منقولا

يحتار المرء في حل مشكلته التي يعبر عنها بكونه يشعر بوحشه بينه وبين نفسه وغربه شخصية ممن حوله، وعودة إلى الذنب متكررة، ومعصية بعد طاعة، حتى إنه ليخشى أن يأتيه الموت وهو على حالة لا ترضى الله، إنها مشكلة مكرورة وسؤال دائم يكاد أن يشكو به كل أحد.
مشكلة علم الله سبحانه وتعالى بشكوى الناس حولها فتتابعت ألفاظ التشريع الكريم في حلها، والنصح في طريقة تناولها ووصف الخطوات لتخفيف حدتها، فكانت كالتالي:
اولا: " إن الحسنات يذهبن السيئات "
إنها آية كريمة، تدعو إلى المسارعة في الحسنة بعد السيئة، وكذا منطوق حديث النبي صلى الله عليه وسلم ونصحه لمن ارتكب اثما، أو وقع في ذنب أو زلت به قدمه في معصية، فينصحه النبي صلى الله عليه وسلم ويأمره أن يسارع فيقول: وأتبع السيئه الحسنة تمحها..
إنه العلاج الأنجع بعد ارتكاب الاثم والشعور بالندم من الولوغ فيه، أن يستجمع المرء قواة، فيبتدئ بالحسنة بعد المعصية.
وقد نصح العلماء بأن تكون الحسنة تلك هي الاستغفار عملا بقوله تعالى " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم "، إنها محاولة تطهير فورية لما ألمّ بالقلب من دنس المعصية ونكت الذنب.
ثانيا: " ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه "
منطوق حديث قدسي، يعلمنا فيه أن الصلاة ونوافل العبادات ملجأ آخر، وكهف يحتمي الصالحون به من الوحشة والغربة.
هي نصيحة صريحة لكل من استشعر الوحشة في قلبه، والغربة في نفسه أن يلجأ إلى نوافل الصلوات، فيكثر منها قدر ما يستطيع بحسب سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ونوافل العبادات كذلك، فإنها تقرب من محبة الله سبحانه وتعالى وتملأ القلب بحب الله عز وجل، وتلين جوانبه وترقق أركانه.
فمن أحب الله سبحانه وتعالى أخلص له، ومن أحبه الله سبحانه وتعالى لا يبأس أبدا ولا ييأس أبدا ولا يستوحش أبدا.
ثالثا: "أنا عند ظن عبدي بي "
منطوق حديث قدسي آخر يعلمنا أن حسن الظن بالله سبحانه سبب عظيم من أسباب الرحمة والستر والغفران، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يقول الله تعالى: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) رواه البخاري ومسلم.
إنه من أحاديث الرجاء العظيمة التي تدعو لحسن الظن بالله جل وعلا، والإكثار من ذكره، وبيان قرب الله من عبده إذا تقرب إليه العبد بأنواع الطاعات.
لقد بدأ الحديث بدعوة إلى حسن الظن بالله فبين أنه عند ظن عبده به، أي أنه يعامله على حسب ظنه به، ويفعل به ما يتوقعه منه من خير أو شر، فكلما كان العبد حسن الظن بالله، حسن الرجاء فيما عنده، فإن الله لا يخيب أمله ولا يضيع عمله، فإذا دعا الله عز وجل ظن أن الله سيجيب دعاءه، وإذا أذنب وتاب واستغفر ظن أن الله سيقبل توبته ويقيل عثرته ويغفر ذنبه، وإذا عمل صالحاً ظن أن الله سيقبل عمله ويجازيه عليه أحسن الجزاء
فليظن كل امرء بربه ما يشاء فالصالحون يظنون في ربهم أنه سيغفر لهم ذنوبهم ويستر عيوبهم، ويتول أمرهم ويزيل وحشه قلوبهم، ويهديهم إليه صراطا مستقيما، والله سبحانه يستجيب الدعوات ويغفر الزلات ويرفع الدرجات.