بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.



قال رحمه الله تعالى:
الثالث عشر: اختلف النظار في الأسماء التي تطلق على الله وعلى العبد كالحي والسميع والبصير والعليم والقدير والملك، ونحوها، فقالت طائفة من المتكلمين:

هي حقيقة في العبد مجاز في الرب، وهذا قول غلاة الجهمية، وهو أخبث الأقوال وأشدها فسادا،

الثاني: مقابله وهو أنها حقيقة في الرب مجاز في العبد، وهذا قول أبي العباس الناشي،

الثالث: أنها حقيقة فيهما، وهذا قول أهل السنة وهو الصواب.

واختلاف الحقيقتين فيهما لا يخرجها عن كونها حقيقة فيهما، وللرب تعالى منها ما يليق بجلاله، وللعبد منها ما يليق به وليس هذا موضع التعرض لمأخذ هذه الأقوال وإبطال باطلها وتصحيح صحيحها، فإن الغرض الإشارة إلى أمور ينبغي معرفتها في هذا الباب، ولو كان المقصود بسطها لاستدعت سفرين أو أكثر.

يغرف من بحر رحمه الله، ثم ذكر هذه القاعدة في اختلاف النظار في الأسماء التي تطلق على الله وعلى العباد، الحي السميع البصير العليم القدير الملك ونحوها، فهذه يقال عن العبد إنه حي، والله أيضا حي، سميع وسميع، بصير بصير، فما القول في هذه الأسماء التي تطلق على الرب وعلى العبد؟
قال: قالت طائفة من المتكلمين: هي حقيقة في العبد مجاز في الرب، وهذا قول غلاة الجهمية وهو أخبث الأقوال وأشدها فسادا، ما معنى مجاز في الرب؟ ما هو المجاز؟ قسيم الحقيقة، المجاز قسيم الحقيقة، وإن شئت قل: المجاز ما ليس بحقيقة، المجاز قسيم الحقيقة أي ما ليس بحقيقة، وأخص أوصاف المجاز عند القائلين به أنه يصح نفيه، مثلا، الأمثلة المشهورة في التعريف بالمجاز يقولون: زيد أسد، يقولون هذه مجاز، زيد أسد، هذا مجاز، لماذا مجاز؟ لأنه يصح أن تلغيه، تقول:لأ ليس بأسد هو إنسان، فكل ما كان من هذا القبيل يعني الذي يصح نفيه يقولون: إنه مجاز، إذًا لما يقول هؤلاء أسماء الله - سبحانه وتعالى - هي فيه مجاز معنى ذلك أنه يصح أن تنفيها ولا تثبتها لله - سبحانه وتعالى - فإذًا حقيقة القول بأن أسماء الله - سبحانه وتعالى - وصفاته مجاز أي لا حقيقة لها، نفيها وتعطيلها، ولهذا قال ابن القيم: وهو أخبث الأقوال وأشدها فسادا، أي خبث أشنع! وأي فساد أفظع من أن يقال إن أسماء الله وصفاته غير حقيقية ولا حقيقة لها؟
تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
قال: الثاني مقابله، يعني ضد هذا القول وهو أنها حقيقة في الرب مجاز في العبد، يعني هذه الأسماء حقيقة في الرب وتطلق على العبد على وجه المجاز، يعني على غير وجه الحقيقة، وهذا قول أبي العباس الناشي وذكر في ترجمته في سير أعلام النبلاء أو في تاريخ الإسلام أنه من المعتزلة، كما ذكر ذلك الذهبي -رحمه الله- في ترجمته له في تاريخ الإسلام، وكان قد توفي عام مائتين وثلاثة وستين، يلقب بالناشي.
القول الثالث: وهو الحق أنها حقيقة فيهما، يعني هذه الأسماء وما تدل عليه من صفات هي حقيقة في الرب وحقيقة في العبد، وهذا قول أهل السنة والجماعة وهو الصواب، ثم ذكر - رحمة الله عليه - قاعدة ذهبية ونافعة جدا في هذا الباب، وفي نسختي أنا كتبتها مكبرة، قال: واختلاف الحقيقتين فيهما لا يخرجها عن كونها حقيقة فيهما، اختلاف الحقيقتين فيهما لا يخرجها عن كونها حقيقة فيهما، يعني هذه السمع مثلا، مثال السمع حقيقة في الرب وحقيقة في العبد، سمع حقيقي في الرب، وسمع حقيقي في العبد، والسمع فيهما مختلف سمع الله يخصه ويليق به، وسمع العبد يخصه ويليق به، فالحقيقتان مختلفتان، فهل اختلاف الحقيقتين يخرجها عن كونها حقيقة؟ لا يخرجها، هي تبقى حقيقة في الرب وحقيقة في العبد، ولكن حقيقتان مختلفتان.
وهنا قاعدة مفيدة يذكرها العلم وهي أن الإضافة تقتضي التخصيص ما معنى ذلك؟ أي أن ما يضاف إلى الله - سبحانه وتعالى - يخصه ويليق به ويليق بجلاله وكماله، وما يضاف إلى العبد يخصه ويليق به ويليق بنقصه وضعفه، فالإضافة تقتضي التخصيص، فالسمع إذا أضيف إلى الله يخص الله، وهو حقيقة يليق بالرب - سبحانه وتعالى - وإذا أضيف إلى العبد فإنه يخص العبد ويليق بالعبد، وهو في الرب حقيقة وفي العبد حقيقة، وليست الحقيقة كالحقيقة.
ومن القواعد أيضا التي ذكرها العلم هنا وقررها السلف قديما اتفاق الأسماء لا يلزم منه اتفاق الحقائق والمسميات، فيكون الاسم متفقا ولكن الحقيقة مختلفة، وهذا أمر نحن ندركه بين مخلوق ومخلوق، على سبيل المثال الأسد له قوة والنملة لها قوة، هل يلزم من إثباتنا قوة للنملة أن نكون شبهنا النملة بالأسد؟ ما أحد يقول هذا، هذا أمر نحن ندركه بين المخلوق والمخلوق، فكيف الأمر بين الخالق والمخلوق، الحقيقة مختلفة، النملة لها قوة تستطيع أن تحمل بها القطعة الخفيفة من الطعام وتصعد بها فلها قوة، والأسد له قوة، لكن حقيقة قوة الأسد مختلفة، وما أظن أن الأسد يرضى أن يقال: إن قوته مثل قوة النملة بحجة أن كلا منهما فيه قوة.
فيقول ابن القيم -رحمه الله- اختلاف الحقيقتين فيهما لا يخرجها عن كونها حقيقة فيهما ثم قرر هنا قاعدة، قال: وللرب تعالى منها ما يليق بجلاله، وللعبد منها ما يليق به، يمكن أن تقول هنا ما ذكره أهل العلم؛ لأن الإضافة تقتضي التخصيص، أي: أن ما يضاف إلى الرب - سبحانه وتعالى - يخصه ويليق به، وما يضاف إلى العبد يخصه ويليق به، ثم قال: وليس هذا موضع التعرض لمأخذ هذه الأقوال أي الباطلة وإبطال باطلها وتصحيح صحيحها، ولمأخذ هذه الأقوال أي عموما، وإبطال باطلها وتصحيح صحيحها فإن الغرض الإشارة إلى أمور ينبغي معرفتها في هذا الباب، وهذا يوحي إليك أن ابن القيم هنا يراعي لك الاختصار وذكر القواعد والكليات العامة بدون البسط والتطويل، يقول: هذا له موضع آخر، ولو كان المقصود بسطها لاستدعت سفرين أو أكثر يعني مجلدين أو أكثر فهو - رحمة الله عليه - يغرف من بحر، نقف هنا والحديث إن شاء الله يتم في الدروس القادمة، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

الفوائد الجليلة في الأسماء والصفات لابن القيم