ضحايا الطلاق
=قصة من الواقع=
يتنقل بين الجماهير الرياضية.. بيده الميكروفون.. ومن وراءه حامل الكاميرا.. يتبعه أينما سار..الكل يترقبه.. والكل يتمنى أن يقترب منه..ينتقي أحد الجماهير، يجري معه حوار.. يلتف حولهما جمع لابأس به.. هذا يشير بيده لما وراء الكاميرا.. وآخر يتطاول ليظهر في الصورة..ينتهي اللقاء.. ينتقل إلى مشجع آخر.. تتكرر الصورة.. هذا يبتسم.. وآخر يتأكد من مظهره.. ويصلح ما تبعثر منه..كل واحد له أمنية.. فالظهور على شاشة التلفاز يستحق منهم كل ذلك الحرص..انتهى المذيع من اجراء اللقاءات..
وأخذ التوقعات.. أعطى إشارة إنتهاء البرنامج.. أنفض الجمهور من أمامه.. أقبل طفل صغير نحوه.. ناداه: يا عم.. ياعم..التفت نحوه.. تبسم له..
وقال: نعم.. يا بطل..
ـ أريدك أن تجري معي لقاء..تعجبت من شجاعته.. إنطلقت ضحكة.. جعلت الحزن يتسلل إلى قلب الطفل.. تنبه المذيع لذلك..
سارع بالقول: للأسف لقد إنتهت الحلقة..
في الحلقة القادمة إن شاء الله أجري معك المقابلة..
ـ أرجوك ياعم.. لقد وعدت أمي أن تراني في التلفاز.. صوته المتحشرج.. ودمعته التي ترقرقت في عينيه.. ورجاؤه الحزين.. جعل المذيع يرق له.. وضع يده على رأس الطفل..
وقال: لا حاجة لأمك أن تراك في التلفاز.. يكفي أن تراك أمامها بطلاً شجاعاً.. كما أراك أنا الآن..أطرق الصغير برأسه.. أخفى دمعة جرت على خده.. تحدث بصوتٍ هو أقرب إلى الهمس..
ـ أمي.. لم ترني منذ عدة سنوات.. منذ كنت في الثانية من عمري..جرت الدموع على خده.. ولم يستطع الحديث بعدها..وضعت يدي على رأسه..
وقلت له: أنا لا استطيع أن أجري اللقاء معك وأنت بهذه الحالة.. أنا أسف.. لا أريد من أمك أن تراك وأنت تبكي كالأطفال..مسح دموعه بسرعة.. وإرتسمت على شفتيه إبتسامة رائعة قضت على مظاهر الحزن التي كانت ترتسم على وجهه..
وقال: حقاً ياعم ستجري مقابلة معي.. ستشاهدني أمي في التلفاز..
ـ نعم ستشاهدك.. إستعد الآن..أمرت المصورين أن يستعدوا لتصوير اللقاء..تم اللقاء، ومضى الصغير بعد أن امطرني بكلمات الشكر والثناء..عدت إلى الاستديو.. وبدأت عمليات المونتاج والإخراج النهائي للبرامج ليتم عرضه يوم الأثنين..وللأسف كان اللقاء مع الصغير غير صالح للعرض.. فقد كانت الاضاءة ضعيفة جداً.. فتم حذف المقطع رغم محاولاتي لمعالجته.
وجاء يوم الأثنين.. عرضت الحلقة..تخيلت الصغير وهو ينتظر أن يرى صورته.. وتخيلت أمه وهو تشاهد ابنها..
وتخيلت حالهما وقد إنتهى البرنامج وخيبة الأمل على وجوههما..
تمنيت لو أنني حصلت على رقم الصغير حتى إعتذر له.. ولكن لم يكن بإستطاعتي شيء..مضى اليوم وجاء يوم الثلاثاء..
وكان لديّ شعور بأنه سيتصل ليعاتبني.. وكنت اعد العذر الذي سأقوله.. والمفاجأة التي جهرتها له..رن الهاتف إسرعت نحوه.. كنت على يقين أن صغيري خلف الهاتف.. نعم.. صوت امرأة.. تقول: السلام عليكم ورحمة الله..شعرت بالاحباط.. رددت السلام..سكتت المرأة ولم تتكلم.. سمعت صوت بكاءها من وراء السماعة.. إحسست بأنها تخفي أمراً.. إنتظرت قليلاً.. إنها تحاول الكلام لكنها لاتستطيع.. تركتها تبكي.. وعندما هدأت.. قالت: أنا أم الصغير الذي طلب منك أن تجري مقابلة معه.. وعادت تبكي..شعرت بالندم.. إعتذرت لها.. ورجوتها أن تسامحني.. وأن تجعل إبنها يتحدث معي.. فلقد جهزت له مفاجأة.. وسيفرح بها..لا ادري شعرت بأنني تكلمت كثيراً.. ولم إمنحها فرصة للحديث.. أما هي فقد تركتني.. وراحت تبكي..
وفجأة.. إنقطع الاتصال بيننا.. أصابني الذهول.. شعرت بالندم على..
إنها غلطة مخرج البرنامج.. ولكنها غلطتي.. كان عليّ أن اتأكد من كل شيء قبل التصوير..وأنا في ذهولي.. رن الهاتف.. اسرعت إليه..صوتها القادم كان واضحاً..
ـ أخي.. أريد منك النسخة الأصلية للحلقة الماضية..
أرجوك.. أنا أسف جداً.. ولكنني أريد ابنك.. سوف أجري معه لقاء آخر.. وستشاهدينه على التلفاز..غاب صوتها وعادت تبكي من جديد..شعرت بقلق..
قلت: لماذا تبكين.. ابنك بطل وسوف يعود إليك.. أنا..قاطعتني بسرعة قائلة..
ـ يوسف مات.. ابني الذي شاهدته مات.. مات.. مات.. مات.. متى..
وكيف؟ لقد مات يوم الأحد.. بعد أن هاتفني وأخبرني بأنه سيظهر في حلقة الجماهير يوم الأثنين.. إنقطع الاتصال بعدها..سقطت السماعة من يدي.. جرت الدموع على خدي حزناً على يوسف، وعلى أم يوسف..تساءلت:
ـ لماذا يحرم الأب أماً من رؤية ابنها؟
ـ لماذا يُحرم الابن من حنان أمه؟ لماذا الظلم؟
وشعرت بالندم لأنني لم إتمكن من تحقيق الأمنية الأخيرة ليوسف..لكنني سارعت بالاتصال والبحث حتى عثرت على أم يوسف ومنحتها النسخة الأصلية من البرنامج.. لتشاهد يوسف..


الكاتب: عبدالله الهندي.
المصدر: موقع طريق التوبة.

يمكنك الرد هنا عبر حسابك في فيس بوك دون الحاجة للتسجيل بالمنتدى ( انتظر التحميل )