صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 11 إلى 20 من 20
Like Tree1Likes

الموضوع: رواية لحن العاصي بقلم / سامية أحمد

  1. #11

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,437
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة العاشرة
    (10)
    كانت كلمات أمينة تتردد في أذنيها والسيارة تتجه بها لمكتب مراد كساب
    (لا تتسرعي في الحكم، فربما لا نرى الأمر على وجهه الصحيح
    فليكن همك الحقيقة
    الحقيقة وفقط)
    (ما هي طبيعة العلاقة التي تربط بين ناجي والمحامي سيء السمعة يوسف منير)؟
    ألقت السؤال مباشرة على مراد كساب، وهي تجلس في مكتبه بوجه متجهم وعينين تمتلآن بالقلق والترقب
    أجابها بضحكة قصيرة متوترة زادت من قلقها : كأي علاقة تربط بين اثنين من مشاهير هذه البلدة
    الكل هنا تتقاطع مصالحه مع بعضهم البعض ومع مؤسسات الدولة
    وكلاهما عميل في البنك
    قالت : عفوا، لا أسألك عن علاقتهما بمؤسسات الدولة أو البنك
    بل أسألك عن العلاقة التي قد تجعل ناجي يدعو ذلك اليوسف منير إلى حفل زفافه!
    - أعتقد أنك مضطرة لانتظار عودة السيد ناجي ليجيب بنفسه عن تساؤلاتك
    - وماذا لو لم يعد!
    اكتست ملامحه بالتعجب والدهشة فاستدركت : أعنى، ماذا لو أن هناك ظروفا قاهرة تمنعه من العودة أو الاتصال بي!
    عقد حاجبيه باهتمام وقال بقلق : سيدتي، هل تعتقدين بأن السيد ناجي قد اختطف
    قالت : لو أن لديك استنتاج آخر لاختفاؤه، أود سماعه
    قلب كفيه بحيرة : الحقيقة، لا تفسير لدي، لكن استنتاجك خطير
    هل هاتفك أحد بخصوص فدية أو شيء من هذا القبيل؟
    - كلا
    - اذا علام تستندين في استنتاجك هذا
    - سيد مراد، زوجي مختفي، ولا أحد من معارفه أو أصدقاؤه يعلم شيئا عن مكانه
    أليس هذا كافيا لاستنتاج أنه اختطف!
    - ولكن ما الدليل على ذلك، الخاطف في العادة يطلب شيئا، فدية من مال، أو شيء يملكه المخطوف
    - ربما المطعم
    - أتتهمين السيد كريستيان!
    - لا، وإلا لكنت قدمت شكوى رسمية ضده، ولكنى لا أستطيع استبعاد الارتياب في كل شخص ينافسه في عمله أو يعتبره خصم له
    - وما علاقة السيد يوسف منير بالأمر!
    - أعتقد إنه لا تخفى عليك أفعاله، سمعته بين الجالية العربية ليست على ما يرام
    - أترتابين فيه لمجرد أنه حضر حفل زفافك أنت وناجي
    - أنا فقط أبحث عن كل معارفه ومن لديهم أي صلة به لأسألهم عن أية معلومات تفيد عن مكانه
    أردفت وهي تؤكد على كلماتها : وإني لأرجو منك أن تساعدني
    - حتما سأساعدك، وسأبذل كل ما أستطيعه للبحث عن السيد ناجي، ولكن كيف؟
    - حسنا، أود منك سؤال هذا المدعو يوسف منير عن علاقته بناجي، فكما قلت هو عميل في البنك
    - ولكن، لم لا تتحدثي إليه بنفسك وتسألينه عن كل ما يخطر بذهنك؟ أستطيع أن أرتب لك موعدا في مكتبه
    قالت بحسم : إن لم يكن لديك مانع أفضل أن يكون ذلك عن طريقك
    قال دون اقتناع : حسنا سيدتي كما تريدين
    .......................................
    قضت الوقت في الترقب والانتظار والقلق
    حتى جاءها اتصال من مراد كساب، لم تكن اجابته صادمة بقدر ما وضعتها في مأذق يحتاج الى حل
    يوسف منير رفض أن يدلي بأية معلومات يعرفها عن ناجي ويصر على التحدث إليها شخصيا
    حارت في اتخاذ القرار الصحيح، لا تستطيع الالتقاء بشخص ذو سمعة مشبوهة، وفي نفس الوقت كان كلام مراد كساب منطقيا
    عليها أن تستمع لما سيقوله، فعلاقاته المتعددة قد تفيد في البحث عن ناجي
    كما أن مراد استشف من لهجته الواثقة بأن لديه ما تهتم له
    وفي النهاية كان عليها استقباله في المطعم، فذاك هو المكان الوحيد الذي يمكن أن تشعر فيه بالأمان
    كما أنها اشترطت أن يحضر مراد الحوار، ولم تخف عنه أن السبب هو قلقها الشديد من الجلوس مع شخص سيء السمعه
    اجتمع الثلاثة حول طاولة في أحد أركان المطعم، وقالت لين بلهجة عجزت عن اخفاء نبرة التوتر فيها : أخبرني السيد مراد أن لديك معلومات عن ناجي
    ابتسم نصف ابتسامة وهو يتأمل الجدية والتجهم الذي يكسو ملامحها : تعجبني المرأة التي لا تهدر وقتها في موضوعات فرعية وتتجه لهدفها مباشرة
    لمح في عينيها قلة الصبر والترقب لانهاء اللقاء عند أي بادرة تشعرها بالتلاعب، فتنحنح راسما الاهتمام في ملامحه : حسنا، أعرف ناجي جيدا، ومن قبله والده عمر الكيلاني، ولي معهما معاملات عديدة
    ضاقت عيناها : ما طبيعة العلاقة التي تربطك بناجي ؟
    - علاقات في حدود العمل والمعاملات المالية، كما أنني صديق شخصي لمحاميه الخاص ، بيتر
    شيء ما في لهجته أشعرها بالخوف، ففضلت عدم الدخول في تفاصيل أعماله مع ناجي وقالت مباشرة : ألديك معلومات عن المكان الذي اختفى فيه أو سبب اختفاؤه؟
    تنحنح ثم قال : الحقيقة نعم
    انقبضت عضلاتها بتوتر ولمعت عيناها بلهفة : أين هو؟
    - صدقا لا أعلم
    انتفضت من مكانها وقالت بحدة : لا وقت لدي لتلك الألاعيب
    وقف الاثنان وقال مراد : انه لم يقل شيئا بعد، أرجو أن تصبري قليلا حتى يخبرنا بما لديه
    قال يوسف بلهجة اعتذار : عفوا سيدتي، لم أستطع أن أوضح ما أعنيه،أنا أعرف من وراء اختفاء السيد ناجي، ولكني لا أعرف مكانه
    عادت لمقعدها فجلس الاثنان وقال يوسف : السيد ناجي تم احتجازه بسبب المطعم
    قالت بارتياب : كريستيان!
    ليس هو فحسب، عمر الكيلاني ترك لابنه إرثا يحمل الكثير من الصراعات، وعليه خلافات كبيرة
    - ماذا تعني!
    - ما أعنيه لن يفيد السيد ناجي الآن، لقد رفض أن يترك لهم سلسلة المطاعم، ولهذا احتجزوه، والآن صار أمره بين يديك، إما أن يعود، أو لا يعود أبدا
    - ألهذا السبب حول كل شيء يملكه لي! حتى لا يضعف ويترك لهم ما بذل والده عمره في بناؤه
    - ربما، المهم هو أنهم لن يتركوا ناجي إلا اذا أخذوا ما يريدون
    - وماذا لو أبلغت الشرطة؟
    - سيجدون جثته بالتأكيد
    أفزعها ذلك الخاطر، وصمتت لتجمع شتات أفكارها التي تبعثرت في لحظة
    لكنه عاجلها قائلا : الشرطة عاجزة عن فعل شيء والا لكانت وجدته عبر تحرياتها وطرقها
    كما أن الخسارة لن تلحق ناجي وحده، فهؤلاء قد يرتكبون أكثر من جريمة ليحصلوا على ما يبتغونه
    ولا أظن أنك تريدين الانغراز في تلك المشكلة، أو مواجهة هؤلاء
    خيم الصمت على ثلاثتهم ونظرت الى مراد تبتغي منه مشورة أو كلمة، لكنه قلب كفيه ومط شفتيه بقلة حيلة
    انتبهت للنادل وهو ينحني لها ليهمس ببضع كلمات، يخبرها أن مدير المطعم يريد التحدث إليها
    انتهزت الفرصة لتحصل على هدنة من كل تلك المفاجآت
    وفي المطبخ كان جميع العاملين مجتمعون، وقام مدير المطعم الشاب المغربي محمد بالتحدث إليها ونقل غضب واعتراض الجميع على وجود هذان الرجلان في المطعم
    كادت أن تجادلهم في أن ذلك قد يكون لصالح عودة ناجي
    لكن محمد جعلها تحجم عن ذلك عندما قال بشكل صريح : عفوا سيدتي، ولكن إن لم يرحلا فورا فسيتخذ العاملون هنا اجراء ما يعبرون به عن اعتراضهم
    شعرت بأن الأمور ستزداد تعقيدا اذا ما أصرت على اكمال اللقاء رغما عن ارادتهم، خاصة وأنها لا تتمتع بالمحبة والود الذي يكنونه لناجي، ففضلت أن تعود للرجلين لتخبرهما بعدم استطاعتها اكمال الحديث في المطعم
    هز يوسف رأسه متفهماوقال ببساطة : لقد أوضحت الموقف، وعليك اتخاذ القرار الذي ترينه مناسبا
    هم بالرحيل فاستوقفته قائلة : ماذا لو عرضنا عليهم المال؟
    التفت اليها وقال بنصف ابتسامة : سيدتي، الأمر أكبر من المال
    قالت باصرار : لم لا نفاوضهم؟ ربما..
    تساءل ساخرا : هنا!
    ارتبكت، ولم تجد جوابا مناسبا، أين يمكن أن تتحدث إليهم! وعلام ستفاوضهم؟
    لم تمر بهذا الموقف العجيب من قبل، ولا تعرف كيفية التصرف الصحيح
    كل ما تعرفه هو أنها يجب أن تفعل أي شيء لتنقذ ناجي إن كانوا حقا يحتجزونه
    ولكن لا يمكنها الذهاب الى مكان لا تعرفه، فيجب أن تتحلى بالحذر
    كما أن استقبال أي غريب في البيت دون وجود زوجها ضد تقاليدها المحافظة
    ولن تستطيع شرح الأمر لكل العاملين في المطعم لتتقي غضبتهم
    طالت حيرتها حتى ألقى مراد لها بطوق النجاة : سيدتي، بإمكاني تدبير لقاء آخر بينكما في مكتب زوجتي الخاص بالتسويق وادارة الاعمال، أعلم أنها سترحب بذلك
    تم تحديد موعد اللقاء بعد أن اتصلت لين بزوجة مراد كساب وتحدثت إليها شخصيا عن حاجتها لاجراء ذلك اللقاء الهام في مكتبها، وأبدت السيدة تفهما للموقف وايجابية كبيرة، وودعتها لين بجزيل الشكر
    وقبل الموعد تقصت جيدا عن المكتب وعن نشاطه، وصاحبته
    وفي الموعد تماما اصطحبها السائق الى المكتب، واستقلت المصعد تحمل معها توترها وقلقها والرهبة التي سكنت قلبها
    وكان في استقبالها مراد كساب وزوجته، وأحسنا استقبالها، وبالداخل كان ينتظرها يوسف منير وكريستيان
    حاولت قدر استطاعتها أن تغلف قلقها ورهبتها بقناع من البرود وألقت بسؤالها : هل لي أن أعرف ما علاقة السيد كريستيان بالأمر
    رد يوسف منير ببساطة وهو يسترخي في مقعده واضعا ساقا فوق الأخرى : السيد كريستيان هو من سيفك الاشتباك
    بمجرد أن يستعيد المطعم سيعود كل شيء لطبيعته ونستريح جميعا
    بدا لها الأمر كمؤامرة تحاك من أطراف عدة وانقلب قلقها إلى خوف حقيقي، فاعتصمت بصمتها حتى لا يتبدى خوفها في نبرات صوتها
    استعجلها يوسف قائلا : ها، ما هو قرارك مدام لين؟ كل الأوراق الرسمية والعقود جاهزة للتوقيع
    ابتلعت ريقها وقالت بثبات مزعوم : قبل أي شيء إريد أولا الاجابة عن سؤالين
    ظهر الضيق على وجهه، لكنه أومأ إليها موافقا، فقالت : لم تريدون المطعم، ما الشيء الهام الذي يجعل من مطعم عادي محل لكل تلك الصراعات والنزاعات للحصول عليه؟
    هز رأسه وقال بنصف ابتسامة :لازلت حديثة العهد بتلك الأرض، وبرغم أنك زوجته لكن يبدو أنه لم يخبرك بشيء
    مطعم ناجي ليس مطعما عاديا، انه بؤرة لتجمع العرب، وفي الآونة الأخيرة انزلق الى منحدر خطر جعله يستعدي فئات واحزاب ومجموعات عديدة
    هزت رأسها بفهم : السياسة
    قال موافقا : ما كان عليه أن يتدخل فيما لا يعنيه
    صمتت مفكرة ، أدركت الآن عمق الحفرة التي سقطت فيها، فحتى الصراخ لن ينقذها، ولكن بقي أمر أخير يجب أن تعرفه لتحدد ما ستفعله
    سألته مباشرة : أين ناجي؟
    تردده في الإجابة أكد لها ما توقعته، وبقي أن تسمعها منه، فقالت تستحثه الاعتراف : لن أوقع قبل أن أعرف مكانه، أو على الأقل أستمع إلى صوته
    تبادل الثلاثة (يوسف وكريستيان ومراد) نظرات قلقة
    لكن يوسف قال بثقة : سيدتي، أعترف أن ما فهمتيه صحيح، وأن الأمر كله حيلة لاجبارك على التنازل عن المطعم
    (حيلة)
    قالتها بلهجة ساخرة، ثم نظرت نحو مراد : والسيد مراد أيضا ضالع في المؤامرة!
    قلب كفيه وهز رأسه : سامحيني مدام لين ، لا خيار لدي إلا أن أوافق
    رمته بنظرة اشمئزاز، ثم أشاحت بوجهها بعيدا، ثم قالت ليوسف : لا أنوي التنازل عن المطعم، وعلى الرحيل الآن
    نهض من مكانه ووقف أمامها بجسده الطويل، فاستشعرت كبر حجمه وضآلة حجمها، ورغما عنها تراجعت خطوتين للخلف
    ابتسم بثقة وقال :عفوا سيدتي، خروجك من هنا مرهون بالتوقيع على بيع المطعم للسيد كريستيان
    قالت بارتباك : وما دخلك أنت !
    قال ساخرا : الحقيقة انني لم أكن لأتدخل، لولا أن السيد مراد أخبرني أنك تتهمينني باختطاف زوجك
    أعجبني الفيلم، فقررت المساهمة فيه ببعض من مواهبي
    (فيلم!)
    أجابها ساخرا : بالتأكيد فيلم، امرأة مرتابة مثلك بحاجة إلى جاني تتهمه باختطاف زوجها
    فطبيعتك المتشككة تتمسك بإنكار أن زوجك قد يكون هجرك، أو مات أو أغوته امرأة أخرى
    كل ما فعلته هو أنني منحتك ما تريدينه وأكدت الصورة الذهنية التي وصلتك عني
    قالت بصوت مرتجف : ابتعد عن طريقي لأخرج
    معذرة سيدتي، لن تخرجي قبل أن توقعي
    - السائق ينتظرني بالأسفل
    - جيد، بالتأكيد ستوجه له التهمة بمجرد أن يعثروا على جثتك في أحد المناطق النائية
    جلست على أقرب مقعد إليها، وأمسكت كفيها ببعضهما لتوقف ارتجافتهما
    قال بلهجته الواثقة المقيتة التي تبث الرعب في أوصالها وتشعرها بأنها قد أحيط بها : بالنسبة للشرطة فأنت غادرت البناية بالفعل وذهبت مع سائقك الخاص، لذا فهو الوحيد الآن المسئول عن سلامتك
    فالسيدة صاحبة المكتب غادرت الآن، وأمن البناية سيشهد على ذلك
    أسندت رأسها بكفها وعجزت عن الرد، فأكمل وهو يجلس في المقعد المقابل لها : سأمنحك عشر دقائق كاملة لتفكري في موقفك
    وتتخذي قرارك
    .................................................. ............
    دقيقة واحدة قد تفصل بين الحياة والموت
    ستون ثانية زمن طويل قد ترتكب فيه آلاف الجرائم وتزهق آلاف الأرواح
    هناك ..
    الموت هو جزء أساسي من الحياة اليومية للبشر
    وفي أيام قد يصبح هو الأساس والحياة مجرد استثناء أو مصادفة لا تمنح مرتين
    هناك..
    الموت هو كل شيء ولكل شيء وبكل شيء
    الموت هو كل شيء لمن فقد كل شيء
    الموت لكل شيء، انسان حيوان نبات وحتى الجماد
    الموت بكل شيء بصاروخ ببراميل بغازات سامة
    بالحرق والخنق والغرق والتسمم والجوع و.....
    هناك ..
    ترى كل أشكال الموت
    الموت بجانبك وخلفك وأمامك
    تنام وهو بجوارك، وتستيقظ وقد مر ببابك
    لم يعد غريبا عنك، بل صار أليفا مألوفا، وصارت الحياة غريبة بعيدة
    مغادرتها أسهل من البقاء فيها
    من الغريب حقا أن يهدد بسلب الحياة من لم يكن له بها حاجة
    من يعتبرها عبئا يود التخلص منه
    والأغرب أن يخوف بالموت بعد أن صار أملا له للخلاص من قيد الحياة
    (يا الله بدي اموت..ليش ما عنا خبز..خدنا علي الجنة حتي نأكل خبز)
    عندما يطلبها طفل صغير نعلم أن الحياة صارت أشد هولا من الموت
    لم يكن طفلا واحدا
    بل أطفال
    عدد لا تستطيع تذكره من كثرة من مروا بها، لم تعرف حتى أسماءهم، لكن ملامحهم تأبى أن تغادر ذاكرتها
    كانت تعمل في المستشفى الميداني، تحمل الأطفال جثث ومصابين، ضحايا قصف المجرمون
    تتهدم البيوت على ساكنيها، البعض يستطيعون اخراجه والبعض يصير بيته مقبرة له
    مرت بها أيام كان فيها الموتى الذين التقتهم أكثر بكثير من الأحياء الذين عالجتهم
    لم يعد للموت تلك الرهبة المرعبة بعد أن صار معطفها الأبيض مخضبا بدماء الشهداء
    أن تموت، ذلك لا يثير فيها أي اندهاش أو قلق
    بل إن ما يدهشها حقا أنها لازالت حية إلى الآن، فقد كان الموت أقرب إليها من أنفاسها
    ذلك الشاب الذي لا تعرف عنه شيء سوى ملامحه التي ظلت راسخة في ذاكرتها لا تمحوها المصائب ولا الآلام
    يقود سيارة الإسعاف، ينقل الجرحى إلى المستشفى فوجا من بعد فوج
    كانت تجلس بجواره وهو يجري بالسيارة في الشوارع والحارات، يتجنب القصف ما استطاع، وصوت الانفجارات من حولهما يخلع اعتى القلوب
    في تلك اللحظات كانت توقن بأن الموت يطلبها، واستسلمت لفكرة أنها ميتة لكن تبقى لها بضع أنفاس من الحياة عليها أن تستكملها
    وصلت السيارة الى المستشفى ونزلت منها، وأفرغت حمولتها من الشهداء والمصابين أمام الباب بمساعدة الشاب الذي أتم مهمته وسبقها الى السيارة
    وهمت أن تتبعه ليجلبا فوجا آخر للمستشفى، لكنها تجمدت في مكانها
    فالسيارة أصابتها قذيفة من أعلى مباشرة الى كرسي السائق
    تعجز عن تحويل عينيها عن مشهد انفجار السيارة والنار تأكل ما تبقى منها
    تعجز حتى عن زرف دمعة واحدة على جثة الشاب التي تمزقت واحترقت أشلاؤها
    لقد كانت هناك تجلس في المقعد المجاور له
    مر بها الموت ولم يقبض روحها
    .........................................
    (انتهت العشر دقائق)
    انتبهت من خضم أفكارها وذكرياتها، وراقبته وهو يضع بضعة أوراق وقلما أمامها على طاولة صغيرة و يقول بحسم : بإمكانك أن توقعي الآن
    ضمت قبضتيها وقالت بهدوء : لقد أتيت إلى هنا لأعرف مكان ناجي، لا توقيع دون ذلك
    انتفض بحركة لا ارادية تنم عن غيظ وضرب كفه في فخذه غاضبا، وقام كريستيان من مقامه وأعطاهم ظهره
    أما مراد فد توجه اليها قائلا بهدوء :مدام لين ..
    قاطعته متوجهة بالكلام إلى يوسف : فلتأمر كلبك بالكف عن النباح حتى أستطيع سماع ما ستقوله
    مسح مراد عرقه باحراج، ورماها يوسف بنظرة غاضبة، وقال بوعيد : يبدو أنك لا تدركين المأذق الذي أنت فيه، المقايضة الآن ليست حياة زوجك، بل حياتك أنت
    قالت بثبات : إن كنت لا تعرف مكانه فعليك إيجاده
    هذا كل ما لدي، لن أبيع قبل أن أعرف مكان ناجي
    اقترب منها وقال مهددا : زمن الشعارات انتهى، والقبور ملئ بأمثالك من المعاتيه الذين يموتون من أجل الأوهام
    لدي ألف وسيلة تجبرك على التوقيع، فأنت هنا بلا ثمن، كما كنت في بلادك بلا ثمن
    ضمت ذراعيها الى صدرها ووضعت كفيها تحت ابطيها واعتصمت بالصمت، وهي تراقب الثلاثة بحذر
    فجأة ولج المكان مجموعة كبيرة من الرجال يسوقون أمامهم زوجة مراد كساب وهي ترتجف كعصفور مبتل
    عرفت لين بعضا منهم، كانوا من العاملين في المطعم، فاستردت أنفاسها مع وصول الإنقاذ
    لكن المفاجأة الحقة عندما رأت بيتر يدخل إلى المكان بتمهل و حذاؤه يكحت الأرض و يشق صمت المكان
    وضع كفيه في جيب بنطاله وهو يبتسم بصلفه المعهود ويقول بتهكم : هل قاطعت اجتماعا هاما!
    ثم توجه الى مراد بالحديث : اضطررت أن أصطحب زوجتك معنا بحجة أننا عملاء ليسمح لنا أمن البناية بالصعود
    أظن أنك لن تمانع فهي تعمل بالأعمال القذرة بعلمك
    تقدم خطوتين نحو يوسف : مرحى يا صديقي، لازلت قذرا كعهدي بك، تعجز عن مواجهة الرجال فتمارس ضغوطك على النساء
    التفت الى كريستيان : وأنت أيها الوغد العنصري، فلتعلم أن مطعم ناجي هو أبعد لك من نجوم السماء
    قال يوسف وهو يضغط أسنانه : أعتقد أن بيتر الكسندر هو آخر من يتحدث عن القذارة
    قال بيتر بتهكم : أوه، صديقي لا يصح أن نتبادل الألفاظ القذرة أمام السيدة المهذبة
    التفت الى لين وانحنى قائلا : مدام، سائقك الخاص ينتظرك أسفل البناية
    أما السيد يوسف، فلي معه حساب ولكن في وقت آخر
    انسحبت لين من المكان وركبت سيارتها، وانطلق بها السائق إلى البيت في موكب من السيارات التي يملؤها رجال ناجي وعلى رأسهم بيتر
    ظلت ذراعيها معقودتان أمام صدرها، وأعصابها مشدوده كحد السكين
    تحاول أن توقف ارتجافة جسدها، حاولت أن تستعيد صوته في أذنيها، وتتذكر دندناته في عقلها، لكن ذكرياتها معه تتسرب منها
    بسبب توتر أعصابها العنيف
    بمجرد أن وصلت السيارة إلى البيت أسرعت إلى الداخل متجهة إلى غرفتها لتلوذ بجدرانها وتحتمي خلف بابها
    لكن بيتر تبعها الى الداخل مسرعا واستوقفها قائلا : مدام لين، علينا أن نتحدث
    قالت بتوتر : لن أتحدث الآن
    هتف بانفعال : بل يجب الآن، تهورك ورفضك للنصيحة وعدم استشارتي بصفتى محامي زوجك الخاص كاد أن يفقدك حياتك ويضيع المطعم
    كفى كبرا واستمعي إلى
    اختلط صوتها المرهق بأنفاسها السريعة : لا يحق لك الصراخ هنا، أنت أحد الأسباب التي اضطرتني للجوء للمدعو مراد كساب
    قال بغضب : بل فقدانك الثقة بزوجك وارتيابك في سلوكه وأصدقائه
    أتفهم عدم ثقتك بوغد مثلى
    ولكن كان عليك أن تثقي بالرجل الذي وهبك كل شيء
    حبه واسمه وماله
    لم تعد تحتمل كل تلك الأسرار المحيطة بها فانفجرت في وجهه صارخة : فلتخبرني الآن ما الذي يحدث، وما علاقة ناجي بيوسف منير
    قال بيأس : لا فائدة، لازلت ترتابين به
    صرخت بغيظ : أتطلب مني الثقة برجل لا أعلم عنه شيء!
    أنا لا أفهم أي مما يدور حولى
    طلبت منك أن تخبرني بمكانه وسخرت مني، أتذكر؟
    قال بأسى : وكيف أخبرك بما لا أعرفه!
    لقد استيقظت يوما ولم أجده، هكذا ببساطة فقدت صديقي
    وكيف لم تبلغ الشرطة عن اختفاء صديقك!
    ها أنت قد أبلغتهم، فماذا حدث! أخرجت الزنابير من أعشاشها، وأنت أول من اكتوى بلدغاتها
    ويعلم الله ما الذي يدبرونه الآن، قد يثيرون حوله الاكاذيب والاشاعات كما فعلوا بمروان من قبله
    وهذه المرة ستكون أكثر تصديقا بعد أن تزوج من سورية
    حملقت فيه بصدمة، وعجزت عن الرد، فتناول أحد المقاعد وقربه منه ووضع إحدى قدميه فوقه وقال كمعلم يلقي درسا : تريدين أن تفهمي ما يدور حولك!
    حسنا..
    دعيني أمثل لك الأمر بشبكتي عنكبوت، هناك شبكة عنكبوت تشكلت ضد ناجي هدفها الاستيلاء على كل ما بناه عمر الكيلاني
    فصنع ناجي أيضا شبكة عنكبوت من أصدقائه ومحبيه لتحميك وترد أي أحد يفكر أن يؤذيك
    كل الاشخاص الذين يحبون ناجي ويهمهم أمره حملوا على عاتقهم مهمة حمايتك والزود عنك
    بما فيهم أنا
    صدقي هذا أو لا تصدقي، ولكن من أجل ناجي قد أضحي بكل شيء لأحمي امرأة أنانية مثلك، لا تعرف لزوجها قدره
    قري عينا ونامي مطمئنة سيدتي، فأنا في خدمتك وقائم على حراستك رغما عن أنفك.. وأنفي
    تركها واتجه الى الباب مغادرا، فصرخت فيه : بيتر، لم رحل ناجي؟
    التف يواجهها وألقى إليها نظرة شديدة البرود : لم رحل ! فلتسألي نفسك هذا السؤال
    واعلمي، اسمي ليس بيتر
    بل بطرس السيد ربيع اسكندر
    صعيدي، من حرافيش مصر
    هاك دليل آخر أنك لا تعرفي أي شيء عن ناجي
    .................................................
    قضت ليلتها مستيقظة تختبئ تحت غطاء فراشها الوثير
    تتقلب على جمر القلق، وتتجرع الغصة تلو الغصة
    تشفق أحيانا على ناجي ، ثم تعود فتلعنه
    كانت تتردى في بئر من الحيرة والأسرار، عاجزة عن اخراج نفسها منه أو فهم أي مما يدور حولها
    لماذا تشعر بأن الجميع يخفي عنها شيء!
    أم أنها هي التي لا ترى جيدا!
    لا تدري من أين تبدأ ولا كيف تتبع أثر زوجها؟
    (يلعن روحك أيها المجنون، كيف تدعي حبي وتتركني أحترق في جحيم الحيرة!)
    أدركها أول شعاع للشمس بعد أن هجرها النوم، فانسلت من فراشها تبتغي الهروب من أفكارها
    وذهبت مبكرا إلى الجامعة، وجلست في الساحة تراقب البوابة الكبيرة، تنتظر قدوم أمينة
    كان الوقت بطيئا وقاسيا وهي تجتر أفكارها وأحداث الأيام الماضية، وتعجبت من نفسها
    لقد انحسرت ذكرياتها بشكل كبير وتبدلت إلى التفكير في واقعها الغريب وصار ناجي يشغل عقلها باستمرار
    انتبهت عندما رأت أمينة تلج الى الجامعة بصحبة رغد وهما تتبادلان الحديث
    رفعت ذراعها لأعلى ولوحت لأمينة، فانتبهتا لها وتوقفتا في مكانهما
    أصابها القلق مما بدا على وجهيهما من تعبيرات لم تعتدها، لكنها بقيت في مكانها تنتظر تحرك أمينة باتجاهها
    ولكنها لم تتحرك، بل أسرعت إليها رغد والغضب في ملامحها وهتفت في وجهها : منحبكجية!!
    أصابتها الكلمة في الصميم، وأشعلت بداخلها الغضب والدهشة فقالت : ما هذا الذي تقولينه!
    انكشف ما تخفينه، وظهرت حقيقتك، منحبكجية وضيعة
    وماذا أيضا!
    ترى هل جندك أعضاء الاتحاد لتمارسي التشبيح على زملائك وتكتبي التقارير فيهم!
    يكفي، هل أصابك الجنون!
    لا تدعي البراءة، فديوهاتك الوضيعة انتشرت على صفحات فضح الشبيحة في أوروبا والجميع شاهدوها
    ما هذا الهراء الذي تقولينه!!
    فتحت رغد جوالها وأعطته للين، وبمجرد أن نظرت إلى شاشته أصابتها صدمة عنيفة
    كان الجوال يعرض فيديو لها
    كانت تنظر لنفسها في الفيديو، تحمل لوحة كتب عليها (منحبك يا بشار) وهي تهتف وتردد مرات بصوت جهوري : بالروح بالدم نفديك يا بشار
    تركت الجوال لرغد ولم تنطق بكلمة
    نظرت لها رغد باحتقار : اياك أن تقتربي من أحد منا أو من تجمعاتنا وإلا لن ترين إلا ما يسوؤك
    تركتها ورحلت واقتربت منها أمينة وسإلتها بحيرة : ألن تقولي شيء؟ ألن تبرئي نفسك؟
    قالت بيأس : وهل سيصدقني أحد! الناس لا يصدقون إلا ما يرونه
    هزت أمينة رأسها بأسف : لم أعد أفهم أي شيء ، هل حقا هو الذي كان يسعى خلفك ليتزوجك
    أم أنت التي أوقعت به في شباكك!
    لم تحتمل الصدمة من صديقتها الوحيدة فرحلت تحمل الخيبة والقهر على عاتقها
    لكنها فوجئت بأحمد في طريقها، كانت نظراته لها جامدة، ورغم أنه لم يحاول التقدم نحوها، أو قول أي شيء
    لكنها أدركت أنها صارت كائن منبوذ ملعون يرغب الجميع بالابتعاد عنه
    عندما وصلت إلى البيت كانت طاقة الصبر لديها قد استنفذت، واستولى عليها الإرهاق البدني والنفسي والروحي
    كانت تشعر بشعور المقاتل الذي خرج من كل معاركه مهزوما جريحا ممزق الروح والفؤاد، لا يعلم الى أين يذهب ولا إلى من يلجأ ليضمد جراح روحه ويروي ظمأ قلبه ويهدئ من روعه
    كانت تفتح باب البيت وهي تعلم أنه خال ليس به إلا الجدران الباردة والأثاث الأخرس
    لن يسمعها أحد وإن ملأت الدنيا صراخا، ولن يمسح دموعها أحد وإن سكبتها سكابا
    تمنت لو يعود ناجي لتلوذ بأحضانه من آلامها، وتأتنس بصوت دندنته من وحشتها
    تمنت لو يربت على ظهرها ويهمس في أذنها (أنت هنا بأمان)
    لكنه ليس هنا
    ولجت الى البيت، وتجمدت في مكانها
    لم يكن البيت خاليا كما تصورت
    .................................................. ...............

  2. #12

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,437
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة الحادية عشر

    ( 11 )

    لم تدر هل استيقظت لتوها أم أنها لم تنم من البداية
    ليلتها كانت ملئى بالكوابيس والأحلام البشعة
    يوسف منير وكريستيان ومراد وإياد يحيطون بها، أياديهم تمتد إليها من كل اتجاه، يريدون نزع ردائها
    تنتفض مستيقظة من الفزع لتفيض عينيها بسيل من الدموع ينسكب على خديها ووسادتها
    حاولت أكثر من مرة أن تقوم من فراشها لتصلي، لكن دوار رأسها العنيف أقعدها
    تلك هي الليلة الثانية التي لم تذق فيها طعم النوم ، فمتوالية الأحداث السريعة لم تدع لها فرصة لالتقاط الانفاس
    ولولا وجود الحاجة سعاد لربما هامت على وجهها في الشوارع
    تذكرت عندما ولجت إلى البيت أمس لتفاجئ بالحاجة سعاد تستقبلها بابتسامة بشوش
    ودون كلمة ارتمت لين على صدرها تسكب مدامعها وتنتحب بألم، والحاجة سعاد تربت على ظهرها وتتلو بعض الأدعية علها تنجح في تهدئتها
    لا تدري متى كانت آخر مرة تشعر فيها بالراحة والألفة؟
    فالحاجة سعاد تذكرها بجدتها ونساء بلدتها، بوجهها الصبوح وابتسامتها البشوش وذلك الحنان والاحتواء،
    صوتها بسملتها أدعيتها، حتى رائحة ملابسها وضمتها وتربيتها على ظهرها
    أصرت الحاجة سعاد ألا تنام لين قبل إن تأكل لتتقوى وتصلب عودها كما تقول،
    وجود الحاجة سعاد خفف عنها كثيرا من معاناتها، واشعرها بالأمان
    سمعت طرقاتها على الباب فأذنت لها بالدخول، واستقبلتها بابتسامة متعبة
    بشت الحاجة سعاد في وجهها وقالت بحنان : جئت لأوقظك حتى لا تتتأخرى عن الجامعة
    أغمضت عينيها بألم : لن أذهب اليوم فالدوار يكاد يقتلني
    وضعت كفها على جبينها باهتمام، ثم قالت حرارتك طبيعية، ربما من ارهاق الدراسة
    سأحضر لك الافطار هنا
    استوقفتها لين بسؤال : لم أتيت؟ أعني هل أتيت بواعز من نفسك أم أن أحدا طلب منك المجيء
    قالت باسمة : هاتفنى السيد ناجي قبل الحفل وطلب مني الانتقال الى هنا بناء على رغبتكما
    فحضرت عدة مرات من قبل، ولكنك كنت في الجامعة
    فقضيت بعض الوقت في مساعدة الخادمة وأمليت عليها بعض التعليمات قبل أن أغادر، فلم أكن قد أنهيت بعد متعلقاتي في الريف
    سألتها لين بوهن : هل ستبقين؟
    قالت : نعم، لقد أحضرت جميع أغراضي
    أغمضت عينيها وابتسمت : وجودك هنا يسعدني للغاية
    تذكرت كلمات بطرس عن شبكة الحماية التي شكلها ناجي حولها، لقد أدرك مدى حاجتها لامرأة كالحاجة سعاد لتبقى معها في البيت تؤنس وحشتها وتمنحها الطمأنينة، وتسد بعضا من الفراغ الذ أحدثه غيابه
    قضت الوقت في الفراش تفكر في الاحداث التي مرت عليها وكلمات كل من يعرفونه
    كل شيء يقودها لنتيجة واحدة
    ناجي كان ينتوي الرحيل ويعد له العدة
    ولكن لم لم يخبرها!
    انتابتها نقمة شديدة عليه، كيف لا يخبرها بأمر رحيله؟
    هل رحل غاضبا أو كارها أو يائسا!
    هل تصدق كلمات يوسف منير؟
    (طبيعتك المتشككة تتمسك بإنكار أن زوجك قد يكون هجرك أو مات أو أغوته امرأة أخرى)

    .......................................
    في اليوم التالي ..
    كان ذهابها للجامعة تحد كبير عليها أن تنجح فيه
    فقد انتبهت إلى أن دوار رأسها العنيف يبدأ في الصبح ويستمر حتى موعد انتهاء دروسها في الجامعة
    فقدرت أن الأمر هو حالة نفسية للهروب من مواجهة واقعها الجديد في الجامعة، باعتبار أنها صارت في عيون زملائها جميعا منحبكجية
    لم تكن تأبه لإصلاح الصورة الخاطئة أمام زملائها بقدر قلقها من أن تصير كالغنمة الشاردة في عيني إياد، فالفرص تكبر وتتسع أمامه لاصطيادها
    ابتسامته الشامتة المقيتة وتعمده الظهور أمامها عدة مرات هذا اليوم، وهو يرميها بنظرات تمتلئ بالتوعد أكدت لها استنتاجها الذي لا يحتاج لتأكيد
    فإياد هو من أرسل الفيديو لصفحات الطلبة السوريين الأحرار في أوروبا
    فما أسهل أن يصطنع حسابا باسم مغاير على وسائل التواصل الإجتماعي ويتظاهر بأنه مؤيد للثورة
    ثم يبث أخباره وفديوهاته بطريقة انظروا من هم الشبيحة والمنحبكجية
    هكذا أرسل الفيديو الخاص بها
    هو الوحيد الذي يمتلك هذا الفيديو، فلقد صوره لها بنفسه
    قضتالأيام التالية تتألم من تجاهل أمينة ونظرات رغد الناقمة ومراقبة أحمد الصامتة
    حتى صالح صار يتجاهلها
    الكل يعتبرها عار ونجس لابد من اجتنابه
    تقضي الوقت محاولة اقناع نفسها أن ابتعادهم عنها لن يضيرها، بل سيمنحها مساحة أكبر من الوقت للتركيز في الدراسة، فهي منذ البداية وهي منطوية على نفسها لا تنخرط في اية تفاعلات اجتماعية أو علاقات صداقة
    لقد أتت إلى هنا فقط لتكون طبيبة
    وستكون
    من أجل ذلك فلترمي خلف ظهرها أي شيء وكل شيء
    ابتعد عنها زملاؤها وعليها تعويض ذلك بالانخراط في الدراسة والتفوق
    رحل ناجي واختفى
    فليفعل ما يريد، فمنذ البداية لم تكن راضية عن حياتها معه،
    فلتنه دراستها هنا وبعدها ليكن ما يكون
    أشعرها ذلك القرار الذي اتخذته بالاستقرار النفسي، فاستردت عزيمتها وحماسها للدراسة واظهرت تقاريرها الدراسية تقدما عن سابقتها
    كانت تصم آذانها عن حديث الحاجة سعاد المستمر عن ربيبها وأبيه، فالمرأة تعد ناجي أكثر من ابن لها، ولا تكف عن اجترار مآثره ومواقفه الحسنة أمامها
    اذ يبدو أن الحاجة سعاد قد حملت على عاتقها مهمة اصلاح ذات البين، وتحسين صورته في عيني لين
    فامرأة بخبرتها وعمرها لها حاسة قوية تستشعر بها ما يدور بين الزوجين الشابين
    لكن لين كانت دائمة التهرب من الحديث معها بحجة الاستذكار والدراسة، وقد تصدها أحيانا ان لم تجد حلا آخر لاسكاتها، وغم ذلك فهي لا تيأس من فرض اسم ناجي على أية أحاديث تجمعها بلين في أي وقت
    .......................................................
    كانت قد بدأت تعتاد الوحدة وتألف هدوء هاتفها من أية رنات، فلم تعد تتلقى أية اتصالات من أحد، ولم يعد أحد يهتم بالسؤال عنها ولا معرفة أخبارها
    لكنها فوجئت أخيرا بأن هناك من يطلبها على الهاتف
    والأعجب أنه هاتف المنزل
    أجابت المكالمة فأتاها صوت امرأة تتحدث بعربية ركيكة تطلب منها أن تلتقيها بشكل عاجل، وعندما أعلنت عن هويتها صمتت لين لدقيقة كاملة لتتمالك نفسها وتفكر في رد مناسب
    فالمرأة هي أم أمل
    كانت تستعيد ذكرى حديثها مع ذلك الشاب الذي كان عضوا معه في فريق الراب عن علاقة ناجي بأم أمل، وشعرت بالدماء تتصاعد لرأسها وتغلى في عروقها، فرفضت لقائها بكلمات مقتضبة
    كادت أن تغلق الهاتف عندما صمتت المرأة للحظات، لكنها كررت طلبها من جديد بلقاء عاجل ، لكن هذه المرة كان صوتها يمتلئ بالرجاء ، ورغم أنها رفضت مجددا لكن توسل المرأة لها وهي تكرر طلبها للمرة الثالثة أعجزها عن الرفض
    وكانت مضطرة للذهاب اليها تحت ضغط الالحاح الشديد
    وفي السيارة أخذت تلوم نفسها طوال الطريق لتلبية دعوة المرأة بلقاء عاجل في بيتها، لكن يبدو أن وجه أمل البديع وابتسامتها البريئة الذي تبدى في مخيلتها لحظة حديث الهاتف كان له نفس الأثر الطاغي لوجودها
    (لم تأكل منذ الأمس)
    كانت تستمع بتأثر لكلمات الأم ، وهي تقف بجوارها أمام باب غرفة المعيشة تراقب الطفلة الوديعة وهي تجلس على الأرض، أمام شاشة كبيرة لاهية عن الدنيا
    كانت تلك الكلمات القليلة كافية تماما لتفهم لين لم دعتها أم أمل لبيتها
    فقد كان وجه ناجي على الشاشة
    ولم تكن تحتاج لمعلومات أكثر لتدرك أن الصغيرة تشاهد حفلاتهما الغنائية التي تشاركاها في وقت ما
    استمعت للأم والحزن وقلة الحيلة تغلف كلماتها : لا أدري ما الذي يمكن أن أفعله !
    لقد استنفذت كل الحيل التي أعرفها لأخرجها من حالة الكآبة التي صارت ملازمة لها وفشلت
    درجاتها الدراسية تتردى بشكل غير مسبوق، وفقدت التفاعل مع زملائها في المدرسة ومعلميها
    لقد بدأ الأمر بشكل تدريجي عندما علمت بأنه رحل دون أن يودعها، من لحظتها وكل يوم يمر علينا ما هو الا دركة للأسفل، حتى وصلت إلى أن تعاف الطعام
    تنهدت بأسى وامتلأت عيناها بالدموع : حتى موت والدها لم يترك كل هذا الألم بها
    أرجو أن تعذريني لأنني اتصلت بك فلقد فرغت أسبابي وانسدت كل السبل في وجهي
    ربما تستطيعين مساعدتها فهي تحمل لك الكثير من المحبة والتقدير
    شعرت لين بأنها في مأذق كبير، فالأم تعتمد عليها لاقناع الطفلة بتناول بعض الطعام
    دخلت الغرفة ونظراتها تتردد بين الشاشة التي يملؤها ناجي والطفلة الساكنة التي لم تصدر عنها أي حركة تشعرها بأنها انتبهت لوجودها، جلست الى جوارها على الأرض بصمت وأخذت تتأملها رغم أن الطفلة لم تدر وجهها الحزين عن الشاشة الكبيرة، وعندما رفعت جهاز التحكم في الشاشة لتأتى بفيديو جديد، آثرت لين مشاركتها فيما تشاهده بصمت حتى تجد مدخلا مناسبا تبدأ به الحديث معها
    بدأت المقدمة الموسيقية، والكاميرا مسلطة على أمل التي وقفت في صدر المسرح ترتدي ثوبا باللون الازرق الزاهي، كانت تشبه الدمية الجميلة بشعرها الأسود الطويل المزين بالشرائط الجميله وأربطة الشعر اللامعة
    لم تبدأ أغنيتها ووقفت أمام الميكروفون ساكنة لا تتحرك، فتكررت المقدمة الموسيقية ثانية، لكن الطفلة أسبلت جفنيها ولم تغن، بل ابتعدت عن الميكروفون بخطوات وحركات تظهر مدى ضيقها واحباطها
    صدح فجأة صوت غناء في مكبرات الصوت في المسرح مما جعلها تنتبه باهتمام
    كان المشهد مثيرا ومشوقا، سيطر على حواس لين واستولى على انتباهها، فرد فعل أمل الطفولي على المسرح كان طاغيا
    فالطفلة بمجرد أن عرفت ان الصوت الذي علا هو صوت ناجي، حتى ارتدت الى صدر المسرح بسرعة ولمعت عيناها بالفرح والإثارة ، ثم أطلقت صرخة فرح طفولية مدوية عندما وقعت عينيها عليه قادما من الباب الذي يدخل منه المشاهدين فانتقلت الكاميرا والاضاءة اليه ليظهر على الشاشة، كان يحمل في يده ميكروفونا متنقلا وهو يتقدم نحو المسرح ويغني بانفاس متسارعة، وبصوت غلب عليه اللهاث كما لو كان قادما من سباق للعدو
    ثم تلقف الطفلة التي تفجرت جوارحها بالسعادة وقفزت بين ذراعيه، وتعلقت بعنقه، فأبعد الميكروفون وهو يهمس في أذنها لا يبالي بصرخات الاعجاب من الجمهور ولا ضجيج التصفيق الذي اهتز له المسرح
    سمعت من خلفها صوت الأم : لم أعد أحصي عدد المرات التي تشاهد فيها تلك الأغنية كل يوم
    التفتت لين لتستمع إليها، لكن أمل لم تلتفت، بل أبقت عينيها على الشاشة
    فبدأت الأم تحكي بصوت غلب عليه الحزن : تلك هي حفلتها الخاصة الأولى، لأول مرة ستغني وحدها في حفل عدة أغنيات متتالية
    لأول مرة لن تغني معه
    أخذت شهيق طويل كما لو كانت تحاول السيطرة على دموعها : لقد دربها بنفسه جيدا، واطمأن أنها تستطيع، ولكن قبل الحفل بأسبوع أخبرها بأنه مضطر للسفر لأمر هام لا يستطيع تأجيله
    تلك الأيام التي قضتها وهو بعيد عنها كانت شاقة للغاية
    قبل الحفل مباشرة اتصل بسعد وأخبره أنه وصل باريس، وسيستقل سيارة أجرة ويأتي على الفور
    طوال الطريق وفي وسط زحام المرور وهو معنا على الجوال، يتابع التفاصيل دقيقة بدقيقة
    وكانت أمل مضطرة لبدء الحفل قبل حضوره، ولم تكن سعيدة بذلك
    عندما اصبح بقرب المسرح، خرجت أنا وسعد لننتظره أمام الباب، ورأيته وهو يأتي من الشارع ليدخل الى المسرح عدوا ويلج من أقرب الابواب اليه، باب الجمهور، بعد أن تلقف الميكروفون من سعد
    لم يكن ليتركها تواجه الجمهور وحيدة دون دعم في أول تجربة لها، غنى معها أول أغنية، ثم اعتذر منها وانسحب لتكمل هي حفلها بنجاح
    التفتت لين الى الشاشة لتجد ناجي ممسكا بيد الصغيرة وهما يتبادلان الغناء في أغنيتهما الطفولية المرحة المشتركة، وأرجلهما تتحرك بتناغم على الإيقاع
    كانت ملابسة عادية غير مهندمة تشي بأنه قادم من سفر بعيد، وملامحه تحمل الكثير من الارهاق
    انتهت الأغنية واشتعل المسرح بالتصفيق وصيحات الاعجاب وصرخات الأطفال
    التفتت نحو أمل فوجدتها تمسح دمعات سالت على وجنتيها وفمها المقوس يرسم الأسى في ملامحها وهي تستعيد تلك الذكرى الغالية مع ناجي الذي ما ان انتهت الأغنية حتى انحنى راكعا على إحدى ركبتيه أمام الصغيرة وطبع قبلة على ظاهر كفها بحب وابتسامته الباشة تضيء وجهه المرهق
    قرب الميكروفون منه وهو يلهث قائلا : هلا سمحت لي الأميرة الجميلة بأخذ قسط من الراحة بعد ارهاق السفر الطويل؟
    انحنت الصغيرة نصف انحناءة وهي تحمل طرفي ثوبها بأصابعها كأميرات الحواديت و تبتسم بفرح
    ثم تعلقت بعنقه لتمنح خده قبلة امتنان كبيرة
    انتزعت لين نفسها من التأثير المغناطيسي للمشهد الذي يملأ الشاشة وانتبهت للصغيرة التي انخرطت في بكاء حزين، ولم تستطع أن تمنع نفسها من التجاوب مع مشاعرها المتألمة بسكب دمعاتها تأثرا بما لحق بالطفلة من حزن وألم
    لم تستطع أن تنطق بشيء
    ترى، أي شيء يمكن أن يقال أو يفعل تستطيع أن تعوض به طفلة فقدت أباها مرتين
    هذه هي الحقيقة بلا زينة أورتوش، فناجي بالنسبة لها في منزلة الأب الذي دلل ابنته حتى صارت كالأميرات
    ولا أحد غيره يمكن أن يشفي ذلك الجرح القاتل الذي أصاب قلب الصغيرة
    ..................................
    لم يكن من يغني فوق الشاشة الكبيرة مايتر جينا، لم يكن هو أبدا
    بل كان شخص آخر
    وجه آخر جديد غير الوجه الذي تكشف لها
    كانت تسترجع أحداث اليوم وهي متوسدة فراشها آخر النهار، ودمعاتها تهرب من بين أجفانها كلما تذكرت وجه أمل الحزين وهي تبكي لفراق ناجي، وبصعوبة نجحت في اطعامها بضع لقيمات مع وعد بمعاودة زيارتها
    (يلعن روحك أيها الطائش المجنون) صرخت بغيظ
    ترى، أي شيطان أغواه ليحطم قلب ملاك بريء لم يجن من قربه سوى التعاسة!
    كيف يختفي دون أن يودع الصغيرة أو يترك لها ذكرى طيبة تحيي في قلبها الأمل لحين عودته!
    عودته!!
    لم هي موقنة الى هذا الحد من عودته؟
    لم لا يكون قد مات أو ..
    انقبض قلبها وأصابتها الكآبة وهي تحاول أن تنفض من رأسها ذلك الخاطر المزعج، وأخذت تتقلب في فراشها كما لو كان يمتلئ بالشوك حتى غلبها النوم
    ........................................................
    كانت تتحرّز كثيرا من هذا الأمر، وتحسب له الف حساب، وتحدث نفسها دائما بما ستفعله لو فرض اياد نفسه عليها كما تتوقع!
    ولم يطل ترقبها حتى وجدت نفسها في الموقف الذي كانت تخشاه
    فلقد استغل اياد جلوسها وحيدة على أحد المقاعد في ساحة الجامعة وفرض وجوده عليها، ولم تستطع الهرب هذه المرة، فقد كان لديها فضول لتعرف ما الذي يبتغيه منها
    ابتسم ابتسامته المقيتة وقال بمداهنة، فقالت بتجهم : ماذا تريد!
    قال بصوت بدا في أذنيها كفحيح الثعبان : أريد أن نكون أصدقاء
    أنت تعلم أن هذا مستحيل
    فلنكن اذا شركاء
    بعد أن نشرت شريط الفيديو الخاص بي على صفحات الثورة!
    انها دعابة، هيا فليكن في صدرك متسعا للدعابات، لا تنسي أنني أنقذت حياتك يوما
    لغرض في نفسك، كفى مراوغة وقل ما تريده مباشرة
    الحقيقة أنني لا أستطيع أن أنسى تلك الرحلة التي خضناها معا، وجهك، شعرك، لمسة يدك، جس..
    احمر وجهها وانتفضت غضبا وكادت أن تقذف بحقيبتها في وجهه، فصاح ضاحكا وهو يرفع يده اتقاء ضربة موجهة : هاي، وهذه أيضا دعابة، لا تغضبي
    كادت أن ترحل فقال مباشرة : أحتاجك معي، ستكونين بأمان ولن يعرف أحد بأنك تعملين معي
    قالت بغل : الوقاحة تشكو من سفالتك
    تحسس بأصابعه علامة بلون مغاير في جلد رقبته من الخلف، فشعر بالنشوى : أعلم كم تتوقين للعودة، وأدرك كم يبلغ عشقك لتراب حمص
    أضمن لك عودة آمنة، وزيارات منتظمة في العطلات، بل سيعود بيتك إليك، سيعود كما كان وسيتم اصلاحه وترميمه وتجديده
    كل هذا مقابل التشبيح وكتابة التقارير!
    لا، في مقابل أن تبتعدي عنهم، أن تبقي كما أنت تهتمي بدراستك وفقط
    لا شأن لك بما يحدث لأحمد ورغد
    نطقه اسم رغد بطريقة مغايرة أنبأتها بأنه عرف ما فعلته، وأكدت لها كلماته
    لا شأن لك بمن يفقد منحته الدراسية أو من يطرد أو تسحب منه مميزاته التي منحتها له الدولة
    وإن أصابك الملل واحتجت لرفقة وأصدقاء فأنا موجود، أنا قادر أن أبعد عنك الملل وشغل فراغك بما يسعدك
    تركته ورحلت وهي تتعجب من قوة تحملها وصبرها على سماع ذلك الخسيس، كما لو كانت تنتظر أن يخبرها بخطته القادمة لإيذائها، أو الإفصاح عما يدبره لها
    ....................................................................
    انخرطت في دراستها، وتجنبت التفكير في أي شيء يخص ناجي، بل نبهت على الحاجة سعاد ألا تأتي على ذكره في أحديثها بعد أن فقدت أعصابها وثارت عليها يوما لتدخلاتها المستمرة فيما يخصهما، الى درجة أن لمحت لها ببعض الكلمات بأنها أغضبته حتى رحل، ما كانت لتتقبل ذلك الاتهام، وخاصة من سيدة من رعايا لمعلم وابنه المدلل
    ظنت بأنها أخذت هدنة من سيرة ناجي ، لكن اتصالا جاءها من الممرضة التي ترعى شانتال في دار العجزة بأن المرض اشتد عليها
    فهرولت مسرعة لتطمئن عليها، كانت غاضبة للغاية من ذلك الطائش الذي ألقى بكل مسئولياته على كاهلها وهرب
    والآن عليها أن تحل محله كزوجة له وتقوم بمسئولياته الاجتماعية
    عندما وصلت وجدت شانتال نائمة، واستقبلتها الممرضة اميليا، أخيرا تذكرت اسمها
    سألتها عما حدث، فقالت : كانت تبكي كثيرا وتنادي عمر وناجي، وبقيت على تلك الحالة مدة طويلة، حتى خشيت أن تصاب بمكروه، فاتصلت بك، فلم يعد لها أحد سواك
    سألت لين باهتمام : وكيف حالها الآن؟
    اضطررت لاعطائها منوم علها تهدأ
    أكملت عندما وجدت القلق يزداد في ملامحها : اطمئني مدام، لقد اعتادت أن تتناوله تحت اشراف الطبيب، كما أنني أعطيتها الجرعة القياسية المناسبة لحالتها
    هزت لين رأسها وجلست على مقعد قريب من فراش شانتال، ثم التفتت تتأمل اميليا، امرأة شقراء جميلة ذات جسد ممتلئ تخطت الاربعين بكثير، ترى ما الذي جذب ناجي لها وهو الشاب الجذاب والنجم المحبوب، وهي امرأة كبيرة لا شيء مميز فيها
    قد يكون ما تشعر به الآن تعجب وفضول، لكنها لن تعترف أبدا بأنه غيرة
    انتبهت اميليا لنظراتها المتفحصة لها، وابتسمت
    فبعثرت نظراتها في اركان الغرفة باحراج، فقالت ايميليا : وددت لو كنت تحدثت إليك في أول مرة التقيتك فيها، لكن مدام شانتال كانت مستيقظة، ولم يكن الوقت مناسب
    قالت : تتحدثين لي أنا!
    عرفت من إحدى زميلاتي القدامى في قسم التمريض بأنك قد زرت المستشفى وتحدثت إلى المدير، وشاهدت الفيديو المسجل لكاميرات المراقبة
    لم يعد هذا الأمر يعنيني، ولا أهتم له
    لكنه يعنيني، ولدي توضيح أتمنى أن تسمعيه
    لا رغبة لدي في سماع قصة خلافك مع مدير المستشفى، أو اضطهاده لك، أو قصة تلفيقة لتلك القصة لينال منك
    هزت رأسها بأسف وقالت : مدير المستشفى لم يلفق القصة، ولم أتعرض لأي اضطهاد
    على العكس، لقد طبق على اللوائح بعد أن خالفت نظام المستشفى
    بدأت تتوتر ويتمكن منها الغضب فقالت بحدة : حسنا، لا أريد سماع شيء
    قالت بهدوء : بل أنا بحاجة لأحكي لك ما حدث
    الأمر لم يكن أبدا كما رآه المدير، كيف يمكنني أن أن أرفض طلبا لشاب يحمل لأبيه كل هذا الحب!
    عقدت لين حاجبيها مفكرة، واستمعت لها بصمت
    عندما تم نقل والده للرعاية الفائقة، وكانت نوبتي الليلية ، وقف أمامي يرجو ويتوسل والدمع يملأ عينيه
    يخبرني بأنه ابتعد عن والده وقتا طويلا، وهو الآن يحتاج أن يبقى إلى جواره، حتى إذا ما حانت لحظاته الأخيرة لا يتركه يلفظ أنفاسه وحيدا
    قالت لي بحدة : وماذا عن تسجيل الكاميرا
    مطت شفتيها وقالت : لقد كان يغني لي
    نظرت الاستنكار في عيني لين فرضت عليها ابتسامة ضاحكة : لقد سمعته مرة وهو يغني لأبيه قبل أن تسوء حالته ويدخل الرعاية، فعندما يصلني خبر بأن هناك مغني في المستشفى، أسعى للقائه وسماع صوته، وكل من في المستشفى يعلم بذلك، فيصلني الخبر وأنا في مكاني
    عندما علمت برقم الغرفة التي يقطنها والده ذهبت إليه مباشرة، وقبل أن أفتح الباب وصلني صوته، كان يغني
    فدخلت مباشرة لأجده واقفا بجوار والده المريض
    فردت ذراعيها وهي تحاول شرح ما كانا يفعلانه بالحركة : كان يلف ذراعه على خصر والده الذي كان كفه معلق به محلول معلق فوق حامل معدني، والأب يضع ذراعه الآخر على كتفه ويرقصان معا بتناغم وببطئ كرقصة زوربا، لكن ناجي كان يغني بالعربية
    أدركت لين أن ما تشرحه اميليا ما هو الا الدبكة
    أكملت ايميليا : أسرني للغاية ذلك المشهد، كما أسرني صوته وأنا أعشق كل صوت جميل
    لذلك حينما طلب منى أن أخالف لوائح المستشفى وأدعه يبقى ليلا مع والده، وجدت الفرصة سانحة لي لأطلب منه أن يغني لي أغنيتي المفضلة far away
    قالت لين بدهشة : ماذا!
    ابتسمت قائلة : انها أشهر أغنيات ديميس روسوس، قديمة لكنها الأروع
    لين بتعجب : ديميس روسوس!
    قالت : جدتي لأمي يونانية، عاشقة لروسوس، قضيت معها فترة طويلة وأنا طفلة أستمع لأغانيه
    قالت ضاحكة : اول مرة غنى لي ناجي لم يكن يحفظ الأغنية، وكنت أساعده في ضبط اللحن وأمده بالكلمات، فقد أعجبتني محاولاته الدؤوب
    ولكنه فاجأني في اليوم التالي بإتقانه التام للأغنية والأداء، وكنت فرحة للغاية أنه يغني لي أغنيتي المفضلة
    ولكن ماذا كان يفعل عندما تتبدل نوبتك مع ممرضة أخرى؟
    لم تشعر بأنها تعرت أمام اميليا وانكشف أمامها بشكل عفوي ما كانت تحاول انكاره، الا عندما ابتسمت ايميليا وهي تتفحصها باهتمام، ثم تنحنحت وقالت : وهل هناك امرأة في العالم تستطيع أن تقف أمام إصرار شاب كل أمله في الحياة أن يفترش الأرض في برد كانون الثاني تحت سرير والده الذي يحتضر !
    كنت أراقبه وهو يجلس على الأرض الباردة يتلو ترانيم بصوت رخيم من كتابه المقدس، حتى يغلبه النوم فيرقد في مكانه على الأرض الباردة
    شيء ما في حديثها مس ثنايا قلبها فقالت محاولة السيطرة على ثباتها : عندما رآه المدير طردك!
    ردت : لا، ليس لهذا السبب
    الدهشة والتساؤل في عيني لين جعلها تكمل : بل لأنني ساعدته على أن يخرج أباه خلسة من المستشفى متحديا أوامر الأطباء ونظام المستشفى
    هتفت لين بدهشة ممزوجة بالغضب : وكيف توافقينه على هذا الجنون!
    ردت بأسى : الرجل كانت منتهيا بشهادة كل التقارير الطبية، الحياة بالنسبة له ما هي الا بضع ساعات
    قالت بحيرة : ولكن لماذا غادر المستشفى!
    قالت : لشيء متعلق بتقاليد الموت في ديانته، وطقوس ما عليه أن يتبعها حتى يموت مرتاح البال
    لم أستطع أن أرفض للرجل الكبير آخر أمنية له في حياته
    تعاظمت الدهشة بداخلها وصار بداخلها بدل السؤال الواحد ألف سؤال
    أي طقوس تلك التي عليه أن يتبعها! وما هي تقاليد الموت التي لا يصلح أن تتم في المستشفى!
    أم أنه يخاطب وجدان الممرضة ويستثير مشاعرها حتى يخرج من المستشفى لأمر ما في عقله!!
    عندما استيقظت شانتال تذكرتها على الفور ومنحتها ابتسامة ممتنة، ورغم الكلمات القليلة التي تبادلتها معها، لكنها انتزعت منها وعدا بزيارة ثانية في وقت قريب
    في الليل عجزت عن التفكير في أمور دراستها بسبب شرودها المتكرر أمام شاشة الكمبيوتر
    كانت تستعيد كل ما مر بها من أحداث منذ اختفاء ناجي
    وتعاقبت وجوه كل من يعرفونه في عقلها وحوارهم معها
    حتى استقرت عند شانتال وأمل
    تذكرت صورة لمعلم والثعالب الثلاثة في مدخل المستشفى
    لم يكن من المنطقي أبدا أن تصدق أن ناجي بما فعله مع والده في المستشفى يمكن أن يترك أمه في تلك الحالة ويختفي دون أن يخبر أحدا عن مكانه
    وأمل!!
    عزمت على أن تعرف المزيد عن العلاقة التي تربط أمل بناجي
    ففتحت نافذة جديدة في شاشة اللابتوب وبدأت تبحث عن فيديوهات أمل وأغنياتها على موقع اليوتيوب، فوجدت قناة خاصة بها، وعندما فتحتها وجدت كل أغنياتها وحفلاتها الخاصة، والأغنيات التي تشاركتها مع ناجي
    ووجدت لهما معا فيديو كليبات أغاني للأطفال احترافية من انتاج شركات متخصصة
    هزت رأسها وضحكت بتعجب : من مغني راب في الشوارع الخلفية إلى ديميس روسوس مرورا بطيور الجنة!!
    ما هذا الخليط!!
    ترى هل لازالت هناك وجوه أخرى لك تخفيها عني!
    فتحت فيديو عشوائي لاحدى الحفلات، كانت أمل تغني فيه وحدها على المسرح وخلفها مجموعة من الاطفال يرددون المقاطع التكرارية في الاغنية ويقومون بحركات ايقاعية
    وفي خلفية المسرح يظهر مهرج بزيه ذو الالوان المرحة المبهرجة ووجهه المختفي خلف المساحيق الكثيرة التي ترسم وجها ضاحكا والشعر المستعار بألوان الطيف وهو يقوم بحركات المهرجين المرحة ويقفز ويجري بطول المسرح يمينا ويسارا
    شيء ما في هيئته أوحى لها بأنه ناجي، وأرادت التأكد من حدسها فتابعت التعليقات على الفيديو، وبالفعل كان هناك تعليق يؤكد بأنه ناجي، وصورة لأمل وهي تتعلق برقبة المهرج
    أسندت ظهرها الى ظهر المقعد والدهشه والعجب يسيطر على عقلها
    كيف يمكن لمغني كمايتر جينا أن يسمح لطفلة أن تكون نجمة الحفل ويضعها في صدر المسرح ليتواري هو في الخلف متنكرا في زي مهرج، ويمتنع عن الغناء حتى لايصرف انتباه الجمهور عن الطفلة إليه
    شغلها التفكير في مصير الصغيرة، فالأمور تزداد تعقيدا، وداهمها خوف أن تصاب الطفلة بمكروه لابتعاد ناجي عنها
    وماذا عن أمه التي تحتاج إليه وتنتابها نوبات البكاء لافتقاده!
    ومن يستطيع أن يقف في وجه العصابة التي تريد انتزاع المطعم وكل ما بناه عمر الكيلاني !
    يجب أن يعود ناجي
    يجب أن يتحمل مسئولياته ويتولى الدفاع عن إرثه من أبيه
    يجب أن يعود ليرعى أمه ويرحم الطفلة التي ربطت سعادتها بوجوده
    ...................................................................

  3. #13

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,437
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة الثانية عشر

    (12)


    لم تكن تتخيل أن زيارتها لشانتال ستثير عاصفة من الغضب لدى الحاجة سعاد التي اختارت أن تؤجل المواجهة بينها وبين لين إلى اليوم التالي وهي تقدم لها الإفطار

    وعندما رأتها لين متجهمة أدركت أن هناك خطب ما, فبادرتها قائلة : ما الأمر؟

    اندفعت قائلة وكأنما كانت تنتظر أن تسألها : لم يكن من المناسب ذهابك بالأمس لتلك المرأة

    تركت الطعام والتفتت لها وقالت بضيق : ألا تعتقدين أنك تتدخلين فيما لا يعنيك!

    - أنا فقط أقدم النصيحة، فسمعتك لا يجب أن تشوبها شائبة

    - ماذا تقولين!

    - عفوا مدام، لكنني أعتبر نفسي فردا من العائلة، والسيد ناجي ليس هنا ليخبرك أن زيارتك لتلك المرأة تسيء لك وله

    - استمعي إلي جيدا لأنني لن أكرر ثانية إذا ما حدث أي تجاوز، لا شأن لك بما أفعله وبمن أزور، وإن كان لك رأي أو ملاحظة فلتحتفظي بها لنفسك

    - هذا الكلام لن يعجب السيد ناجي

    - يعجبه أو لا يعجبه، ليس شأنك، وإن لم تلتزمي بما قلت فسأضطر آسفة أن أطلب منك العودة إلى البيت الريفي

    ظهرت على وجهها أثر الصدمة والاستنكار : تخرجينني من بيت ناجي لأنني نصحتك أن تبتعدي عن تلك المومس

    - بل لأنك تتجاوزين حدودك وتحشرين أنفك فيما لا يعنيك

    - وجود تلك المرأة في حياتكما سيقضي على سمعة ناجي

    - لماذا لم تقدمي نصائحك تلك لعمر الكيلاني عندما دخلت تلك المرأة حياته!

    - ما أشبهك به! نصحته كثيرا، حتى كاد يطردني من المطعم

    - لم تعد نصائحك تجدي الآن بعد ما فعله عمر الكيلاني، فلا أنا أستطيع إخراجها من حياة ناجي، ولا هو شخص وضيع ليلقي بأمه خارج حياته

    - أمه!! هل سترددين أنت أيضا تلك الشائعات!

    - شائعات!!

    - تلك العاهرة الوضيعة لم تكن أبدا أما لناجي

    - لا وقت لدي للرد على ترهاتك

    حملت حقيبتها واتجهت نحو الباب، فاستوقفتها الحاجة سعاد بقولها : لا تصدقي أكاذيبهم، ليست أمه

    - الكل يعلم أنها أمه، رفيقه القديم ذلك الـ .. الـ .. سنومي

    - كاذب

    - وأبو مروان! كاذب أيضا!

    - لا، لكنه يكره عمر الكيلاني وابنه، ويجري وراء كل شائعة تسيء إليهما، أعرف عمر الكيلاني منذ سنوات طويلة، وقتها لم يكن يمتلك سوى مطعم واحد في بلدة ساحلية صغيرة، وكان ناجي طفلا صغيرا يحمله معه أينما ذهب أو حل بمكان، لم يتعرف إلى تلك العاهرة إلا بعد سنوات عديدة، عندما افتتح فرع للمطعم في باريس

    - كنت تنصحينه بالابتعاد عنها

    - بل كنت أنصحه بأن يبعد ناجي عنها بعد أن استولت عليه وغسلت دماغه وأسكنته في بيتها

    - ربما كان عمر الكيلاني يعرفها قبل أن يفتتح المطعم

    - حاولت كثيرا أن تخدع ناجي بذلك، لكنه لم يصدقها

    - وما أدراك أنه لم يصدقها!

    - لو كان فعل لكانت تعيش معك الآن في هذا البيت

    أصابتها الحيرة من ذلك المنطق ومن تلك الثقة المفرطة التي تتحدث بها الحاجة سعاد عن ناجي

    مما جعل ثوابتها تهتز و كل ما صدقته عن ناجي هباءا منثورا

    من الصعب أن تطلق حكما بالصدق أو الكذب على كلام الحاجة سعاد، فحتى الآن لم تتحدث إلى شانتال ولم تسمع منها قصتها مع عمر الكيلاني

    بل لم تسمعها تتحدث عن ناجي أو تناديه بولدها

    تلك الحيرة التي أشعلتها سعاد في قلبها، لن تجد ما يطفئها سوى زيارة عاجلة إلى شانتال بعد أن تنهي يومها في الجامعة

    ......................................................
    عندما وعدت شانتال بزيارة قريبة، لم تكن تتوقع بأنها ستكون في اليوم التالي مباشرة، فالمفاجئة التي ألقتها الحاجة سعاد في الصباح لم تكن لتنتظر للغد
    ابتسمت ايميليا ابتسامة امتنان كبيرة مرحبة وهي تفتح لها الباب، فسألتها لين : كيف حالها
    أجابت بانشراح : تحسنت كثيرا، زيارتك لها بالأمس بدلت حالتها النفسية، واليوم تناولت طعامها في الحديقة بلا مشاكل
    وتحدثت عنك
    عني أنا!
    نعم، تحدثت كثيرا عنك وعن السيد ناجي
    تمتمت لين بالحمد فشنتال واعية وحالتها النفسية على ما يرام، وتستطيع التحدث إليها
    حيتها لين وجلست في مقعد مواجه لها، فابتسمت لها شانتال وقالت بلهجة اتضحت فيها السعادة : شيء ما بداخلى أنبأني بأنك ستأتين اليوم
    هزت رأسها وقالت بابتسامة مترددة : كيف حالك اليوم
    بخير
    كيف تبدأ معها الحديث دون أن تتطرق لسؤالها الحائر الذي أتت خصيصا لتعرف إجابته؟
    كان الأمر شائكا، من ستصدق إن تمسكت شانتال بأنها أم ناجي؟ هي أم الحاجة سعاد
    ومن يستطيع أن يؤكد أو ينفي ؟
    قررت أن تراوغ ببداية حديث عن عمر الكيلاني، فقالت : ناجي كان يحب والده كثيرا، لا شك أن لديك ذكريات كثيرة عنه، كيف تعرفتي إليه؟
    تفحصت شانتال عينيها وابتسمت : الإجابة هي لا
    تأملتها لين بتعجب وسألت بدهشة : أهذه اجابة السؤال الذي سألته؟
    بل اجابة السؤال الذي لم تسأليه،
    أي سؤال تعنين
    السؤال الذي أرق نومك ولم يسعك الانتظار أكثر من أربع وعشرين ساعة لتسأليه
    لست أمه
    فوجئت لين بصراحتها المطلقة، وبأسلوبها المباشر، فارتبكت ولم تدر ماذا تقول، فابتسمت شانتال : عجبا، أ كل العرب لديهم عيون كالمرايا!
    استطيع أن أرى بوضوح ما في عمق قلبك
    ارتبكت لين وتوترت وأخذت تبعثر نظراتها في كافة الاتجاهات، لكن شانتال استمرت في حديثها وكأنما تطارد حلما جميلا استولى على أفكارها : الطفل الوحيد في هذا العالم الذي تمنيت أن أكون أمه هو ناجي
    قالت لين بارتباك : ولكن، ولكن الناس يقولون أنك وعمر الكيلاني ..
    قاطعتها هازئة : عشيقته!
    احمرت وجنتيها وخفضت رأسها باحراج، لكن شانتال قالت بلهجة جادة يشوبها شيء من الحزن : لست عشيقته، بل عاشقته
    حدقت لين بتلك العينين الهرمتين اللتين اغرورقتا بالدموع، وابتلعت ريقها، شيء ما اهتز بداخلها
    اربكتها شانتال بصراحتها اللامعقوله، كانت تعتقد أنها ستجابه حربا ضارية منها للدفاع عن فكرة أن ناجي ولدها، ثم هاهي تلقي بكل الحقيقة بين يديها بلا أية مقاومة أو مراوغة
    بدأت الذكريات تتدفق من بين شفتيها كنبع عين عذب رقراق، وعينيها تشعان ببريق الحب وابتسامة حالمة ترتسم على شفتيها : أول مرة التقيته فيها على ظهر سفينة غادرت لبنان متجهة إلى فرنسا
    امرأة ناضجة شقراء جميلة في أوائل الثلاثينات بحاجة إلى تلك الجولة السياحية بعد تجربة طلاق حديثة كسبت منها ماديا، لكنها تركت أثرا مؤلما بداخلى، وفي لبنان رحلت السفينة بدوني بسبب خطأ ارتكبته جعلني أتأخر عن موعد الابحار
    واضطررت لأن أستقل أخرى أقل في الفخامة لأعود سريعا إلى فرنسا، وبذلك فقدت المجموعة التي رافقتني طوال الجولة السياحية وصرت وحيدة
    كنت ناقمة للغاية من ذلك الموقف السخيف، وأحاول قدر استطاعتي أن أخفف من ذلك الشعور البغيض بالضيق وأتظاهر بالسعادة
    في كل صباح مشمس كنت أصعد إلى سطح السفينة أستمتع بأشعة الشمس ومنظر البحر الرائع، لم يكن يفسد على صباحي سوى صوت رضيع يبكي
    أزفر بضيق وأنا ألوم تلك الأم المهملة التي تترك طفلها ينفطر من البكاء، ويزعج ركاب السفينة إلى هذا الحد، وعندما طال بكاؤه عن حده، وفقدت قدرتي على تحمل المزيد، التفت أبحث عن ذلك الطفل الباكي
    ورأيته..
    لمعت عيناها ببريق عجيب، ورحلتا بعيدا وكأنما تسافران للماضي : شابا طويلا عريض الكتفين لايمكن بحال من الاحوال أن يزيد عمره عن الخامسة والعشرين، تختفي ملامحه تحت شارب كث ولحية سوداء لم تهذب من شهور
    كان يبدو معدما بحذائه البالي ومعطفه القديم الذي يكبره بمقاسين على الأقل
    هيئته تثير الخوف والأنفه، ولا تشجع أحدا على الاقتراب منه
    لكن، في وسط تلك الصورة كان به شيء قد يجذب أية امرأة، كان يحمل بين يديه رضيعا يبكي، يفعل ما بوسعه لاسكاته، يهزه، يهننه، يربت على ظهره، يحدثه ويغنى له
    لكن الرضيع أبى إلا أن يستمر في بكائه
    (حبيبي هل تشعر بالبرد؟) ثم تلى الكلام بفعل عجيب، فقد فتح معطفه ووضع الصغير على صدره ثم ربط أزرار المعطف، وأخذ يهز جسده ويسير ذهابا وايابا محاولا اسكات الطفل
    ابتسمت لطرافة المشهد، وبقيت أراقبهما بشغف حتى نام الطفل وذهب الرجل به، وبعد عدة ساعات رأيته في أحد الاركان يربط الطفل على ظهره، ويعمل بالتنظيف، كان من السهل استنتاج أنه معدم يسعى لأي عمل ليحصل على بضعة قروش ليوفر طعاما للطفل، وينام فوق سطح السفينة
    أصبح ذلك المشهد يجتذبني، بل وأحيانا أفتقدهما فأبحث عنهما وأراقبهما من بعيد
    أدركت أن الجوع تمكن من الرضيع عندما لم تفلح محاولات الرجل لاسكاته، والارهاق الشديد باد في ملامح الرجل وحركاته، ترددت أن أقترب منهما رغم تلك المشاعر الجاذبة التي تملكتني تجاههما
    كان الرجل يحدثه ويهزه ويهدهده بصوت تبدى به التعب، حتى نام أخيرا على احدى المقاعد ونام الطفل بين أحضانه
    كانت لدي رغبة عارمة أن أساعدهما، ولكن كيف؟
    لم يطل نوم الطفل، فقد أيقظه الجوع بعد دقائق، وبمجرد أن قام حتى انفجر بالبكاء لكن الرجل لم يستيقظ، يبدو أن الارهاق قد بلغ منه مبلغا عظيما، فهو لم يستيقظ على صوت بكاء الطفل الشديد ولا على هزه بكلتا يديه الصغيرتين ولا بكفيه وهما يضربانه على وجهه ويشدان شعره ولحيته، كان نومه كالأموات، فتركه الطفل وبدأ يمشي وهو يصرخ بكاءا
    حرت ماذا أفعل، هل أتدخل أم أتركهما وشأنهما؟
    لكن خاطر أن يضيع الطفل أو يتعرض للخطر دفعني دفعا لأن أتبعه وأتلقفه بين يدي، وبمجرد أن حملته تمسك بي واشتد بكاؤه وكأنما يتوسل إلى أن أطعمه، نظرت نحو الرجل وأشفقت عليه، فقد كان مستغرقا في النوم
    اصطحبت الصغير الى السوق الصغير بالسفينة واشتريت له طعام الرضع، فالتهمه بنهم ولم يبق منه شيئا، ثم اشتريت له لعبة أطفال تصدر اصوات شخشخة، ثم عدت الى سطح المركب
    كان الرجل قد استيقظ ولم يجد الرضيع بين ذراعيه، ففزع فزعا شديدا وأخذ يصرخ باسمه وهو يجري في كل مكان فوق سطح السفينة : ناجي ناجي، ناجي
    بمجرد أن رأيته رق قلبي شفقة له، فأمسكت بيد الصغير الممسكة باللعبة وحركتها فأصدرت اللعبة صوتا جعله ينتبه لنا، فتوقف عن البحث وتجمد في مكانه وعيناه تكاد تخرجان من محجريهما، ووجدته في لحظة أمامي يلهث من فرط الفزع الذي انتابه وهو ينظر للصغير وكأنما لا يصدق أنه وجده ثانية
    لم ينتبه لي ولا لنظراتي ولا للابتسامة التي وجهتها إليه، كانت عينه تروي لهفته البالغة على الصغير، ثم مد يديه يمسكه من تحت إبطيه يريد استعادته، لكنني تمسكت به وقلت : دعه قليلا، انه سعيد مطمئن، لقد أطعمته ولعبت معه حتى هدأ
    أخيرا انتبه لوجودي وألقى إلى بنظرة امتنان عميقة، لكن الدموع التي ملأت مقلتيه هزت أوتار قلبي
    لم تكن فقط دموع، بل مشاعر متدفقة اجتاحته وأصابت أذنيه ووجنتيه وأنفه بنيران لهيبها
    ترك الطفل بين يدي والتفت الى البحر ووضع كفيه في جيب معطفه القديم، ودموعه تذوب من هواء البحر قبل أن تلتقطها خديه
    اجتاحتنى مشاعر جارفة تجاهه، تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها رجل يبكي لسبب انساني حقيقي
    يبكي فزعا لفقد طفل
    كنت أعتقد من تجاربي الفاشلة السابقة بأنه لا رجل يبالي، كلهم قساة القلوب، عديمي المشاعر، لا تحركهم الا رغباتهم
    لكن هذا الرجل حرك بداخلى شيء ما
    سألته وأنا ألاعب الصغير : ما اسمك
    لم يجيب، فكررت السؤال بإنجليزية أجيدها
    فأجابني بلهجة ركيكة وهو يمسح عن عينيه بقايا الدموع بعد أن عادت بشرته للونها الطبيعي : عمر
    ابتسمت، وأنا أعلم أنه لن يدير وجهه عن البحر ليرى ابتسامتي : والصغير ناجي، اليس كذلك؟ سمعتك تناديه
    هز رأسه بشرود
    أخذت أتأمل ملامحه، وهو شارد يلقي نظراته لأمواج البحر، ومس شغاف قلبي ذلك الحزن الذي يملأ عينيه السوداوين، وتلك الهموم التي تثقل كاهليه
    ترى فيم يفكر؟
    هل يفكر في توفير المال اللازم لاطعام الطفل؟
    وماذا عنه! متى آخر مرة تناول فيها طعاما؟
    قلت : أنا جائعة، ما رأيك أن تتناول معي الطعام؟
    هز رأسه نفيا وهو يمد يديه إلي لأعطيه الصغير : شكرا، على أن أرحل
    شعوري بأنه لم يحصل على طعام يسد به جوعه، وأن كل ما يتكسبه من قروش قليله ينفقه لاطعام الطفل جعلنى أفعل كل ما استطيعه لاجعله يأكل
    تمسكت بالصغير وتركته واتجهت للسلم : اذا سأتناول طعامي مع ناجي
    رمقته بنظرة سريعة وضحكت من منظره وهو يضع يديه فًوق رأسه ويمسك شعره بكفيه
    وتحقق لي ما أردت، فقد تبعنا رغما عنه الى المطعم
    لم أكن جائعة، بل كنت سعيدة للغاية وأنا أراقبه وهو يلتهم طعامه بشغف الجائعين ونهم من لم تمس معدته الطعام لوقت طويل، فبمجرد أن رأى الطعام أمامه لم يطل أمد تمنعه، وانقض على المائدة يطفيء جوعه، وانشغلت بهز الطفل حتى نام بين يدي، وأنا أسأله عن سبب سفره، وماذا يعمل، فأخبرني انه ترك المخيم في لبنان لضيق العيش ويأمل أن يجد عملا في فرنسا
    ثم راح يعدد لي مهاراته والاعمال التي يتقنها من طهي وتنظيف وجلي وادارة وبيع، فقد كان يعمل في أحد المطاعم حتى أتقن تماما الاطعمة الشرقية
    كان يتحدث وعيناي تتابعان هيئته وحركاته وتعبيرات وجهه، فذلك الخجل الذي يعتريه كلما وقعت عينه على وجهي يمنحه جاذبية لا تقاوم

    غمرني شغف عارم برؤية وجهه ومظهره اذا ما حلق ذقنه وهذب شاربه وقصر شعر رأسه وارتدى ملابس أنيقة تناسبه!
    ترى كم ستبلغ وسامته؟
    شعرت لين بالحرج والضيق، وأخذت تهز ساقها بتوتر، لا ترغب بسماع المزيد، وتبحث عن سبب مقنع يجعلها تغادر دون أن تتسبب في استثارة عجب شانتال، فقد حصلت على المعلومة التي أتت لأجلها،
    تنحنحت بحرج وهمت أن تقوم من مجلسها : عفوا، يجب ..
    لم تسمعها شانتال، بل لم تكن تنتبه لها، فقد كانت تعيش في الماضي بكل كيانها، واستمرت في الحديث ونبرات السعادة تتراقص بين حروفها : الوقت الذي قضيته معهما كان يوازي عمرا من السعادة
    ذلك الذي استولى على ثقتى المطلقة لمجرد بضع ساعات قضيتها بصحبته، وبخلاف كل من عرفتهم قبله كان يتجنب أن يلمسني ولو عن دون قصد، مما منحني شعورا بالطمأنينة لم أعهده من قبل بصحبة رجل
    أنهى طعامه وهو يقدم لي عظيم الشكر والامتنان، وحانت اللحظة التي كنت أتوقعها، سيأخذ الصغير ويرحل
    قبل أن يمد يده إليه كنت الأسبق وغادرت المطعم بالصغير وأنا أقول : لن يستطيع الصغير أن ينام فوق سطح السفينة فجسده متعرق، سآخذه لقمرتي حتى يستيقظ
    ألقيت اليه برقم قمرتي وأنا أسرع الخطا، وتركته خلفي حائرا ينادي : مدام، مدام
    لم أجيبه، ومن وقت لآخر كنت ألتفت خلفي فأراه يتبعنا بقلة حيلة فابتسمت ضاحكة متعجبة، فذلك الكائن الضعيف الذي ينام بين أحضاني هو الطاقة التي تحرك ذلك الشاب القوي، فطالما كان بين يدي أستطيع أن أوجهه حيث أشاء
    ارقدت ناجي على الفراش، وانتظرت أن يأتي عمر إلى القمرة، وتركت الباب مفتوحا، لكنه لم يفعل
    وعندما شعرت بالوقت يطول خرجت أنظر أين يمكن أن يكون، وبلغ بي العجب مبلغه عندما وجدته يجلس أرضا بجوار باب القمرة ضاما ركبتيه إلى صدره مسندا رأسه إليهما، لم يستطع أن يلج قمرتي ولا أن يبتعد عن الصغير، ولا أدري إن كان نائما أم مستيقظا، لكن الرجفة التي انتابتني مع هواء المساء البارد جعلتني أشفق عليه من قضاء الليل على السطح خاصة وأن السفينة تقترب من القارة الأوروبية
    عدت إلى الصغير النائم وأخذت أحدثه كما لو كان كبيرا بالغا مستيقظا : أخبرني ناجي، كيف يمكننا إن نحضر عمر إلى هنا! هل سيجتذبه صوت بكائك؟
    أيقظت الصغير رغما عنه فبدأ بالبكاء، وعندها فقط ولج عمر من باب القمرة المفتوح فابتسمت
    أخذ الصغير يهدهده ويهدئ من روعه وأراد الرحيل فحلت بينه وبين الخروج وأنا أحاول اقناعه أنه من الخطر على صحة الصغير قضاء الليل فوق السطح، كما أنه يجب أن يتناول طعام الرضع الذي اشتريته له
    لم ألتقي رجلا يصعب اقناعه بشيء كعمر الكيلاني، لكنه استسلم في النهاية وترك لى الصغير لأطعمه، وانتحى هو الى أحد الاركان وجلس أرضا محتضنا ركبتيه
    كنت اطعم الطفل وأنا أحدثه عن العمل وما يمكن أن يفعله في فرنسا، وهو صامت لا يرد، وبطريقة ما أقنعته أن لا أحد سيمنحه عملا بمظهره المخيف هذا
    فعلى الأقل عليه أن يحلق ذقنه ويهذب شاربه
    شعرت بالسعادة لأنه أخيرا استمع إلى واتجه إلى الحمام واستخدم أدوات الحلاقه المتواجدة لخدمة الركاب
    وانتظرت بشغف أن أرى مظهره الجديد، وأنا أتحدث إلى ناجي وأطعمه، وعقلي يرسم الخطط المختلفة للاحتفاظ بهما في حياتي
    طرق باب الحمام قبل أن يخرج محيطا وجهه بالمنشفة، وأنا أتطلع إليه بفضول، حتى أزاحها أخيرا والخجل يتملكه
    كل الصور التي مرت على بالي وأنا أتخيل ملامحه لم تصل لما أراه أمامي الآن، كنت أحاول السيطرة على نبضات قلبي التي تدق بجنون حتى لا تصل الى مسامعه فيهرب خجلا، فقد كان يحاول تجنب النظر الى وجهي وقد أخجله تطلعي الى وجهه
    عندما هم بمغادرة القمرة تشبثت بذراعة، فارتبك وتراجع للخلف، فقلت له : غدا سنصل إلى الشاطئ، والجو في الخارج بارد للغاية، بإمكانك أن تقضي بضع ساعات في أى ركن من الاركان حتى تشرق الشمس
    ان اصبت بالمرض فلن تجد عملا، ولن تستطيع توفير المال اللازم لاطعام الطفل، توترت عضلاته وفتح الباب فهبت رياح بارده اشعرتني بالرجفة : لا تقلق، سأنام بجوار الصغير على الفراش، ونم أنت على الأرض
    ابتسمت عندما أغلق الباب بتردد وتكوم على نفسه في الركن، فتركته وجلست بجوار الصغير على الفراش
    لم ينم، بل سقط مغشيا عليه من الارهاق، وقضيت وقتا أطعم الصغير وألاعبه ومن وقت لآخر أتأمل ذلك النائم وأبتسم، وكلما مر على الوقت يستولي على جزء من قلبي، حتى شخيره المزعج صار جذابا
    وأدركت في النهاية أنني لن أستطيع أن أعود إلى حياتي في فرنسا من دونه، بمجرد أن يصحو سأقنعه بالعمل معي، سأمنحه المال ليفتتح مطعما للوجبات الشرقية في باريس ويكون شريكا لي بالإدارة
    غفا الطفل فغفوت بجواره وكان أخر ما أغمضت عيني عليه هو وجهه السمح
    صمتت شانتال للحظات، وانسكبت دموعها وأخذت ملامحها ترتعش من الإنفعال، فابتلعت غصة تركت أثر حشرجة في صوتها : لم اندم في حياتي على شيء قدر ندمي على تلك الغفوة التي أضاعت عمري وحطمت حياتي
    لقد ذهب
    أخذ ناجي وذهب في هدوء، وترك لي هذه
    أخرجت من جيبها ورقة قديمة مطوية، فتحتها وقرأت ما فيها على مسامع لين : لست لصا، كنت مضطرا لأخذ ثمن علبتي حليب أطفال وزجاجة إرضاع
    أتمنى أن ألتقيك يوما لأرد لك ما أخذته من حقيبتك
    سامحيني
    طوت الورقة، وحاولت التماسك حتى لا تنهار منتحبة، ولم تتوقف دموعها عن الانهمار، ثم تماسكت قليلا وابتسمت ابتسامة حنين مختلطة بالدموع : لم يمد يدا لحليي الذهبية، ولا لآلاف الفرنكات التي أضعها في حقيبتي
    فقط بضع فرنكات لا غير
    لقد أخذ أقل بكثير مما كنت أخطط لمنحه إياه
    بل أقل حتى من ثمن العشاء الذي دعوته إليه
    إبتلعت دموعها، واستغرقت بعض الوقت حتى هدأت، وبقيت لين على صمتها، تنتظر بصبر أن تهدأ مشاعرها
    جففت دموعها، ثم قالت بشجن : يمر الكثير والكثير من البشر في حياتنا، لكن هناك نوع نادر من البشر اذا ما صادفناه مرة، تتغير حياتنا من بعده إلى الأبد
    ناجي من هذا النوع
    نظرت لين اليها لتتأكد أنها لم تخطئ في الإسم، فألقت إليها شانتال بنظرة عميقة وأكدت : نعم، تماما كما سمعت
    خرجت لين من عند شانتال شاردة، مثقلة بكم من الأفكار والمشاعر يرهق روحها، وفي الطريق طلبت من السائق أن يوصلها إلى الجسر القديم
    وهناك ترجلت وسارت فوق الجسر حتى وقفت في نفس المكان الذي أهدت فيه ناجي أول وآخر هدية
    ابتسمت وهي تتذكر ملامح المفاجئة على وجهه وابتسامة السعادة الطفولية التي زينت ثغره
    فتذكرت كلمات شانتال الأخيرة، كانت تبدو كرسالة مبطنة موجهة لها عن قصد
    شانتال!!
    كانت شانتال يوما امرأة كسائر النساء، كيف غير لقائها بعمر الكيلاني حياتها لتنقلب الى مومس!
    أم أن القصة لازال بها فصول لم ترو بعد!
    .............................................................................

  4. #14

    مشرف قسم الحوار و قسم فلسطين الحبيبة
    رقم العضوية : 83337
    تاريخ التسجيل : Dec 2014
    المشاركات: 725
    التقييم: 10
    الدولة : الجزائر

    افتراضي

    مشكوووورة اختي ام عز الدين على هذا العمل الراقييي

  5. #15

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,437
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة طارق احمد مشاهدة المشاركة
    مشكوووورة اختي ام عز الدين على هذا العمل الراقييي
    ياااااااااااه عاش من شافك أخي طارق
    حمدا لله على سلامتك
    ما كل هذا الغياب
    لعله خير إن شاء الله

    الشكر موصول لك أخي الفاضل على مرورك الكريم
    هذا العمل بقلم الأستاذة المبدعة سامية أحمد التي تمتعنا دوما بقلمها الرشيق
    تابع هذا العمل القيم فهو مليء بالأحداث والمفاجأت

  6. #16

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,437
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة الثالثة عشر

    (13)

    لم تعد لديها القدرة على التركيز في قاعة الدرس، وكلما أجبرت نفسها على الانتباه سرعان ما استولى عليها الشرود، قصة ناجي وأبيه تستولي على عقلها، وأدركت أنها إن لم تخرج من تلك الدوامة التي جرفتها وقلبت حياتها رأسا على عقب فلن تستطيع أن تنال مقعدا في الجامعة، ولن تستطيع استكمال دراستها
    لذلك كان عليها أن تجبر نفسها على الابتعاد عن أي شيء يخص ناجي أو اختفاؤه، ولتترك الأمر للزمن
    لكن يبدو أن للقدر رأي آخر
    فقد دهمتها مفاجأة أصابتها بالذهول، وأخرستها تماما، لدرجة أن الشرطية التي هاتفتها ظنت أنه حدث لها مكروه عندما لم ترد على ندائها، وكان عليها أن تتمالك أعصابها وتلملم شظايا مشاعرها لتستطيع أن تتظاهر بالقوة والثبات
    ردت على نداء الشرطية بصوت مرتجف : نعم أسمعك
    قالت بصوت بدا فيه الأسف : أرجو المعذرة، ولكن عليك الذهاب إلى المستشفى اليوم لتعرف ان كانت جثته أم لا
    أملتها عنوان المستشفى ثم أغلقت الهاتف
    لاذت بأحد المقاعد لتتقي السقوط فقد داهمها الدوار الذي يأتيها كلما أصابها انفعال شديد، لم تكن تعتقد أن خبرا كهذا سيصيبها بكل هذا التشتت، على الرغم من أنه كان احتمالا واردا في زمرة الاحتمالات التي تدور حول اختفاء ناجي، لكنها كانت دائما تكذبه، والآن عليها مواجهة الأمر الذي كانت تنفيه بكل قسوته
    فقد وجدت الشرطة جثة بلا اوراق رسمية يشكون بأنها جثة زوجها
    قضت الوقت المستغرق للوصول للمستشفى تحاول بصعوبة التغلب على دوار رأسها العنيف، والتماسك في مواجهة الامر
    وعندما وصلت إلى المستشفى استقبلتها الشرطية التي هاتفتها، ومعها شرطي آخر
    فسألتها لين : إن كانت الجثة بلا أوراق هوية كما تقولين، فكيف عرفتم أنها لزوجي!
    قالت بجدية بها نبرة تعاطف : لقد وجدوا الجثة في الشوارع الخلفية، تحديدا في المنطقة التي بها عصابة سنومي، ووجدوا في جيب السترة بضع دعوات لحفل زوجك الأخير، ليس لدينا ما يثبت أو ينفي أنها لزوجك فالجثة مشوهة الوجه
    اقشعر بدن لين وابتلعت غصة كانت كالشوك في حلقها، والشرطية تقول : فلتلقي نظرة على الجثة لعلك تجدين بها ما ينفي أو يثبت أنها لزوجك
    كم من الجثث المشوهة التي رأتها في المستشفى الميداني وتعاملت معها في تلك الأيام المتخمة بالقتل
    حتى صار القتل هو الحدث المتكرر الذي يصبحون ويمسون عليه
    كم من أحبة فقدتهم، وكم شربت ملابسها من دماء الشهداء حتى استحال الأحمر القاني هو لون ملبسها اليومي
    ولكن تلك المرة مختلفة، هل لانها عاشت فترة هدنة طويلة من مجاورة الموت والابتعاد عن منظر الأشلاء ورائحة الدماء!
    أم لأن الأمر هذه المرة متعلقا بزوج تنتظر عودته!
    كانت تحاول تفحص الجثة التي ترقد أمامها على الطاولة، وهي تتجنب قدر استطاعتها النظر للوجه المشوه ببشاعة، لكن فكرة غريبة سيطرت على عقلها وشتت تركيزها، لقد كان ناجي يعتني بوجهه وأناقة مظهره
    عندما طال صمتها أعادتها الشرطية من شرودها إلى الواقع : مدام، هل وجدت به أية علامة مميزة؟
    التفتت إليها بنظرات تمتلئ بالحيرة ، وهمت بقول شيء، لكن سبقها دخول جان تبادلا نظرات خاطفة عندما قال الشرطي : سيدة جانيت صديقة السيد ناجي المقربة أرجو أن تخبرينا إن كانت الجثة له أم لا
    اقتربت جان من الجثة، وعلو وجهها الاشمئزاز والألم، ولم تكمل دقيقة في تفحصها حتى قالت : ليس هو
    كلمات جان كانت كدلو ماء بارد صب على رأس لين في يوم قائظ، وبدأت أعصابها المشدودة ترتخي وأنفاسها اللاهثة تهدأ
    قالت الشرطية : هل تفحصتها جيدا؟
    قالت بثقة : مؤكد، اصابع يديه مختلفة، ولون رقبته داكن، ولا وشم على كتفه
    اشتعلت النار في قلب لين فجأة، ماذا دهاها، أيمكن ألا تتعرف جسد زوجها! كيف تنسى أن لديه وشم على كتفه!
    لقد حسمت جان الامر في اقل من دقيقة وتبينت الفرق بين الجثة التي أمامها وجسد ناجي
    تبادلت مع جان نظرات تخلو من الود وبها الكثير من التحفز، حتى انتبه الجميع على وصول سعد، كان يلهث وكأنما قضى الطريق الى المستشفى عدوا، وجهه يحمل قلقا شديدا ولمحة تأثر لا تخطئها عين، قال للشرطي بصوت متوتر : ماذا حدث؟
    قص عليه الشرطي الأمر باختصار، ثم قال : نحتاج لتأكيد منك حتى نحسم الامر تماما، السيدة جان تنفي، في حين أن زوجته لم تتعرفه
    عندما عادت لين إلى البيت كانت طاقتها النفسية قد استنفذت تماما، ولم تستطع الرد على كلمات الحاجة سعاد، بل اتجهت إلى فراشها مباشرة لتبتلعها الوسائد والأغطية وترتوي من دموعها، وتبتلع صوت نحيبها ونشيجها
    لازالت الطعنة النافذة التي تلقتها كرامتها تؤلمها، لم تستطع أن تتذكر أية علامات في جسد زوجها، في حين أن صديقه وصديقته استطاعا ذلك بسهولة
    حاولت أن تعزي نفسها وتعزو الأمر للمفاجأة والدوار الذي استولى على رأسها، لكن الامر كان فوق تحملها، ولم تفلح كلمات سعد في المستشفى في مواساتها، وهو يعدها بزيارة قريبة يجيب فيها عن كل ما يحيرها
    نظرات جان لها كانت كسهام مسمومة وهي تقف متجمدة أمام الجثة بلا حول ولا قوة
    لا تدري كم استمرت في البكاء والنشيج حتى غابت عن الوعي، لكن الألم ظل ملازما لها حتى في أحلامها
    ..........................................................
    انتبهت حواسها على صوته وهو يهمس في أذنها : هيا يا دكتورة، ستتأخرين
    حركت رأسها ببطء وتمتمت وهي تشعر بأنفاسه الدافئة تمس رقبتها : أريد أن أنام
    استشعرت أصابعه تعبث بشعرها : أنا جاهز لأقلك إلى الجامعة، لا يصح أن تصلي متأخرة
    تململت في فراشها، وهي تتخيل عيناه تراقبانها بحب وابتسامته الحنون تزين وجهه
    رفضت أن تفتح عينيها لتحتفظ أطول وقت ممكن بذلك الحلم
    ورغم أنها تدرك تماما بعقلها أنه حلم، وأن ناجي لم يعد
    لكنها تستشعر قربه أكثر مما كان متواجدا معها قبل الحفل المشئوم
    (سأنتظرك، لا تتأخري)
    انقبض قلبها بعنف وهي تشعر به يبتعد
    مدت كفها ناحيته ليقبض على هواء، ويرتد إليها خاليا خاويا، ففتحت عينيها بذعر وهبت جالسة فانسكبت دموعها على خديها، وتسارعت دقات قلبها وأخذت تلهث ونظراتها تتفحص الغرفة وما من أثر له
    كان عليها أن تتغلب على دوار رأسها وتبدل ملابسها التي نامت بها، وتستعد للخروج، فلم تعد تطيق البقاء في البيت
    كانت تتجه للباب كمن يسير على الماء، وعندما وصلت إليه لم تتمالك نفسها وكادت تسقط لولا أن أمسكت بها الحاجة سعاد، وهي تقول بفزع : احذري
    نجحت الحاجة سعاد في أن تعيدها إلى غرفتها، وأحضرت لها الإفطار في فراشها وهي تتمتم بعدم رضا : لا يجب أن تخرجي من البيت دون تناول الإفطار، ستصابين بالأنيميا
    هتفت لين بألم، وهي تمسك برأسها وتغمض عينيها : لم أعد أحتمل البقاء في هذا البيت، كل شيء هنا صار بشعا
    لم تنتبه لأنها كانت تبكي إلا عندما سمعت صوتها المتهدج وهي تقول : يوما ما كان البيت منيرا بساكنيه، واليوم صار هو والقبر سواء
    التفتت لين تطالعها، كانت تسكب عبراتها وتقول : عندما دخلت البيت في المرتين السابقتين ولم تكوني موجودة، لم أستطع البقاء، بعد أن رحل الأحبة جميعا
    شعرت لين برغبة قوية للاستماع لها ولحكاياتها، فلقد شعرت بأنها لو بقيت وحيدة فستصاب بالجنون
    كما أن رغبة كبيرة كانت تحدوها للتعرف على الزوج الذي رحل وأبيه وحياته الغامضة بالنسبة لها، فسألتها وهي تضغط بأصابعها على جانبي رأسها : منذ متى وأنت تعملين مع عمر الكيلاني
    مسحت دموعها وانسكبت الكلمات من فمها وكأنما كانت تنتظر أن يفتح لها الباب لتتحدث : منذ أن كان ناجي في الثالثة من عمره، كنت فتاة في بدايات العشرينات عندما انتقلت من بلدي إلى فرنسا بحثا عن عمل لأساعد أسرتي الفقيرة، وأمد والدي ببعض المال لينفق على اخوتي
    لم اتوقع ان يكون الحصول على عمل بهذه الصعوبة، وخاصة وأنني لم أكن أمتلك أوراقا رسمية للتواجد في فرنسا
    وتعرضت للاستغلال غير ذات مرة
    حتى صادفت رجلا وعدني بالعمل في مطعمه الصغير في إحدى القرى، وعندما ذهبت إلى المطعم أدركت أنه يريد أن يستغلني ،ويستغل فقري وحاجتي للمال، فأسمعته ما يسوء، وعندما بادرني بالعدوان، حطمت أثاث المطعم على رأسه، حتى حال بيني وبينه شاب فلسطيني لا أدري كيف تواجد في تلك اللحظة، وأخذ يهدئني ويطلب مني كف أذاي عن الرجل، وعندما يئس من تهدئة ثورتي، جذبني الى خارج المطعم ليتحدث إلي
    لكن غضبي كان مشتعلا والدماء تغلي في عروقي، فصرخت في وجهه وأهنته واتهمته بأنه ليس عربيا ولا يمتلك من النخوة والرجولة شيء، ورفعت يدي لأصفعه، لكنه أمسك ساعدي وتجمدت الدماء في عروقي عندما رأيت الغضب العارم في نظراته المخيفة
    فانفجرت بالبكاء وأخذت أشكو له إساءة الرجل لي ومحاولته استغلالي، فاختفى غضبه في لحظة، وكأن دموعي انسكبت عليه فأطفأته
    قال لي بهدوء : كان عليك أن تكوني حذرة حتى لا يستدعي الرجل الشرطة
    ثم سألني : هل لديك أوراق رسمية؟
    أصابته اجابتي النافية بصدمة وقال بدهشة : تنخرطي في شجار مع صاحب مطعم في بلد غريب وانت لا تملكين أوراقا!
    جرأتك مخيفة حقا!
    لم لا تقفين على الطريق وتجمعين القاصي والداني ليشاهدوا العرض!
    بدأت في البكاء من جديد، عندما أخبرني بأن صاحب المحل قد استدعى الشرطة بالفعل، فقد أدركت لحظتها أنني في ورطة حقيقية
    زفر بغيظ : تخلقين المشكلات ثم تبدئين بالبكاء!
    رأيت الشرطة قادمة من بعيد فزاد بكائي وشعرت بأنني سألقى في السجن وأن صاحب المطعم سينتقم مني
    فصاح الشاب بي : ابحثي عن مكان أمن تختبئي به
    جريت بعيدا لأفعل ما أمرني به، لكنني لم أستطع أن أسيطر على فضولي لأعرف ماذا سيفعل، فاختبأت خلف مجموعة من المقاعد ، يبدو أنها من أثاث المطعم
    ورأيته هناك يقف مع الشرطة وصاحب المطعم وبيده طفل صغير، وتعجبت من أين جاء به! أم أنه كان موجود من البداية وثورتي منعتني من الانتباه له!
    بقيت في مكاني لمدة طويلة حتى رحلت الشرطة ورحل صاحب المطعم بعد أن تحدث إلى الشاب بعض الوقت، وعندما صار وحيدا انطلقت عدوا اليه، وسألته عما حدث فقال : فلتحمدي الله، لقد تراجع الرجل عن تقديم شكوى ضدك
    هتفت بسعادة : حقا! هل أقنعته؟
    قال : كان على أن أفعل، فسأخسر كثيرا اذا ما قام بسجنك
    قلت دون أن أتكلف عناء فهم ما قاله والتمعن فيه : حقا!
    قال ساخرا واحدى حاجبيه يعلو الآخر تهكما : بالتأكيد، فعليك إصلاح ما أفسدتيه من أثاث المطعم وتنظيف المكان
    اشتعل الغضب في عروقي وصرخت في وجهه : ماذا تقول!
    قال بلهجة آمرة مسيطرة : أقول ما ستبدأين بفعله الآن، فلن أستطيع أن أفتتح المطعم قبل إصلاح ما أفسدتيه
    قلت بدهشة : هل أنت!
    هز رأسه مؤكدا : رب عملك الجديد
    ومن الآن فصاعدا لا مشاجرات، ولن أسمح بالصراخ في مطعمي ولا بتحطيم أي شيء، فأنا لم أدفع أجر شقاء عامين لأشتري مطعما يعود علي بالخسارة
    شيء ما في لهجته الجادة القوية وشخصيته المسيطرة أشعرني بالثقة والاطمئنان
    وفي لحظة تغيرت لهجته عندما التفت للصغير وحمله على ذراعه وابتسم له بحنان وقال : هيا يا شريكي لأريك ما امتلكناه أخيرا
    نظر إلي شذرا وقال بغيظ : فلنتفقد الكوارث التي فعلتها تلك المتهورة
    زفرت الحاجة سعاد بألم : صبر كثيرا على حدة طباعي وسوء ظني وانفجاراتي العصبية وقلة فهمي
    ضحكت بشجن : لكم أوقعته في المشكلات كلما ظننت في أحد الزبائن أنه يغازلني، وهو لم يخذلني مرة ولم يشعرني في أية لحظة أنه من الممكن أن يطردني
    كاد أول راتب لي أن يفقدني الوظيفة التي عانيت كثيرا لأجل الحصول عليها
    فبعد أن احتسب مصروفات المطعم وأرباحه
    أعطاني ضعف ما احتفظ به لنفسه وولده ، لم أصدق أن رب العمل قد يعطي عاملا أكثر مما يعطي لنفسه
    ثرت ثورة عارمة وسألته باتهام مبطن وسوء ظن، في مقابل أي شيء يعطيني تلك الزيادة!
    عندها رد على رد لم ولن أنسه : إنه ليس مالك، بل مال من أرسلك إلى هنا، عندما أطلب عاملا من مكتب توظيف، ادفع للمكتب وللعامل
    تلك الأموال لأبيك الذي أرسلك إلى فرنسا، فبدلا من أن ينفق على زواجك، أرسل تلك القنبلة إلى، وحقه أن يتقاضى ما يتقاضاه مكتب التوظيف
    واطمئني، كنت سأفعل هذا حتى لو كنت رجلا
    أخرسني عمر بمنطقه، وأدركت لحظتها أنني لم أجد فقط وظيفة، بل ملاذا أمنا
    كان عمر يقدر للغاية قيمة التضحية من أجل الأسرة، والكفاح من أجل العيش الكريم
    لقد عانى أقصى معاناة وعمل بكل الأعمال التي لايتخيلها انسان، كان يتنقل من مكان لمكان ومن عمل لآخر ليتمكن من اصطحاب ناجي معه، كان هدفه واضح ومحدد، أن يمتلك مكان يستطيع أن يكون له مأوى ومصدر رزق يجمعه وناجي دون أن يتحكم به رب عمل، أو يرفض تواجد طفله معه
    دائما ما كنت أحترس من الرجال
    عمر لم يكن كأي رجل، منحني شعورا بالأمن لم أستشعره بين أهلي، وكيف أرتاب في رجل لا يفكر في أي شيء سوى عمله وطفله! رجل لا متعة له في الحياة سوى اللعب مع صغيره والتحدث إليه
    يوما، كان عليه أن يسافر بالسيارة لمسافة طويلة ليرى أحد الأماكن التي تصلح لتكون فرعا للمطعم، اقترحت عليه أن يترك معي ناجي حتى لا يشق عليه طول الطريق، تركه على مضض وأنا أقسم له للمرة العشرين كن مطمئنا سيكون معي بخير
    وبرغم كل هذا عاد
    بعد أن قطع مسافة في الطريق ارتد عائدا، وأخذ ناجي معه ورحل
    لم يكن يدع أحد يرعى ناجي سواه، يحممه يطعمه ينظفه بعد قضاء حاجته، يغسل ملابسه
    والأكثر من هذا، كان ينجز عمله وناجي فوق كتفيه
    كان أكثرنا بذلا للجهد حتى بعد أن انضم إلينا شابان عربيان للعمل في المطعم، كان هو من يتولى الأعمال الشاقة والمتعبة
    كم أشتاق لتلك الأيام
    زفرت بضيق : لم تتبدل حياتنا الا بعد ان انتقلنا الى باريس، كان اقتراحا مشئوما مني لازلت نادمة عليه حتى الأن
    فهناك التقى بتلك المومس الحقيرة
    ........................................................................................
    انفض الطلبة من قاعة الدرس، ولم يتبق إلا هي، لم تتحرك من مكانها، لم يكن لديها رغبة في العودة إلى البيت
    شعرت بالسخرية من نفسها، على أيام كانت تتأخر فيها عمدا حتى لا تعود إلى البيت لأنه هناك، والآن لا تريد أن تعود إلى البيت لأنه ليس هناك
    كيف تبدل كل شيء في مدة قصيرة
    بدد شرودها صوت نحنحة يأتي من خلفها، فانتابها الخوف وتحفزت كالقطة التي تنشر مخالبها استعدادا لهجوم وشيك من إياد
    التفتت بحدة وكادت أن تأتي بفعل عدائي
    لكنها فوجئت بآخر شخص يمكن أن تتوقع أنه يريد التحدث إليها
    لم تصدق أن بعد كل ما حدث يأتي أحمد ليتحدث إليها
    بدأ حديثه بالاعتذار عن ازعاجها، ثم تردد قليلا قبل أن يقول : أحيانا قد تبدو الأمور على غير ما نراها عليه حقيقة، وعندما يفتقد الانسان حريته ويداخل قلبه الخوف، قد تتغير أفعاله للنقيض، ويرغم على فعل المكره والمضطر
    بدأت تهدأ، وأنصتت إليه وهو يكمل : عدد كبير ممن يعيشون هنا لا يستطيعون المجاهرة برغبتهم الحقيقية أن يكونوا مع الثورة بسبب الخوف، فالدكتاتورية لا تفهم سوى سياسة لي الأذرع والسكين على الرقبة
    مس قلبها الألم عندما قال : كان لأخي فيديو مشابه
    هو الآن أسيرا في سجونهم، لا أحد يعلم إن كان حيا أم ميتا، وذلك الوغد إياد يساومني على حياته
    ليتني أضمن أن استسلامي لما يريدون قد ينقذ حياته
    لم يعد بإمكاني التراجع، وصلنا لنقطة اللاعودة
    من اول لحظة رأيت فيها الفيديو، أدركت بأنك قد فعلتها مضطرة، وأن حجم الضغوط التي يمارسها عليك ذلك القذر تفوق قدرتك على التحمل
    تأملته بدهشة وفي عينيها ألف سؤال، فأجاب حيرتها : من السهل الربط بين توقيت نشر الفيديو على الانترنت وما فعلتيه لرغد
    ارتبكت وتحيرت، فكيف لأحمد أن يعرف ما فعلته لرغد!
    أكمل وعلى وجهه ابتسامة امتنان كبيرة : بفضلك ستتمكن من اتمام دراستها دون ضغوط
    تركها ورحل ورأسها يعج بأفكار كثيرة
    كان صوت أحمد وأسلوب كلامه يشعل الحنين في قلبها لحمص وأهلها ويردها لماضيها، طوال الطريق وهي تحاول أن تتذكر بعضا من ماضيها، لكن هيهات!
    لم يعد ذلك يجدي، فقد كانت تشعر بأن ذكرياتها قد سجنت بشكل ما في واقع لا تستطيع الخروج منه ولو حتى بحيلة السفر إلى الماضي لتتخفف من بعض آلامها
    لكن حتى السفر بخيالها إلى الماضي صار كابوسا
    ............................................................................
    اتصل بها سعد كما وعدها، وطلب لقاء عاجل قبل أن يعاود السفر، فقد اضطر لقطع سفره والعودة سريعا إلى باريس بعد أن علم أن الشرطة تطلبه للتعرف على الجثة التي وجدوها
    فأخبرته أن اللقاء سيكون في المطعم، وقبل الموعد بدقائق جلست تنتظره في نفس المكان الذي اعتاد ناجي الجلوس فيه، كان المكان هادئا والزبائن قلة في وقت خالى من الوجبات الرئيسية
    سمعت صخبا وصفيرا مرحا قرب باب المطعم، فوقفت تطالع ما يحدث بفضول، فوجدت كل العاملين في المطعم قد تجمعوا للترحيب بسعد الذي وقف بينهم يمرح ويمزح معهم ويضاحكهم
    انه أحد الثعالب الثلاثة الذين ضمهم هذا المكان مع لمعلم، ترى كيف سيكون استقبالهم لناجي عند عودته
    تذكرت فجأة حفل عيد الميلاد الذي أعده لها هو والعاملين في المطعم، وتلك الأغنية الرومانسية التي غناها لها، وحماسهم الشديد لصوته وأغنياته، تاقت روحها للعودة لتلك اللحظات الرقيقة
    انهى سعد حديثه الودود مع عمال المطعم واتجه إلى الطاولة الذي تجلس إليها، وبعد التحية والترحيب بدأ حديثه معها : أنا هنا لأجيب عن كل أسئلتك وأزيل أي شبهة أو غموض حول ناجي وأبيه
    سألته مباشرة : لماذا رحل ناجي؟ وأين ذهب ؟
    أسقط في يده وعجز عن الرد، وارتسمت الحيرة على وجهه، فقالت معتذرة : معذرة، لا أقصد أن أصعب الأمور، ولكن أتمنى أن تقدر أن لا شيء يشغلني سوى هذا السؤال في الوقت الراهن
    تنهد بأسى وقال : وذلك هو ما يشغلني أيضا، لقد أصبت بالفزع عندما علمت بأن الشرطة قد وجدت جثة هناك في المنطقة التي يسيطر عليها ذلك الوغد سنومي، تخيلت أنه قد يكون قتله
    كان هذا بداية خيط لسلسلة الأسئلة التي حيرتها طويلا : لم انضم ناجي لتلك العصابة؟
    لا أتخيل أن فتى هو الابن الوحيد لصاحب سلسلة مطاعم، ينحرف عن طريقه وينضم لعصابات الشوارع الخلفية!
    قال سعد : والده لم يكن متقبلا لأمر احترافه للغناء، وكانت هذه هي نقطة الخلاف الوحيدة بينهما
    أهذا مبرر كافي!
    لا، ولكنه بتفكير فتى مراهق مندفع، يبدو مبررا كافيا
    الأمر لا يتعلق فقط بفترة مراهقة، ناجي بدل حياة طفلة، وجعل محور حياتها الغناء معه، الطفلة الآن تعاني وتكاد تفشل في دراستها
    لقد كانت فكرة لمعلم
    ماذا!
    ناجي لم يكن مستسيغا لفكرة مشاركة طفلة الغناء، لكن لمعلم هو من أمره بذلك، وقتها لم تكن الفكرة جيدة، خاصة وأن الطفلة كانت صغيرة وغير محترفة برغم أنها نالت بعض الجوائز في الحفلات المدرسية
    ولكن فيما بعد، وبعد أن قام ناجي بتدريبها جيدا، أصبحا ثنائي رائع وحققا معا نجاحا هائلا
    وماذا عن الطفلة! ومستقبلها الدراسي وحياتها؟
    تلك كانت أفضل طريقة من أجل استقرار حياة الطفلة، وتأمين العيش الكريم لها ولأمها
    فعندما علم لمعلم أن أمها أرملة تمر بظروف مادية صعبة، وترفض تلقي المساعدات من أحد، فكر في مساعدتها بإشراك أمل في الحفلات التي يقيمها ناجي
    لم تكن الوحيدة التي تحظى برعايته
    لكن تلك هي حياة عمر الكيلاني وأفعاله، يشعر بمعاناة الآخرين من قبل حتى أن ينطقوا بها
    لا يمكنني أن أنسى أول مرة رأيته فيها
    كنت أنا ومروان ملتحقين بمدرسة الحي، نكتفي بصداقتنا ولا نندمج مع الآخرين، فقد كان أبوينا يعرفان بعضهما البعض بحكم السكن في نفس الحي، ويرفضان الاختلاط بالفرنسيين، وعلاقاتهم بالعرب في حدود ضيقة
    حتى أتى ناجي ..
    كان صبيا مختلفا عن كل من أعرفهم من العرب، مرحا، متقبلا ومحبوبا، يصادق الجميع، لا يخشى شيئا
    - ماذا تعني بلا يخشى شيئا!
    - لا يخشى أن يقتحم شجارا، أو أن يرضي فضوله في الاستكشاف أو التدخل في أمور الآخرين، كنا منبهرين بجرأته واندفاعه، ونراقبه من بعيد عندما يجلس على الأرض وسط الساحة ويلتف الطلبة صغارا وكبارا حوله ليستمتعوا بصوته الرائع وهو يغني لهم أشهر الأغنيات الفرنسية، لم ننضم له، لكنه كان ينظر نحونا ويبتسم
    وكان تعليق الأهل على تصرفاته عندما نحكي لهم عنه، أنه صبيا انسلخ من أصوله العربية، وأصبح فرنسيا أكثر من الفرنسيين
    يوما خرجنا من المدرسة لنجده منخرطا في شجار مع مجموعة من الصبية المشاغبين، أراد مروان التدخل لمساعدته، فذكرته بأبيه وما سيفعله به إن عاد إليه مصابا أو ممزق الثياب فقد كان والده شديدا وحازما
    أعرض مروان عن الفكرة، ووقفنا نشاهد، ولكن العجيب أننا جررنا للشجار جرا، فالصبية المشاغبون وجهوا لنا عدوانهم دون أن نفكر حتى بالتدخل، إذ يبدو أن مجرد تواجدنا بالمكان فقط للمشاهدة جعلهم يعتقدون بأننا قد نتدخل في أية لحظة فبادرونا بالهجوم، واندفع مروان - الذي كان انفجار غضبه على شعرة - يرد العنف بعنف أكبر، وأنا معه
    والعجيب أننا هزمناهم، نحن الثلاثة هزمنا عدد من الصبية أكبر من ضعف عددنا
    لحظة الانتصار أشعلت فتيل صداقة امتدت عمرا طويلا
    تلك الصداقة التي دعمها لمعلم وكان سندا وملاذا لها
    لم يكن بإمكاننا العودة إلى البيت على تلك الحال المزرية وإلا سيكون عقابنا وخيما، لكن ناجي أتى بنا إلى هنا
    استرخى في مقعده وبدأت عيناه تتدوران في المكان تطاردان الذكريات في أرجاء المكان
    هنا كان أول لقاء لنا بلمعلم
    ضحك بحنين : عندما وقعت عيني عليه كان طويلا للغاية، قويا للغاية، غاضبا للغاية، ويصرخ في أحدهم بطريقة أصابتنا بالرعب كأطفال وقتها
    عندما وجدته على هذا المظهر حمدت الله كثيرا أن أبي وأبو مروان ليسا مثله، وانزويت أنا ومروان في الركن خائفين، ثم قررنا الهرب، لكنه التفت باتجاهنا عندما ناداه ناجي
    وعندما تقدم نحونا، ولينا الأدبار أنا ومروان، لدرجة أننا نسينا حقيبتينا وأغراضنا في المطعم
    أخذ ناجي يصرخ علينا مناديا ولم نتوقف، إذ كيف لنا أن نعود لذلك المارد المخيف!
    لكنه لم يتركنا، فقد أمر ناجي بالقفز إلى دراجته وإعادتنا إلى المطعم، وبالفعل لحق بنا وأقنعنا بالعودة بعد أن أقسم لنا أن أباه ليس غاضبا من منظرنا ولا من الشجار، ولن يمسنا بسوء
    جمعنا نحن الثلاثة في أخر ركن في المطعم، حول تلك الطاولة
    نقر نقرتين بإصبعيه على سطح الطاولة : لذلك فناجي لا يفضل الجلوس في أي مكان في المطعم إلا هنا
    وأخذ يستمع لنا بصبر ونحن نتبادل قص ما حدث
    ثم سأل السؤال الذي لم يخطر على بالنا أن نسأله لناجي، ماذا كان سبب الشجار!
    من وجهة نظرنا كصبية، كان من الأمور العادية تفجر شجار كهذا، فلا غرابة أن عصابة من المشاغبين تشتبك مع أي صبي في المدرسة
    لكن ناجي أفصح بكلمة واحدة عن سبب الشجار : لأنني عربي
    ثم دار أمامي أغرب جدال يمكن أن أسمعه بين أب وابنه، فقد سأله لمعلم : وهل هذا سبب كافي للاشتباك في شجار مع صبية يفوقوك في العدد والعمر والحجم !
    قال بضيق : لقد أهانوني وأهانوا بلادي
    قال بهدوء : كان عليك أن تعمل عقلك قبل أن تجر صديقيك لشجار لا ناقة لهم فيه ولا جمل
    قال ناجي بانفعال : أنا لم أستصرخ أحدا للدفاع عني، ولم أطلب العون منهما
    قال لمعلم : لكنهما قد يواجهان مشكلة مع آبائهم عندما يرونهما على تلك الحالة، ولا تحاول التنصل من الأمر، فأنت مدين لهما
    في كل أيام عمري، لم أر أحدا يمكنه إقناع ناجي بالحوار والمنطق كعمر الكيلاني، حتى أنا اقتنعت ومروان أصابته الدهشة، فلم يكن يعلم أن هناك آباء يستخدمون مع أبنائهم طرقا أخرى غير الشدة والأوامر
    طلب لمعلم من سعاد أن ترتق لنا ملابسنا الممزقة، وقام بنفسه بمعالجة جروحنا، فصار حالنا أفضل، ثم قدم لنا وجبة ساخنة من صنع يديه، لم أستطع من بعدها أن أستلذ بأي طعام يقدم لي من أي أحد آخر
    والآن علينا أن نجد وسيلة للهروب من عقاب أهلنا على التأخير
    واقترح لمعلم أن يصطحبنا ناجي كل إلى بيته ويقدم الاعتذار المناسب للخروج بسلام من هذا الموقف
    والغريب أن هذا قد حدث، نلنا العفو المرجو، ومر الأمر بسلام
    ومن يومها لم نفترق أبدا نحن الثلاثة، وأوقات الفراغ واللعب كنا نقضيها هنا، بعلم أهلنا أو بدون علمهم أحيانا
    وتعرف أبوينا إلى عمر الكيلاني، فقد كانا يشاهدانه في صلوات الجمعة في المركز، لكن لم يتحدثا معه حتى صار الصغار أصدقاء
    هنا في هذا المكان كنا نستذكر دروسنا، وكان لمعلم يشرح لنا ما يستعصي علينا فهمه من الرياضيات والعلوم، فقد أخبرنا أنه وصل للمرحلة الجامعية لكنه لم يستطع أن يكمل دراسته
    الغريب أن العلاقة بيننا وبين آبائنا تحسنت كثيرا، وصرنا أنا ومروان نجد متنفسا لنا وشخص بالغ يسمعنا ويرد على تساؤلاتنا
    أتذكر يوم أن شكوت له من ضيقي من قلة المصروف الذي يعطيني إياه والدي، فقال لي : من يريد المال عليه أن يعمل
    علمنا لمعلم أن نعتمد على أنفسنا، ووفر لنا عملا بأجر في المطعم، في البداية كنا نقوم بتوزيع ورق الدعاية الخاصة بالمطعم، وننظف المناضد ونقم المكان، وبعد وقت قصير صار لكل منا دراجة كدراجة ناجي
    لمعت عيناه بدموع الحنين : هنا تعلمنا معا وكبرنا معا، لم يستطع أن يتقن ناجي فن الطبخ كأبيه، لكن مروان فعل، صار فنانا في الطبخ، ومده لمعلم بكل أسرار الطبخ التي يعرفها
    أذكر كم كانت ثورة والديه عارمة عندما عرفا بما يفعله في المطعم، وحبساه في البيت لبعض الوقت، فمن وجهة نظر عائلة مروان من المعيب أن يعمل الرجل عمل النساء، فسيصبح مسار تندر وسخرية الخلائق
    لكن مروان كان قد وصل لسن يستحيل التحكم فيه، ما أسوأ أن تواجه ثورة مراهق قضى سنوات عمره تحت ضغط والديه
    ولم يجد والده من يستعين به سوى الرجل الذي يتهمه بإفساد ابنه
    وبالفعل لم يستجب مروان لأحد سوى لمعلم الذي نجح في تهدئة ثورته واقناعه بالعقل والدين أن يبر أبويه ويعاملهما بإحسان، وعاد إلينا مروان بعد عدة أيام بعد أن انفك عنه الحصار وتركه والده يفعل ما يريد، فصار مساعدا للمعلم، وطاهيا شهيرا في المطعم يطلب الزبائن أكلاته المميزة
    ولكن، ما نجح فيه عمر الكيلاني مع مروان، فشل فيه مع ابنه
    عقدت لين حاجبيها وانتبهت باهتمام : ماذا تعني!
    ناجي كان يحب الغناء، وشارك في عدة أنشطة مدرسية، لكن لمعلم لم يكن راضيا عن ذلك، وخاصة عندما اتجه ناجي لغناء أغاني أشهر المطربين في فرنسا، ثم بدأ يغني في الشارع ويلتف حوله الناس، ورغم أن ناجي لم يفعل ذلك سوى بضع مرات لكن الأمر وصل بينه وبين والده إلى قطيعة وانفصال وخصام أدى لترك دراسته والانتقال إلى العيش في بيت شانتال
    سألته باهتمام : وشانتال!
    قال : أعلم ما يدور برأسك، ليست أمه، ورغم ذلك ترك الناس يظنون أنها أمه، كما لو كان يريد إغاظة لمعلم واستثارة غضبه، وشانتال سعدت بذلك وتمادت في الأمر
    قالت : ولكن لمعلم لديه الحق في أن يحمى ولده، ويمنعه من الغناء في الشوارع
    ضرب سعد الطاولة بيده بغيظ وهو يصيح : يا الهي
    ثم زفر بضيق شديد، ومسح وجهه بكفيه، وقال : آسف، أعتذر، لكنني حقا مذهول، من بين نساء العالم لا يحب إلا امرأة تحمل نفس أفكار عمر الكيلاني!!
    شعرت لين بالغضب وظهر على ملامحها الضيق، لكنها ظلت محتفظة بصمتها، واستمعت إليه وهو يقول تلك الافكار التي أحدثت شرخا بالغا في علاقتهما لم يستطع أحد علاجه
    كان من الممكن أن يعالج الأمر بشكل مرضي للطرفين، لكن مع الأسف لم يدرك لمعلم ذلك إلا متأخرا
    فطاقته الصوتية الرائعة كان من الممكن أن تستغل في الأغاني الهادفة وتقديم فن يخدم قضايا الوطن والمغتربين في المهجر
    صدقي هذا، من علمه الغناء وحببه فيه هو لمعلم، وكان مسرحه الدائم في هذا المكان، يقف على تلك الطاولة ويصدح بأغنية عربية لينال بعدها التصفيق وعبارات الاستحسان من كل المتواجدين
    أذكر يوم أن طلبت منه أنا ومروان ترديد أنشودة حفظها من أحد زبائن المطعم الدائمين، كنا في أخر اليوم والزبائن قلة، وبدأ ناجي في الغناء فأبكى كل من كان متواجدا في المكان، حتى أنا ومروان
    فما أن اجتمع الصوت الشجي مع اللحن العذب والكلمات التي فجرت المواجع المدفونة وآلام الغربة حتى شعر كل عربي بأنها تخصه، وأن الكلمات تعنيه هو

    إن طال بعدي عنك يا بلادي والنوى
    وحرمت شم الورد والياسمين والهوى
    فسيبقى ذكرك عاليا طول المدى
    شلت يميني إن نسيتك يا بلادي

    شرد بصره بعيدا وترقرق الدمع في عينيه وبدا وكأنما يستعيد تلك الذكرى ويجترها في قلبه : لازال صوته في أذني إلى الآن
    ذلك الأثر البالغ الذي أحدثه صوت ناجي في الجميع، كان طاغيا على لمعلم، فقد تفجرت دموعه وانسحب من المكان، وأغلق عليه بابه، ولم تفلح محاولات أي منا في إخراجه أو حتى التحدث إليه من خلف الباب
    شرد بصره وبدا كما لو كان يوجه رسالة لشخص ليس هنا : يا إلهي، إلى متى ستظل تعاني يا صديقي من أقرب الناس إليك
    إن الغناء بالنسبة لناجي هو الماء الذي يروي عطشه للحياة
    تنهدت وقالت بتعجب : أتظن حقا أن سبب الشرخ الذي حدث بين ناجي وأبيه هو منعه من الغناء!
    رد : وما الذي يمكن أن يحدث بينهما أكثر من هذا !
    ..................................................................

  7. #17

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,437
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة الرابعة عشر

    (١4)

    فوجئت بما لم تكن تتوقعه وهي تحادث سعد
    وصل المحامي بطرس أو بيتر إلى المطعم، في البداية ظنت أنها زيارة عادية يتابع فيها أعمال ناجي
    لكنها فوجئت به يتجه مباشرة إلى طاولتهما، ثم سلم على سعد بحرارة، وطلب منه مباشرة أن يتحدث إلى لين بمفردها
    ويبدو أن سعد كان معتادا على أسلوب بيتر الفظ وطريقته المباشرة، فاعتذر من لين وودعها لانه سيسافر مجددا
    بمجرد أن غادر سعد، جلس بيتر إلى الطاولة سألها مباشرة ودون مقدمات وهو يخفض صوته : أين كنتي قبل أن تصلي فرنسا؟
    عقدت حاجبيها وقالت بقلق : لماذا تسأل؟
    قال بعجلة : لأنني محامي زوجك وعلى حماية مصالحكما
    - في مخيم في..
    - أعني أوروبا، في أي الدول توقفت قبل أن تأتي إلى هنا؟
    - ما الذي ترمي إليه؟
    - عليك أن تثقي بي، فلن أؤذيك بأي شكل من الأشكال
    - علام كل هذا! لقد قطعت رحلة عادية مثل ..
    فرغ صبره فهتف : ليست عادية
    ثم تنبه لأنه في مكان عام فاستعاد السيطرة على أعصابة وقال بصوت منخفض : ليست عادية أبدا، أريد أن أسمع منك الحقيقة بوضوح، فالأمر جد خطير
    قالت بلهجة حادة : ماذا تريد؟
    قال بجرأة صدمتها : أريد أن أعرف كيف وجدوا جواز سفرك في أحد بيوت البغاء في تركيا
    جفت دماءها وخرس لسانها، وشلت المفاجأة تفكيرها
    كيف عرف بالأمر؟ ذلك هو السؤال الذي احتل عقلها، و جعل صورة اياد تقفز فجأة أمام عينيها
    ارتجفت أطرافها على صوته : لم أسمع إجابة!
    ابتلعت ريقها وتبعثرت نظراتها بتوتر، هل تخبره؟
    ثم تذكرت فجأة أنه لا أحد يحق له محاسبتها أو سؤالها، فأخذت نفسا عميقا واستردت رباطة جأشها، وقالت بثبات : لا يحق لأحد أن يسألني سوى زوجي
    - وهو ليس هنا ليحميك، ولن أستطيع أن أحصل على الإجابة منه، لذلك عليك أن تخبريني بالحقيقة كاملة
    - لست في موضع اتهام، ولن أسمح لك بالتحقيق معي
    - يجب أن أعرف حتى أستطيع إيقاف ذلك الوغد يوسف منير، وإلا ستفاجئين بصورتك في الصحف ومعها قصة تواجد جواز سفرك في بيت للبغاء
    -يوسف منير!
    هل فوجئت حقا! أظننت أنه يمكن أن يتركك هو أو ذلك الوغد العنصري كريستيان! الحرب بينهم وبين عمر الكيلاني مستمرة منذ أمد بعيد، وكل من ستنتقل إليه سلسلة المطاعم سيتعرض بالتأكيد لتلك الحرب رغما عنه
    ما أدهشها حقا أن الأمر لم ينكشف عن طريق إياد، بل عن طريق يوسف منير، كيف عرف يوسف منير؟
    قاطع بيتر أفكارها : أعلم أن ثقتك بي معدومة، لكنك مضطرة للاستعانة بخبرتي كمحامي ولى باع طويل في هذا البلد الى أن يعود ناجي
    قالت : لست مضطرة لأي شيء، وزوجي هو الوحيد ..
    - إنه يعرف
    أصابتها صدمة جديدة، فقالت غير مصدقة : يعرف ماذا!
    - يعرف أين كان جواز سفرك
    مسح وجهه بكفيه وقال بنفاذ صبر : يا إلهي، أرجوك لا تقولي أنه لم يخبرك بأن جواز سفرك كان معه
    (معه) هتفت بحيرة
    كانت الأمور حولها تزداد تعقيدا، وصارت الحياة أمامها كمجموعة من الأحاجي والألغاز مفاتيحها مع شخص واحد أرهقها البحث عنه
    أمسكت برأسها وشعرت بالدوار العنيف يعاودها، فسألها بقلق : هل أنت بخير؟ هل تودين الذهاب للمستشفى؟
    كانت تحتاج لبعض الوقت لتهدأ وتستطيع السيطرة على أعصابها، واستيعاب كل تلك المفاجآت
    منذ أن وطأت أقدامها تلك الأرض الغريبة عنها، حتى ظنت بأنها ألقت بكل أثقال ماضيها المؤلم خلف ظهرها، لكنها يوما بعد يوم تكتشف أنها سجينة في ذلك الماضي عاجزة عن الفكاك من قيده
    (كيف حصل ناجي على جواز سفري!) سألته بجدية
    فرد بدهشة : أهذا كل ما يقلقك! وماذا عن تهديدات يوسف ..
    - أجب عن سؤالي
    - لا أعرف
    نظرت له بارتياب، فقال مدافعا : ناجي لم يخبرني بأي شيء عنك، كل ما حدث هو أنه أحضر لي يوما جواز سفرك وطلب مني أن أنهي إجراءات إلتحاقك بالجامعة وتسديد المصروفات الخاصة بعامك الدراسي، وتركت جواز سفرك هناك عند ادارة الجامعة لحين قدومك لاستلامه
    عادت بها الذاكرة إلى اليوم الذي ذهبت فيه إلى الجامعة لتسأل عن طبيب المخيم الذي شجعها على الالتحاق بالجامعه عندما كانت في المخيم، لم تجده في الجامعة، لكنها وجدت أن طلبها للالتحاق بالجامعة قد قبل والأكثر من هذا، وجدت جواز سفرها الذي يأست من عودته، وقتها لم تسأل نفسها لماذا وكيف، فلا يسأل الغريق من الذي أرسل إليه القشة التي أنقذته
    والآن حان الوقت لتعرف ماذا حدث، فسألته : لا تقل لي أنك لم تسأله عن شيء
    - ظننت أن الأمر فقط مساعدة لشابة عربية كعادته دائما هو وعمر الكيلاني مع اللاجئين
    - منذ متى وناجي يعرف أنني في فرنسا؟
    - منذ أن اتصلت بي السيدة التي تعمل في الجامعة أنك وصلت أخيرا واستعدت جواز سفرك ، فقد تركت لها رقم هاتفي لتبلغني بقدومك
    - وأبلغت أنت ناجي بدورك؟
    - نعم، هذا صحيح، لكن ما حدث بعد ذلك كان عجيبا بحق
    - أكمل
    - ناجي قبل أن يراك كان في أسوأ حالاته، موت والده حطمه تماما، وابتعد عن البشر وانزوى معتكفا في بيته، بل انه كان يعد العدة لمغادرة فرنسا، لكن كل شيء تغير عندما وجدك، كنت بمثابة طوق نجاته من الغرق في أحزانه
    اذا فلقاؤه بي في محطة قطار الأنفاق لم يكن مصادفة!
    ليس تماما، لازلت مندهشا من تردده في الاقتراب منك وخوفه من مواجهتك، فمن العجيب حقا أن شاب يمتك كل أدوات الجاذبية يقضي شهرا من حياته يذهب مرتين او ثلاثة كل يوم للسوبر ماركت يشتري أشياء لا يحتاجها، فقط ليقف بضع دقائق يتطلع إلى الفتاة التي تحاسبه ليحظى منها بكلمة أو كلمتين لا أكثر، الحقيقة أنني ظننت صديقي قد جن
    تطلعت إليه بعجب فأردف : معذرة فأنا لا أؤمن بذلك النوع من الحب
    تداعت الذكريات إلى رأسها وقت أن كانت تعمل في السوبرماركت الكبير، وعجزت عن أن تربط بين ملامح ناجي وتلك الفترة من حياتها، هل كانت حقا تراه كل يوم ؟ هل يمكن ألا تنتبه لتكرار مروره عليها إلى درجة أن يقف أمامها يوميا فلا تعرفه!
    أم أن تلك الفترة من حياتها كان كل شيء فيها فاقدا لاتزانه!
    قالت بصوت ضائع : أكمل
    قال : استسلم ناجي لإلحاح سعد، وقبل أن يغنى في آخر حفل له وبدأ الاستعدادات والتدريبات ونشر أوراق الدعاية
    يقيني الآن أنه قبل بذلك ليلفت انتباهك ويتعرف إليك
    وقد كان، وأخيرا تزوجك
    ....................................................................
    رحل بيتر دون أن يقر قراره أو يعرف ما أتى خصيصا لأجله
    رحل بعد أن فتح عليها بابا لنار الحيرة لا تهدأ أورارها، ناجي يعرف عنها الكثير، ورغم ذلك طلب منها الزواج، إن كان تحصل بطريقة ما على جواز سفرها فهو مؤكد يعرف أين كان، من سيطفئ نيران حيرتها سواه، من سيجيب عن كل تلك الأسئلة التي تفجرت في عقلها إلا هو
    صارت عودته ضرورة ملحة، من يستطيع أن يتوصل إلى مكانه، أو حتى يستنتج إلى أين ذهب؟
    أخبرها بيتر أنه كان يعد العدة لمغادرة فرنسا قبل أن يلتقيها، ترى هل غادر بالفعل؟
    لكن تحريات الشرطة تؤكد لها أنه لم يغادر فرنسا عبر أي طريق معروف
    كانت مضطرة اضطرارا للاستعانة بتلك التي تعرف عنه أكثر مما تعرفه هي زوجته عنه
    فمن سواها يمكن أن يتوقع أين ذهب؟
    تلك التي ينعتونها بصديقته المقربة
    عندما اجتمعت بها مجددا في مكتبها، ملأ تيار من التوتر المكان، واستشعرت لين عدم الراحة من نظراتها العدائية، ولولا أنها بحاجة لمساعدتها لما ترددت في ترك المكان والمغادرة فورا
    كانت جان تتفحصها وتراقب حركاتها وانفعالاتها، وبدت قوية ومسيطرة وهي تسألها باقتضاب : لم أتيت إلى؟
    تنحنحت لين وهي تشعر بغصة حارقة تكاد تخنقها، ورغم ذلك ردت بهدوء : لأنك صديقته المقربة
    قالت ساخرة : حقا! لقد انتبهت أخيرا لهذا الأمر
    تحملت لين سخريتها بصبر من أجل أن تصل للنتيجة المرجوة : أريدك أن تساعديني في البحث عنه، بالتأكيد تعرفين بعض الاماكن التي من المحتمل أن يذهب إليها، كما أن عملك كصحفية لديها طرق كثيرة للتوصل للمعلومات
    وهل تعتقدي أنني كنت في انتظار أن تطلبي منى ذلك لأبدأ البحث عنه!
    ماذا تعنين!
    أعني أنني أبحث عنه من اللحظة التي عرفت فيها باختفائه
    شعرت لين بأنها لم تعد قادرة على تحمل لهجتها العدائية، فهتفت بضيق : مدام جانيت، هل تكرهينني!
    - بدأت كل منا تفهم الأخرى
    - أنا لم أسع خلفه، ولم أرمي شباكي حوله ليتزوجني كما تعتقدين
    ابتسمت نصف ابتسامة وقالت بسخرية : أتفهم تماما أنك لا تتمتعين بخبرات كافية - رغم أنك لست صغيرة - لتدركي عمق العلاقة التي تربطني بناجي وعمر الكيلاني، ربما تتفهمين لم أكرهك
    لم نكد نستفيق من نكبتنا بفقد عمر الكيلاني، حتى فجعنا في إختفاء ناجي
    والأن صارت فرنسا جحيما من دونهما
    انتفضت من مكانها وقالت بضيق : أتيت إليك لتساعديني، أين يمكن أن أبحث عنه؟ ومن أسأل؟ يجب أن يعود
    ولمن يعود!
    هالها لهجة الأنفة في صوتها ونظراتها المتعالية، فهتفت بغضب : يعود لعمله، لأصدقائه، لحفلاته وجمهوره
    يعود لحياته
    قالت باستهزاء : أم يعود لامرأة جافة باردة لا تفهم معنى الحب والاشتياق!
    تصاعدت الدماء إلى رأسها، واحمر وجهها غضبا، وهمت أن تصرخ بوجهها، لكن جان أكملت بنفس اللهجة الساخرة المستهزأة : أغلب العرب ينظرون للعشق نظرة دونية، يعتقدون أن الاعتراف بالحب شيء معيب لا يجوز النطق به
    انظري إلى وجهك في المرآة كيف شبت فيه النار، أغضبتك كلماتي، لكنها حقيقة
    انفجرت لين في وجهها : عن أي حقيقة تتحدثين! لسنا مثلكم، ولن نكون، تعتقدي أنني لا أحب زوجي فقط لأننى لم أصرخ بكلمات الحب أمامك، لم ولن أُقَبِله في الشوارع وعلى الجسور كما يفعلون هنا، لم أشتري قفلا وأكتب عليه اسمينا وأعلقه على جسر الحب!
    من لا تفعل هذا هي من وجهة نظرك جافة باردة! نظرتك للحب سطحية للغاية
    اشتدت حدة نظراتها وعلا تهكمها : كل ما قلتيه قد يكون حبا أو تظاهر بالحب
    لكنني أتحدث عن أمر آخر، عن امرأة تعجز عن تذكر أبسط التفاصيل في جسد زوجها
    عن رجل يفتح قلبه للعشق لأقصى مدى، وامرأة لا تستمع لدقات قلبه الوله
    هتفت بغضب وقد صارت أعصابها كجمر النار : وما أدراك أنت! هل شكا لك أم أنها حاستك السادسة!
    - لا يحتاج لأن يشكو أو يبوح بما هو واضح كضوء الشمس
    المرأة التي لا تنظر في عيني زوجها ولا تنتبه لتفاصيل جسده، كيف لها أن تدرك ما في قلبه
    خرجت لين من مكتبها مثقلة بالألم، كجندي جريح يحمل عار هزيمته في معركة مصيرية
    لقد تعرت تماما أمام جان وخسرت كل أسلحتها، وما ضاعف احساسها بالمهانة أنها لم تستطع أن تمسك دموعها أو تخفيها عن غريمتها، فتساقطت وتساقط معها ماء وجهها
    في الصباح الباكر
    فضلت مغادرة البيت والذهاب إلى المطعم قبل أن تتوجه للجامعة، فها هنا لن تجد الحاجة سعاد، ولن تتعرض للاستجواب والأسئلة عما حدث أمس أو ما ستفعله اليوم
    هنا ستحتفظ بمساحة خصوصية تحتاجها بشدة لتنعم ببعض الهدوء وتلملم شظايا روحها التي تحطمت بالأمس، وترتق ثقوب نفسها التي انكشفت أمام جان
    هنا تشعر بالأمان بين رجال ناجي وعماله المخلصين، ولن يزعجونها بأمور الإدارة أو مشاكل العمل طالما يحمل بيتر عنها هم متابعة سير أعمال ناجي
    اتخذت من أخر طاولة في المطعم مستقرا لها، وكأنما تحاول أن تثبت لنفسها أنها زوجة صاحب تلك الطاولة والأحق بالجلوس في المكان الذي يحبه، ولقد أحسن الشاب محمد الذي يدير المطعم بخدمتها وتوفير جو من الهدوء والسكينة لها
    وكان عليها تناول عدة فناجين من القهوة لتتغلب على آثار تلك الليلة البشعة التي قضتها في الفراش ما بين بكاء ورثاء لروحها الجريحة، وبين شعور مرير بالغضب والاشمئزاز من نفسها
    أدركت أن عليها أن تتمسك بما بقي لها، ولا تترك نفسها للانهيار او لموج الحيرة ليبتلعها
    لقد مرت بما هو أشد قسوة، وتغلبت عليه، عليها أن تستمر وتتمسك بهدفها للنهاية
    عليها أن تصبح طبيبة مهما حدث
    فليعد ناجي أو لا يعود، لن توقف حياتها لأجله أو لأجل أي كائن من كان، لقد فقدت أغلى من لديها، وناجي مهما كان لن يكون أغلى ممن ذهبوا ولن يعودوا
    لن تهتم لتهديدات يوسف ولا ألاعيبه القذرة، فهو لن يستطيع إليها سبيلا طالما كانت بين رجال لمعلم وتحت حمايتهم
    وإن كان ناجي قد ترك لها ثروة فلتستغل ما تحتاجه منها لحماية نفسها وتحقيق هدفها، وبيتر ما هو إلا محامي ناجي وعليه أن يثبت أنه أهل لثقته، ويعمل على حمايتها وخدمتها دون أن تسمح له بالأسئلة أو التنقيب في ماضيها
    بدأت تشعر ببعض الراحة وتسترخي في مقعدها وهي تشاهد زخات المطر من خلف زجاج النافذة الكبيرة ، لكن يبدو أن المشاكل تبحث عنها أينما تواجدت بمكان
    انتفضت من مكانها مذعورة على فرقعة رجت المكان رجا، وكل من في المطعم يصرخ ويجري بذعر، وقفت متجمدة من الذهول لكن الشاب محمد قفز إليها بسرعة وسحبها من يدها ليخرجها من المكان بسرعة وهو يصرخ : المطعم يحترق
    مرا من أمام الباب المؤدي لمطبخ المطعم ورأت النار مشتعلة بصورة مخيفة، فهتفت بخوف : أهناك أحد بالداخل ؟
    لم يرد، ووصل بها إلى الباب ودفعها دفعا للخارج، فصرخت وهي تهم بالعودة للداخل : والعاملين! يجب أن أساعدهم
    منعها الشاب محمد من الدخول وصرخ في وجهها : لا، عليك أن تبقي في مكان آمن
    وقفت في الخارج على الرصيف المقابل للمطعم تنظر لرجال لمعلم وهم يخرجون كل من في المطعم ويستدعون الدفاع المدني
    مشهد احتراق المطعم عاد بها الى الماضي
    أيام الحصار والقصف وهدم البيوت واحتراق المباني، الوجوم في ملامح أهل الأرض
    دموع الحسرة في عيون أصحاب المكان، فزع الأطفال وبكاء النساء
    الشعور الوحيد القائم والمستمر
    الشعور بالفقد
    فقد الأرواح، فقد الممتلكات، فقد الابناء، فقد الأرض
    فقد الوطن
    الضياع
    خرت جالسة فوق الرصيف بعد أن خارت قواها وعجزت عن التماسك
    كل المشاعر التى مرت بها في الماضي ترتد إليها الآن في أقسى صورها
    وقت أن كانت تعمل بالمستشفى الميداني كانت أكثر قوة وأكثر تماسكا، لم تكن لديها فرصة للتفكر في أي شيء، فقد كانت منشغلة بنقل الجرحى وتطبيبهم، كل همها هو كيفية الإبقاء على حياة انسان، أو التخفيف من ألمه
    دارت عيناها في المكان فوجدت بعض من العاملين في المطعم قد ناله بعض الحروق، أدركت أن سبيلها للعبور آمنة من ألمها الخاص، هو مساعدة الآخرين والتخفيف من آلامهم
    أرسلت من يحضر لها بعض المواد الطبية، ثم دارت على المصابين تتفقدهم وتفحص حروقهم واصاباتهم وتداوي من بحاجة لعلاج، وحمدت الله تعالى أن الأمر مر بسلام دون أن يفقد أحد حياته
    ثم وقفت تتحدث إلى الشاب محمد وتسأله عما حدث
    كان متأكدا أن الحريق بفعل فاعل وأن الأمر مدبر ومقصود
    ترى هل بيتر محق ! كان كلامه واضحا وهو يقول أن يوسف منير وكريستيان لن يتركوها
    لقد وصل الأمر إلى حد من الخطورة لا يمكن السكوت عنه، وبدا لها أن هؤلاء لا يتورعون عن فعل شيء للوصول لهدفهم، حتى لو ارتكبوا جرائم في سبيل ذلك

  8. #18

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,437
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة الخامسة عشر

    (١5)

    كانت تقف بين عمال المطعم تحادث الشاب محمد وتتفقد حجم الخسائر بعد أن قامت الشرطة بفحص المكان واجراء التحريات اللازمة
    اقتحم سعد المكان قادما عدوا من الخارج وعلى وجهه ذهول الصدمة
    أخذ يدور في المكان تتفقد عيناه بتحسر ذكرياته التي كانت حية أمام عينيه بالأمس القريب، والآن صارت رماد
    طفر الدمع من عينيه وهو يتمتم بعدم تصديق :مستحيل!
    كانت لين تتابعه ببصرها وقد انتقل إليها شعوره بالحسرة، فما كان يحكيه لها بالأمس وعيناه تحتضن بحنين موطن ذكرياته صار اليوم أطلال، كم من مرة عصرتها مشاعر الحسرة وهي تراقب ماضيها وذكرياتها تحترق وتصبح أثرا بعد عين وهي عاجزة بلا حيلة، ما أبشع أن تفقد ماضيك مرتين، مرة لأنه صار ماضي، ومرة باحتراق حتى ذكرياته
    أخذ سعد يدور في المكان كالمخبول، يتحسس الجدران والصور المعلقة التي صارت إطارات محترقة، وتناول منها واحدا، وأخذ يدور حول الأعمدة، يبحث عن أي ذكرى لازالت حية في المكان، ثم خر جالسا على درجات السلم القصير المؤدي لمطبخ المطعم يحاول أن يتمالك نفسه
    حل الصمت الحزين بالمكان، فلا أحد يجد ما يقوله وسعد يمسك بالإطار المحترق يقلبه بين يديه ودموع الحسرة متجمدة في عينيه :اللعنة على العنصرية البغيضة، الكراهية نار تأكل كل شيء جميل
    وكأننا لسنا أبناء لهذا البلد، ولا نحمل نفس الجنسية! لم يكرهوننا! إلى متى سنعاني من الغربة! كل هذا بسبب حثالة من النفوس المريضة تعجز عن تقبل الأخر فقط لأنه يختلف عنها في العقيدة
    وكأن كلماته كانت الجذوة التي أشعلت بداخلها النار الكامنة تحت الرماد
    ذلك الحقد الأسود الذي تفجر لمجرد أن طالب الشباب بالحرية، تلك الكراهية العمياء التي انبثقت من قلوب شوهتها الطائفية
    عادت بها الذكريات لتلك المعركة التي نزعت القناع عن وجه طائفي قبيح ليطل بكل شراسته
    معركة القصير
    كانت بداية للتدخل السافر لحزب الله اللبناني وقتاله جنبا إلى جنب مع نظام فقد أهليته وقاتل شعبه فجاسوا أرضا ليست أرضهم وقاتلوا لينتزعوا فتيل الطائفية ويحققوا مقولة النظام الفاسد التي اتضح أنها خطة لتشويه الثورة
    ونجح النظام أخيرا فيما كان يهدد به، ولو حتى بالتدخل الخارجي
    فقد حولها إلى حرب طائفية
    كان حزب الله اللبناني يقاتل بضراوة من أجل عدم اسقاط نظام يعتبره ظهيرا له في تحقيق مصالحه الخاصة في المنطقة،
    ومن أجل تلك المصالح دخل الأراضي السورية ، قتل أكثر من ألف انسان وجرح مثلهم
    (هدف النظام هو السيطرة على تلك البلدة الاستراتيجية وتحويلها لمعركة طائفية أمام العالم)
    كانت تلك كلمات خالد وهو يحكي لها بعد أن عاد مصابا من القصير، فقد كان يقاتل مع الشباب بعد أن انضم لكتائب الفاروق، ومعه العم طلال
    لكن خالد عاد وحيدا، ولم يعرف أي شيء عن مصير العم طلال
    عاد خالد بعد أن انسحب الجيش الحر من المدينة بعد ثمانية عشر يوما من المقاومة الباسلة، واستولى عليها جيش النظام وقوات حزب الله
    كانت الطائرات تدك كل شيء والمدافع والصواريخ تحصد الأرواح والبيوت، ثم يدخل جنود حزب الله برفقة جنود النظام ليستولوا على الأرض المحروقة
    على طول حرب النظام على الشعب لم تتغير تلك الاستراتيجية
    فما أسهل أن تدك المناطق العصية على الاقتحام بالطائرات والصواريخ لأيام، ليدخلها الجنود بعد أن أنهكت كما لو كانوا في نزهة
    خرج خالد من القصير مصابا، وخرج العم طلال بعده، لكنه خرج شهيدا على يد مليشيات حزب الله الطائفية
    العم طلال قاتل لآخر نفس دفاعا عن أرضه، لكن أحد الذين كانوا معه أخبرها أنه كان مصابا، لكن الميليشيات الطائفية أجهزوا عليه، كانت صدمتها كبيرة لموت العم طلال، سالت دموعها وهي تتذكر جسده المسجى على المحفة، بكته كما بكت أباها الراحل من سنوات عديدة، وطافت بخيالها صورة يزن وتخيلته وهو يبكي أباه بعد أن وصله الخبر في الخليج
    عادت لواقعها على صوت سعد وهو يصرخ :لماذا!
    والشاب محمد يهدئه، كان يبكي ويصرخ بحسرة وهو يقول :هل كتب علي أن أفقد كل شيء أحبه!عمر ومروان وناجي، والآن موطن الذكريات ولحظات الطفولة السعيدة!
    هل حكم على أن أفتقد لمعلم حيا وميتا وأفتقد حتى أثره وذكرياته!
    لماذا يا ناجي!لماذا؟ لماذا حكمت على أن أعامل معاملة الغريب، فلا أحمل نعش لمعلم ولا أدفنه ولا أودعه إلى مثواه الأخير!، فقط أصلي عليه صلاة الغائب كالغرباء!
    اقتربت منه لين وهو ينتحب ويمسح دمعه وسألته بوجل، وكأنها تشعر في قرارة نفسها أن الإجابة ستفتح لها بابا لحيرة جديدة ولمزيد من التساؤلات :ألم تشارك في مراسم دفن لمعلم!
    قال بحسرة :ولا أعرف حتى الأن أين قبره لأزوره
    - كيف لم تدر عن موت لمعلم!
    - أخرجه ناجي من المستشفى سرا ثم اختفى
    - وعندما عاد!
    - لم يكن في حالة تسمح لنا بسؤاله
    - ماذا تعني!
    - بعد أكثر من شهرين من البحث عنه وعن لمعلم، وجدت على هاتفي الجوال اتصال من رقم ناجي، اتجهت على الفور إلى بيته وكانت معي جانيت،
    - أصابتها قشعريرة باردة عند ذكر اسم جانيت، لكنها بقيت على صمتها تستمع له
    - اقتحمنا البيت عندما لم يستجب أحد لندائنا، ووجدناه مغشيا عليه في غرفة المعيشة في حالة يرثى لها، نقلناه إلى المستشفى، وكان التشخيص الطبي لحالته ضعف عام وسوء تغذية، مع انهيار عصبي
    - وماذا عن لمعلم!
    - عاد ناجي وحيدا ولم نعرف حتى الآن أين كان ولا ماذا حدث ، كل ما قاله لنا أن لمعلم مات، وعجزنا عن استنطاقه بأية تفاصيل أخرى
    - ولم تسأله بعدها!
    - لا، ولا أدري لم لم أسأله!ربما تقبلت الأمر كواقع لا أستطيع تغييره بعد أن فقدت لمعلم للأبد، أو هي تلك الفكرة التي سيطرت على رأسي وقتها وجعلتني أستنتج أن ناجي دفن جثة لمعلم في غزة
    - غزة!!!
    - نعم، كأي فلسطيني قديم يتمنى العودة لموطنه، فناجي قدم عرضا غنائيا في غزة من قبل، ورغب لمعلم في مرافقته ولكن حالته الصحية لم تكن تسمح
    - هل ذهب ناجي لغزة حقا!
    - ألم يخبرك بقصة الصورة المضيئة التي تحتل نصف جدار كامل في غرفة المعيشة!
    الحيرة التي ملأت عينيها جعلته يزفر بضيق ويقول بعجب : أحيانا أعجز عن فهم كيف يفكر ذلك الفتى
    قضيت أسبوعا أنا وهو في غزة، وهناك انضم إلينا مروان الذي قدم خصيصا من العراق ليلتقينا
    كان اللقاء رائعا وفريدا، أجرى الدموع من المآقي، ورد إلينا سيل الذكريات الغاليات، وتصالح مروان وناجي بعد سنوات من القطيعة
    قالت متسائلة : قطيعة!!
    رد بصوت متألم : نعم، فقد كان مروان ثائرا للغاية على ناجي بسبب انفصاله عن والده وتردي حاله، فقد أصبح شخصا آخر غير ناجي الذي نعرفه
    - مايتر جينا
    - نعم، أصبح مايتر جينا، لكننا لم نيأس، رغم صمت لمعلم وعدم قيامه بأي إجراء لاستعادة ناجي
    في مرة ذهب مروان إليه عند شانتال ليعيده، لكنه تشاجر معه شجارا عنيفا ورحل غاضبا عندما رفض ناجي العودة لأبيه
    كان لمعلم حزينا للغاية وصامتا، ينسحب من الحياة تدريجيا وتسوء حالته يوما بعد يوم، وكنا في عجب من أمره حتى علمنا ما يخفيه عنا، فقد كان السرطان ينهش جسده دون أن يبدى لأحد مدى ألمه ومعاناته، كان يتقبل دنو الموت باستسلام تام لا يسعى لعلاج، حتى سقط يوما بيننا ونقلناه للمستشفى
    كانت تلك الأيام صعبة للغاية، وشدد علينا ألا يعلم ناجي بخبر مرضه
    في هذا الوقت كان مروان يجهز أوراقه ويستعد لمغادرة فرنسا، لكنه أوقف كل شيء، ورافق لمعلم في رحلة مرضه وعلاجه، لكن ذلك لم يعوض لمعلم عن افتقاد ولده الحقيقي ولم يساعده على التحسن ولا التمسك بالحياة، بل كانت حالته تسوء
    فاضطر مروان للذهاب لناجي ثانية على مضض ليخبره أن لمعلم يحتضر، وبالفعل عاد ناجي لأبيه، وكان ذلك بمثابة عودة الروح لجسد لمعلم، فقد أظهر جسده التحسن والاستجابة السريعة للعلاج، وقضى بضعة سنوات أخرى متعايشا مع مرضه ينعم بصحبة ولده، حتى توفاه الله، ورغم أن ناجي غادر حياته السابقة بلا رجعة وقضى سنوات من حياته ملازما لوالده، يبذل جهده في خدمته وإسعاده في آخر أيامه، لكن هذا لم يشفع له عند مروان الذي قاطعه تماما ولم يترك مناسبة تجمعهما إلا واظهر له غضبه ونقمته مما فعله سابقا حتى سافر مروان بعد أن اطمأن على لمعلم
    قاطعت استرسال ذكرياته : أظن أن مروان محق، فما فعله ناجي لا يغفر بسهولة
    قال بضيق : لا أفهم لم يعقد البشر الحياة! لم لا يغفرون بسهولة! والده سامحه على الفور ، لكن مروان كان له وجهة نظر أخرى، فهو ناقم على اتجاه ناجي للغناء
    - ربما يكون في وجهة نظره وجاهة، فناجي خسر كثيرا باتجاهه للغناء
    - وكسب أيضا بعودته إليه
    - أخالفك الرأي في ذلك، كان عليه أن يترك الغناء ليرعى مصالح أبيه ويحمي إرثه، فما الفائدة التي ستعود عليه أو على الناس من الغناء
    - اممم، حسنا، هنا لهم وجهة نظر أخرى، فهم يفهمون جيدا تلك اللغة
    - أية لغة!
    - لغة الفن
    لوت شفتيها بعدم اقتناع، فأكمل : في الشرق ينظرون للفن على أنه ترفيه، شيء لا قيمة له سوى التسلية وبعض وقت من المتعة قد يعتبرها البعض لهوا لا قيمة له
    أما هنا، فيرون الفن تعبيرا عن الثقافة، الهوية، الأفكار، وأحيانا القيم
    - هل تريد إقناعي بأن مايتر جينا كان يغني تعبيرا عن ثقافة ما!
    - حتى هذا النوع من الغناء، أحيانا يعبر عن الرفض، الغضب، الثورة، التمرد
    - معذرة، لن نتفق في هذا الأمر، فلكل منا وجهة نظره
    (إن سمحت لي سيدتي)
    التفت الاثنان إلى الشاب محمد الذي يستأذن ليشارك في الحوار، فهزت رأسها بالموافقة، مما شجعه على التحدث : أعتبر نفسي واحدا من جيل كامل لم يعرف له وطنا إلا هذه الأرض، بذل أهلونا جهودا مضنية ليقنعونا بأنا عرب، لنا أرض ننتمي إليها ووطن يختلف عما اعتادت أعيننا رؤيته كل يوم، أحيانا تقتنع عقولنا بذلك، لكن مشاعرنا تأبى
    المرة الوحيدة التي استشعرت فيها بأن لي وطن بعيد، وهفا قلبي إليه، ودمعت عيناي شوقا إليه، عندما سمعت ناجي وهو يغني باللهجة المغربية
    تطلعت إليه بتعجب، فتبسم قائلا : ناجي يغني بكل اللهجات العربية، وأضيفي لهذا اللغة التركية والهندية والفرنسية والانجليزية
    قال سعد : لازلت غير مقتنعة! لكن كريستيان ويوسف منير وأمثالهما يدركون جيدا مدى خطورة اجتماع الجاليات الإسلامية على حفل يغني فيه ناجي
    فعندما كان لمعلم حيا، اقترحت على ناجي إقامة حفل غنائي بمناسبة يوم الأرض
    لكنه رفض رفضا قاطعا وأخبرني بأنه ترك الغناء للأبد
    لكن لمعلم أمره بإقامة الحفل، فقبل على مضض إكراما لوالده، لكنهم ما كانوا ليتركوا ابن عمر الكيلاني ليجمع الجاليات على مناسبة كيوم الأرض، فجاءت الشرطة قبل الحفل بدقائق وأغلقت المسرح الذي كانت دعوات الحضور فيه مباعة بالكاملة وقائمة الانتظار ممتلئة عن آخرها
    - أغلقوا المسرح!
    - نعم، فقد جاءتهم إخبارية كاذبة بأن هناك قنبلة داخل المسرح، وقف الجمهور الذي حضر من عدة محافظات أمام المسرح ضائقا متحسرا
    أما ناجي فقد ابتسم لي وقال برضا : أخبرتك من قبل أن الأفضل لي أن أتوقف عن الغناء
    ابتسم الشاب محمد وقال لسعد : أتذكر هذا اليوم جيدا، كنت في أشد حالات غيظك، لكن لمعلم أنقذك
    تبسم سعد ضاحكا وهو يستعيد ذكرى ذلك اليوم : ما كانت الحفل ليتم لولا فكرته الرائعة التي اقترحها علينا، وإني لأعجب حقا من تصاريف القدر، فلمعلم الذي قاطع ابنه لإصراره على الغناء في الشارع، طلب منه أن يغني في الحديقة التي أمام المسرح
    كانت الأعداد التي التفت حول ناجي ليلتها أكبر بكثير من الأعداد التي يمكن أن يستوعبها أي مسرح
    والمبلغ الذي جمعناه من تبرعات وثمن تذاكر وبيع للأشغال اليدوية والفنية والأعلام والكوفيات وغيرها أذهلنا جميعا
    حفلات ناجي الغنائية ليست للغناء وفقط، بل هي وسيلة رائعة لتجمع الجاليات الإسلامية بشكل آمن تماما، وجمع التبرعات لخدمة القضايا العربية دون ان يجرؤ أحد على إلصاق تهم كاذبة بالعرب أو وضعهم في دائرة الشك
    أما مروان فلم يدرك ما يفعله ناجي حتى اجتمعنا في غزة، وهناك عرفنا منه أن لمعلم هو من اتصل به وحرضه على الذهاب لغزة ليلتقي ناجي
    وما كان مروان ليرفض طلبا للمعلم
    قدم ناجي حفلا غنائيا وصور فيديو كليب عن غزة والحصار، واستعدنا أيام صداقتنا ورقصنا معا الدبكة،
    ثم أرسلت الصور للمعلم عبر البريد الالكتروني، وعندما عدت أنا وناجي فوجئنا بتلك الصورة التي في غرفة المعيشة، صنعها له لمعلم بإضاءة خاصة وعلقها في المكان الذي يجلس فيه دائما بعد أن أقعده المرض
    لقد كان فخور به للغاية، لن تتخيلي مدى حب ناجي لتلك الصورة، فقط لأنها هدية من والده
    عاد مروان للعراق، ومات لمعلم، واسترد ناجي عافيته، لكنه عجز عن أن يسترد روحه التي تاهت منه بفقده والده
    لقد انكسر ناجي
    أطرقت برأسها مفكرة، ومست كلمات سعد وجدانها وجعلتها تنظر لناجي نظرة مختلفة، لم يكن شابا مدللا تافها وزير نساء كما كانت تعتقد
    بل كان حزينا، وحيدا، مزق فقده لوالده روحه
    دمعت عيناها عندما تذكرت لحظات أمها الأخيرة وهي تحتضر بين ذراعيها، كم كان فقدها مؤلما
    كم عانت ولازالت تعاني من فقدها لأمها واشتياقها إليها
    أيقظها صوت سعد من الاستغراق في ذكرياتها :حفله الأخير لم يكن سوى رسائل حب لوالده ..
    ولك
    زلزلت الكلمة أعماقها واجتاحها ألم لم تستطع دفعه، رفعت وجهها نحو باب المطعم وفي روعها اشتعلت رغبة جامحة لرؤية ناجي يدخل إلى المكان ليهرع إليه الجميع ويلتفون حوله
    لكنه لم يكن ناجي الذي دخل إلى المكان، بل كان شخص آخر
    اقتحم بيتر المطعم في تلك اللحظة تحمله رياح غضب عاتية، وبمجرد أن رآها حتى صرخ في وجهها : أخبرتك أنهم لن يتركوك لا أنت ولا المطعم
    لقد حذرتك من قبل
    وقف سعد في وجهه وهتف قائلا : اهدأ بيتر، هي لم تفعل شيء
    هتف بغيظ : لقد حذرتها، وكان عليها مصارحتي بأي شيء يمثل لها تهديد أو لناجي
    أخبرها عما نلاقيه هنا في مجتمع عنصري بغيض، قل لها المخاطر التي تحيق بها وبناجي علها تصدقك فهي لا تثق بي
    فقدت القدرة على الصبر فصرخت بوجهه : أخبرتك من قبل ألا تصرخ بوجهي، لن أسمح لك..
    هتف بتوتر : لازلت عنيدة متعجرفة لا تدركين حجم الخطر المحيط بك، منذ أن تزوجك ولم تنصرف المشاكل عنا
    أصابتها الصدمة من أسلوبه الفظ وكلماته، وتسارعت أنفاسها واشتعل الغضب عارما في أعماقها، وأخذت ترميه بشذرات نظراتها وسعد يمسك به ويحاول تهدئته : هذا الكلام لن يجدي الآن، علينا أن نبدأ في أسرع وقت بإصلاح المكان وإعادته كما كان، وعليك تولي الشق القانوني، ومتابعة الأمر في تحريات الشرطة
    قال هازئا :الشرطة! أنت أكثر من يعلم أن الشرطة لن تستطيع أن تمسك بالفاعل
    رد بحزم : ورغم ذلك علينا أن نفعل ما بوسعنا
    تركهما وهو يلهث غيظا واتجه إلى المطبخ ليتفقد المكان
    التفت سعد إليها وقال : معذرة مدام لين، أرجو أن تتفهمي أن الصدمة تفوق احتمالنا جميعا
    يمكنك أن تعودي للبيت وتنالي قسط من الراحة، فسأبقى هنا ولن أسافر
    سأباشر المطعم وسأعمل جاهدا على أن يعود كما كان في أسرع وقت
    ألقت له بنظرة امتنان وتمتمت ببعض كلمات الشكر، فقال : الأمر لا يستدعي أي شكر، فهذا واجبي نحو لمعلم وناجي والمكان الذي نشأت فيه
    هزت رأسها وهمت بالرحيل، فاستوقفها قائلا وهو يخرج من جيبه فلاشة كمبيوتر : مدام لين، ستجدين هنا كل ما يتعلق برحلتنا إلى غزة، وبعض الفيديو كليبات التي صورها ناجي قبل موت لمعلم، وأيضا حفله الأخير كاملا
    أخذت منه الفلاشة شاكرة وقبل أن تخرج من المطعم وجدت أمينة أمامها
    اندفعت إلى أحضانها تبكي وتنتحب دون كلمة، كم كانت في أشد الاحتياج لصديقتها الوحيدة
    ................................................................
    (لين)
    سمعت صوته الحنون الهامس في أذنها، أرادت أن تفتح عينيها، فشعرت بالخوف ألا تراه، عقلها يدرك تماما أنه حلم وأن ناجي لم يعد، لكنها أبقت عينيها مغمضة علها تحتفظ بذلك الشعور بوجوده الى جوارها ولو في الحلم
    لم تشأ أن تحرم من ذلك الدفء الذي يغمرها عندما يهمس في أذنها :لا شيء يضاهي ذلك الشعور لدي عندما أستمع لدقات قلبك، هي عندي أجمل من كل أغنيات العالم
    قبل أن أجدك كنت ضائعا في دروب الحياة، يتفطر قلبي ألما وتهيم روحي بحثا عمن يداوي جراحاتها، ليتني أسكن قلبك أأتنس بدقاته وأرتوي من حنانه
    أدعو الله ليل نهار أن يكون لي طفل له جمال عينيك، أغدق القبلات على أقدامه الصغيرة وأنامله الدقيقة، لن أفترق عنه لحظة، سأحمله معي أينما كنت، ليتبقى لي قطعة منك تملأ قلبي بالسعادة وتهدئ من لوعة اشتياقي لك كلما ابتعدت عن ناظري
    تمنت لو تبقى داخل الحلم، لكن شعورا بالغثيان هاجمها وأجبرها على النهوض من الفراش رغما عنها
    كانت تلهث بعنف وتحاول جاهدة منع نفسها من القيء، وبمجرد أن وصلت إلى الحمام تقيأت عدة مرات، وعندما غسلت وجهها أخذت تنظر في المرآة وهالها ذلك الشحوب والهالات السوداء تحت عينيها
    هل حقا كان حلما، أم أن ناجي ترك كلماته في ركن ما من ذاكرتها لتخرج وقت الحاجة!
    متى سمعت منه تلك الكلمات؟
    ارتجفت ندما، واجتاحتها رغبة عارمة للبكاء، منذ متى وهي تمنحه آذانا مصغية!
    هل كان يتحدث إليها دون أن تسمعه؟ أم أنها كانت نائمة وقت أن كان يبوح لها بحبه وأمنياته!
    أمنياته!!
    هل تحققت حقا!
    اتسعت عينيها دهشة، وتسارعت دقات قلبها، ثم انطلقت من فورها إلى الصيدلية لتشتري جهاز اختبار الحمل المنزلى، وحرصت ألا تثير انتباه الحاجة سعاد
    وعندما عادت توارت خلف باب الحمام ، كان عليها أن تتأكد من حدسها
    أو حدسه
    عليها الانتظار اكثر من خمس دقائق لتعرف النتيجة، وعقلها يطحن الأفكار والذكريات ولا يهدأ
    ظهر الخط الوردي الاول، وانتظرت ظهور الثاني
    لكنه لم يظهر
    ظلت متجمدة أمام الجهاز لبضع دقائق، ثم ألقت به أرضا وانهالت عليه تدهسه بأقدامها والغضب يلتهم روحها، ثم خرت جالسة على الأرض وانفجرت في البكاء
    هي تعلم أنه ليس هنا ليدق عليها الباب ويخرجها رغما عنها من أحزانها
    لذا كان عليها أن تستعين بأمينة التي لم تخذلها أبدا، فلو بقيت وحيدة لأصابها الجنون
    ونجحت أمينة في إقناعها بالخروج من البيت والذهاب لأحد مراكز التسوق الشهيرة
    كانت أمينة صديقة حقيقية، تتواجد دائما وقت الحاجة، ولم تتردد لحظة في الذهاب إلى لين بعد أن أخبرهم أحمد بأن الفيديو الذي تم تصويره لها تم تحت التهديد
    وفي محل شهير متخصص في تقديم القهوة، جلستا في أحد الأركان، وألقت لين بأثقالها إليها وهي تسترخي في مقعدها وتسند رأسها إليه وتتناول قهوتها الداكنة علها تهدئ قليلا من ألم رأسها
    (سأعيد الإختبار ثانية)
    نظرت لها أمينة باشفاق وقالت بتعاطف :عزيزتي لين، تعلمين أن هذا لن يفيدك بشيء، كفي استنزافا لروحك
    عليك أن تنتظري عودته
    تقطب جبينها وارتعش صوتها :عودته!
    أتصدقين أنه سيعود حقا!
    - نعم أصدق، ما كان ليترك حب حياته ويرحل
    - هراء
    - عندما طلب مني التدخل لاقناعك بتحقيق أمنيته بالزواج منك، وقتها كنت أظن أن زواجك من شاب عربي فرنسي مغرم بك سيحل كل مشكلاتك ويحقق أحلامك، ولم أتوقع أبدا أنك ستحبينه إلى هذه الدرجة
    -أحبه! أحب رجلا تركني ورحل دون كلمة واحدة!
    ولى ولم يعقب وتركني كالمعلقة!
    - سيعود، أنا واثقة بأنه سيعود فهو يحبك حبا جما، فقط عليك الانتباه لدراستك، فمستواك ينخفض بشكل مقلق وتتغيبين عن الجامعة مرات
    - أتظني أن الأمر سهل! لقد قضيت ليلة بشعة، وأنا أقلب في فيديوهاته وأغنياته التي غناها في غزة، وحفله الأخير
    الآن فقط أستطيع أن أتفهم ما صار إليه حال أمل
    لم يعد الصداع يفارق رأسي مهما تناولت من دواء أو قهوة، ناهيك عن الدوار الذي أصبح زائرا مستديما، لا أستطيع التركيز في الدروس وصوت دندنته لا يفارق أذني، وأحيانا يعلو ويشتد حتى يطغى على أي صوت آخر
    أنظر إلى الهاتف بتوجس في انتظار أن يأتيني خبر من الشرطة بأنهم وجدوا جثة أخرى ويريدوني أن أتعرف عليها
    - اهدئي يا عزيزتي ستتحطم اعصابك
    - أولم يحدث بعد! حسنا لازلت في الانتظار
    اسندت ظهرها للمقعد وأغمضت عينيها حتى تمسكهما عن سكب الدموع وحارت أمينة ماذا تقول لها، وأي كلمة يمكن أن تهدئ من روعها
    كيف تتخلص من تلك السيطرة الطاغية لصوت دندناته على أذنيها، إنها تسمعه في كل مكان حتى هنا، هل فقدت عقلها؟
    ربما جنت
    فتحت عينيها وأدركت أن ما تسمعه ليس فقط في عقلها
    لم تكن دندنات ناجي التي اعتادتها، بل صوت موسيقى يأتي من أحد الطاولات خلفها
    نظرت إليها أمينة وتعجبت من ملامح وجهها المتحفزة، فسألتها :ماذا حدث
    قالت وأذنها تبحث عن مصدر الصوت :ذاك اللحن كان ناجي يدندنه دوما
    صمتت أمينة لحظة تصغي للصوت :أظنها أغنية شهيرة ل..
    تركتها لين واتجهت مسرعة إلى الطاولة التي تجلس إليها أسرة عربية، وسألتهم مباشرة ودون تردد :عفوا، هل لى أن أعرف أي أغنية تلك على هاتفكم الجوال
    نظر إليها الرجل بتعجب وقال :عجبا، وهل هنا عربي لا يعرف أغاني فيروز
    ........................................................
    عادت مسرعة إلى البيت ونسيت حتى أن تودع أمينة التي تفهمت تقلباتها وتعاطفت مع حالتها النفسية السيئة، وبمجرد أن دخلت حتى اتجهت إلى الغرفة التي تستذكر فيها دروسها وفتحت الكمبيوتر المحمول، وبحثت بسرعة عن أغنية فيروز التي أخبرها باسمها الرجل في محل القهوة، وعندما وجدتها فتحت الفيديو وبدأت تسمعها وتتابع كلماتها وصوت ناجي ودندناته في أذنيها يغالب صوت فيروز ويغلبه :
    نسم علينا الهوا من مفرق الوادي
    يا هوا دخل الهوا خدني على بلادي
    يا هوا يا هوا يللي طاير بالهوا
    في منتورة طاقة وصورة
    خدني لعندن يا هوا
    فزعانة يا قلبي
    أكبر بهالغربة
    ما تعرفني بلادي
    خدني على بلادي
    دندناته تتردد بصوت خافت بالكاد يصل لمن حوله، لكن الكلمات يقرع صداها عقله وترده إلى أيام خلت كان فيها صبيا يحتضن خصر عمر الكيلاني الذي التف ذراعه حول كتفه على قصر قامته ليرقصا معا الدبكة ويردد عمر الكيلاني دون كلل (خدني على بلادي)
    تهتز الحافلة التي تقله فيهتز معها المقعد وزجاج النافذة الذي يسند إليه رأسه ليفتح عيناه وهو لايزال يدندن بالاغنية ووجه لمعلم يستولى على ذكرياته، نظر الى قطرات المطر التي تجمعت على النافذه وابتسم، ثم أحكم قلنسوته الصوفية حول رأسه لتغطي أذنيه وصوت لمعلم يتردد في رأسه : غط أذنيك جيدا ولا تنسى القفازات فالأطراف موصل جيد للبرودة
    تداعت الذكريات الجميلة تترى لرأسه حيث كان الثعالب الثلاثة يجوبون الشوارع والجسور على دراجاتهم تحت رذاذ المطر وهم على أبواب الفتوة، كم كان طعم المثلجات رائعا في يوم شتاء بارد لا يعجل بذوبانها، تنهد عندما تذكر غضب مروان وضيقه وهو يحاول أن يمنعه من الغناء والرقص على الجسر، لكنه لم يبالي وتراجع مروان عندما تجمع الناس والتفوا حوله يشاهدونه ويصفقون له، لكنه تجمد عندما وجد نفسه وجها لوجه أمام لمعلم
    رحل الفتيان وقلوبهما يغشاها التوجس مما سيفعله لمعلم بابنه! ربما علقة ساخنة أو صفعة قوية يتورم لها وجهه، فقد سحبه من بينهما وتجاهل توسلاتهما بألا يعاقبه وعاد به الى المطعم
    ابتسم ناجي وهو يتذكر نظراتهما المودعة، فلم يدركا بعد أن لمعلم لم ولن يمد إليه يدا بسوء أبدا
    بقي ناجي جالسا في ركنه البعيد المفضل يراقب لمعلم وهو يمارس عمله المعتاد في المطعم، حتى انتهاء الدوام
    وأخيرا أتى وجلس قبالته، انتظر ناجي قليلا عله يبدأ الحديث، لكنه لم يتكلم، فبادر هو قائلا :لا أفهم ما الذي فعلته ليستجلب الغضب!
    رد لمعلم بهدوء :أحقا لا تعلم! ما الذي يجعلك ترقص على الجسر؟
    - لقد كنت أحاول مساعدة أحد الشحاذين، كان يغني ويعزف على الجيتار جاهدا عله ينل بضعة فرنكات، ففكرت ربما لو صرنا اثنين لانتبه له الناس ومنحوه القليل من مالهم
    - وهل كانت الفكرة ناجحة!
    - ألم تر كيف تجمع الناس حولنا وأخذوا يصفقون ويلقون إليه بالبنسات! لقد امتلأت جيوبه
    لم يمنع لمعلم شبح ابتسامة أخذت تحوم حول شفتيه، ولانت ملامحه وهو يحاور ذلك الفتى العنيد :حسنا، انت أردت مساعدته، وهناك ألف طريقة أفضل، قد تمنحه بعض الفرنكات، أو مثلا وجبة من مطعم ناجي ستكون بالتأكيد أكثر مما يجمعه من مال في عدة أيام
    - ليس هذا هو ما علمتنيه!لقد علمتني أن مساعدة الناس بأن نسهل عليهم طريق العمل والكد لا أن نساعدهم على التسول
    - هذا صحيح، ربما يجدر بك أن تدعوه لغسل الصحون في المطعم أو تنظيف المكان لبعض الوقت ليأخذ أجرا على عمل يعمله بجد
    - وما العيب في عمله الآن!
    - وما هو عمله!العزف والغناء في الطرقات وعلى الجسور!
    - أليس هذا أفضل من أن يتجه للسرقة!
    - ليس هذا موضع نقاشنا، إن ما أغضبني هو ما فعلته أنت لا ما فعله هو
    - وما الخطأ فيما فعلت!الغناء والرقص في هذه البلاد عمل قانوني ولا ينتقده الناس
    - ما يناسب الناس هنا لا يناسبنا!ثقافتهم تختلف عن ثقافتنا، أغنياتهم تحمل الكثير من المعاني التي لا نقبلها في ديننا
    - ولكننا مواطنين هنا، ونخضع لنفس القانون ولنا نفس الحقوق!
    - وأيضا نحن عرب مسلمون لنا ديننا وتقاليدنا
    - وان كنا عرب، فلم لا نعود لبلادنا!
    صمت لمعلم واختفى بريق عينيه وكأنما صارت بلا حياة، فأكمل ناجي بغيظ :أرأيت، لسنا عرب، وليس لنا وطن لنعود إليه، حياتنا هنا في فرنسا، أوراق هويتنا، العمل ، المدرسة، الأصدقاء، حتى لو فكرنا بالانتقال لبلد آخر لن نستطيع
    علينا أن نألف حياتنا هنا ونعيش كما يعيش أهل هذه البلاد، فهي موطننا الآن
    قست ملامح عمر الكيلاني واحتدت نظراته وقال بصوت عميق :وطنك هو أن تكون أنت أينما كنت
    لا ما يريدونك أن تكون عليه
    أنت بالفعل تعيش في بلد ديمقراطي حر، لا يجبرك على التخلى عن هويتك والتظاهر بأنك شخص آخر ليس أنت
    تساءل ناجي بوجل :وماذا لو فعلوا يوما!
    قال عمر بلا مواربة :سنترك البلد على الفور، فما قيمة أن تحيا في وطن يقطع لسانك ويسلبك هويتك ويسحق أدميتك
    توقفت الحافلة لتوقظه من ذكرياته، فأخذ يتطلع نحو السائق الذي نهض من مكانه والتفت للركاب قائلا، ستغادرون الحافلة وتعبرون الحدود سيرا على الأقدام، وعند نجاحكم في الوصول بسلام، ستجدون هناك حافلات تنتظركم لتكملوا بها رحلتكم
    غادر ناجي الحافلة ليلفحه الهواء البارد في وجهه محملا برذاذ المطر، فأحكم كوفيته الصوفية حول عنقه وحمل حقيبته على ظهره ووضع كفيه في جيب سترته وسار باتجاه الشريط الحدودي وصوت عمر الكيلاني في أذنيه :فلتحمل هويتك ووطنك في قلبك أينما ارتحلت، ولا تسمح لروحك أن تذوب في فضلات حضارات الآخرين
    ....................................................................
    كانت تشاهد أحد فيديوهاته، وعقلها يهيم في كل واد ويجتر كل الأحداث التي مرت بها والشخصيات التي التقتها، حتى توقف عند يوسف منير، ترى ما الذي يريده منها؟ وكيف عرف بأمر جواز سفرها
    وما صدمها حقا أن ناجي كان يعرف، ترى هل عرف عن طريق يوسف منير!
    كان عليها أن تقطع الشك باليقين فاتصلت ببيتر وبمجرد أن رد حتى سألته مباشرة : ما علاقة ناجي بيوسف منير؟
    صمت لحظة ثم أجاب : ليس هناك علاقة
    - اذا من أخبر ناجي بأمر جواز سفري إن لم يكن يوسف منير
    - وما أدراني!
    - ومن يعرف إذا! هل أذهب ليوسف منير وأسأله!
    - إياك أن تفعلي شيء كهذا، فأنت لا تعرفينه مثلي فهو ثعبان
    اتسعت عيناها بفهم وطرقت رأسها فكرة أزعجتها، فهتفت بغضب : انه أنت! أنت من عرفت ناجي بيوسف منير
    صمته أكد لها صحة فكرتها، فصرخت فيه : أنت هو سبب كل ما يحدث، أخبرني الآن كيف وصل جواز سفري لناجي
    هتف : لا علم لي، كل ما أعلمه هو أن ناجي يتصل من وقت لآخر بمنظمات الإغاثة التي تقوم بتوصيل التبرعات والمعونات للاجئين
    صمتت تماما، وأخذ عقلها يطحن الأفكار ويبحث عن الخيوط ويربط بين المواقف، وأدركت أن عليها أن تتصل بالطبيب الذي التقته في المخيم ونصحها بالقدوم إلى هنا، والالتحاق بالجامعة، وظنت لوقت طويل أنه هو كافلها في الجامعة
    اتصلت على هاتفه الدولي، وكان حظها حسنا أن وجدته، فقلما يتواجد في فرنسا بسبب انشغاله بالجمعيات الاغاثية والسفر للبلاد المنكوبة
    - مرحبا د. جورج
    - مرحبا، كيف أخدمك
    تنحنحت بحرج، ثم قالت : أنا لين، كنت إحدى مساعديك في مخيم اللاجئين ونصحتني بـ ..
    هتف بصوت فرح بمجرد أن تذكرها : مرحى، كم أنا سعيد لسماع صوتك
    كيف حالك أيتها السندريلا؟
    ابتلعت ريقها وصمتت برهة، فما توقعت أن يكون متباسطا معها إلى هذه الدرجة، لكنه أكمل بصوت مرح : كنت أتمنى أن ألبي دعوة ناجي لحضور حفل زفافكما، لكنني كنت خارج البلاد فاعتذرت منه
    سقطت كلماته على رأسها كالحمم، من هذا الشخص الذي يتحدث عنه
    أهو حقا زوجها!
    هتفت بتوتر وأنفاسها تتلاحق : د. جورج، هل تعرف ناجي؟
    قال ولازال صوته يمتلئ بالمرح : بالتأكيد، أولم يخبرك بالرحلة التي قطعناها معا!
    تجهم وجهها بشدة واعتصرت قبضتها الهاتف والدماء تتصاعد لرأسها : لم يخبرني بشيء
    صمت لحظة ، ثم قال بلهجة جادة : ولا بقصة الحذاء!
    تمتمت بدهشة : حذاء!
    قال : لقد جاب العالم بحثا عنك ولم يجدك، وعاد يائسا كسير القلب يحمل معه جواز سفرك وحذائك
    كنت أقول له دوما أنه سيجدك يوما ما
    ولكم كانت سعادتي عظيمة عندما اتصل بي ليبلغني بأنه وجد السندريلا صاحبة الحذاء أخيرا
    أغلقت الهاتف دون أن تعقب وقد بلغ التوتر منها مبلغا عظيما، وانطلقت تجري إلى غرفة نومها، ولم تبالي بالحاجة سعاد التي اصطدمت بها في طريقها
    توجهت الى خزانة ملابس ناجي وأخذت تفرغ ما فيها بعصبية والغضب يلتهم أعصابها، حتى وقفت أمام حقيبة ظهر رمادية تبدو منتفخة، فأخرجتها من مكانها وفتحتها، وبمجرد أن رأت ما فيها حتى خرت جالسة على الأرض وغرقت في بحر من الحيرة والتساؤلات، والدموع تسيل على وجنتيها
    أدركت أخيرا صدق كل كلمة نطق بها د. جورج
    فقد كان حذاءها الشتوي ذو الرقبة العالية مختبئا داخل حقيبة الظهر القابعة في خزانة ناجي
    .................................................

  9. #19

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,437
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة السادسة عشر
    (16)
    لم تكن تتخيل أنها ستعايش ذاك الألم وتكابده مجددا
    تجتره كالعلقم في صورة ذكريات تداعت طواعية لرأسها بمجرد أن سعت بنفسها الى لقاء عاجل مع د. جورج، بعد أن اكتشفت أن د. جورج هو أحد حلقات الوصل الخفية التي تربطها بناجي
    فقد أدركت أخيرا أن ناجي بالفعل يعرف عنها الكثير كما أخبرها في كلمات عابرة عندما كانا يقضيان إجازة سريعة في الريف
    ولكن..
    هل حقا يعرف عنها أكثر مما تعرفه هي عن نفسها!
    قضت الليل تتقلب في فراشها تجتر أحزان مضت ومشاعر مروعة مرت بها يوما وحاولت جاهدة أن تتناساها، لكن مكالمتها مع د. جورج فجرت بركان الحزن الخامد، وأشعلت جذوة الألم من تحت الرماد لتستحيل لهبا موجع
    ترقرق الدمع في عينيها عندما تذكرت أمها ولحظات وفاتها التي تمنت كثيرا أن تمحو ألمها من ذاكرتها
    وعادت الأحداث الأليمة حية متأججة كما لو كانت بالأمس
    اشتد المرض على أمها حسرة على ما وصل إليه حالهما بعد أن انفض الجميع من حولهما، وعاشتا في المخيم كاثنتين من الأيامى تكابدان ويلات الحياة بلا سند أو ظهر يحميهما
    كان أكثر ما يؤرق روحها ويخيف قلبها هو أن يأتي يوم ولا تجد أمها دواءها
    وسرعان ما أتى ذلك اليوم كما توقعت، فمع وجود إياد كطبيب عامل في المركز الطبي للمخيم، كان لابد للدواء أن يستنزف، فقد صار خبيرا بالتمرس في اختلاس الأدوية والعقاقير الطبية المخصصة للاجئين وبيعها لجمعيات وهمية تدخل المخيم متلبسة ثوب مساعدة اللاجئين
    كان لديه من الحيل الشيطانية الكثير ، تزوير في أعداد المرضى في الدفاتر يجعله يحصل على أعداد زائدة من أدوية معينة يتكسب من بيعها لمن لا يستحق
    كم من مريض منحه تشخيص خاطئ لمرضه واستبدل مرضه باسم مرض آخر، وكم من مريض أحال حياته جحيما عندما كتب عنه تقرير مزور باشتباه في الايدز، أو الكبد الوبائي
    بالإضافة لما كان يدور حوله من شبهة تورطه مع عصابات الاتجار بالأعضاء، مما يجعله وسيطا بين المستشفيات القائمة على عمليات نقل الأعضاء وشباب من المخيم يقوم بإقناعهم ببيع أعضائهم في مقابل مبلغ مالي قل أو كثر حسب التفاوض، ليخرج هو بمكسب الوسيط من تلك المقايضات القذرة التي تعتمد على استغلال حاجة اللاجئين للمال
    لم يكن إياد وسيطا فقط في عمليات نقل الأعضاء، بل كانت تسمع من بعض الأمهات أنه توسط لبناتهن بزيجات مشبوهة، وليس هذا فحسب، بل يقال أن له علاقات مع شبكات دعارة يقوم لها بدور قواد يستقطب الفتيات الصغيرات اللاتي فقدن كل شيء
    كان إياد يمارس جريمة منظمة في المخيم دون أن يستطع أحد التدخل أو حتى الشكوى
    فيوم بعد يوم كان يجمع حوله الشبيحة والعاطلين ويمنحهم المال ليقوموا على حمايته حتى صاروا عصابة تنكل بأي أحد يحاول أن يوقف جرائمه
    واضطرت لين أن تحتمي بالصمت خوفا من الشبيحة والبلطجية بعد أن رأت بعينيها ما يحدث من تنكيل وإرهاب لكل من يحاول التدخل
    لكن أمام مرض أمها وحاجتها للدواء لم يعد السكوت ممكنا
    كان عليها أن تواجهه وحدها، ورغم أنه هددها لكنها لم تخف، بل رفضت التراجع حتى أخذت منه كمية من الدواء الذي كان يدعي نفاده، بعد أن هددته أنها ستبلغ المنظمات العالمية عن جرائمه
    لكنها لم تكن تعتقد أن وحشيته يمكن أن تبلغ هذه الدرجة
    كانت تتوجس منه وتتوقع دائما الخطر، ولا تدرى كيف تتصدى له
    فما من أحد يساعدها سوى الشيخ أحمد، ذلك الرجل الفاضل الخير، هو عضو نشط لإحدى الجمعيات الخيرية اللبنانية التي تعمل على مساعدة أهل المخيم، وهو من ساعدها على تقديم أوراقها إلى السفارة الفرنسية طلبا للالتحاق بدراسة الطب في فرنسا كما نصحها د. جورج
    وكم من مرة شكت له أفعال إياد وحكت له عن سرقاته، وجرائمه
    لكنه لم يستطع أن يتخذ موقفا صارما خشية أن يتهور إياد ويؤذي لين
    وقد كان..
    فبينما هي تجلس في المركز الطبي ليلا حيث خفت الأقدام عن المركز وأوي الجميع إلى خيامهم، شعرت بحركات مريبة، وأفعال غريبة، وبدا لها أنها حوصرت داخل المركز من قبل شبيحة إياد، ولم تجد بدا من الاتصال بالشيخ أحمد عندما استشعرت الخطر الداهم يقترب منها، مرت عليها الدقائق كعاصفة من الخوف هبت فزلزلت أركانها، وفضلت أن تحتمي بالغرفة المجاورة لباب المركز، فقد هيء لها أنها قد تطلق صرخة استغاثة قد يسمعها أحد فيأتي لنجدتها
    شل الرعب أطرافها وأغرق العرق جسدها وهي تسمع صوت أقدامهم أمام الباب، ولم يطل بها الوقت حتى اقتحم الشبيحة يتزعمهم إياد الغرفة، فلم يكن بابها عصيا على الكسر
    صرخت صرخة مدوية فانقضوا عليها، وعندما حاولت الهرب جذبها أحدهم وطرحها على الفراش الطبي الأسود وثبت يديها فوق رأسها فشل حركتها، وكمم إياد فمها براحة يده كي لا تصرخ, وهمس في أذنها بشراسة : ما كنت لتبتعدي كثيرا، فلو ذهبت إلى آخر الأرض للحقنا بك
    أنت في قبضتنا مهما حاولت الهروب
    أخذت تنتفض كفرخ ذبيح عندما شرع إياد في نزع ملابسها بعنف، وتمنت الموت في تلك اللحظة وهي تتخيل مصيرها المرعب
    لكن الشيخ محمد اقتحم المركز بمساعدة مجموعة من أهالي المخيم وأنقذوها من بين أيديهم
    كانت تلك الليلة الرهيبة هي القاصمة لإياد ولها
    فقد طرد من المركز الطبي، وغادر المخيم إلى غير رجعة بعد أن أبلغ الشيخ أحمد المنظمات والدوائر الأمنية
    ودخلت أمها في غيبوبة بعد أن عجزت عن أن تتحمل خبر ما حدث، أو أن تلوك بضع نساء من المخيم سيرة ابنتها التي خرجت من المركز الطبي ليلا ممزقة الملابس، ولم يطل بها الأمر حتى صعدت روحها إلى بارئها
    (لم أندم على شيء في حياتي قدر ندمي على رحيلي عن المخيم بعد وفاة والدتك)
    هكذا بدأ د. جورج حديثه معها وهو يتأمل بإشفاق وجهها الناحل الحزين وعلامات الإرهاق البالغ والسهاد التي ارتسمت عليه بوضوح في ملامحها، ثم أخذ يسرد على مسامعها لقائه الأول مع ناجي
    ذاك الشاب الذي أتى من قارة أخرى وجاب المخيم بحثا عن فتاة غادرت قبل وصوله بأيام قليلة
    - لو كنت انتظرت بضعة أيام فقط في المخيم لكنت التقيت به، لقد سأل عنك إدارة المخيم فأعطوه رقم جوالي الدولي، فاتصل بي على الفور، كنت وقتها في الطريق عائدا من تركيا إلى لبنان، وعندما وصلت المخيم استقبلني بلهفة وقد طالت عليه ساعات الانتظار، أخبرني بأنه قريب لك، وقتها شعرت بأنني قد أذنبت في حقك، فعلى الأقل كان على الانتظار لأعرف ماذا ستفعلين وإلى أين ستذهبين
    قاطعته بتنهيدة أسى، وابتلعت دموعها قبل أن تقول : كنت مضطرا للتوجه لتركيا لاستقبال قافلة المساعدات
    قال : لو لم يكن لديك اختبار في السفارة لكنت اصطحبتك معي
    سألته بتردد : هل عرف ناجي بما حدث في المخيم!
    بدت لها مدى سخافة السؤال عندما قال ببساطة : نعم
    تقوس فمها من الضيق، فعاد للحكاية : عندما فقدنا أثرك لجأنا للشيخ أحمد، فهو بالتأكيد الشخص الوحيد الذي يمكن أن تثقي به، بمجرد أن عرفه ناجي بنفسه حتى أصابه الارتياب وأخذ يستجوبه، فقد أدرك الشيخ ما لم أنتبه له، فكيف لفلسطيني أن يدعي قرابتك
    تنبهت حواسها وسألته : وبماذا رد؟
    قال : بدا مرتبكا مترددا أمام سيل الأسئلة التي حاصره بها الشيخ أحمد، فالشيخ كان قلقا من أن يسعى خلفك لإيذائك أو استغلالك، وتأخرنا لبعض الوقت حتى أجرى الشيخ اتصالاته وتأكد من أن ناجي هو ابن لرجل اشتهر في فرنسا بالسمعة الطيبة ومساعدة العرب، فأخبرنا أنك ركبت مركبا إلى تركيا
    شرد عقلها إلى تلك الأيام التي تموج بالألم، وتذكرت كيف ساعدها الشيخ أحمد على بيع الحلي الذهبية التي ورثتها عن أمها الراحلة لتضمها إلى المال الذي ادخرته أمها طوال عمرها وخرجت به من حمص، واستطاعت أن تدبر المال اللازم لرحلتها لأوروبا، وقضت مع أسرته في بيروت عدة أيام حتى أنهت اختبارات السفارة واطمأن الشيخ أحمد إلى أنها درست طريق رحلتها جيدا وتجهزت بكل ما تحتاجه، فقد كانت تتابع صفحات المهاجرين الذين سبقوها إلى أوروبا وحكوا تجاربهم على الفيس بوك والمواقع واستفادت من خبراتهم وحفظت تحذيراتهم، وخبرت كل الطرق التي تحدثوا عنها وتجهزت بكل ما نوهوا عنه
    واحتفظت في عقلها بأصغر معلومة قد تحتاجها في رحلتها، ثم ركبت من ميناء طرابلس مركب متجه إلى ميناء مرسين بتركيا، تصحبها كل الدعوات الطيبة من الشيخ أحمد
    كانت تلك هي المرة الأولى التي تخرج فيها إلى العالم الواسع الغريب وحيدة بلا سند
    لم تكن فقط فكرة مخيفة، بل مرعبة
    كما لو كانت جنين يخرج لدنيا لا يعرفها عبر مخاض عسير قاسي
    تأملت في وجوه العرب الذين يشاركونها رحلتها فزادت وحشتها
    ملامح يعلوها الألم والخوف من مصير مجهول
    الكل صامت لا يتكلم، ولا يقترب من رفيق رحلته وكأنما يخشى أن يسمع صوت الألم والخوف القابع في أعماقه
    القاسم المشترك بين الجميع هو الغربة
    غربة الجسد والروح
    نظرت إلى شواطئ لبنان، آخر شيء عربي مألوف لديها، وها هي ترحل عنه مضطرة لتقطع رحلة في طريق مجهول إلى عالم آخر لا شيء فيه مألوف
    انتزع آخر ما لديها من شعور بالأمن ليحل محله الخوف والحذر من كل شيء،لم تعد ترى من العالم سوى البحر والسماء، فخرت جالسة وضمت ركبتيها إلى صدرها وأخفت وجهها بينهما وانخرطت في بكاء طويل وهي ترتجف من البرد والوحدة لساعات طويلة
    وعندما ظهرت الشواطئ التركية في الأفق، أدركت أن لا عودة على المدى القريب، كان عليها التماسك والتظاهر بشجاعة لا تجد لها أثرا في نفسها لتكمل طريقها الذي عزمت عليه، فقد أقسمت أن تصبح طبيبة
    ............................................
    كان يجلس على سطح المركب يراقب الأمواج المتتابعة مخلفة على سطح الماء زبدا أبيض سرعان ما يتبدد ليولد غيره
    كان البرد فوق السطح قارسا ينخر العظام، ولولا سترة المطر الثقيلة المبطنة التي تكسو جسده لما تحمل البرودة
    ابتسم لطيف داعب ذاكرته، لتلك الصورة المحببة التي يحملها دائما في قلبه، ولكن سرعان ما داهمه الألم عندما تذكر رحلة معاناتها القاسية
    تلك الرحلة التي تركت بداخله شعور دائم بالذنب وألم يغزو ذاكرته كلما عادت به إلى تلك الأيام الموغلة في القسوة
    بين السماء والماء لا يجد ما يسلي وحدته سوى ذكرياته وإن كانت مؤلمة
    استسلم لها وهي تجرفه بعيدا
    أبعد من شهور مضت
    عندما وصل المخيم بعد رحلة طويلة ولم يجد من يبحث عنها، كم كان شعوره باليأس قاتلا بعد أن أدرك أنه وصل متأخرا
    لولا بصيص من أمل تمثل في ذلك الطبيب الذي غادر إلى تركيا وسيعود قريبا للمخيم
    فهو الوحيد الذي لديه المعلومات الكاملة عن من يقصدها، وقد كان حظه حسنا أن حصل على رقم جواله الدولي من إدارة المخيم، وتنفس الصعداء عندما علم بأنه قادم في الطريق، وسيصل إلى المخيم بعد بضع ساعات
    قضى ساعات الانتظار يستمع لحكايا من بعض من يعرفونها وتعاملوا معها
    تلك الأم التي ساعدتها على وصول جنينها للحياة سالما معافا في برد المخيم، وذاك الشاب الذي يحمل لها قدر ا كبيرا من الامتنان لما بذلته من جهد ووقت في علاج جراحه التي تلوثت وتقيحت بفعل الظروف الصعبة التي يحياها في المخيم
    وذلك العجوز الذي يلهج بآيات الشكر لها لحسن خلقها ومعاملتها الرحيمة الرقيقة مع المرضي والتخفيف من معاناتهم
    ثم أشار له على خيمة كبيرة نوعا عن غيرها، ومفتوحة تقف فيها فتاة : يمكنك أن تسأل تلك الفتاة عن الدكتورة
    (الدكتورة)
    ذلك اللقب الذي منحها إياه أهل المخيم، من قبل أن تحصل على شهادة الطب، لم يكن فقط لقب
    بل كان تقديرا خاصا من أهل المخيم لها
    وفي طريقه للخيمة انتابه إحساس بأن الفتاة التي يبحث عنها ليست عادية أبدا
    ابتسم ناجي عندما تذكر لقاءه بفاطمة، ذات السابعة عشر ، وهي تقوم بدور معلمة تعلم أطفال المخيم اللغة والرياضيات، وتساعد من كان ملتحقا منهم بالمدرسة قبل الحرب كي لا ينسى ما تعلمه في صفه
    (لن ينسى أهل المخيم فضل الدكتورة في إنشاء تلك الخيمة التي نعلم فيها الأطفال)
    دارت عيناه تتأمل ما في الخيمة، تلك الزينات البدائية التي تتدلى من سقف الخيمة وأركانها، وتلك البالونات التى فقدت لمعتها وارتخت وقد مر عليها وقت طويل وهي معلقه في مكانها
    نظر إلى اللوحة السوداء الخشبية الكبيرة التي تقف على قوائم طويلة وانتابه العجب أن لازال هناك في العقد الثاني من الألفية أطفال يكتبون بالطباشور الأبيض على لوح خشبي أسود
    أخذ يستمع إلى كلمات فاطمة ويتأمل مجموعات الأطفال وهم يجلسون على الأرض في حلقات يمسكون بدفاترهم وأقلامهم وكتبهم، وبجوارهم حقائب مدرسية : تلك المبادرة التي قامت بها الدكتورة شجعت الكثير من المنظمات والجمعيات التي تساعد اللاجئين على توفير الأدوات المدرسية للأطفال
    شعر بشيء ما يعتصر قلبه وهو ينظر إلى وجوههم البريئة ومرحهم الطفولي، وتذكر أمل وابتسامتها الجميلة، شيء ما في أعماقه يتوق للغناء الآن ، ولا يدري سببا لتلك الرغبة التي تأتيه في أوقات غريبة!
    ترى هل يمكن أن يرسم غناؤه بعض السعادة على وجوه الأطفال!
    لم تتحول رغبته لفعل، فقد أتاه من يخبره أن الدكتور جورج وصل المخيم، فاتجه من فوره إلى إدارة المخيم للقائه
    لم يكن الأمر صعبا لإقناع الدكتور جورج بأنه قريب لها يبحث عنها ليساعدها، في حين أنه كان شبه مستحيل مع الشيخ أحمد الذي يبدو أنه كان يعتبر لين في مقام الابنة، ويخشى أن يسيء إليها أحد
    واضطر ناجي للتأخر عدة ساعات أخرى حتى اقتنع الشيخ أحمد أخيرا بأن يخبره عن الوجهة التي قصدتها لين وخط سيرها، وقد كان الفضل في ذلك لاسم وسيرة عمر الكيلاني بين الجاليات المسلمة في فرنسا
    وكانت تلك هي نقطة انطلاق رحلته خلف لين
    ..................................................
    عندما وصلت الشواطئ التركية غادرت المركب في زحام من البشر الهاربين من جحيم معلوم إلى مصير مجهول، الجميع يتحرك باتجاه واحد كسيل بشري، وقد أداروا ظهرهم للمنطقة العربية بأسرها بعد أن عقرتهم العروبة التي ينتمون إليها ويتغنون بها
    وقفت لحظة في الميناء، وفكرت أن تلتفت لتلقي بنظرة وداع أخيرة نحو الشواطئ العربية، لكنها تذكرت فجأة حنظلة
    تلك الشخصية الكاريكاتورية التي ابتكرها الرسام ناجي العلي، عن طفل فلسطيني أدار ظهره للعالم الذي أنكر حقه الفلسطيني
    لم تلتفت، بل شدت على حقيبة سفرها وسارت للأمام مسرعة لتذوب بين جموع البشر التي قررت الاتجاه صوب أوروبا لتحيا بدلا من أن تموت تحت أقدام العروبة المكذوبة
    فقد أدركت أخيرا أن حنظلة لم يعد فلسطينيا فقط
    كان عليها التوجه إلى اليونان، فهي مفتاح دول الاتحاد الأوروبي بعد أن فشلت تركيا في الانضمام إليه، ومن اليونان ستعبر إلى غرب أوروبا
    توجهت من مرسين إلى أزمير، هناك حيث يكثر المهربون
    وهناك أيضا حيث اتفقت عبر النت مع أحد الأشخاص الذين يعرفهم الشيخ أحمد واتخذ لنفسه اسما مستعارا (أبو عمار) يقوم بمساعدة الشباب العربي الراغب بالهروب إلى أوروبا وتقديم النصائح والدعم لهم بما له من خبرة بالطريق، وما فيه من عوائق ومهربين وغيره
    كانت تعلم من كثرة ما تابعت من قصص المهاجرين على النت أن المهربين كذابين وعليها الاحتراس منهم، وألا تدفع قرشا قبل الوصول لوجهتها
    اتصلت بأبي عمار ووصف لها الطريق إلى أحد المهربين، وعندما وصلت هناك فوجئت بعدد كبير جدا من العرب من أكثر من جنسية، واضطرت للانتظار في طابور لحجز اسمها في رحلة بحرية، وكان الاختيار محصور بين سفينة سياحية أو مركب سريع، أو قارب مطاطي (بلم)
    وكل له سعره من الأغلى إلى الأرخص على الترتيب، فاختارت الوسط في المال وفي درجة المخاطرة أيضا
    لكنها لم تكن تتوقع أن عليها الانتظار عدة أيام حتى يأتي دورها، وكان عليها تدبر أمر البقاء في البلدة والمبيت في فندق
    أدركت أن عليها الاقتصاد في الإنفاق قدر ما تستطيع لتحافظ على ما معها حتى تصل إلى نهاية رحلتها
    لم تستقر بعد على نهاية رحلتها، هل تتوجه لألمانيا كما يفعل غالبية الشباب العربي، أم تتوجه لفرنسا وتلتحق هناك بكلية الطب، فقد وعدها د. جورج بالمساعدة في تحقيق حلمها بأن تصبح طبيبة، ولكن مميزات اللجوء لألمانيا هي الأفضل بكل المقاييس
    وفي النهاية قررت أن تتبع الطريق المعروف لكل الشباب السوري وتتوجه لألمانيا، وهناك تقرر ماذا ستفعل
    قضت وقتها في التجهز لرحلتها وشراء ما يلزمها
    وفي الوقت المتفق عليه مع المهرب كانت تقف مع مجموعة كبيرة من الرجال والنساء على الشاطئ في انتظار المركب السريع للتوجه لجزيرة ساموس اليونانية
    طالت ساعات الانتظار والهواء البارد يلفح الوجوه ويرجف الأجساد
    لا تدري هل تلك الرعشة التي استولت على أوصالها سببها البرد أم الخوف! بذلت جهدا كبيرا في محاولات مضنية للسيطرة على أعصابها المتوترة
    لكن ما شعرت به خلال ساعات الانتظار لا يبلغ معشار الرعب الذي انتابها عندما أدركت أنها ستقطع البحر بقارب مطاطي (بلم)
    وبدأت الأصوات تعلو بالاعتراض الغاضب، واشتبك بعض الشباب مع المهرب الذي بدل الاتفاق وأخلف وعده وأحضر لهم قارب مطاطي ليعبروا به البحر بدلا من مركب كبير سريع واستولى على ضعف المتفق عليه من المال
    ابتعدت لين عن مكان الشجار ووقفت بعيدا والدمع متجمد في عينيها، لا تدري ماذا تفعل، وانتاب الجميع اليأس والإحباط بعد أن صار الأمر واقعا، وأموالهم بين يدي المهرب، وعليهم أن يقرروا في التو واللحظة هل سيعبروا البحر أم يرتدوا إلى أزمير خائبين
    ولم يطل بهم التفكير فالغالبية قررت المضي قدما وعدم العودة للخلف مهما حدث، مما شجع لين على خوض تلك المغامرة الخطرة، والأسوأ أن المهرب لم يحضر عددا كافيا من سترات النجاة، لكن خيار العودة كان مرفوضا من الجميع
    وركب مجموعة من الشباب في قارب مطاطي، فأسرعت لين خلفهم قبل أن يمتلئ ولا تجد مكان وتضطر للانتظار مجددا على الشاطئ أو العودة لأزمير
    لم يخف على الراكبين أن حمولة القارب هي أقل بكثير من عدد الراكبين، فكيف لقارب مطاطي تسعة أمتار أن يحمل عدد من البشر تجاوز الثلاثين فردا
    لم يعترض أحد، فالكلمة الأولى والأخيرة في ظل تلك الظروف للمهرب الذي يتحكم في حياة البشر كيفما يريد، ولا يهتم لسلامتهم
    انطلق القارب المطاطي، وانكمشت لين على نفسها تتلو آيات القرآن وتلهج بالدعاء خوفا ورغبا
    لكن لم يكد القارب يقطع مسافة في البحر حتى انفجر المحرك مسببا حالة من الذعر تفشت بين الجميع
    أغلقت لين عينيها بقوة وأخذت ترتجف بعنف، وتتلو الشهادتين في انتظار أن يبتلعها اليم بين لحظة وأخرى
    لكن لحظات الخوف مرت سريعا وبدأ الشباب الخبير بتلك الرحلات يحادث المهاجرين الجدد ويهدئ من روعهم ويشرح لهم أن القارب لن يغرق طالما حافظوا على هدوئهم واتزان القارب
    وفي النهاية كان عليهم العودة إلى شواطئ تركيا بالتجديف، وبمجرد أن وصلوا للشاطئ ونزلوا من القارب، عادوا إلى أزمير سيرا عدة ساعات على الأقدام حتى أنهكت تماما
    في اليوم التالي عرفت بأمر القارب المطاطي الذي أبحر بعدهم نحو جزيرة ساموس، وقطع أربع ساعات في المياة، حتى أوقفته سفينة حربية و فتشت الراكبين وأخذوا أوراقهم وجوازات السفر وخربوا محرك القارب وأرجعوهم للمياه الدولية
    لولا أن أنقذتهم سفينة تركية وعادت بهم للشواطئ التركية، لكان الجميع ضاعوا بالبحر
    لم يكن الوقوع في يد البوليس التركي مخيفا، فالأمر لن يتجاوز غرامة أو حبس لعدة أيام، لكن طريق جزيرة ساموس صار عبوره من الصعوبة بمكان مع تواجد نقطة عسكرية قرب الجزيرة تعيد كل من تمسك بهمإلى المياه الدولية
    وبعد عدة أيام اضطرت لين إلى السفر إلى بودرم
    واتصلت بأبي عمار لتستعين بنصائحه حول أفضل المهربين في بودرم
    لم تفكر كثيرا واختارت مباشرة الحجز في رحلة بالقارب المطاطي بعد خبرتها السابقة في أزمير، وبعد أن سمعت بخبر غرق قارب سريع في عرض البحر وموت ثلاثين من ركابه
    اتخذت لها فندقا رخيصا في انتظار يوم الرحلة، لكن الرحلة تأجلت عدة مرات وكان عليها الانتقال لفندق آخر يمتلئ بالعرب الذين تأجلت رحلتهم مثلها، قضت فيه عدة أيام على حساب المهرب، كما جرت العادة في اتفاقات كتلك
    تجهزت لرحلتها بحقيبة ظهر صغيرة، فغير مسموح بأية أحمال زائدة، واشترت دواء لدوار البحر وملح وليمون وقليل من التمر والشيكولاته المحشوة بالفول السوداني، تلك التى يتواصى بها جميع المهاجرين لما تمنحه من طاقة كبيرة للجسم
    والأهم من كل هذا اشترت سترة نجاة لترتديها في القارب كي تتجنب المفاجآت، فقد خبرت من قبل أن المهرب لن يعطيهم سترات نجاة
    وبعد عدة محاولات فاشلة، تخرج فيها مع المجموعة التي سترافقها بالرحلة البحرية بأمر من المهرب لتتوجه إلى الشاطئ، ثم تفشل الرحلة لتعود إلى الفندق، ففي مرة يتشاجر المهرب مع سائق الحافلة التي ستقل المهاجرين، ومرة ثانية تركهم المهرب في الطريق بين الغابات ليعودوا سيرا إلى الفندق
    ومهما حدث فعلى الجميع الصبر والتحمل بلا شكوى، على أمل إتمام الرحلة
    عند الفجر وصلت الحافلة التي تقل المجموعة التي بها لين إلى شاطئ بعيد عن أعين الشرطة البحرية، كانوا سبعة عشر فردا من بينهم ثلاث نساء بخلاف لين
    فتاتان من إفريقيا، ربما من إثيوبيا أو من إريتريا، وأم من سوريا تصطحب معها طفل صغير لا يتجاوز الأربع سنوات، والباقي شباب من سوريا والعراق
    وصدق حدسها فالمهرب لم يأتي بسترات للنجاة، ويبدو أن الأم السورية قد اشترت واحدة فقط ألبستها طفلها خوفا عليه
    اتخذ الجميع أماكنهم وجلست لين بجوار الأم الشابة التي احتضنت طفلها والخوف يبدو جليا على ملامحها، كانت ترتجف وهي تتلو آيات القرآن بصوت مسموع، وبجوارها جلست الفتاتان الإفريقيتان تتشبث كل منهما بيدي صاحبتها
    ضمت لين ذراعيها لصدرها ووضعت كفيها تحت إبطيها وهي تردد بصوت هامس آيات القرآن خلف الأم المذعورة وهي تحاول السيطرة على ارتجافة جسدها
    انطلق القارب أخيرا وسار بضعة أمتار، لكنه توقف عندما سمع الجميع هتافا قادما من على الشاطئ : هاي، انتظروني، أنا قادم معكم
    أظلمت الدنيا في عينيها، وأخذت تكذب أذنيها وتنكر ذلك الصوت الذي سمعته من قبل، لكن القشعريرة التي تملكت كل ذرة في جسدها والذعر الذي ملأ قلبها أعادها للحقيقة المرة
    إنه هو..
    وعندما خطا بقدمه إلى داخل القارب بعد أن توغل سيرا داخل الماء لعدة أمتار وتلقفته أيدي الشباب تساعده على الركوب
    التقت عيناه بعينيها وعندما أدرك أن القدر جمع بينهما في رحلة هجرة طويلة على غير موعد، أطلق ضحكة عالية طويلة وهو يشير إليها بسبابته، وعندما سأله الشاب الجالس بجوارها : أتعرفها!
    أجاب وهو يطحن أسنانه ببعضها، ومن عينيه أطلت نظرة شرسة لنمر متربص : لا أعرف غيرها
    فأفسح له الشاب المكان ليلقي بجسده إلى جوارها متعمدا الاحتكاك بها وهو يضحك، لتنكمش هي على نفسها برعب وتلتصق بالسيدة التي بجوارها وهي تحاول جاهدة منع نفسها من البكاء
    فالجحيم قد بدأ
    ..............................................





  10. #20

    مديرة أقسام المناهج الدراسية
    رقم العضوية : 36281
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    المشاركات: 4,437
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    الحلقة السابعة عشر

    (17)

    (كيف ستصل إليها من بين كل هؤلاء المهاجرين)
    ذلك السؤال الذي ألقاه د. جورج أشعل في روعه الحيرة، وغلف قلبه باليأس وهو يشاهد أعداد السوريين في ميناء مرسين، فبعد أن ألغت تركيا تأشيرة دخول السوريين إلى أراضيها صار الجميع يتوجه إليها بحرا أو جوا أو عبر الحدود البرية
    (أيمكن حقا أن يصل إليها!)
    الشيخ أحمد لم يمنحه أية معلومات بخلاف موعد رحلة مغادرتها لبنان، ووجهتها إلى أزمير، ورقم جوال أبو عمار
    كان يسابق الزمن وقد بلغ توتره أوجه
    عندما وصل إلى أزمير حار ماذا يفعل، وكيف يعرف إن كانت في أزمير أم أنها رحلت بالفعل إلى اليونان؟
    كان يتجادل مع د. جورج في جدوى الاتصال بجوال أبو عمار، فد. جورج غير مقتنع بفائدة ذلك، لأن أبو عمار ما هو إلا اسم مستعار لشخص يقدم النصائح للمهاجرين في طريقهم، ومن المتوقع أنه لن يحفظ اسم لين دونا عن غيرها ممن يتصلوا به - حتى وان افترضا أنها أعطته اسمها - وإن فعل فلن يدلى بمعلومات عنها لأشخاص لا يعرفهم
    لكن ناجي لم يكن لديه حل آخر سوى تلك المحاولة اليائسة، فكيف له أن يصل إليها في خضم تلك الأعداد الهائلة من البشر دون دليل
    وصدق رأي د. جورج، فأبو عمار لا يتلقى أي أسئلة حول هويات المهاجرين أو وجهتهم، وأغلق الهاتف في وجه ناجي مرتين قبل أن يرفض استقبال مكالماته
    وكان تعليق د. جورج : معلوماته غير ذات جدوى، فهي أيضا ما كانت لتعطيه أية معلومات عن نفسها، ففي رحلة كتلك ينسلخ المهاجر من كل ماضيه، ويخفي هويته واسمه وأوراقه إلى أن يصل إلى وجهته
    زفر ناجي، واختنق صوته بالضيق : حسنا، هل نعاود الاتصال بالشيخ أحمد، ربما يكون على اتصال بها
    قال : حل غير واقعي، فبالتأكيد استبدلت شريحة الهاتف بأخرى دولية جديدة، ومسحت كل الأرقام القديمة، فلو أمسكت بها سلطات أي دولة من دول الاتحاد الأوروبي وعرفوا من أين أتت فسيردونها من حيث جاءت، وهي بالتأكيد لا ترغب في العودة إلى المخيمات بلبنان، ولا حتى البقاء في تركيا
    زفر بغضب ومسح وجهه بكفيه : والآن من أين نبدأ! دون أية معلومات أو وسيلة اتصال فنحن نبحث عن إبرة في كومة قش
    قال بصوت بدت فيه نبرة اليأس واضحة : ليس أمامنا سوى أن نحاول
    كان عليه أن يدور على كل المهربين المعروفين في أزمير، ويدفع مبلغا كبيرا لكل منهم ليبحثوا عن اسمها بين الذين سجلوا اسمهم لرحلة بحرية إلى اليونان، كان الأمر أشبه بالخيال، لكنهم عرفوا اليوم الذي سجلته لرحلتها ومع أي مهرب
    وبسؤال بعض الشباب الذين يعملون مع المهرب عرف ناجي أن تلك الرحلة التي كانت بمركب سريع استبدلت بقارب مطاطي، وأن القارب عاد للشاطئ ولم يكمل رحلته الى جزيرة ساموس
    وبمعرفة يوم الرحلة وما حدث بعدها للمركب التي كادت تصل إلى ساموس وردتها السفينة الحربية إلى المياه الدولية، أدرك ناجي ود. جورج أن لين غيرت وجهتها، فلم يعد الانطلاق من أزمير مجديا
    فتوجها إلى ميناء بوديرم، لينطلقا من هناك إلى جزيرة كوس
    ................................................
    كانت لين تستمع إلى الدكتور جورج وهو يقص عليها تفاصيل رحلتهما في البحث عنها بمزيج من الدهشة والعجب والألم
    وراودها سؤال عجيب : ترى هل كانت حياتها ستتغير لو أنها التقت ناجي في أثناء رحلة هجرتها!
    هل كان سيقيها من كل تلك الآلام التي خاضتها! ويمنع إياد عنها وعن إيذائها!
    إياد!
    ارتدت بها الذاكرة إلى تلك الساعات المرعبة التي كانت تجلس فيها في المركب المطاطي وبجوارها إياد، وكأن رحلة القارب المرعبة للانتقال من قارة إلى قارة كان ينقصها إياد!
    تبدو أضواء الجزيرة على مرمى البصر، لكن الرحلة كانت مزيج من معاناة وخوف، وتحرشات من إياد الذي لا يفتأ يمد يده إلى جسدها وهي تحاول جاهدة دفع يده والابتعاد عنه دون جدوى، فما كان بوسعها الصراخ أو الشجار في قارب يتأرجح بين السماء والماء، وكل من فيه كبلهم الرعب وأثقلهم الإعياء وانتشر بينهم دوار البحر
    حمدت الله أنها متجهزة بدوائه، وأعطت منه المرأة التي لم تكن تحمل معها أي شيء سوى كيس بلاستيك به بعض الخبز لصغيرها، وهي تعاني أشد المعاناة من الدوار والإعياء، وكادت تفقد طفلها في الماء عندما ارتخت يديها من حول خصره ومالت جانبا وقد غاب عنها الوعي للحظات
    لكن لين كانت منتبهة وتلقفت منها الصغير لتمسك به بقوة، وأسندتها الفتاة الإفريقية الجالسة بجوارها
    كانت الدقائق تمر عليهم طويلة ثقيلة مرعبة، وكأن الزمن يتباطأ
    وبدت لهم الرحلة بلا نهاية
    وبعد أكثر من خمس ساعات، لاحت لهم الجزيرة قريبة للغاية، فتنفس الجميع الراحة، وأتى الأمل إليهم مهرولا، وبشت الوجوه، وبدأت تعلو الأصوات الفرحة والأحاديث المتفائلة، فسينضمون أخيرا إلى الاتحاد الأوروبي
    لكن هتافا صارخا أفزع الجميع انطلق من أحد الشباب على المركب : احذروا، سفينة الخفر
    توتر الجو بعنف وانتفض الشباب من أماكنهم، حتى إياد أصابه التوتر، فالجميع يعلم ماذا يعني أن تلحقهم سفينة الخفر، ستجبرهم على العودة بقاربهم من حيث أتوا
    تلك السفينة سريعة للغاية وبلا صوت، وعندما ينتبه لقدومها من في القارب يكون الأوان قد فات
    ما من أحد على القارب كان على استعداد للعودة بعد كل ما حدث، وخاصة وهم على مشارف الوصول لليونان، وكانوا يدركون جيدا ما عليهم فعله ومستعدين لمواجهته
    صمتت لين تماما وانكمشت على نفسها وجسدها يرتجف من الخوف، وبدا لها الموت قريب للغاية، فهي لا تعرف السباحة
    علا صوت الفتيات بالعويل والنحيب والهتاف بعدم إجادتهن السباحة، لكن بعض الشباب طمأنوهن بكلمات سريعة أنهم سيوصلونهن للشاطئ ولن يتركوهن، ثم أخرج كل شاب سكينا وبدؤوا في تمزيق القارب المطاطي واندفع الماء بسرعة ليغمر القارب
    تعلقت المرأة التي بجوار لين بكفها وسألتها برعب، أتعرفين السباحة؟
    هزت لين رأسها نفيا وهي تمسك بكف المرأة بقوة، فأخذت المرأة تهتف بالشهادتين برعب، ورددت لين خلفها
    حتى وجدت نفسها في قلب الماء بلا أرض تحتها، ولا شيء تتمسك به، ولم يعد بإمكانها التفكير في شيء سوى محاولات النجاة وهي تضرب بيديها وساقيها بلا هدى محاولة إبقاء وجهها فوق سطح الماء والماء يعلو ويهبط بها ويضرب وجهها، ويغمر رأسها فيتوقف تنفسها لثواني، حتى يعود ويخرج رأسها فوق الماء، قلبها يتفطر رعبا، وقد أصابها اليأس وهي تصارع من أجل النجاة، ولم تتذكر أنها ترتدي سترة النجاة إلا بعد فترة
    كان جسدها يدور في دوائر والماء يغمر رأسها كل لحظة، فتدرك أنها هالكة، ثم تعود وتصعد فوق الماء، كانت عاجزة تماما عن التحكم في جسدها، أو توجيهه في أي اتجاه، فظلت في مكانها لا تبارحه، وقد هزمها الإرهاق ونال منها التعب، واستولى عليها الخوف، وبرودة المياة تجمد أطرافها
    شعرت بذراع تلتف حول خصرها وتجذبها، لم تحاول المقاومة، فقد استوعب عقلها أن أحد الشباب يحاول أن يساعدها على الوصول للشاطئ
    لكن الرعب عاد يدب في أوصالها مع صوت إياد وهو يتسلل على أذنيها : تماسكي، كدنا نصل
    انتفضت صارخة وأخذت تضرب بيديها وساقيها محاولة الإفلات منه، لكنه هتف قائلا : اهدئي، أنا أحاول إنقاذك
    لم تدر كيف تتصرف، كان عقلها مشوشا وجسدها خائر القوى، يرتجف بردا ورعبا، فاستسلمت وتركته يجذبها، وبعد مدة بدت لها طويلة للغاية، شعرت بأقدامها تلامس الرمال
    انتفضت ودفعت بذراعه بعيدا عنها، فتركها واختل توازنها فغاصت في الماء، ثم دفعت بجسدها وارتكزت على يديها ودفعت بجسدها لأعلى فاعتدلت واقفة على أقدامها، وبقيت لدقيقة في مكانها تحاول السيطرة على أعصابها والتركيز في رؤية ما حولها والاتجاه الذي يجب أن تذهب اليه
    سمعت صافرة من خلفها، فالتفتت ببطء لترى إياد قد سبقها نحوالشاطئ، وأشار إليها ملوحا لتتبعه، فما كان منها إلا أن توجهت نحو الشاطئ
    كانت تجر أقدامها جرا وتتعثر كل بضع خطوات كلما لحقتها موجة قوية من خلفها، وبمجرد أن خرجت من الماء ارتمت على رمال الشاطئ تسترد أنفاسها الضائعة
    سمعت صافرة ثانية فرفعت رأسها لتجد أمامها إياد واقف يتأملها بعينين جائعتين، وابتسامة خبيثة، قرب وجهه منها وقال ببطء : جميلة، وإن كنت خارجة من تحت الماء
    اشتعلت روحها بالغضب، وتحسست ملابسها وغطاء رأسها فوجدته قد انحسر للخلف تاركا خصلات شعرها السوداء تلتصق بجبينها، فأخذت تصلحه وتعيد خصلات شعرها إلى مكانها، ثم هبت قائمة وأعطته ظهرها ووقفت تترقب قدوم الباقين، وسمعته يسب ساخطا بعد أن ابتل جواز سفره وهاتفه المحمول بالماء
    ارتعدت وأخذت تبحث في ملابسها عن أوراقها وجوالها وحمدت الله كثيرا أن وجدتهم في مكانهم ولم يطالهم الماء، لأنها وضعتهم داخل قفازات الجراحة المطاطية، ولم تضعهم في كيس بلاستيك كما فعل إياد
    سمعت صوت بكاء طفل، فالتفتت لتجد أحد الشباب يحمل الصغير – رفيق الرحلة - وهو مبتل ويبكي ويصرخ من الخوف، أجاب الشاب سؤالها : وجدته وحيدا يصارع الماء، ولم أجد أمه
    انقبض قلبها وسكنها الخوف، أخذت الصغير ومسحت الماء عن وجهه ورأسه، وأخذت تهدئه إلى أن تأتي أمه
    لكنها لم تأت!
    أخذت لين تدور على رفاق القارب فردا فردا تسألهم عن أم الطفل، لكن أحدا منهم لم يعطيها جواب شافي، وبمضي الوقت أدركت أن الأم المسكينة لم تنج
    احتضنت الصغير الباكي وتكومت على الرمال تنتحب من القهر والألم، لن تنسى تلك النظرة المرتعبة اليائسة التي ودعتها بها وهي تتلو الشهادتين
    كان الجميع صامتين صمت القبور، وانضمت إليها الفتاتان تحاولان مواساتها هي والصغير، لكن دموع الألم والقهر غلبت الجميع
    كان عليهم استكمال الطريق، فلا فائدة من الاستسلام للحزن، وقد وصلت قوات الخفر للمكان وأجروا معهم تحقيق عاجل، وأخبرت لين الضابط الذي يحقق معها بقصة الطفل وأنه فقد أمه في البحر، فنصحها بتسليمه في مقر الشرطة ليقدموا له المساعدة، ثم اصطحبوهم جميعا لمقر الشرطة
    كان من المخطط أن يسلموا أنفسهم للشرطة ويقوموا بالبصمة ليحصلوا على أوراق تمنحهم حرية التجوال في اليونان لشهور حتى يتدبروا حالهم، ويتنقلوا من مكان لمكان بلا قلق، ليصلوا إلى حدود مقدونيا، وقد عرفوا مسبقا أن البصمة في اليونان غير معترف بها في بقية دول الاتحاد الأوروبي، ولا ينطبق عليها القوانين التي تجبر اللاجئين على العودة إلى البلد التي قاموا فيها بالبصمة
    لكن ما حدث خلاف ذلك، فالشرطة في جزيرة كوس رفضت استقبالهم بسبب الزحام الشديد لأفواج المهاجرين الذين ملئوا الجزيرة، وأخبرتهم بضرورة الذهاب إلى العاصمة أثينا
    حاولت لين أن تتحدث مع أي ضابط لتخبره بقصة الطفل لكنها لم تفلح
    فاتصلت بأبي عمار فنصحها بالتوجه لسالونيك، لتسلم نفسها هناك بدلا من أثينا، ولن يستغرق الأمر أكثر من ثلاثة أيام في الحجز لتخرج وتكمل رحلتها، وعندما صرحت له بمدى خوفها من الشرطة والحجز، طمأنها بأن الأمر يسير والمعاملة إنسانية
    كانت مجموعة القارب التي خرجت معا من البحر يتشاورون فيما سيفعلون، واتفقوا على التوجه إلى أثينا مع أحد المهربين نظرا لعدم تمكنهم من الحجز في إحدى العبارات المتجهة لأثينا بسبب عدم وجود أوراق للتنقل نظامي، والا فسيعلقون في جزيرة كوس وينضمون لمن افترشوا الطرقات لأنهم لم يستطيعوا مغادرة الجزيرة
    ولأنه لا يوجد طريق مباشر من كوس إلى سالونيك، فكان عليها مرافقتهم إلى أثينا بعد أن اشترت طعام لها وللصغير، ومن هناك تتوجه إلى سالونيك
    كان الصغير قد استسلم مكرها لحقيقة عدم وجود أمه بعد أن قضى ساعات طويلة ما بين بكاء ونوم طوال الطريق، وعندما وصلوا إلى أثينا توجه بعضهم إلى الشرطة واتجهت لين على الفور ومعها الصغير إلى محطة القطار لتكمل رحلتها إلى سالونيك وهي تدعو الله ألا تقع في يد الشرطة اليونانية في القطار، ولم تنتبه إلى ذلك الذي يتبعها كظلها إلا عندما استقرت داخل القطار وتحرك بالفعل
    كانت رحلة معاناة أخرى بطلها والمتسبب فيها إياد الذي فرض وجوده على المكان الذي تجلس به، وصار لديها شبه يقين أنه يبتغي منها شيء، فصار الخوف والحذر منه هو المسيطر على مشاعرها
    كانت على وشك الاستغراق في النوم في القطار من فرط التعب والإرهاق بعد ان نام الصغير بين ذراعيها، ولم تكد تغفو عيناها حتى انتفضت منتبهة على صوت إياد
    وبرغم أن صوته كان منخفضا، لكن شعورها بالقلق والتوتر لم يتركها لحظة
    أشاحت بوجهها إلى النافذة، لكنها استمعت له مضطرة وهو يقول : أعلم كيف هي طريقة تفكيرك، وهوسك بالحالات الإنسانية خاصة فيما يتعلق بالأطفال، ولكن لا أظن أنه قد يبلغ بك الجنون حد الاحتفاظ بطفل لا تعرفين أية معلومات عنه بعد أن ابتلع البحر أمه ومعها كل أوراقه
    لم ترد على كلماته أو تلتفت إليه، لكن شيء ما في كلامه يبدو واقعيا رغم سوء طويته، مما جعلها تفكر فعليا في عواقب الاحتفاظ بالطفل معها في رحلة كتلك، وكيف لها أن تمر به عبر دول غريبة لها قوانينها التي لا تدري عنها شيء
    بدا لها الأمر شائكا ومسئولية عظيمة تفوق قدراتها
    واستمر اياد في العزف على أوتار مخاوفها : كلما بقي الطفل معك لمدة أطول، كلما علقت قدمك بمشكلات لا قبل لك بها، وعلى وجه للعموم هو ليس من أهلك، ولا تحملين تجاهه أية مسئولية، ولا ضير من تركه للشرطة فسيحسنون العناية به كما في مواثيق حقوق الانسان لديهم
    نعم هي لا تحمل أية مسئولية قانونية تجاه الطفل، ولكن ماذا عن المسئولية الدينية والأخلاقية!
    كيف تتحمل عذاب الضمير إن تخلت عن طفل يتيم في بلاد غريبة
    انه سوري أولا وأخيرا، وإن ترك وحيدا في أوروبا فلن يخرج مصيره عن أن ينشأ في دار للإيواء، أو أن أسرة أوروبية تتبناه وتقوم بتبديل هويته ودينه واسمه
    اسمه!!
    هي حتى الآن لا تعرف اسمه
    استمر إياد يتحدث طوال الطريق دون أن تعطيه وجها أو تمنحه آذانا، لكن قدرته الفائقة على السماجة أدهشتها
    بعد ساعات من عذاب السفر لم تهنأ فيهم بغمضة جفن لدقائق، داهمت الشرطة القطار للتفتيش في محطة أمونيا، ودب الرعب في أوصالها، ولم تدر كيف تتصرف، فليس معها أوراق للسماح بالتجوال في اليونان
    وقفت أمام الشرطي وهي تحمل الطفل وترد على أسئلته بخوف، ولا تدري من أين أتتها الفكرة بأن تخبره بأنها أم الطفل
    ولكن كيف لها أن تتخلص من ذلك الشيطان الذي اعترض طريقها ويصر على الالتصاق بها!
    لقد اندفع متدخلا في حوارها مع الشرطي قائلا : وأنا والده
    التفتت له وعلى وجهها الصدمة، وأدركت أنها لو سكتت فلن تعلق فقط بطفل، بل ستضطر لتحمل ملازمة اياد لها طوال الطريق
    فهتفت للشرطي : لا، انه كاذب، ليس والده
    لم يتوقع إياد أن تعترض أو تنكر ما قاله، بل صدم من هجومها الشرس واتهامه أمام الشرطي بأنه يطاردها
    لم يتحمل الشرطي الشجار بينهما وخاصة وأن القطار كان به عدد كبير من المهاجرين لا يحملون أوراق
    فأنزلهما من القطار بعد أن أمرهما بالذهاب لمقر الشرطة لاستخراج أوراق
    انطلقت لين في الطريق حاملة الصغير، وهو يفرض حديثه عليها فرضا : لا تخافي، لن أؤذيك، فنحن أبناء وطن واحد، لنكمل طريقنا معا، علينا مراجعة أحد المهربين، فلا أمل لنا في الوصول لمقدونيا دون مهرب
    لم ترد على كلماته، بل كان كل همها الابتعاد عنه، فانتحت جانبا واتصلت بأبي عمار تستشيره، فكان رأيه موافقا لرأي إياد بضرورة البحث عن مهرب، ولكنها لم توفق في الاتفاق مع مهرب، فأكملت طريقها إلى سالونيك
    ومن هناك اشترت لها وللصغير لوازم رحلتها البرية، حذاء شتوي برقبة، معاطف واقية من المطر ومطرية، شاحن جوال متنقل، وبطاقة رصيد للخط الدولي للجوال، والكثير من التمر والشيكولاته المحشوة بالسوداني، ثم استقلت الحافلة إلى بولى كاسترو، ومنها إلى أفيزوني آخر مدينة يونانية على الحدود المقدونية، وهناك فندق (هارا) معقل المهربين
    ..............................................

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية