حقيقة لا خيال
***




إن الحكمة العظمى من خلق الإنس والجن عبادة الله وحده لا شريك له، ولذلك فقد جعل الله تعالى الدنيا مكاناً للإبتلاء والإختبار، ليميز الخبيث من الطيب، إلى أن ينتهي الأمر بمفارقة الروح للبدن في مشهد حقيقي عظيم ذُكرت تفاصيله في القرآن الكريم، ثم تبدأ الرحلة الحقيقية للإنسان إلى دار الآخرة التي تبدأ بحياة البرزخ، والتي تفصل بين الدنيا والآخرة.
ثم يأتي اليوم العظيم المهيب ألا وهو يوم القيامة، ذلك اليوم الذي تقشعر منه الجلود، وتشيب منه الرؤوس، ولِمَ لا؟

فهو اليوم الذي تتبدل فيه الأرض غير الأرض، وتضطرب السماء، وتتشقق الأرض، وتندك الجبال، وينخسف القمر، وتتكور الشمس، وتنتثر الكواكب، وتسجَّر البحار وتشتعل ناراً.
ذلك اليوم يشهده الأولون والآخرون، ويحشر فيه الملوك والفقراء.. وغيرهم حُفاة عُراة غُرلاً، لا ينفعهم مالهم ولا جاههم ولا سلطانهم، وتستوي الخلائق، وليس بينهم وضيع، الكل عبادٌ لله تعالى كما قال سبحانه:
{إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم:93].
وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم حشر العباد في يوم المعاد بقوله:
«يا أيها الناس! إنكم تحشرون إلى الله حُفاة عُراة غُرلاً،
كما قال تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:104]،
فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها:
يا رسول الله! النساء والرجال؟! فقال: يا عائشة! الأمر أشد من أن ينظر بعضهم بعضاً».
وتكون أرض المحشر في بلاد الشام كما وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:
«يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علمٌ لأحد».
وتكون الشمس قريبة من أهل المحشر، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل».
ويكون عرق الناس في هذا الموقف على قدر الأعمال، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«فيكون الناس على قدر أعمالهم من العرق، فمنهم ما يكون إلى كعبيه، ومنهم ما يكون إلى ركبتيه، ومنهم ما يكون إلى حقويه، ومنهم ما يكون العرق يلجمه إلجاماً».
ويبدأ الحساب والجزاء بين الخلائق بالعدل والحق، يقول جل وعلا:
{وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الزمر:69]
فلا تخفى صغيرةٌ ولا كبيرةٌ إلا أحصاها الله تبارك وتعالى ويحاسب عليها العبد بين يدي أحكم الحاكمين.
وينصرف الخلق بعد الحساب والجزاء بالعدل والحق إلى الجنة أو النار اللتين جاء وصفهما في كتاب الله العظيم وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فدعا سبحانه إلى المسارعة إلى دار النعيم بقوله سبحانه:
{وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران:133].
ووصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «قال الله تعالى:
أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر،
قال تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة:17]».
فالجنة أبوابها ثمانية فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريَّان، وقد يُدعى الإنسان من جميع الأبواب التي بين مصراعي أحدها كما بين مكة وهجر.
والجنة فيها درجات فأعلاها الفردوس الأعلى الذي سقفه عرش الرحمن، وبناؤها لبنة من فضة ولبنة من ذهب، ومُلاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، وفيها غُرف يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، للمؤمن فيها خيمة من لؤلؤة مجوفة طولها ستون ميلاً في السماء، وفيها شجرة يسير الراكب بجواده في ظلها مائة عام لا يقطعها، وفيها من الفواكه المنوعة، وتذلل أغصان الأشجار للمؤمن إذا قعد أو إضطجع ويأكل من ثمارها، وإذا قطع ثمرة خرجت غيرها.
أهل الجنة آمنون من الموت والنوم والهرم والمرض والخوف، آمنون من كل ما يُنغِّص وينقص نعيمهم.
وفي الجنة أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى.
وفيها ولدان مخلدون بجمالهم وإنتشارهم في خدمة المؤمنين كأنهم اللؤلؤ المنثور.
والحور العين من نعيم المؤمن في الجنة، فيُعطى قوة مائة رجُل في الجماع، وطوله وعرضه ستون ذراعاً، وجماله كجمال يوسف عليه السلام، وخُلقه كخُلق محمد صلى الله عليه وسلم، وطوله كطول آدم عليه السلام، وعُمره كعُمر عيسى عليه السلام.
وجمال الحورية وحُسنها لا يوصف، فيجامعها المؤمن فتعود بكراً، ومن صفاتها أنها متحببةً لزوجها، والحوريات متساويات في الأعمار، ونصيف إحداهن من على رأسها خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويُرى مُخ ساقها من سبعين حُلة، ولعابها لو قطرةٌ منه تسقط في الأبحر المالحة لكانت عذبة زلالاً.. وغيرها من صفات الحور التي إشتاق إليها العُبَّاد والصالحون والمجاهدون والأولياء، وعلى هذا ينادي منادٍ في الجنة: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، وأن لكم فيها أن تصحوا ولا تسقموا، وأن تحيوا فيها ولا تموتوا، وأن تشبُّوا فيها ولا تهرموا أبداً.
وعلى هذا فإن لأهل الجنة موعدًا في يوم الجمعة عندما تُعد لهم النجائب، فيُحملون عليها إلى مكان الموعد في الوادي الأفيح لمقابلة العزيز الحميد جل وعلا، وهذا هو أنعم النعيم والزيادة وقرة عيون المؤمنين،
قال تعالى:
{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ*إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22-23].
وفي المقابل حذَّر سبحانه الناس، وخص أهل الإيمان بالتحذير من دار الجحيم بقوله:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6].
النار دار رؤوس الكفر والنفاق، دار فرعون وهامان وقارون وأبي جهل وأُبي بن خلف.. وغيرهم من الطغاة والفجَّار، مكانها بعيدٌ في أسفل السافلين، لها دركات أسفلها دار المنافقين، أشجارها كأنها رؤوس الشياطين، طعامها الزقوم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«اتقوا الله حق تقاته، فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم».
وطعامهم لا يسمن ولا يُغني من جوع، وإذا أكلوا ازدادوا عطشاً وبحثوا عن الماء:
{وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف:29].
وإذا أراد أحدهم أن يشرب من الماء سقطت فروة شعر رأسه ولحمة وجهه، وتقطعت أمعاؤه، وتمزق جلده، وإنسلَ ما في بطنه وخرج من دبره، وهو مضطرٌ على فعل ذلك:
{يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} [إبراهيم:17].
وأما لباس أهل النار فيتعذبون به وتشتد عليهم الحرارة والعذاب:
{سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ} [إبراهيم:50].
النار حرها شديد، وقعرها بعيد، نارها تفوق نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً، لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، سوداء مظلمة، عذابها شديد، يتمنى أهلها الخلاص والراحة من العذاب ولو لحظة، فينادون خزنة جهنم:
{ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ} [غافر:49]،
فترد عليهم الملائكة: {قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [غافر:50].
فلا يستجاب لهم، لأنهم لم يستجيبوا للرسل حينما دعوهم إلى الله تعالى، فكان الجزاء من جنس العمل، فيقول أهل النار لله عز وجل: {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ* رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون:106-107]،
فيقول الله جل وعلا لهم: {اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:108]،
وعلى هذا يزدادون بؤساً وحسرةً وندامة:
{وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة:167].
وتعرف النار أهلها من مكان بعيد: {إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} [الفرقان:12].
فتتقطع قلوب أهل النار وهم يصطرخون فيها، ويسألون وهم يعذبون:
{إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ*تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ*قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ} [الملك:7-9].
وأشد العذاب لأهل النار بأنهم لا يرون الله جل وعلا:
{كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ*ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ*ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ} [المطففين:15-17].
نسأل الله العلي القدير أن يُؤَمِّنا يوم الفزع الأكبر ويجعلنا من الآمنين، ويظلنا بظله يوم لا ظل إلا ظله، وأن يرزقنا الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ويجنبنا النار وما قرب إليها من قول وعمل، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


الكاتب: ناصر بن سعيد السيف.