السؤال:
هل هناك فرق بين أهل الكتاب والمشركين، وهل ينطبق وصف المشركين على أهل الكتاب،
وما الفرق بين الكفار والمشركين؟
*****
الإجابة:
الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإنـه ينـبغي أن يعلـم أن الألفـاظ يختلف معناها بالإفراد والاقـتران من حيث العموم والخـصوص، وهذا المعنى كثير في القرآن، ومن ذلك لفظ الكفار والمنافقين وأهل الكتاب، وأعم هذه الألفاظ لفظ الكفار فإنه يشمل المنافـقين النفاق الأكبر، ويشمل عمومَ المشركين والكفارَ من أهل الكتاب، واسم المنافقين يختص بمن يُظهر الإسلام ويبطن الكفر، فإذا ذكـر المنافقون والكفار كقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِ‌ينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: ١٤٠] اختص اسم المنافقين بمن يبطن الكفر واسمُ الكافرين بالمعلنين له، وأكثر ما يطلق اسمُ المشركين في القرآن على الكفار من غير أهل الكتاب، كقـوله تعالـى: {فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ‌ الْحُرُ‌مُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِ‌كِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: ٥] وقد يطلق لفظ المشركـين على ما يعم الكفار في مقابل المنافـقين، كما قال تعالى: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِ‌كِينَ وَالْمُشْرِ‌كَاتِ} [الفتح: ٦] فيدخـل في ذلك كفرة أهل الكتاب والمجوس، وقد يخص الله بعض طوائف المشركين باسم يُعرفون به كالمجوس، كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَ‌ىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَ‌كُوا إِنَّ اللَّـهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج: ١٧] فعـطف الذين أشركوا على المجوس من عطف العام على الخـاص، وأما الطوائف الأربع الأولى في هذه الآية فإن منهم المؤمن ومنهم الكافـر كفرا ظاهـرا أو باطـنا، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَ‌ىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ‌ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُ‌هُمْ عِندَ رَ‌بِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: ٦٢] أي من آمن منهـم بالله واليوم الآخـر، وهكذا أهل الكتاب منهم المؤمن والكافر، كما قال تعالى: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرً‌ا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُ‌هُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: ١١٠] إلى قوله تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّـهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: ١١٣] إلى قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُ‌وا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّـهِ شَيْئًا وَأُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ‌ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: ١١٦] وهذا الانقسام في اليهود والنصارى والصابئين إنما هو باعتبار حالهم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، أما بعدما بعث الله خاتم النبيـين فكل مـن لم يؤمن به من اليهـود والنصارى وغيرهم فإنه كافـر، فإن من مات على ذلك فهو من أهل النار، ولا ينفعه انتسابه لشريعة التوراة والإنجيل، وقد انضاف كفرهم بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم إلى ما ارتكبوه من أنواع الشرك والكفر قبل ذلك، كـقول اليهود: {عُزَيْرٌ‌ ابْنُ اللهِ} [التوبة: ٣٠] وقـول النصارى: {الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ} [التوبة: ٣٠] والشرك في النصارى أظهر منه في اليهود وأكثر، كما قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ‌ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّـهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْ‌يَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَ‌ائِيلَ اعْبُدُوا اللَّـهَ رَ‌بِّي وَرَ‌بَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَن يُشْرِ‌كْ بِاللَّـهِ فَقَدْ حَرَّ‌مَ اللَّـهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ‌ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ‌ . لَّقَدْ كَفَرَ‌ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّـهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُ‌وا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 72، 73] إلى قوله تعالى: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّ‌ا وَلَا نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [المائدة: ٧٦].

وقوله سبحانه: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَ‌هُمْ وَرُ‌هْبَانَهُمْ أَرْ‌بَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْ‌يَمَ وَمَا أُمِرُ‌وا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَـٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِ‌كُونَ} [التوبة: ٣١] فتبـين مما تقـدم أن اليهود والنصارى وسائر المشركين من عبدة الأوثان والمجوس كلهم كفار؛ من مات منهم على كفره فهو في النار، وأنهم جميعا مدعوون إلى
الإيمان بالقرآن وبالرسول الذي جاء بالقرآن، ومأمورون باتباعه عليه الصلاة والسلام، فإن رسالة محمد صلى الله عليه وسلـم عامة لجميـع الناس مـن الكتابيين والأميين، كما قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَ‌سُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: ١٥٨] وقوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَ‌سُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَ‌ةٍ مِّنَ الرُّ‌سُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ‌ وَلَا نَذِيرٍ‌ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ‌ وَنَذِيرٌ‌ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‌} [المائدة: ١٩] وقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولانصراني ثم يموت ولم يؤمن بما أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (رواه مسلم).

ولكن دلت النصوص من الكتاب والسنة على الفرق بين أهل الكتـاب وغيرهـم من الكفار في بعض الأحكام، فمن ذلك: حل ذبائح أهل الكتاب، وحل نسائهم الحرائر العفيفات: كما قال تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَ‌هُنَّ} [المائدة: ٥] بخـلاف سـائر طوائف الكفار من المجوس وعبدة الأوثان وغيرهم، فلا تحل ذبائحهم ولا نسائهم للمسلمين، وهذا متفق عليه بين
العلماء، ومن ذلك أن الـجزية لا تؤخـذ إلا من اليهود والنصارى و المجوس، علـى قول أكثر أهـل العلم، لقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ‌ وَلَا يُحَرِّ‌مُونَ مَا حَرَّ‌مَ اللَّـهُ وَرَ‌سُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُ‌ونَ} [التوبة: ٢٩] وثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخذ الجـزية من مجوس هجر، فلذلك اتفق العلماء على أخذ الجزية من هذه الطوائف، واختلفوا في أخذها من غيرهم، والراجح أنها تؤخذ من جميع طوائف الكفار، لحديث بريدة في صحيح مسلم: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتـقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا-الحديث، فيه-وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصـال -أو خلال- فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا-أي عن الإسلام- فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم" الحديث.

فإذا تبين مما تقدم أن الكفر ضد الإسلام، وأن من ليس بمسلم فهو كافر، سواء أكان يهوديا أم نصرانيا أم وثنـيا مشركا أم ملحدا علم بذلك ضلال من يعبر عن الكفر بالرأي الآخر، وعن الكفار بغير المسلمين ويتحاشى وصفهم بالكفر والكافريـن مع ما يتضمنه هذا المنحى الفاسد من اعتبار دين الإسلام الذي- هو دين الله- رأيا يقابل برأي، وهذا اللفـظ (أي الرأي الآخر) يقتضي أن دين الإسلام منشؤه الفكر والاجتهاد ممن جاء به، -وهو الرسول صلى الله عليه وسلم- أو أخذ به -وهم المؤمنون-، ومعلوم أن من يعتقد ذلـك من المنتسبين إلى الإسلام فإنه كافر مرتد عن الإسلام، فسبيله سبيل المرتدين، وحكم المرتـد أن يستتاب، فإن تاب و إلا قتل. ولكن من الخطأ الفاحش أن يصدر مثل هذا التعبير ممن يعلم يقينا أنه لا يعتقد مدلول اللفظ، ولكنه يؤثر هذا التعبير مصانعة للكفار وتألفا لهم بزعمه، ومعلوم أن هذا ليس من التآلف المشروع، فإن الله نعت كل من خرج عن دين الإسلام بالكفر والشرك، كما تقدم ذكر بعض الشواهد من القرآن على ذلـك، ومن هذا قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُ‌ونَ} [الكافرون: ١] إلى آخر السورة، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ‌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‌} [التغابن: ٢] فيجب على من وقع منه هذا الخطأ أن يستغفر ويتوب كما أمر الله بذلك في قوله سبحانه: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُ‌وا رَ‌بَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: ٣]، نسأل الله أن يلهم الجميع الصواب، وأن يتوب علينا إنه هو التواب الرحيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.