأدركت أن محاولاته الدائمة في البحث المستميت عن رابط يربطه بالرجل الذي أحبه أكثر من أبيه، قد أفلحت أخيرا
    اتجه ناجي بعد ذلك إلى دار الإيواء التي سماها باسم لين، وبمجرد أن رآه الأطفال أقبلوا جميعا عليه والتفوا حوله يرحبون به بحب، وهو يداعبهم ويمزح معهم، كانت لين تراقب حركاته وأفعاله بدقة وهي تبحث عن سر تلك الجاذبية المفرطة التي يتمتع بها ناجي من قبل الأطفال، وأدركت أنها ليست وسامته ولا صوته
    بل هو قلبه
    يستطيع الأطفال بسهولة التفرقة بين المحبة الحقيقية والزائفة
    رحبت بهما رزان بشدة، فقال لها بود :مرحبا يا صديقتي، أود أن أعرفك إلى لين
    ابتسمت بود، وقالت لين : تعارفنا من قبل وصرنا صديقتين
    قال ضاحكا : أتيت متأخرا كالعادة
    سألته رزان باسمة : أخبرني، كم رزان أنقذتها من تحت الركام بالأمس
    فرد بصوت يغمره الحنان : أخبريني أنت كم طفلا حفظ سورة جديدة اليوم
    كانت لين تراقب حديثهما الودود والدمع يتجمع في عينيها يستعد في أية لحظة للهطول، لكنها تماسكت حتى عادا إلى البيت، وعجزت عن كتمان الدمع الحبيس في عينيها عندما فاجأها ناجي بقوله : ما رأيك أن تزوري حمص؟
    قالت وصوتها مختنق بالدموع : هل ستغضب إن أخبرتك أنك مجنون
    قال باسما : لا، أظن أنني اعتدت ذلك
    قالت بجدية : لا يمكنني تحمل مجازفة أن أكون سببا في فقدك أو اعتقالك، التنقل في أراضي يسيطر عليها النظام به مخاطرة كبيرة
    قال : اطمئني، سأحسب حساب كل شيء، وسأدبر أمر الرحلة جيدا
    قالت بحب : ناجي لست مدين لي بشيء
    قال مؤكدا : إنها محاولة أخيرة، ربما نجحت في أن أفعل شيء يدخل إلى قلبك السعادة
    قالت بصوت عاشق : سعادتي أن أقضي عمري بين أحضانك
    احتضنها بشوق غامر، وطال صمتهما ليدعا فرصة لحديث القلوب
    حتى هزم فضولها صمتها، فسألته : أخبرني، هل أنا حقا أشبه عمر الكيلاني
    ضحك بشدة، وقال : انظري في المرآة وستدركين ذلك بسهولة
    شاركته الضحك : ألهذا أحببتني!
    -أهذا فخ!
    -فقط أجب بصدق
    -إن أمك أشبه بأخيها منك
    لم تعد ذكرى أمها تمثل لها ذلك الألم القاتل كالسابق، بل صارت وهي بصحبة ناجي ذكرى عزيزة تستعيد أحداثها بسعادة
    قال لها: كان عمر الكيلاني لا يؤمن بالزواج إلا من سورية
    هزت رأسها بفهم : فكل سورية بالنسبة له قديسة
    إذا، ربما لأنه أورثك حب السوريات
    -بل لأنني عشقت عينيك
    -هل كنت تبحث فيهما عن أمك التي لم ترها أبدا
    -لن أستطيع مجاراتك، فأنت أشد من إلتقيتها عنادا، وأنت أخبريني، لم أتيت خلفي!
    -لأنك صرت لي وطن
    مست الكلمة روحه، وفجرت في قلبه ينابيع الحنان فاحتضنها بشغف وكأنما يريد لها أن تختلط بأضلعه
    فسألته بجدية وهي تتوسد صدره : لم بقيت! لم لم تعد إلى فرنسا مع خالد؟
    تنهد بعمق وأجابها بصدق : لقد عشت ثلاثين عاما من عمري معتقدا أنني فلسطيني مطرودا من أرضه، وبعد أن عرفت أنني سوري، ليس على أن أحيا ثلاثين عاما أخرى لأدرك أن هذا الوضع لا يجب أن يكون
    انسكبت دموعها على صدره، فربت على ظهرها مواسيا، فسألته : أتؤمن حقا بأننا يمكن أن نعيش يوما هاهنا بسلام؟
    قال باسما : اسألي جان، فهي تعتبر عمر الكيلاني بطلا، لأنه انتصر عليهم في النهاية وعاد مجددا لبلاده التي طرد منها
    قالت بألم : عاد جثة ليدفن فيها
    قال : لم يكن يستطيع أن يحلم حتى بأن تمس رفاته تراب الوطن، لكنه عاد رغم كل شيء، وصار له قبر فيه
    لم تعد ذكرى جان تحك قلبها بالغيرة كالسابق، وهو يكمل : دائما ما تقول لي جان بيقين، ما تراه الآن سيتغير، لا شيء سيبقى على حاله
    سينتهي الديكتاتور بأي طريقة كانت
    لم يخلد ديكتاتور أبدا في التاريخ
    لا في فرنسا، ولا في روسيا ولا في أمريكا الجنوبية
    وكذلك لن يبقى في سوريا
    -ولكن.. بعد كم من الضحايا، وبكم من الألم
    -الألم قدر على كل من يبتغي الحرية
    كل ما نستطيعه الآن بعد أن سدت أمامنا كل السبل هو أن نحافظ على حياة الجيل الذي يلينا، حتى إذا ما تحررت بلادنا يوما يكون لهم وطن، ويبقى للوطن من يبنيه من جديد

    بعد أيام قليلة..
    انطلقت بنا السيارة نحو حمص، بعد أن أصر ناجي أن أراها مهما كانت الظروف، وبأي طريقة كانت
    واستجاب ناجي أخيرا وبعد إلحاح شديد لرجائي بأن يغني لي الأغنية التي أبكت عمر الكيلاني يوما
    وعاد صوته الشجي في السيارة يملأ أذني وقلبي، وسالت دموعي وجدا و الكلمات تمس قلبي
    إن طال بعدي عنك يا بلادي والنوى
    وحرمت شم الورد والياسمين والهوا
    فسيبقى ذكرك عاليا طول المدى
    شلت يميني ان نسيتك يا بلادي

    باتت السيارة على أعتاب حمص
    سأرى أخيرا موطني
    عاصمة الثورة
    ربما أبقى، ربما أرحل
    ربما أعود ثانية، أو لا أعود أبدا
    لكن الحقيقة الوحيدة التي بت أؤمن بها، أنه
    سيبقى لنا هنا وطن وإن لم تعانق أعيننا سمائه، ولم تحتضن أنوفنا رائحة ترابه
    سيبقى لنا هنا وطن وإن غُصِبنا على ألا نعود إليه
    سيبقى لنا هنا وطن يعود إليه أبناؤنا ولو بعد عشرات السنين، وإن متنا وبُلِيَ منا الجسد فستحمل دائما رفاتنا رائحة تلك الأرض
    وهنا..
    ستبقى الثورة
    وإن دفنت تحت الركام
    ستبقى شرارتها حارة مشتعلة لا تنطفئ
    تنتظر من ينفخ فيها روح الحرية لتندلع جحيما يحرق الطغاة
    أينما يكون هناك طغاة
    فستبقى دائما هناك ثورة
    وسيبقى دوما من يثور

    تمت بحمد الله وفضله
    الخميس ١٢ اكتوبر ٢٠١٧
    ٢٢ المحرم ١٤٣٩ه
    الساعة ٥.١٠ مساءا

    إهداء
    إلى هؤلاء الذين يبذلون أرواحهم ليزرعوا الحياة تحت ركام الموت

صفحة 4 من 4 الأولىالأولى 1234

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 2 (0 من الأعضاء و 2 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية