استوقفني هذا الحديث
*****
عَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَوْ كَانَ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لاَبْتَغَى وَادِياً ثَالِثاً. وَلاَ يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاّ التّرَابُ. وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَنْ تَابَ".

في هذا الحديث يذم النبي صلى اله عليه وسلم الحرص على الدنيا وحب المكاثرة بها والرغبة فيها. ولحب المال سببان‏:‏ أحدهما‏:‏ حب الشهوات التي لا وصول إليها إلا بالمال مع طول الأمل.‏ الثاني‏:‏ أن يحب عين المال، فمن الناس من معه ما يكفيه لبقية عمره لو اقتصر على ما جرت عادته به، ويفضل معه آلاف، وإنك لترى أحدهم يكون شيخاً لا ولد له، ثم لا تسمح نفسه بإخراج الواجب عليه، ولا بصدقة تنفعه، ويعلم أنه إذا مات أخذه أعداؤه، أو ضاع إن كان مدفوناً، وهذا مرض لا يرجى علاجه‏.‏ ومثال ذلك رجل أحب شخصاً، فلما جاء رسوله، أحب الرسول ونسي محبوبه واشتغل بالرسول، فإن الدنيا رسول مبلغ إلى الحاجات، فيحب الدنانير لذاتها، وينسى الحاجات، وهذا غاية الضلال‏.‏ واعلم‏:‏ أن علاج كل علة بمضادة سببها‏، ‏فيعالج حب الشهوات بالقناعة والصبر، وطول الأمل بكثرة ذكر الموت‏.‏ويعالج التفات القلب إلى الولد، بأن من خلقه معه رزقه، وكم ممن لم يرث شيئا أحسن حالاً ممن ورث‏. ‏فليحذر أن يترك لولده الخير، ويقدم على الله بشر، فإن ولده إن كان صالحا فالله يتولاه، وإن فاسقاً فلا يترك ما يستعين به على المعاصي. ‏واعلم‏:‏ أنه إذا كثرت المحبوبات في الدنيا، كثرت المصائب بفقدها، فمن عرف آفة المال لم يأنس به، ومن لم يأخذ منه إلا قدر حاجته، وأمسك ذلك لحاجته فليس ببخيل، والله أعلم‏.‏ ومعنى: (لا يملأ جوفه إلا التراب) أنه لا يزال حريصاً على الدنيا حتى يموت ويمتلئ جوفه من تراب قبره، وهذا الحديث خرج على حكم غالب بني آدم في الحرص على الدنيا. ويؤيده قوله: (ويتوب الله على من تاب) ومعناه أن الله يقبل التوبة من الحرص المذموم وغيره من المذمومات، والله أعلم.

يمكنك الرد هنا عبر حسابك في فيس بوك دون الحاجة للتسجيل بالمنتدى ( انتظر التحميل )