لا يدخل الجنة قاطع رحم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
لقدأمر الله بصلة الأرحام والبر والإحسان إليهم، ونهى وحذر عن قطيعتهموالإساءة إليهم، وعد صلى الله عليه وسلم قطيعة الأرحام مانعاً من دخولالجنة مع أول الداخلين، ومُصْلٍ للمسيئين لأرحامهم بنار الجحيم. وعلى الرغممن وصية الله ورسوله بالأقارب وعد الإسلام صلة الرحم من الحقوق العشرةالتي أمر الله بها أن توصل في قوله تعالى { وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَتُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِيالْقُرْبَى } البقرة 36 إلا أن جلّ المسلمين أضاعوا هذا الحق مثل إضاعتهملغيره من الحقوق أو أشد مما جعل الحقد والبغضاء والشحناء تحل محل الألفةوالمحبة والرحمة بين أقرب الأقربين وبين الأخوة في الدين على حد سواء.
>
تعريف الصلة: الوصل وهو ضد القطع.
>
تعريف الرحم: هي كل من تربطك به صلة نسبية من جهة الأم أو الأب ، ويدخل فيذلك من تربطك به صلة سببية من النكاح أيضا وهم الأصهار.

فضل صلة الرحم
1-صلةالرحم شعار الإيمان بالله واليوم الآخر: فعن أبي هريرة رضي الله عنه عنالنبي صلى الله عليه وسلم قال: « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصلرحمه» رواه البخاري.
2-صلةالرحم سبب لزيادة العمر وبسط الرزق: فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسولالله صلى الله عليه وسلم قال: « من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له فيأثره فليصل رحمه» رواه البخاري ومسلم. والمراد بزيادة العمر هنا إما: البركة في عمر الإنسان الواصل أو يراد أن الزيادة على حقيقتها فالذي يصلرحمه يزيد الله في عمره.
*
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الرزق نوعان: أحدهما ما علمه الله أن يرزقه فهذا لا يتغير. والثاني ما كتبه وأعلم بهالملائكة فهذا يزيد وينقص بحسب الأسباب.
3-صلةالرحم تجلب صلة الله للواصل: فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن اللهخلق الخلق حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم هذا مقام العائذ بك من القطيعةقال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك واقطع من قطعك قالت بلى يا رب قال فهولك» رواه البخاري ومسلم.
4-صلةالرحم من أعظم أسباب دخول الجنة: عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنرجلا قال يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة فقال رسول الله صلى اللهعليه وسلم: « تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصلالرحم» رواه البخاري ومسلم.
5-صلةالرحم طاعة لله عز وجل: فهي وصل لما أمر الله به أن يوصل، قال تعالى مثنياعلى الواصلين { وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَوَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ } سورة الرعد21 .
6-شيوع المحبة بين الأقارب: فبسببها تشيع المحبة، وبهذا يصغو عيشهم وتكثر مسراتهم.
7-رفعة الواصل:فإن الإنسان إذا وصل أرحامه وحرص على إعزازهم أكرمه أرحامه وأعزوه وأجلوه وسودوه وكانوا عونا له.

عقوبة تارك الرحم
1-قاطعالرحم ملعون في كتاب الله: قال الله تعالى { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنتَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْأُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىأَبْصَارَهُمْ } سورة محمد: 22-23 ، قال علي بن الحسين لولده: يا بني لاتصحبن قاطع رحم فإني وجدته ملعونا في كتاب الله في ثلاثة مواطن.
2-قاطعالرحم من الفاسقين الخاسرين: قال الله تعالى { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّالْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِوَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِيالأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } البقرة: 26-27 .
3-قاطعالرحم تعجل له العقوبة في الدنيا ولعذاب الأخرة أشد وأبقى: عن أبي بكر رضيالله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ما من ذنب أجدر أن يعجلالله لصاحبه بالعقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعةالرحم» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
4-لايرفع له عمل ولا يقبله الله: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبيصلى الله عليه وسلم يقول: « إن أعمال بني آدم تعرض على الله تبارك وتعالىعشية كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم» رواه أحمد ورجاله ثقاتوحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.
5-قطعهاقطع للوصل مع الله: عن عائشة رضي الله عنه قالت: قال رسول الله صلى اللهعليه وسلم : « الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعهالله» رواه البخاري ومسلم وهذا لفظه.
6-سبب في المنع من دخول الجنة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يدخل الجنة قاطع رحم» رواه الترمذي.

بأي شيء تكون الصلة ؟
تكونبأمور عديدة فتكون بزيارتهم وتفقّد أحوالهم والسؤال عنهم والإهداء إليهموإنزالهم منازلهم والتصدق على فقيرهم والتلطف مع غنيهم وتوقير كبيرهم ورحمةصغيرهم وضعفتهم وتعاهدهم بكثرة السؤال والزيارة: إما أن يأتي الإنسانإليهم بنفسه أو يصلهم عبر الرسالة أو المكالمة الهاتفية.
وتكون باستضافتهم وحسن استقبالهم وإعزازهم وإعلاء شأنهم وصلة القاطع منهم.
وتكون أيضا بمشاركتهم في أفراحهم ومواساتهم في أتراحهم،
وتكون بالدعاء لهم وسلامة الصدر نحوهم وإصلاح ذات البين إذا فسدت بينهم والحرص على تأصير العلاقة وتثبيت دعائمها معهم.
وتكونبعيادة مرضاهم وإجابة دعوتهم وأعظم ما تكون به الصلة أن يحرص المرء علىدعوتهم إلى الهدى وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.. وهذه الصلة تستمر إذاكانت الرحم صالحة مستقيمة أو مستورة.

الأمور المعينة على الوصل
1-التفكر في الآثار المترتبة على الصلة: فإن معرفة ثمرات الأشياء وحسن عواقبها من أكبر الدواعي إلى فعلها والسعي إليها.
2-النظر في عواقب القطيعة: وذلك بتأمل ما تجلبه القطيعة من هم وغم وحسرة وندامة ونحو ذلك، فهذا مما يعين على اجتنابها والبعد عنها.
3-الاستعانة بالله: وذلك بسؤال التوفيق والإعانة على صلة الأقارب.
4-مقابلة إساءة الأقارب بالإحسان: فهذا مما يبقي على الود ويهون على الإنسان مايلقاه من إساءة أقاربه.
5-قبول أعذارهم إذا أخطأوا واعتذروا، والصفح عنهم ونسيان معايبهم حتى ولو لم يعتذروا: فهذا مما يدل على كرم النفس وعلو الهمة.
6-ترك المنة عليهم والبعد عن مطالبتهم بالمثل.
7-تجنب الشدة في العتاب وتحمل عتاب الأقارب وحمله على أحسن المحامل.
8-الاعتدال في المزاح مع الأقارب مع مراعاة أحوالهم وتجنب المزاح مع من لا يتحمله.
9-المبادرة بالهدية إن حصل خلاف مع الأقارب : فالهدية تجلب المودة، وتكذب سوء الظن، وتستل سخائم القلوب.
10-الحرص التام على تذكر الأقارب في المناسبات والولائم والاجتماعات الدورية سواء كانت شهرية أو سنوية أو غير ذلك.
11-صندوقالقرابة الذي تجمع فيه تبرعات الأقارب واشتراكاتهم، ويشرف عليه بعضالأفراد، فإذا ما احتاج أحد من الأسرة مالاً لزواج أو نازلة أو غير ذلكبادروا إلى دراسة حاله وساعدوه ورفدوه، فهذا مما يولد المحبة وينميالمودة.
12-
التغاضي والتغافل: فهو من أخلاق الأكابر وهو مما يعين على استبقاء الموده وعلى وأد العداوة. وقال علـي رضي الله عنه:
أُغمض عيني عن أمور كثيرة .. وإني على ترك الغموض قدير
وأسكت عن أشياء لو شئت قلتها .. وليس علينا في المقال أمير

أسباب قطيعة الرحم
1- الجهل: فالجهل بعواقب القطيعة العاجلة والآجلة يحمل عليها ويقود إليها كما أن الجهل بفضائل الصلة العاجلة والآجلة يقصر عنها ولا يبعث إليها.
2- ضعف التقوى: فإذا ضعفت التقوى ورق الدين لم يبال المرء بقطع ما أمر الله به أن يوصل ولم يطمع بأجر الصلة ولم يخش عاقبة القطيعة.
3- الكبر: فبعض الناس إذا نال منصباً رفيعاً أو حاز مكانة عالية أو كان تاجراً كبيراً تكبر على أقاربه وأنف من زيارتهم والتودد إليهم بحيث يرى أنه صاحب الحق وأنه أولى بأن يزار ويؤتى إليه.
4- العتاب الشديد: فبعض الناس إذا زاره أحد من أقاربه بعد طول انقطاع أمطر عليه وابلا من اللوم والعتاب والتقريع على تقصيره في حقه، وإبطائه في المجيء إليه ومن هنا تحصل النفرة من المجيء خوفاً من لومه وتقريعه وشدة عتابه.
5- قلة الاهتمام بالزائرين: فمن الناس من إذا زاره أقاربه لم يبد لهم الاهتمام ولا يفرح بمقدمهم ولا يستقبلهم إلا بكل تثاقل مما يقلل رغبتهم في زيارته.
6- الشح والبخل: فمن الناس من إذا رزقه الله مالاً أو جاهاً تجده يتهرب من أقاربه خوفاً من الاستدانة منه أو يكثرون الطلبات عليه أو غير ذلك.
7- الاشتغال بالدنيا واللهث وراء حطامها فلا يجد هذا اللاهث وقتاً يصل به قرابته ويتودد إليهم.
8- نسيان الأقارب في الولائم والمناسبات: فربما نسي واحداً من أقاربه، وربما كان هذا المنسي ضعيف النفس أو ممن يغلب سوء الظن فيفسر هذا النسيان بأنه تجاهل له واحتقار لشخصه فيقوده ذلك الظن إلى الصرم والهجر.
9- كثيرة المزاح: فإن لكثرة المزاح آثار سيئة فلربما خرجت كلمة جارحة من شخص لا يراعي مشاعر الآخرين فأصابت مقتلاً من شخص شديد التأثر فأورثت لديه بغضاً لهذا القائل ويحصل هذا كثيراً بين الأقارب لكثرة اجتماعاتهم.
10- الطلاق بين الأقارب.
11- التقارب في المساكن: يسبب غالباً خصومات بسبب الزوجات أو بسبب الأولاد فتنتقل إلى الوالدين فتحلل القطيعة قال عمر: مروا ذوي القربات أن يتزاوروا ولا يتجاوروا.
12- قلة تحمل الأقارب والصبر عليهم إذا حصلت هفوة أو زله.
13- الحسد.
14- تأخير قسمة الميراث.
موعظة للقاطعين
كان أبوبكر رضي الله عنه ينفق على إبن خالته لأنه كان فقيرا، ولما كان حديث الإفك عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تكلم عنها ابن خالته مع من تكلموا في حقها، فلما بلغ ذلك أبابكر قطع عليه النفقة وهذا في نظرنا أقل ما يمكن فعله، ولكن الله سبحانه وتعالى أنزل في ذلك قرآنا كريما ليسطر لنا مثلا عظيما في التعامل الاجتماعي بين الناس فنزل قوله تعالى {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ِ} النور22، قال أبوبكر رضي الله عنه:بلى!! أي بلى أحب أن يغفر الله لي وأن يعفو عني فرد أبوبكر رضي الله عنه النفقة التي كان ينفقها على ابن خالته رغم ماكان منه في حق أم المؤمنين رضي الله عنه.
فأنظر أخي الكريم إذا كنت قاطعا لرحمك ما السبب في ذلك، مهما كان السبب فعادة لا يرقى إلى مثل السبب الذي قطع بسببه أبوبكر النفقة على ابن خالته ورغم ذلك أنظر كيف كان الرد القرآني على ذلك.
أصلهم ويقطعوني
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال صلى الله عليه وسلم: « لئن كنت قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» رواه مسلم. والمل هو الرماد الحار،
فكانه شبه ما يلحقهم من الألم والإثم - والحالة هذه - بما يلحق آكل الرماد الحار.كما قال صلى الله



عليه وسلم « ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل إذا قطعت رحمه وصلها» رواه البخاري.
* معنى الحديث: إن صلة الرحم ليست في أن يكتفي الإنسان بصلة من وصله فهذه تسمى مكافأة... بل أعظم ما يكون من الصلة هي في وصل من حصلت منه القطيعة.

فائدة من حديث
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» رواه البخاري
صلة الرحم لا تزيد كمية الرزق ولا في مدة العمر من حيث هو لأن الأرزاق مقسومة والآجال مضروبة كما ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنها تزيد في بركة هذا وذاك فيكثر خير الرزق ويعظم نفعه كما يكثر العمل الصالح ويوفق الإنسان إليه بما يتسبب فيه أثناء زيارته لذوي رحمه ولا سيما إذا كان من الصالحين الذين يقتدى بهم فإنه يؤثر فيهم بصلاحه فيكون له مثل أجورهم لأنه تسبب فيها وقد قال صلى الله عليه وسلم: « من أعان على خير فله مثل أجر فاعله» رواه مسلم فيكون عمره بذلك مباركا لكثرة ثوابه عند الله تعالى.
فيا عباد الله يا من آمنوا بالله ورسوله انظروا حالكم في أقاربكم:
هل قمتم بما يجب لهم عليكم من صلة؟
هل ألنتم لهم الجانب؟ هل أطلقتم الوجوه لهم؟
هل شرحتم الصدور عند لقائهم؟
هل قمتم بما يجب لهم من محبة وتكريم واحترام؟
هل زرتموهم في صحتهم توددا؟ هل عدتموهم في مرضهم إحتفاء وسؤالا؟
هل بذلتم ما يجب بذله لهم من نفقة وسداد حاجة؟
أخي الكريم... أختي الكريمة: هيا استعذ بالله من الشيطان الرجيم ومن وساوس النفس وصل رحمك وأبق على الود، واحفظ العهد، وأنثر المحبة والسعادة والسلام، فَصلْ من قطعك وأَعْط من حرمك وأعفُ عمن ظلمك.
كن كالنخيل عن الأحقاد مرتفعا *** بالطوب يرمى فيعطي أطيب

سلسلة العلامتين ابن باز والألباني