rd425n07sjcx4mjrvbu.gif

8zak322z902csi4gvfxm.gif

zme28gs916eb1l7xixcj.gif

6o0cc52d8m37ztg4gft.gif

gb5pwxhv9ieqe1e9sos9.gif

35j2jhb96oa2gssxpr1s.gif

 

نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي




+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: عدوان 56

  1. تكبير الخط تصغير الخط
    بتاريخ : 24-08-11 الساعة : 02:41 PM رقم #1

    افتراضي عدوان 56


    عضو جديد




    رقم العضوية : 22499
    عضو منذ : Oct 2009
    المشاركات : 27
    بمعدل : 0.01 يوميا


    الحلقة الاولى


    مقدمة :
    لم تكن حرب السويس معركة حربية بالمعنى المفهوم من هذا الاصطلاح, ولكنها كانت عدوانا إسرائيليا سافرًا على سيناء, فاجأ القيادة المصرية التى كانت تتوقع هجوما بريطانيا, أو هجوما فرنسيا بريطانيا على سواحل مصر الشمالية, كنتيجة حتمية لقرار عبد الناصر بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس, شركة مساهمة مصرية. ولم تتصد مصر لرد العدوان الذى شنته إسرائيل على سيناء فى التاسع والعشرين من أكتوبر 1956 كما يجب, أو كما كان ينبغى أن يكون الرد فى مثل هذه الحالات, بل حدث ما يشبه الاستسلام لهذا العدوان السافر, فاحتلت إسرائيل سيناء, وحققت كل ما كانت تَهدف إلى تحقيقه من وراء عدوانِها كما سنرى, مع انّها انسحبت من سيناء فى الأشهر الأولى من عام 1957, ليس هذا فقط, فعلى تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى, مهدت حرب السويس كما أطلق عليها منظر الناصرية محمد حسنين هيكل لأخطر منعطف فى تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى الذى تَمثل فى كارثة يونيو67, كما سيتضح من خلال هذه الصفحات؛
    جاء فى كتاب قصة السويس لمحمد حسنين هيكل :
    (بعد أن تم إنزال كتيبة مظلات إسرائيلية فى منطقة سدر الحيطان بسيناء, وتحرك لواء ميكانيكى إسرائيلى باتجاه منطقة الكونتيلا بسيناء أيضا, وصل الخبر إلى عبد الناصر وهو يشترك فى الاحتفال بعيد ميلاد ابنه عبد الحميد, يقول هيكل : سُلِّمت إليه برقية اليونايتدبرس تنقل البيان الرسمى الإسرائيلى, وقرأ عبد الناصر البرقية ثم ناولها إلى عبد الحكيم عامر وكان يحضر حفلة عيد الميلاد, وخرج الاثنان من القاعة المليئة بالأطفال وتوجها إلى غرفة مكتب عبد الناصر, ومن هناك راح عبد الحكيم يتصل بِمقر القيادة العسكرية فى كوبرى القبة, ولم تكن الوحدات المصرية فى الميدان قد أبلغت بعد عن حدوث شىء ...!! )
    يقول هيكل أيضا فى نفس الكتاب :
    ( إن الطريقة التى بدأت بِها العملية لم تنقل إليه ( أى إلى عبد الناصر ) الإحساس بأنه أمام شىء خطير, كانت لديه تحفظاته التى تجعله يقطع بأن بريطانيا بالذات, لديها من الروادع ما يصدها عن الاشتراك مع إسرائيل فى عمل عسكرى ضد مصر, وكان تحت تصور أن مشكلة قناة السويس فى طريقها إلى حل سياسى, عندما يجتمع الدكتور محمود فوزى مع (سلوين لويد) و(كريستيان بينو) فى جينيف بحضور (همرشولد) وجاء أيضا فى نفس الكتاب :
    (كان عبد الناصر قد اتخذ قرارا بالغ الأهمية فى 8 أغسطس 1956 وهو القرار بسحب القوات المصرية من سيناء لأن جبهة القتال المحتملة قد تغيرت) .
    هذا ونقف قليلا أمام هذا الجزء من الوثائق الذى أتيح لنا حول حرب السويس
    عملية إنزال قوات إسرائيلية فى قلب سيناء مع عدم خشية أى من قادة إسرائيل من توجيه ضربة جوية من قبل سلاح الطيران المصرى, توحى بأن هؤلاء القادة كانوا على يقين من أن سلاح الطيران المصرى لن يتصدى لهذا الهجوم, بل لن يشترك فى المعركة بأى شكل من الأشكال, وإلا ما كان هؤلاء القادة ليدفعوا بِهذه القوات فى عملية إنزال انتحارية أو شبه انتحارية كما حدث, علما بأن سلاح الطيران كان قادرًا فى ذلك الوقت على سحق هذه القوات, بل على توجيه ضربات تدميرية للمدن الإسرائيلية القريبة من مرماه.
    كيف اطمأن قادة إسرائيل إلى أنه سيتم تحييد سلاح الطيران المصرى, فدفعوا بقواتِهم إلى عمق سيناء, لتحتل مواقع هامة بِها مثل ممرات متلا, كخطوة أولى على طريق تنفيذ مخططاتِهم ؟ سؤال بات يبحث عن إجابة, خصوصا إذا وضعنا فى الاعتبار أن أخشى ما كانت تخشاه إسرائيل هو أن تستخدم مصر سلاحها الجوى فى ضرب قواتِها فى سيناء , وفى ضرب المدن الإسرائيلية .
    وأقتطع هنا هذه العبارات من كتاب موسى ديان : قصة حياتى
    - إسرائيل لن تشن حربا وحدها, وأن إسرائيل ستتعرض لمخاطر شديدة خصوصا إذا شن الطيران المصرى هجمات على المدن الإسرائيلية.
    - وكانت المناقشة حامية وقد سألتهم عما إذا كان السلاح الفرنسى سوف يهب لمساعدتنا إذا ما تعرضت مدننا للقصف فى الأربع وعشرين ساعة الأولى, وكان ردهم بالسلب, وأضافوا إن البريطانيين يعترضون على هذه الفكرة لأنّها فى رأيهم تفسد السيناريو, وعند هذه النقطة انفجرت غضبا من المنطق نفسه ومن كثرة ترديد كلمة السيناريو وقلت لهم إن شيكسبير كان كاتب سيناريو عبقريا, ولكم أشك فى أن أحدا من مجلس الوزراء قد ورث كفاءته .
    (موسى ديان : قصة حياتى )
    - إن تقلص حجم القوات المصرية يُمثل إغراء شديدا لإسرائيل, ولكن عبد الناصر استبعد أن تقترب إسرائيل من هذا الإغراء فى هذه المرحلة .
    ( من تقرير كبير مراقبى الهدنة بيرنز إلى همرشولد الأمين العام للأمم المتحدة )
    وجاء فى كتاب (هيكل : قطع ذيل الأسد) ما يلى :
    - إن خطة إسرائيل كانت عدم القيام بأى عمل لاستفزاز القوات الجوية المصرية للعمل, لأنه كان يُخشى أنّها يُمكن أن ترد بالإغارة على تل أبيب وغيرها من المدن الإسرائيلية. وكان بن جوريون قلقا بالذات من طائرات الإليوشن وهذا يفسر لنا نقص النشاط الجوى (الإسرائيلى) فى المراحل الأولى, الأمر الذى حير القيادة فى القاهرة.
    ويقول بغدادى فى مذكراته :
    (وكانت إسرائيل التى تستعد للحرب ضد مصر من يناير 1955 لا تخشى شيئا أكثر من هجمة الطيران المصرى )
    يبرر هيكل عدم مشاركة السلاح الجوى المصرى فى المعركة بعد أن تَمت عملية الإنزال الإسرائيلية وباتت نية إسرائيل واضحة, فيقول على لسان عبد الناصر :
    (على الطيران المصرى ألا يشتبك مع العدو لأنّها معركة غير متكافئة وليس مهما تدمير الطائرات المصرية, الحفاظ على الطيارين هو المهم) [ هيكل :قطع ذيل الأسد , ملفات السويس ]
    وقد ورد هذا التبرير فى أكثر من موضع من كتب هيكل, حتى خطة الانسحاب التى أوردها عن عبد الناصر تضمنت هذا البند الخاص بعدم اشتراك الطيران فى القتال. مِما يقطع بأنّه التبرير الوحيد لدى هيكل المدافع عن عبد الناصر دائما, المروج لسياساته على مدى عقود طويلة. ومما لا شك فيه أنه تبرير غير مقبول شكلا وموضوعا, مهما حاول هيكل تنميق عباراته, ودس السم فى العسل كما اعتاد, فالواضح أننا أمام قائد تقاعس عن الدفاع عن وطنه, وهو على رأس المؤتَمنين على أمنه وسلامته, ولا تبرير فى رأينا لهذا التقاعس إلا ما يدعونا ابتداءً إلى اتّهامه بالتواطؤ مع أعداء الوطن, أو الاتفاق معهم بشكل أو بآخر على عدم رد العدوان.
    وهذا يبرر محاولاته تجنب مجابَهة العدو, برغم اعتداءاته المتكررة على الحدود, حتى إذا قام العدو بعملية إنزال فى قلب سيناء بغرض احتلالها, تقاعس عن حمايتها, وأحجم عن رد العدوان على نحو ما رأينا.
    ففى عام 1953 هاجمت إسرائيل معسكر البريج للاجئين, وقتلت عشرين لاجئا فلسطينيا, وطردت البدو المصريين وأقامت مستوطنة إسرائيلية فى منطقة العوجة المنزوعة السلاح وادعت حق السيادة عليها, وفى عام 1955 قامت إسرائيل بغارة على غزة وقتلت 42 جنديا مصريا, هذا مع تصاعد حدة الغارات المستمرة على الأراضى المصرية والأردنية. كل هذا ومصر مُمثلة فى قيادتِها السياسية والعسكرية لا ترد الرد المناسب على هذه الاعتداءات السافرة, ما تفسير ذلك ؟ ما علينا ..
    أما أن تدفع إسرائيل بقواتِها فى سيناء بغرض احتلالها, وتحجم القيادة المصرية عن الرد, فهذا ما لا يرى له أحد أى تبرير إلا أن تكون هذه القيادة متواطئة مع العدو.
    هذا .. وما رواه عبد اللطيف بغدادى (نائب رئيس الجمهورية السابق ) فى مذكراته حول اشتراك سلاح الطيران فى رد العدوان يكاد يذهب إلى ما ذهبنا إليه فى هذا الصدد إذ يقول :
    ( بعد أن تم استعراض الموقف وتقدير نية الإسرائيليين تقرر مقابلة هذا العدوان منهم بالقوة أى بالحرب وخاصة بعد أن تأكدنا من إنزالهم هذه القوة عند مَمرات متلا, ولأنه اتضح أن العملية أكبر من أن تكون غارة من قوات عسكرية إسرائيلية على موقع من مواقعنا, كما كانت العادة قد جرت من قبل, وأنه من الضرورى استخدام قواتنا الجوية فى نفس الليلة, لقذف قوات العدو التى أنزلت عند الممر, وأن تقوم أيضا فى الصباح المبكر بتركيز ضرباتِها على مطارات العدو وطائراته, وأن تعمل قدر طاقتها للحصول على السيطرة الجوية حتى تتمكن بعد ذلك من العمل ضد قوات العدو الأرضية بِمرونة وحرية.)
    (وحضر بعد ذلك محمد صدقى محمود رئيس هيئة أركان القوات الجوية, وصدرت إليه الأوامر بقيام قواتنا بضرب تلك القوات التى أنزلت عند الممر, وكذا مطارات العدو فورا, ولكن ظهر عليه الاضطرات والارتباك, وأبدى أن هناك بعض الصعوبات التى تعترض قيام الطائرات القاذفة بعملياتِها فورا, بحجة عدم توافر الوقود اللازم لها, ولما كانت القاعدة المأخوذ بِها هى ملء خزانات الطائرات بالوقود يوميا بعد انتهاء طيرانِها اليومى, لذا اقترحت عليه بعد أن ذكر لى هذه العقبة أن تقوم الطائرات بالمهمة المطلوبة منها فى تلك الليلة بِما تحمله فى خزاناتِها من وقود على أن يتخذ الإجراءات فى نفس الوقت, ليتم توافر كميات الوقود الضرورية بالقاعدة فى الصباح وانصرف بعد ذلك. وبعد انصرافه تكلم معى عبد الناصر مصرحًا لى بأنه غير مستريح لصدقى محمود للاضطراب الذى ظهر عليه, وطلب منى مساعدة عامر فى الإشراف على القوات الجوية. وانصرف الجميع بعد أن صدرت الأوامر لعدة وحدات من الجيش بالتحرك.) ,
    ( ولم يقبل عبد الحكيم عامر طلب عبد الناصر بإشراف بغدادى على الطيران ففضلت عدم إحراج نفسى - هكذا قال بغدادى )
    تعليـق :
    فى حضور عبد الناصر, القائد الأعلى للقوات المسلحة, يظهر قائد سلاح الطيران تردده فى تنفيذ الأمر الصادر إليه بتوجيه ضربات جوية توقف تقدم العدو, ولا يبدى عبد الناصر إلا (عدم ارتياحه لهذا القائد)
    لم يخش هذا القائد اتّهامه بعصيان الأوامر فى وقت الحرب, تلك التهمة التى تصل عقوبتها إلى حد الإعدام, لم يخش شيئا, وتباطأ فى تنفيذ الأوامر, بل امتنع عن تنفيذها !!, فهل من تفسير لموقف رئيس هيئة أركان القوات الجوية إلا أن يكون هناك اتفاق مسبق بينه وبين عبد الناصر على تحييد سلاح الطيران, يؤكد ذلك أن محمد صدقى محمود ظل فى منصبه بعد ذلك أحد عشر عاما, حتى وقعت كارثة يونيو التى كان شل سلاح الطيران هو السبب الأول لها كما سنرى,
    هذا وإذا كانت رواية بغدادى فى مذكراته تعزز اتّهام عبد الناصر بالتواطؤ مع الأعداء, فما رواه هيكل عن موسى ديان فى المعركة ربّما يقطع بوجود هذا التواطؤ , فقد جاء فيما رواه :
    (قال ديان لـ سمحون (أحد قادة الحرب) : لماذا تدفع خسائر بالعشرات من رجالك, لتحقيق هدف سوف تحصل عليه بدون قطرة دم واحدة فى بضع ساعات ..؟؟؟ ) هيكل : ملفات السويس ص 538
    وبالفعل تم انسحاب القوات المسلحة المصرية إلى غرب القناة بعد عدة ساعات, فهل كان ديان على علم مسبق بقرار الانسحاب الذى صدر عن عبد الناصر, وعارضه عامر أشد المعارضة ..
    لا شك أن قرار الانسحاب, بالطريقة التى صدر بِها وضع اللمسات الأخيرة على الهزيمة العسكرية التى منيت بِها مصر على يد القوات الإسرائيلية, والتى كان من نتيجتها استيلاء إسرائيل على سيناء, وتحقيق أهدافها عبر مفاوضات الانسحاب بعد ذلك.
    قرار عدم اشتراك القوات السورية والقوات الأردنية فى المعركة :
    كان من المفترض أن تشترك الوقت السورية والأردنية فى المعركة, إذ كانت الدول الثلاث مصر وسوريا والأردن مرتبطة فيما بينها بِمعاهدة دفاع مشترك, واعتداء إسرائيل على الأراضى المصرية يوجب اشتراك كل من سوريا والأردن فى القتال, وبالفعل أبدت الدولتان استعدادهما لتوجيه ضربات مباشرة لإسرائيل. ولكن لسبب غير معروف صدر أمر من القيادة المصرية بعدم اشتراك أى من الدولتين فى المعركة. وبات عدم اشتراكهما لغزا فى حاجة إلى تفسير.
    وكعادته تصدى هيكل لتبرير صدور هذا القرار الغريب عن القيادة المصرية .
    يقول هيكل فى كتابه (ملفات السويس) معللا هذا القرار :
    (لقد فضل عبد الناصر أن تخوض مصر المعركة العسكرية وحدها, لأنّها لا تستطيع أن تتحمل مسؤولية ما يُمكن أن يجرى على أرض عربية أخرى قد لا يستطيع أن ينجدها بقوات مصرية فى الوقت المناسب, وكان تفضيله أن تقف الأمة العربية كلها مع الشعب المصرى بِمشاعرها , وبِما تستطيع عمله دون القتال المسلح.)
    وكما نرى هو تبرير غير مقبول, فالمعركة بين الكيان الإسرائيلى والأمة العربية, وهناك اتفاقية دفاع مشترك تربط كلا من سوريا والأردن بِمصر, واشتراك قواتِهما فى المعركة ربّما يقلب الموازين ويسير بالقتال فى اتجاه آخر غير الذى سار فيه. ولا أعتقد أن هناك ما يبرر عدم اشتراك القوات السورية والقوات الأردنية فى المعركة إلا تواطؤ القيادة المصرية على نحو أو آخر مع العدو, ولا يبتعد قرار عدم اشتراك سوريا والأردن فى القتال عن قرار عدم اشتراك سلاح الطيران فى الحرب كثيرا. فكلا القرارين اتُّخِذا لصالح العدو, وعلى حساب المصلحة العليا للوطن, ومن هذا المنطلق كان اتّهامنا للقيادة المصرية بالتواطؤ مع الأعداء, خصوصا وأن الشواهد كلها تؤكد ذلك كما رأينا.



    د/محمود السيد الفخراني

    يمكنك الرد هنا عبر حسابك في فيس بوك دون الحاجة للتسجيل بالمنتدى ( انتظر التحميل )




    محمود الفخراني غير متواجد حالياً
    رد مع اقتباس
  2. تكبير الخط تصغير الخط
    بتاريخ : 24-08-11 الساعة : 02:45 PM رقم #2
    كاتب الموضوع : محمود الفخراني

    افتراضي عدوان 56 (الحلقة الثانية)


    عضو جديد




    رقم العضوية : 22499
    عضو منذ : Oct 2009
    المشاركات : 27
    بمعدل : 0.01 يوميا


    قرار الانسحاب :
    صدر قرار الانسحاب بعد ساعات من دفع قوات إلى شرق القناة لتعزيز القدرة الدفاعية للقوات الموجودة فعلا فى سيناء والتى لم يتم سحبها ضمن قرار عبد الناصر فى 8 أغسطس. وقد رفض عبد الحكيم عامر قرار الانسحاب, ودارت مناقشات حامية بينه وبين عبد الناصر مما اضطر عبد الناصر إلى إصدار القرار بنفسه, وكان ذلك فى 30 أكتوبر .
    وعن قرار الانسحاب يقول هيكل :
    ( .. وكان عبد الناصر فى مقر القيادة فى كوبرى القبة يواجه مواقف بالغة العنف. دخل هو إلى القيادة وفى ذهنه أن الانسحاب الكامل من سيناء ضرورى, حتى لا تقع كارثة كان يخشاها ويتحسب لها, وكان عامر يعارض قرار الانسحاب من سيناء, وحاول عبد الناصر أن يتكلم فى بداية الأمر ويقول لعامر : ألا ترى أن استمرار تدفق قواتنا إلى سيناء معناه أننا نجرى بأقصى سرعة لكى نضع أنفسنا فى فخ ؟ إن قواتنا سوف تجد نفسها, والإسرائيليون أمامها, والإنجليز والفرنسيون وراءها, ولابد من تجمع القوات كلها فى منطقة القناة, وإلى الغرب منها لخوض المعركة ضد العدو الرئيسى وهو بريطانيا وفرنسا, وبعدها يكون الأمر سهلا...!!
    ويقاوم عامر لأسباب عاطفية قرار الانسحاب ويصر عبد الناصر, ويبعث الإشارات موقعة منه إلى قادة الوحدات المتقدمة فى سيناء يأمرهم فيها بالانسحاب.)
    ويقول بغدادى عن قرار الانسحاب :
    (فى العاشرة والثلث مساء صدر قرار الانسحاب الشامل لقواتنا المسلحة من تلك المناطق سيناء وحتى من قطاع غزة ورفح والعريش وشرم الشيخ.)
    ويعلق حمروش على قرار الانسحاب بقوله :
    ( قرر عبد الناصر سحب قوات الجيش إلى منطقة القناة, لتقف مع الشعب فى دفاعه عن حريته وقناته بدلا من دفعها إلى سيناء وهى ثُمن مساحة مصر كلها, والقوات المتيسرة ليست كافية للدفاع عنها فى ظروف تفرض الصحراء فيها متاعب إدارية وفنية كبيرة. وللحقيقة والتاريخ أن عبد الحكيم عامر رفض قرار الانسحاب وظل فى مناقشة عاصفة مع عبد الناصر طوال الليل مما أخر سحب الدبابات قليلا..)
    هكذا وقعت الهزيمة .. انسحبت القوات المصرية غرب القناة .. واستولت إسرائيل على سيناء , دون أن تكلف نفسها عناء القتال إلا ما أبدته الفرقة الثامنة من مقاومة كادت تتكسر على صخرتِها آمال الإسرائيليين وطموحاتُهم, لولا قرار الانسحاب الذى كان بِمثابة طوق نجاة بالنسبة للقوات الإسرائيلية.
    من هذا العرض لسير المعركة كما وردت فى كتب هيكل, ومذكرات بغدادى, وأحمد حمروش, وهى مصادر ترقى إلى درجة الوثائق يتضح لنا أن أسباب الهزيمة ترجع فى مجملها إلى القيادة العسكرية والسياسية متمثلة فى عبد الناصر, فقد اتخذ عدة قرارات, صبت كلها فى مصلحة إسرائيل, وأدت فى النهاية إلى احتلال سيناء.
    أول هذه القرارات هو قرار سحب القوات المصرية من سيناء (8 أغسطس 56) بدعوى أن جبهة القتال المحتملة قد تغيرت ). فهل كان عبد الناصر بالفعل يُعد العدة لصد عدوان بريطانى أو بريطانى فرنسى محتمل على الجبهة الشمالية جراء قرار تأميم قناة السويس الذى أصدره قبل أيام من هذا التاريخ ؟ وهل لم يضع عبد الناصر فى اعتباره احتمال قيام إسرائيل بعدوان مباغت على سيناء ؟ وهل ما قامت به إسرائيل من مناوشات على الحدود على مدى العامين السابقين على هذا العدوان, لم ينذر أو ينبه القيادة المصرية إلى وجود عدو شرس على الحدود الشرقية, تنبغى مقاومته, أو على الأقل وضع حد لأطماعه التى لا ينفك يعلن عنها ؟ وهل ساهم قرار سحب القوات المصرية فى الثامن من أغسطس, ومعه قرار انسحاب القوات المصرية من سيناء إلى الضفة الشرقية للقناة فى 30 أكتوبر, بعد دفعها إلى سيناء بأقل من 24 ساعة فى صد العدوان البريطانى الفرنسى فى السادس من نوفمبر, وهل قرار الانسحاب بالطريقة التى صدر بِها (كل رجل على مسؤوليته) كان يضمن وصول هذه القوات إلى موقعها الجديد فى سلام, وتكون قادرة عندئذ على القيام بالمهام الموكلة إليها ؟
    جاء فى كتاب (الطريق إلى السويس ) :
    - كان الانسحاب أمرا شاقا فى مواجهة هذه الأوضاع التى لم يلقها جيش من الجيوش فى الحروب العصرية, لاسيما بعد أن فقدت القوات المنسحبة أى غطاء جوى, بعد قرار وقف النشاط الجوى المصرى, وأصبحت هدفا صالحا للطائرات النفاثة المغيرة, التى تستخدم ضدها المدافع الرشاشة والقنابل وقذائف النابلم المحرقة, ولم يكن هناك أى أمل فى النجاة أو الرد على الطائرات المغيرة, ولم يكن ثِمة مكان تختفى فيه هذه القوات فالأرض صحراوية ومكشوفة تعلوها الرمال.
    (أرسكين تشايلدرز : الطريق إلى السويس ص 89)
    وفى مذكرات عبد اللطيف بغدادى يروى لنا ما شاهده هو وعبد الناصر, وهما فى الطريق إلى بورسعيد بعد الهزيمة فيقول : ( وعلى هذا الطريق , شاهدنا عربات عسكرية كثيرة مدمرة, أو مقلوبة, ودبابات متروكة, منها المحروق ومنها ما يظهر على أنه سليم أو ربّما يكون معطلا, نتيجة إصابات الطائرات المغيرة, والتى ظلت تُهاجم القوات المتحركة على هذا الطريق, بعد الانسحاب وهى فى طريقها إلى القاهرة. وكان جمال يسألنى عن كل دبابة أو عربة نَمر بِها وكنت أشعر أنه فى عالم آخر, غارق فى التفكير, وكنت ألمس أنه متعب جدا من الموقف وكنت أحاول أن أخفف وأهون عليه الأمر, وكنت أعتبر هذا من واجبى فى هذه الآونة التى تَمر بِها بلادى, وأعرف أن جمال هو رمز الثورة فى مصر بل فى المنطقة كلها.)
    (ونحن فى طريقنا إلى الإسماعيلية .. قال جمال بصورة مؤثرة ومحزنة, بعدما شاهد الكثير من العربات والدبابات المحطمة على جانبى الطريق : إنّها بقايا جيش محطم, وأخذ يتحسر على المبالغ التى كانت قد أنفقت على تسليح الجيش قائلا : إن 103 ملايين من الجنيهات قد ضاعت هباء, كما قال هزمنى جيشى )
    هكذا كان تقدير عبد الناصر للهزيمة التى اعتبرها هيكل نصرا مؤزرًا .
    أى أن قرار الانسحاب لم يساهم فى رد العدوان المرتقب, بقدر ما ساهم فى احتلال سيناء, وبقدر ما سهل من مهمة القوات الإسرائيلية, فاستولت على سيناء بأقل القليل من تكلف عناء القتال. واتخاذ القرار بِهذه الشكل (كل رجل على مسؤوليته, وبدون غطاء جوى) لا يكون المقصود منه صد عدوان, بقدر ما يكون المقصود منه تجنب مجابَهة إسرائيل, استمرارا واستمراء لما كان يحدث من قبل.
    خطة ناصر للانسحاب كما أوردها هيكل :
    - الكتائب الأصلية الثمانى التى كانت موجودة فى سيناء من الأصل عليها أن تقاوم مهما كان الثمن وحتى آخر رجل وآخر طلقة, لمدة ثَمان وأربعين ساعة, وذلك حتى توقف تقدم الجيش الإسرائيلى فى سيناء, فلا تشتبك مع القوات المتدفقة عليها, بينما هى تحاول الانسحاب عائدة إلى غرب القناة. بعد ذلك تبدأ الانسحاب .
    - على القوات المتدفقة عبر قناة السويس إلى الشرق وفى مقدمتها الفرقة الرابعة المدرعة أن تكمل انسحابِها من سيناء فى ظرف 36 ساعة مهما كان الثمن. وعليها أن تتمركز فى منطقة القناة وفى مناطق شرق الدلتا لتكون مستعدة لمواصلة القتال مع العدو على الجبهة الرئيسية للمعركة .
    - تعطيل الملاحة فى قناة السويس
    - على الطيران المصرى ألا يشتبك مع العدو لأن المعركة غير متكافئة.
    - الاستعداد لحرب شعبية ممتدة ضد الاحتلال حتى لو توقفت الحرب المنظمة واستطاعت قوات الغزو أن تتغلب على القوات النظامية.
    ويقول هيكل :
    ( إن أمر عبد الناصر هو تجمع القوات كلها فى منطقة قناة السويس, وإلى الغرب منها لخوض المعركة ضد العدو الرئيسى وهو بريطانيا وفرنسا)
    ويسجل حمروش ما يلى :
    (وحدث خلاف جديد بين عبد الناصر والعسكريين من رجال الجيش الذين ظنوا أن الالتحام بالشعب يكون بسحب القوات غرب القناة, حيث تزيد كثافة السكان, ونقلوا مركز الرئاسة إلى الزقازيق فعلا)
    فهل تم الانسحاب كما جاء فى هذه الخطة, وهل اتخذت الإجراءات التى تضمن تنفيذها على هذا النحو, وهل الانسحاب (كل رجل على مسؤوليته), يتناسب والهدف المعلن منه ؟
    الذى حدث أن الضباط, ومن نجا من الجنود انسحبوا بالملابس المدنية, بعدما تركوا أسلحتهم الثقيلة, وباعوا الخفيفة للبدو مقابل الحصول على جلباب وحذاء خفيف وجرعة ماء تطاردهم الطائرات فى الصحراء. كانت إسرائيل تعتقل الضباط وتترك الجنود, وتجبرهم أن يعبروا سيناء حفاة شبه عراة.
    تقول جولدمائير : إنّهم انتقوا خمسة آلاف فقط كأسرى من بين ثلاثين ألف جندى مصرى كانوا هائمين فى الصحراء بلا ضابط ولا رابط, فريسة مكشوفة للطيران الإسرائيلى الذى خلا له الجو بعد تدمير الطيران المصرى .
    وبعد .. هذا قليل من كثير مما ورد عن الانسحاب فى الكتب التى تصدت لتبرير هذا القرار الغريب, ومن واقع هذه المحاولات التبريرية الفاشلة, يتضح أن قرار الانسحاب لم يكن يعنى إلا تسليم سيناء لليهود بلا قيد أو شرط, ووضع اللمسات الأخيرة على الهزيمة التى منيت بِها مصر على أيدى القوات الإسرائيلية. فالثابت أن الجيش الذى انسحب من سيناء بدعوى صد العدوان البريطانى الفرنسى توقف عن القتال تَماما بعد انسحابه. يقول أحمد حمروش : ( كانت المقاومة الشعبية تقاتل فى بورسعيد بينما توقف الجيش عمليا عن القتال بعد انسحابه)
    كيف سمحت القيادة المصرية باحتلال سيناء على هذا النحو ..؟ وعلى أى أساس تم الانسحاب بِهذا الشكل الذى أودى بحياة آلاف الجنود ؟ وهل حياة الضباط والجنود رخيصة إلى هذا الحد ؟ هل جزاؤهم أنّهم تصدوا للدفاع عن الأرض والعرض أن تفعل بِهم القيادة ما فعلت ؟ ثم كيف طمست معالم هذه الهزيمة التى منيت بِها مصر طوال هذه السنوات ؟
    هذه الأسئلة وغيرها نعود إليها لاحقا إن شاء الله, الذى يهمنا هنا ما انتهى إليه أمر احتلال سيناء فى ذلك الوقت .. والمكاسب العسكرية والسياسية التى حصلت عليها إسرائيل من وراء ذلك .
    مكاسب إسرائيل العسكرية :
    - تم انسحاب القوات المصرية من سيناء كلها, واحتلتها إسرائيل بالكامل, كما احتلت مضيق تيران, ولم تنسحب إلا بعد أن أعلنت حرية الملاحة الإسرائيلية فى البحر الأحمر .
    - تحول الجيش المصرى إلى بقايا جيش محطم بنص عبارة عبد الناصر, وهو الجيش الذى يفترض أنه كان معدا لمحاربة إسرائيل, العدو المرابض على حدود مصر الشرقية, والذى لا ينفك يستفز القوات المصرية على الحدود مرة بعد أخرى, وأيضا العدو الذى يرفض أية دعوة للسلام كما سنرى
    - خسرت مصر من العتاد الحربى ما قيمته بنص كلمات عبد الناصر 103 ملايين جنيه. هذا العتاد الحربى الذى كان يهدد إسرائيل ويقض مضاجعها, أو كان يفترض ذلك .
    - دمرت إسرائيل طرق المواصلات والسكك الحديدية فى سيناء , وكذلك قامت بوضع ألغام على هذه الطرق.
    و مما جاء فى رسالة عبد الناصر إلى محمود فوزى فى 5 ديسمبر 1956 : ( والمذابح مازالت مستمرة بطريقة منتظمة, والتخريب قائم على نطاق واسع فى جميع المنشآت الموجودة فى سيناء, وعلمتُ أنّهم يسرقون البترول الخام فى سدر وبلاعيم فى مراكب تتجه إلى ميناء إيلات.)
    مكاسب إسرائيل السياسية :
    تتلخص مكاسب إسرائيل السياسيه فى التنازلات التى قدمها عبد الناصر مقابل انسحاب إسرائيل من سيناء فى نقطتين :
    - فتح خليج العقبة للملاحة الإسرائيلية وإزالة الوجود العسكرى المصرى فى تيران وشرم الشيخ, بل إزالة السيادة المصرية الفعلية هناك وإن بقيت اسميا, وسلمت المنطقة لقوات البوليس الدولى.
    - تجميد الحدود المصرية الإسرائيلية بالبوليس الدولى الذى قبل عبد الناصر أن يوضع على جانب واحد .. هو الجانب المصرى, فأصبحت مصر خارج إمكانية المواجهة .
    ولتفصيل ذلك نستعرض مع د.عبد العظيم رمضان تطورات فتح خليج العقبة فى كتابه ( المواجهة المصرية الإسرائيلية فى البحر الأحمر) يقول الكاتب :
    ( احتلت إسرائيل شرم الشيخ يوم 5 نوفمبر 1956, وقدمت الهند مشروع قرار يندد بتأخر الانسحاب فى 22 نوفمبر 1956, وكانت الجمعية العامة قد أقرت قرارا بالانسحاب الكامل دون الإشارة إلى حرية الملاحة فى خليج السويس, ولكن بعد أن تم الاتفاق المصرى الأمريكى, وانسحبت إسرائيل فى مارس 1957, أرسلت أمريكا سفينة تحمل نفطا إيرانيا لإسرائيل فى 6 أبريل 1957, ومرت السفينة فى خليج العقبة, واكتفت مصر بالاحتجاج, وكان ذلك أول اقتحام للخليج منذ أغلقته حكومة الوفد.
    فى أول مايو اتجهت مدمرة إسرائيلية من إيلات إلى شرم الشيخ, ثم بلدة الشيخ حميد السعودية على بعد كيلومترين, ثم اقتربت إلى مسافة كيلو واحد من بلدة مقنى على الساحل السعودى, وفى نفس اليوم واليوم الثانى أجرت مدمرتان وثلاث طرادات وطائرات إسرائيلية مناورات على الساحل المصرى لخليج العقبة بين إيلات, وطابا ووصلت إلى المياه السعودية على الضفة الشرقية للخليج )
    (أما رد الفعل السعودى فكان عبارة عن خطابين شديدى اللهجة من الملك سعود إلى أيزنْهاور, أما مصر فالتزمت الصمت, ليس هذا فحسب, بل تولى عبد الناصر تَهدئة الملك سعود والزعم بأن القوات الدولية باقية بأمر مصر وموافقتها, ومن ثم لا ضير)
    هيكل : ملفات السويس
    ويعلق د. عبد العظيم رمضان على سكوت مصر بقوله ( فكأنّها وافقت بذلك موافقة صامتة على هذا المرور) ويقول : (ومرور الملاحة الإسرائيلية فى مضيق تيران يعد أضخم مكسب حصلت عليه إسرائيل منذ احتلالها ميناء أم الرشراش فى مارس 1949, وهو أخطر تطورات الصراع بين مصر وإسرائيل منذ إنشاء تلك الدولة. فقد فتح البحر الأحمر أمام إسرائيل, وأتاح لها أن تتمتع لأول مرة بِمزايا موقعها على بحرين : البحر المتوسط والبحر الأحمر .)
    وقد ترتب على ذلك النتائج التالية :
    - تحول ميناء إيلات إلى ميناء عالمى , ومحاولة إسرائيل الاستعاضة به عن قناة السويس .
    - تسرب النفوذ الإسرائيلى إلى إفريقيا, تدعمه الاستثمارات الإسرائيلية والإمبريالية.
    - نزع سلاح غزة, ومنع الجيش المصرى من دخولها. وحرمت مصر إمكانية القطاع الممتازة فى دعم أى هجوم مصرى, بل أوقفت العمليات الفدائية التى كانت تتم فى القطاع.
    تقول جولدمائير : ( زال رعب الفدائيين, وتقررت الملاحة فى مضيق تيران, وقوات الطوارئ تحركت إلى قطاع غزة وشرم الشيخ, وكسبنا نصرا جعل التاريخ العسكرى يثبت مرة أخرى قدرتنا على حمل السلاح للدفاع عن أنفسنا)
    ويقول أحمد حمروش : (ضغطت أمريكا على إسرائيل للانسحاب, وضغطت على مصر لتبقى قوات طوارئ دولية فى شرم الشيخ حتى لا تتاح مستقبلا فرصة غلق خليج العقبة, ومنع الملاحة فيه, ولم يشأ عبد الناصر أن يعاند ويواصل تحدى أمريكا لأنه وجد فى ذلك على حد تعبيره موقفا غير سياسى, وقبل هذا الشرط مرغما كما يقول ناتنج )
    نعود إلى د.عبد العظيم رمضان الذى يواصل حديثه قائلا :
    (ولم ترسل مصر حاكما عسكريا لغزة, كما كانت الأمور من قبل, وإنّما عينت حاكما مدنيا ولم ترسل معه قوات عسكرية بل اكتفت بفريق من الشرطة العسكرية.)
    ويقول :
    (وقبلت مصر قوات الطوارئ الدولية, لتكون حاجزا بينها وبين القوات الإسرائيلية حتى لا تتكرر الاشتباكات المسلحة, التى ظلت تحتل العناوين الرئيسية فى الصحف على فترات متقاربة منذ غارة غزة 28 فبراير 1955 حتى عدوان 1956)
    وهذه تساؤلات أخرى تبحث عن إجابة :
    - لماذا قبل عبد الناصر شروط إسرائيل ؟ لقد أبدى مندوب الاتحاد السوفييتى دهشته علنا من قبول مصر هذه الشروط وقال : ( إنّها لا تحتاج لقبول بوليس دولى, ولكن إذا كانت هذه رغبتها فهو لا يُمانع ) , [ جاء فى رسالة مصطفى أمين لعبد الناصر أن البوليس الدولى كان فكرته هو ومحمد حسنين هيكل والعضو الأمريكى فى محطة المخابرات الأمريكية فى مصر ]
    - لماذا خضع عبد الناصر لشروط إسرائيل بعد انسحاب انجلترا وفرنسا ؟ لماذا رفض أن يستغل النصر والالتفاف الشعبى والعربى والعالمى لخوض معركة تحرير ضد إسرائيل ؟ لماذا لم يعبئ كل القوى, ويبدأ أو يهدد بحرب تحرير سيناء بعد الانسحاب البريطانى والفرنسى .. وحرب ضد إسرائيل (تقلب) العالم العربى بنص تعبير عبد الناصر نفسه ؟
    أسئلة كثيرة تنضم إلى أخرى فى البحث عن إجابة حول موقف عبد الناصر (الحقيقى) من إسرائيل نحاول أن نجد لها إجابة مقنعة لاحقا فى موضع آخر إن شاء الله .
    أما تجميد الموقف العسكرى بين مصر وإسرائيل, بوضع بوليس دولى على جانب واحد, هو الجانب المصرى, فمن تتبع الأحداث التى وقعت خلال عشرة أعوام, منذ أن انسحبت إسرائيل فى مارس 1957 إلى أن وقع عدوان يونيو 1967 يتضح لنا أنه كان فى صالح إسرائيل بنسبة مائة فى المائة .


    د/محمود السيد الفخراني

    محمود الفخراني غير متواجد حالياً
    رد مع اقتباس
  3. تكبير الخط تصغير الخط
    بتاريخ : 24-08-11 الساعة : 02:48 PM رقم #3
    كاتب الموضوع : محمود الفخراني

    افتراضي عدوان 56 (الحلقة الثالثة)


    عضو جديد




    رقم العضوية : 22499
    عضو منذ : Oct 2009
    المشاركات : 27
    بمعدل : 0.01 يوميا


    الإعلام .. والكارثة الكبرى
    نعود إلى طريقة تعاطى عبد الناصر وإعلامه لقرار تأميم قناة السويس, والأحداث التى ترتبت عليه, لنجد بل لنتأكد أن هزيمة يونيو 67 هى النتيجة الحتمية للتضليل والتعمية الإعلامية.
    حينما قرر عبد الناصر (باسم الأمة) تأميمَ قناة السويس, لم يجدْ من الإعلام على اختلاف وسائله إلا كلَّ ترحيب وتقدير وتعظيم فانبرى الكتاب فى كل الجرائد والمجلات يؤيدونَ القرار ويشيدون به ويرفعونه إلى الدرجات العُلا وإلى مراتبِ الإلهام, كما اعتادوا أن يفعلوا مع أى قرار يصدر عن رئيس الجمهورية.
    ثلاثة أشهر سبقتْ الهجوم المسلح الذى استهدف قناة السويس وسيناء .. ثلاثة أشهر من التضليل الإعلامى والتعمية الإعلامية ما لم يحدث فى تاريخ الإعلام ربّما على مستوى العالم .. ثلاثة أشهر والقرار الذى لم يستطع أحد, بل لم يجرؤ أحد أن يَمسَّه بسوء يرتفع شيئا فشيئا إلى مرتبة القداسة حتى ظُنَّ أنه وحىٌ من السماء لا ينبغى أن تطالَه يدٌ بنقدٍ أو تشويه حتى وقع العدوان وانتهت معه هذه المرحلة من التضليل الإعلامى .
    المرحلةُ الثانية من هذه الحملة الإعلامية المضللة بدأت مع جلاء الإنجليز والفرنسيين عن منطقة القناة فى الثالث والعشرين من ديسمبر من عام 1956 أى بعد سبعة أسابيع تقريبا من العدوان الثلاثى كما وصفوه, بدأت هذه المرحلة بأكذوبة كبرى, انطلت على الشعب البائس ولاتزال آثارُها باقيةً حتى اليوم, مؤدَّى هذه الأكذوبة أن القوات المعتدية أجلت عن منطقة القناة نتيجةً للمقاومة الشعبية الضارية التى تعرضت لها, وأن جلاء هذه القوات يُعد انتصاراً ساحقا لمصر, وصار يوم الثالث والعشرين من ديسمبر يُعرف بعيد النصر الذى يحتفل به كل عام, وتجاهل الإعلام تَماما الضغط الأميركى على كل من فرنسا وبريطانيا الذى لولاه ما انسحبت القوات المعتدية , ولا أجْلت عن منطقة القناة ربّما إلى الآن .
    تجاهل الإعلام الضغط الأميركى, وتفرغ للإشادةِ بالنصر الساحق الذى حققته مصرُ على ثلاث دول إنجلترا وفرنسا وإسرائيل وكأننا فى عصر المعجزات .. مع أن إسرائيل لم تنسحب من سيناء إلا فى عام 1957, بعد وصول القوات الدولية, والإذعان من قبل مصر لشروطها.
    وتزدادُ الحملةُ الإعلامية ضراوةً يوما بعد يوم , ويَمتد التضليل إلى ساحة الأغنية, وميدان السينما فهذا عبد الحليم حافظ مطربُ الثورة كما أطلقوا عليه يخرج علينا بأغنية يقول فيها أو قل يؤرخ فيها لما حدث نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي راح على البنك اللى بيساعد ويِدِّى .. قال له حاسب قال لنا مالكُمْشِ عندى ..كانت الصرخة القوية .. فى الميدان فى اسكندرية .. إحنا أممنا القناة .. إحنا أممنا القناة .. وقلنا هنبنى وادحنا بنينا السد العالى ).. والله عال يا عم عبد الحليم .. صرخة قوية من الزعيم الملهم طردت الإنجليز والفرنسيين من منطقة القناة وأعادت القناة لأصحابِها بالعندِ فى البنك اللى بيساعد ويدِّى لما قال مالكمش عندى .. مش كده ؟ عجبى ..
    ويحدثُنا فريد شوقى ذلك الممثل الذى ذاع صيتُه فى تلك الفترة عما حدث له ذات ليلة, فى أعقابِ جلاء القوات المعتدية عن مصر, يقول فريد شوقى فى حديثٍ تليفزيونى موجود بِمكتبة التليفزيون : ( بعد منتصف إحدى الليالى سَمعتُ طرقا عنيفا على باب المنزل .. فتحتُ الباب على الفور لأجدَ مجموعةً من الضباط ذوى الكاسكيتات الحمراء .. فسألتهم ما الخبر ؟ فقالوا إنك مطلوبٌ معنا الآن .
    بالطبع ليست هناك فرصةٌ للرفض أو حتى المناقشة .. ركبتُ معهم السيارة التى انطلقت بنا تشق شوارع القاهرة, إلى أن وصلنا إلى مكان ما لا أعرفُه تحديداً فهو على ما يبدو أحد قصور القاهرة .. دخلت القصر لأجدنى وجهاً لوجه أمام عبد الناصر, وبعد أن أديتُ له التحية قال لى : إذهب أنت ورفاقك من السينمائيين إلى بورسعيد غداً, لتصوروا فيلماً عن المقاومة الشعبية التى أخرجتْ القوات المعتدية من مصر, وتكون أنت بطلَ هذا الفيلم, فإن الناس يحبونَك وسوف يصدقونك فيما تذهب إليه (وقد أذاع التليفزيون المصرى مؤخرا تسجيلا لهذا الحديث بُعيد وفاة فريد شوقى) .
    هكذا وبِمثلِ هذا الأسلوب الرخيص نُسجت خيوط الحملة الإعلامية, التى لم يعرف التاريخُ مثيلاً لها فى التضليل والتعمية .. حملة إعلامية صنعت نصراً يُحتفل بعيدِه كل عام, نصراً لم يحدث إلا فى خيال الواهمين الغافلين.
    لستُ أدرى كيف طَمست الحملة الإعلامية الظالم منفذوها هذه الحقيقة التى فيها من المعانى, ما تذوبُ منه الوجوه خجلاً, إن مجردُ قبولنا مرورَ الملاحة الإسرائيلية فى أراضينا وفوق ترابنا اعترافٌ ضمنى بدولة إسرائيل القائمة على أرض فلسطين عنوةً, وهذا يتنافى مع ما كان يتشدَّقُ به عبد الناصر فى كل خطاب له وفى كل مناسبة من أنه لا صلحَ ولا اعترافَ ولا مفاوضات مع إسرائيل. هذا وفى قبول عبد الناصر وجود قوات دولية بيعٌ مبكر للقضية الفلسطينية, وضياعٌ لحقوق الفلسطينيين واللاجئين, قبل أن تصبحَ إسرائيل دولةً مُعترفاً بِها من معظم دول العالم. والذى يقول بغير هذا يستمرئُ الغفلة ويتلذَّذُ بالعيش فى الأوهام .
    إن قبولَ عبد الناصر هذا الشرط تفريطٌ فى الحقوق وامتهانٌ للكرامة وضياعٌ للشرف, مهما تقوَّل المتقوِّلون, وزايَدَ المزايدون وكابرَ المكابرون وهو بذلك يُعدُّ أولَّ من خنع أمام الضغوط الأميريكية والإسرائيلية.
    مؤخرًا أُنتج فيلمٌ سينمائى عن هذه الحقبة, يؤكدُ الأكذوبة الكبرى التى انطلت على الشعب المصرى البائس ولا يتعرضُ لحقيقة الأمر من قريب أو من بعيد, وكأنّما رأى القائمون على تضليلِ الشعب المصرى من الإعلاميين الأفاقين أن الشعبَ بدأ يفيق من أكذوبة النصر الذى تحقق لمصر فى عام 56 فكان لابد من إنتاج هذا الفيلم لتغييبِه مرة أخرى, مثَلُه فى ذلك مثل المريض فى غرفة العمليات بدأ يفيقُ من المخدِّر ولم تنته العملية بعد, فأعطاه الطبيب جرعةَ مخدر أخرى ليتسنى للجراح الانتهاءُ من العملية. وإذا كان لابد للمريض أن يفيقَ فى ساعةٍ ما, فإن الشعب المصرى لا يراد له أن يفيق أبدا, بعد أن تحالف الصليبيون الجدد مع أعدى أعدائهم من اليهود ضد الإسلام والمسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله .
    جريمة التضليل الإعلامى وما ترتب عليها
    لو أيقن عبد الناصر أن الحقوق المغتصبة لا تسترد بقرار, ولا سبيل إلى استردادها إلا القوة , ما اتخذ قراره بتأميم قناة السويس دون أن تكون لديه القوة القادرة على صد أى عدوان تشنه الدولتان المتضررتان من هذا القرار .. ودون أن تكون حدود مصر الشرقية محصنة ضد أى عدوان إسرائيلى محتمل.
    الطريف أن عبد الناصر رفع شعار (ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا القوة) ولكن بعد فوات الأوان, وبعد أن بلغ السيل الزبى كما يقولون, وذلك فى أعقاب هزيمة 67 واحتلال سيناء للمرة الثانية, ومعها غزة وهضبة الجولان السورية, والضفة الغربية لنهر الأردن والقدس.
    نعود فنقول لو كان إعلام عبد الناصر يَمتلك القدرة على التمييز بين الحق والباطل, وبين الخطأ والصواب, أو حتى الحد الأنى من هذه القدرة ما أقر عبد الناصر على اتخاذ مثل هذا القرار, ولارتفعت الأصوات منددة, ومحذرة من عواقب اتخاذ هذا القرار.. ولكن للأسف لم يرتفع صوت واحد يندد أو يحذر, ولكن ارتفعت الأصوات تَهتف لصاحب القرار, وتصنع من القرار الذى لم يقف على قدمين إلا ثلاثة أشهر عملا معجزًا لا يقدر عليه إلا الزعيم .
    لو أيقن عبد الناصر أن حسابات المصالح الدولية لا يجب أن توضع فى الاعتبار لدى اتخاذ أى قرار, إلا أن يكون هناك توازنا فى هذه المصالح, ما انساق وراء من أوعزوا له بِهذا الاقرار.
    لو أيقن عبد الناصر أن المصلحة العليا للبلاد لا ينبغى أن يقامر بِها فى خضم المصالح الدولية, ما سعى إلى زعامة واهية على حساب الشعب الذى ائتمنه على مصالحه , وعلى كرامته .
    لو أيقن عبد الناصر أن التضليل الإعلامى قد يصنع بطولة زائفة, ولكنه غير قادر على تغيير الحقائق التاريخية الثابتة, لأظهر الحقيقة للشعب, ونسب خروج القوات المعتدية إلى الضغط الأمريكى أو الإنذار الروسى, وذلك مقابل انتهاك أراضينا, ومياهنا الإقليمية من قبل أعدائنا, وهنا كان لابد أن يترك كرسى الرئاسة بسبب هذا القرار الأحمق الذى دفعت مصر بل الأمة العربية ثَمنه باهظا حال صدوره, ثم بعد صدوره بأحد عشر عاما, وما زالت الأمة العربية تسدد فاتورته خنوعا وذلا وانبطاحا حتى الآن, وإلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا .
    الأكذوبة التى صدقها الزعيم .. والتمهيد للكارثة الكبرى
    يبدو أن الاحتفال بعيد النصر عاما بعد عام, والإشادة المستمرة بالنصر الذى حققه الشعب المصرى الأعزل على ثلاث دول فى فترة وجيزة, وتجاهل الأسباب الحقيقية التى أدت إلى انسحاب القوات المعتدية, كل هذا جعل عبد الناصر يصدق أنه قادر على تحقيق النصر فى أى ميدان, وفى أى معركة يكون هو طرفا فيها. فالإلحاح بالأكاذيب على نحو ما فعل الإعلام المصرى, يجعلها ترتدى ثوب الحقيقة فى نظر ذوى النفوس المريضة, فلم يكد يتخلص الزعيم من الورطة التى وضعه فيها قراره الأحمق, اعتمادا على أن الشعب لا يعلم شيئا مِما جرى, ولو علم شيئا فإنه لا يأبه به, ومن يأبه منه بشىء لن يجرؤ أن يتكلم ..
    أقول لم يكد (الزعيم) يتخلص من هذه الورطة, حتى أصبحت لغة التهديد جزءا من حديثه فى كل مناسبة.
    كان الزعيم يهدد العالم أجمع وليس إسرائيل أو أمريكا فقط, كانت خطاباته فى ذلك الوقت تَملأ الناس فى كل مكان حماسة وفخرا, وتزرع أشجارا من الأمل فى نفوس العرب من المحيط إلى الخليج, كان من يستمع إليه يظن أنه يستمع إلى أحد القواد الذين تحدث عنهم التاريخ قديمه وحديثه, قائد تحققت على يديه انتصارات لا أول لها ولا آخر, قائد أسطورى لولا أننا نسمعه بآذاننا لقلنا إنه آتٍ من الزمان السحيق, زمان المجد والعزة والكرامة, وحسبك من خطابات تستهين بالأعداء وتتوعدهم بحرب لا منجاة لهم منها, ومعارك يذوقون فيها الموت جماعات وفرادى, مازلت أذكر قولته الشهيرة (لو مش عاجبها البحر الأبيض تشرب م البحر الأحمر) يقصد أمريكا التى كان أسطولها السادس فى البحر المتوسط يهدد دول المنطقة كلها ولكن فى صمت. حقا إن خطابات عبد الناصر فى تلك الحقبة لو أذيعت اليوم, وبعد أن أصبح هذا حالنا الذى لا يخفى على أحد, لنافست أفلام عادل إمام ومسرحياته, فى قدرتِها على الإضحاك والسخرية, وشر البلية ما يضحك كما يقولون.
    (يُمكن الرجوع إلى خطابات عبد الناصر فى ذلك الوقت , ففيها الغنى عن كل ما يقال عنها)
    وجرى لسان الإعلام بِما يجرى به لسان الزعيم فى خطاباته وتصريحاته, وسار على النهج الذى انتهجه, والذى يلخصه شعار : (نقول ولا نفعل, ونفعل عكس ما نقول) فطنطن بانتصارات وهمية هنا وهناك, وهدد بقوة ليس لها وجود إلا فى خيال الغافلين, وإن لم تتوقف لهجة التهديد بِها لحظة واحدة, وفى الوقت ذاته سارت الإشادة بقرارات الزعيم فى خطها الذى لا تحيد عنه .. إشادة تصل إلى حد التقديس, حتى تفاقم الأمر, وعاشت مصر فترة أكاذيب مستمرة, لا أظن أن لها مثيلا فى تاريخها الحديث أو القديم.
    كان من نتاج هذه الأكاذيب المتلاحقة أن صدق الزعيم أنه الزعيم قولا وفعلا, وأنه قادر على إنزال الهزيمة بالأعداء فى أى وقت, وتغيير الأوضاع لصالح القضايا الوطنية والقومية, وذلك بقرار أو بعدة قرارت, لا يهم كثيرا أن تكون معدة من قِبل هيئة استشارية أو هيئة تشريعية, أو أن تكون قد خضعت لأية دراسة مسبقة من قبل علماء أو مفكرين, فقد اجتمعت كل الهيئات الاستشارية والتشريعية , وتجمع كل العلماء والمفكرين فى شخصه هو, وعلى الإعلام تسويق هذه القرارات شعبيا مهما كانت تبعاتُها, أما المعارضون من العلماء والمفكرين, فيتولى أمرهم رجال الشرطة والمخابرات العامة والخاصة, لتستقبلهم بعد ذلك المعتقلات التى لا يعرف من يدخلها متى يخرج منها.
    هكذا سار نظام الحكم فى مصر طيلة عهد عبد الناصر, قرارات لا تستند إلى أية مرجعية واقعية, وأغلبها موعز بِها إليه من قبل الأعداء ذوى النفوذ الإعلامى المتنامى داخل مؤسسات الحكم, ثم إشادة من قبل الإعلام تصل بِها إلى حد التقديس كأنّها منزلة من السماء, ثم تورط سياسى أو عسكرى أو اقتصادى لا مخرج منه, وخذ مثلا قرار الوحدة مع سوريا وما ترتب عليه حتى تم الانفصال بعد حوالى ثلاث سنوات .. أو قرار التورط فى حرب اليمن الذى أودى بقوة مصر العسكرية والاقتصادية .. ثم قرار سحب القوات الدولية من سيناء وإغلاق خليج العقبة أمام الملاحة الإسرائيلية وما نجم عنه. أما قرار تلقى الضربة الأولى حين بات واضحا أن العدو يتحرش بنا ويحشد قواته على حدودنا, فهو ما لا يسيغه أحد, ومع هذا لم يرتفع صوت واحد ليحقق فى ملاباساته, بعد أن حاقت الهزيمة بالبلاد, بل انبرت الأقلام للدفاع عنه وذلك استمراء للنهج التضليلى الذى سار عليه الإعلام ردحا من الزمان, وهذه عجيبة العجائب وغريبة الغرائب, فى زمان يضج بالعجائب والغرائب.
    كل هذه القرارات وغيرها من قرارات مهدت لوقوع الهزيمة التى يتحمل الإعلاميون مع النظام الحاكم قسطا كبيرا من تبعاتِها, وما نجم عنها, فقد صنعوا زعامة وهمية أصبحت بين يوم وليلة غطاء شرعيا لقرارات متهورة, اندفاعية أودت بالبلاد فى خضم الهزائم, بالإضافة إلى أنّها يسرت للعدو الإيعاز لعبد الناصر بقرارات تخدم مصالحه فى المنطقة, ولا أكون مبالغا إذا قلت أن الموعز بِهذه القرارات كان من بين هؤلاء الإعلاميين, ومن يقرأ كتب هيكل كبير المضللين فى الحقبة الناصرية البغيضة يقف على هذه الحقيقة .
    عشر سنوات من 57 إلى 67
    عاشت مصر أفراح انتصارات إعلامية وهمية متصلة طيلة عشر سنوات أو يزيد, وذلك بعد جلاء القوات البريطانية والفرنسية عن منطقة القناة, وانسحاب إسرائيل من سيناء, واستمرت هذه الأفراح حتى وقع الشعب ضحية لحملة تضليل إعلامية, تعد فى رأيى أكبر حملة تضليل تعرض لها شعب على مدى التاريخ.
    نعم إلى هذا الحد بلغ التضليل بالشعب, ولا تعجب كثيرا فمن الناس من لايزال إلى الآن يسبح بحمد الزعيم, برغم انكشاف أمره, واتضاح حقيقة علاقته بالكيان الصهيونى, كما أقر بذلك مؤخرا كبار مستشاريه, ومن كانوا ملازمين له فى السلطة من أمثال محمد حسنين هيكل وأحمد حمروش وغيرهما. وسوف نفرد ملفا خاصا لهذه العلاقة لاحقا إن شاء الله .
    وعلى غرار التغنى بِهذا النصر الذى لم تكن لمصر منه قلامة ظفر, واصل الإعلام تغنيه بكل قرارات عبد الناصر, والارتفاع بِها إلى مرتبة القداسة, حتى انزلقت مصر فى مستنقع حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل, ولا طائل من ورائها هى حرب اليمن, والإعلام على عهده, يشيد بِما يحققه جيش مصر على أرض اليمن من انتصارات, ولا يعرف غالبية الشعب المصرى كنه العدو الذى تحاربه مصر فى اليمن, ولكن الإعلام ألقى فى روعه أن الجيش المصرى يحارب أعدى أعدائه فى اليمن, وأن النصر الذى يتحقق هناك, أغلى من أى نصر فى التاريخ, أو أن هذا النصر, هو خطوة أولى فى سبيل تحقيق النصر على إسرائيل. وانطلت الخدعة على الشعب, وعاش أوهام نصر لا يعرف بالضبط ماذا عاد عليه من ورائه, ولكن ترسخ فى ذهنه أن إرادة الزعيم لا تعلوها إرادة, وفكره لا يرقى إليه فكر, وقراراته هى الحكمة بعينها, فهذه المعانى كان الإعلام يلح بِها على الشعب ليل نَهار فى عملية تضليل غير مسبوقة فى التاريخ ..ما علينا
    لو نظرنا إلى خريطة الأحداث على مدى الأعوام العشرة التى سبقت عدوان يونيو 67, لم نجد بينها شيئا إيجابيا, مع أنّها حفلت بالأحداث الجسام, مثل الوحدة مع سوريا, والانفصال الذى أعقبها بنحو ثلاث سنوات, ثم حرب اليمن فى أوائل الستينيات, و مذبحة الإخوان المسلمين فى عام 1965 التى راح ضحيتها عدد غير قليل من قيادات الجماعة, وفى مقدمتهم صاحب (فى ظلال القرآن) الشيخ سيد قطب, وأحداث كثيرة على صعد مختلفة, أما باتجاه إسرائيل فلا شىء يذكر اللهم إلا التهديدات التى لم تفارق خطابا واحدا من خطابات (الزعيم). والجدير بالذكر أن حدة هذه التهديدات كانت تزداد يوما بعد يوم حتى بلغت ذروتَها فى الأيام القليلة التى سبقت العدوان. وأقتطع هنا بعض التصريحات التى صدرت عن القيادة السياسية والصحفية فى مصر فى ذلك الوقت :
    - في شهر أيار سنة 1967 طرد عبد الناصر البوليس الدولي من سيناء, وحرك الجيش إلى سيناء استعدادا للحرب. كان هذا بعد أن أعلن عبد الناصر قبل أشهر من هذا التاريخ في معرض مناقشته للسوريين حول تحويل مياه نَهر الأردن : أن التفكير في أية معركة شاملة مع العدو اليوم هو بِمثابة انتحار)
    [مجتمع الكراهية لسعد جمعة ص/128].
    وكتبت جريدة الجمهورية القاهرية 21/5/67 : ( في ساعات قليلة يُمكن أن تُسحق اسرائيل بغير استخدام كافة أسلحتنا)
    وقال محمد حسنين هيكل 2/6/67 قبل النكبة بثلاثة أيام : ( إن اسرائيل مقبلة على عملية انكسار تكاد تكون محققة سواء من الداخل أو من الخارج )
    وسئل شمس بدران - وزير الحربية المصري - فيما لو تدخل الأسطول السادس الأمريكي فرد: إطمئن, أول طلقة يطلقها أبططه (أي أسحقه)
    [الحلول المستوردة ص275]
    - وقد قرر مؤتَمر الدار البيضاء للقادة العرب في آخر سنة 1965 مايلي :
    ( إن خطتنا العسكرية إذا صفت النيات تحتاج إلى بضع سنين لتصل إلى مستوى الردع , لا إلى مستوى الهجوم )
    [مجتمع الكراهية لسعد جمعة ص/128]
    وبعد أقل من عام أعلن عبد الناصر الهجوم على اسرائيل, وسبق الهزيمة ادعاء عريض من عبد الناصر وصحفه وتبجح لا يكاد يحتمل, وأما صواريخ القاهر والظافر فلا تسأل عن الأغاني لها. ففي المؤتَمر الصحفي الذي عقده عبد الناصر في 27/5/67 أعلن أنه : سيحارب إسرائيل, ومن وراء إسرائيل وقالت الاذاعة : تجوع يا سمك فى البحر حنقذفهم أي سنلقي اليهود في البحر [نفس المصدر]
    هذه بعض التصريحات التى صدرت منسجمة مع النغمة السائدة فى ذلك الوقت, نغمة التهديد والوعيد بالويل والثبور وعظائم الأمور لإسرائيل ومن هم وراء إسرائيل, كما كان عبد الناصر يقول فى خطاباته, نغمة أفراح الانتصارات التى تتحقق فى ميادين لا يعرف عنها جل الشعب المصرى شيئا إلا من الإذاعة, أو من أبواق الإعلام بصفة عامة, ورفع عبد الناصر شعار اللاءات الثلاث : لا صلح, ولا اعتراف, ولا مفاوضات مع إسرائيل, وبدا وكأنه على استعداد لسحق إسرائيل فى أى وقت .
    أما على أرض الواقع على الجانب المصرى, فلا شىء يذكر على مدى هذه السنوات العشر, ولا حتى طلقة على سبيل الخطأ أطلقت باتجاه إسرائيل. ثم اتضح بعد ذلك – كما سنرى – أنه لم يكن هناك مجرد تفكير فى حرب يخوضها الجيش المصرى ضد إسرائيل.
    والعجيب أن خطابات عبد الناصر لم تخل من التهديد والوعيد وتصريحات المسؤولين السياسيين والإعلاميين لم تبتعد كثيرا عن هذه اللهجة.
    على الجانب الإسرائيلى من ناحية أخرى, أعتقد أنّ الإسرائيليين لم ينشغلوا بغير إعداد قوة قادرة على تحقيق أطماعهم, إلى جانب العمل الدبلوماسى الحثيث الذى يكفل لهم الوصول إلى مآربِهم. هذا ما اتضح لكل مراقب للأحداث فى تلك الفترة, وقد بنيتُ هذا الاعتقاد على القاعدة التى تقول إن النتائج دائما تولد من أرحام مقدمات, فما حدث صباح الخامس من يونيو عام 1967 يدل على أن إسرائيل كانت تخطط لحرب تغير من خريطة المنطقة, حشدت لها كل القوى, العسكرية والسياسية, حتى تَهيأ الجو تَماما, فأقدمت على تنفيذ مخططها, وهى على ثقة أنّها سوف تجد كل الطرق ممهدة, وما عليها إلا أن تسير بخطى ثابتة, وسنعود إلى تفصيل ذلك لاحقا إن شاء الله فى معرض حديثنا عن كارثة يونيو .
    على صعيد الإعلام العالمى ظهرت مصر من خلال أجهزة إعلامها, وتصريحات المسؤولين بِها, وقبل هذا وبعده من خلال خطابات رئيسها, دولة عدوانية, مستفزة, تُهدد جيرانَها, ولا يأمنون غدرها, أما إسرائيل فظهرت دولة مستضعفة, تريد العيش فى سلام, بيد أن جيرانَها, وبخاصة مصر يتحرشون بِها, ويتربصون بِها الدوائر .

    د/محمود السيد الفخراني



    محمود الفخراني غير متواجد حالياً
    رد مع اقتباس
  4. تكبير الخط تصغير الخط
    بتاريخ : 24-08-11 الساعة : 03:03 PM رقم #4
    كاتب الموضوع : محمود الفخراني

    افتراضي عدوان الخامس من يونيو أو نكسة 67


    عضو جديد




    رقم العضوية : 22499
    عضو منذ : Oct 2009
    المشاركات : 27
    بمعدل : 0.01 يوميا


    مقدمة
    عُرفت فى التاريخ بنكسة يونيو, أو نكسة 67, وما هذه التسمية إلا محاولة إعلامية رخيصة للتخفيف من وطأتِها على الشعوب العربية, وخاصة الشعب المصرى الذى كان يعيش آنذاك أوهام انتصارات إعلامية حققها الجيش المصرى على أرض اليمن, وميادين أخرى ربّما لم يكن يعرفها إلا من أبواق الإعلام التى تلح عليه بِها ليل نَهار , مثل الكونغو , وباندونج .. وغيرهما
    وقعت كارثة يونيو والشعب المصرى مغيب بفعل وسائل الإعلام المضللة, أو كما قلنا آنفا كان موزعا على أربع فئات؛ الفئة الأولى وهى تُمثل الصفوة من المفكرين الذين أبدوا أو حاولوا إبداء آراء معارضة للنظام, أو مخالفة لتوجهاته, هذه الفئة قبعت خلف جدران السجون والمعتقلات, حيث كانت تلاقى أشد صنوف العذاب, بوسائل لم يعرفها البشر, ولم يسمع بِها من قبل, الفئة الثانية وهى تضم أولئك الذين عارضوا النظام, ولكن آثروا الصمت بعد أن استولى عليهم الخوف, فنأوا بأنفسهم عما يُمكن أن يتعرضوا له من تعذيب وتشريد, وما لا يطاق من أعمال وحشية يقوم بِها سدنة النظام, الفئة الثالثة وهى الفئة التى سارت فى فلك النظام, ورحبت بكل سياساته, وروّجت له, ولم تُبدِ أى شكل من أشكال المعارضة, تضم هذه الفئة مسوّقى النظام من إعلاميين وممن يقومون بدور الإعلاميين فى غير القنوات الإعلامية الرسمية, كما تضم هذه الفئة حراس النظام من رجال الشرطة والمخابرات الذين أدخل فى روعهم أن من يعارض النظام بشكل أو بآخر متآمر على الوطن, فلم تأخذهم بأى معارض شفقة ولا رحمة, تضم هذه الفئة أيضا المنتفعين من وجود هذا النظام, الذين ارتبطت مصالحهم برموزه , فأيدوه وأرادوا له الاستمرار, بغض النظر عن سوءاته التى لا تُهمهم من قريب أو بعيد, الفئة الرابعة فئة المضلَّلين, وهم ضحايا الإعلام الذى أخذ على عاتقه تضليل الشعوب إلى أقصى حد, وله فى ذلك مآرب ثبت أنّها لا تخدم إلا أعداء الوطن, وعاش هؤلاء الضحايا الذين يُمثلون غالبية الشعب شبه مغيبين عن الوعى, لا يعرفون عن الواقع المعاش شيئا إلا ما تتفضل عليهم به أجهزة الإعلام, ولما كان الراديو أهم جهاز إعلامى, فقد نظمت بواسطته خطة لتضليل الشعب بإحكام شديد, عبر نشرات الأخبار التى يبثها, والتمثيليات التى يذيعها بانتظام فى أوقات معينة, والأغانى التى اشتركت بقسط وافر فى تسويق نظام الحكم.
    أيضا كان للصحف اليومية, والأسبوعية دورها فى عملية تضليل الشعب, فاضطلعت بِمهمة تضليل أنصاف المثقفين الذين يُمثلون غالبية الفئة الرابعة, فئة ضحايا الإعلام, فخاطبتهم على قدر ثقافتهم, واستطاعت أن تحقق فى هذا الميدان نتائج مبهرة.
    هذا إذاً هو حال الشعب حينما وقعت الكارثة .. كارثة يونيو .. أو نكسة يونيو كما سَمّاها الإعلام المضلل, ولا أبالغ إذا قلت إن الغالبية العظمى من الشعب لم تنشغل بفداحة هذه الهزيمة النكراء التى مُنى بِها الجيش, وهذا يشهد على النجاح الساحق الذى حققه الإعلام فى ميدان التضليل والتعمية الإعلامية, ولا أبالغ أيضا إذا قلت إن مسؤولية هذه الكارثة تقع بالدرجة الأولى على عاتق الإعلام الذى أدى دورا كبيرا, يظن من يتأمل فى توالى الأحداث فى تلك الفترة أنه كان منوطا بتنفيذ هذا الدور من قِبل أعداء الأمة.
    كانت خطابات عبد الناصر تدوى فى أسماع الشعب المصرى, تشعره بالقوة القادرة على تحقيق كل ما يصبو إليه, وما يتطلع إلى تحقيقه من انتصارات فى كل الميادين, وبخاصة فى ميدان الصراع العربى الإسرائيلى.
    كان عبد الناصر يهزأ بكل قوى العالم, وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية, ولا ينسى أحد من أبناء الشعب الذين عاصروا تلك الفترة يوم قال (الزعيم) : ( إذا كانت أمريكا مش عاجبها تشرب م البحر الأبيض تشرب م البحر الأحمر ) , وهذا غيض من فيض فى هذا المجال, فلطالما سخر (الزعيم) من دول العالم فى المشرق والمغرب, وكأنه فى حديثه يعتمد على أنه يَمتلك أقوى قوة فى العالم, والشعب يصفق ويهتف
    لم يذكر عبد الناصر إسرائيل إلا مهددًا ومتوعدًا, بل كان يهدد ويتوعد إسرائيل ومن هم وراء إسرائيل, ولا يجيبه الشعب إلا بالتصفيق والهتاف, والأغانى الحماسية.
    هذا ملخص ما حدث
    العدوان لم يفاجئ القيادة
    بداية نقول للتوضيح فقط إن عدوان يونيو لم يفاجئ القيادة العسكرية فى مصر, فقد كانت على علم تام بأن عدوانا إسرائيليا سيقع فى غضون أيام قلائل, بل كانت القيادة على علم بِموعد العدوان تحديدا, هكذا قال عبد الناصر فى خطاب التنحى الشهير يوم 8 يونيو, فقد قال ما معناه أنه كان على علم مائة بالمائة أن الهجوم على وشك الوقوع, وأن السفير الأمريكي اتصل به مساء العدوان والسفير الروسي فجرا )
    ليس هذا فقط, ولكن ما قام به عبد الناصر قبل العدوان بنحو ثلاثة أسابيع, كان بِمثابة إعلان حرب على إسرائيل, فقد طلب من الأمم المتحدة سحب القوات الدولية من سيناء, وأغلق خليج العقبة فى وجه الملاحة الإسرائيلية. فماذا فعل عبد الناصر بعد ذلك؟ لا شىء غير التصريحات النارية فى انتظار العدوان الإسرائيلى ؟
    هذا ويحدثنا حسين الشافعى نائب رئيس الجمهورية آنذاك عما حدث صباح الخامس من يونيو :
    (توجهتُ بطائرة خاصة صباح يوم 5 يونيو إلى مطار فايد, ومعى قائدُ القوات العراقية التى كانت قد وصلت لتوِّها, ومع اقترابِنا من مطار فايد رأينا الدخان الكثيف يتصاعد من المطار, ثم تأكدنا أنه دُمِّر عن آخره ..عدنا إلى القاهرة وذهبنا إلى منشية البكرى حيث يقيم جمال عبد الناصر لنجدَه جالساً يدخن سيجارته, فأخبرته أن مطار فايد قد دمر فلم يُعلِّقْ .. بل لم يتغير وجهُه وكأن شيئاً لم يحدث, أو كأنه كان على علمٍ بكل ما يحدث .. )
    [من حديث لحسين الشافعى على قناة الجزيرة الفضائية]
    ونحن بدورنا نتساءل : هل هذا الانطباع للقائد الأعلى للقوات المسلحة حينما أخبره نائبه بأن أحد أهم المطارات الحربية قد دُمر عن آخره انطباعٌ طبيعىٌّ؟ أم أنه انطباعُ من هو على علمٍ تام بِما يجرى على الساحة العسكرية فى ذلك الوقت إن لم يكن أحد المخططين له؟!
    فى عام 56 يأتيه خبر العدوان الإسرائيلى على سيناء وهو يحتفل بعيد ميلاد ابنه, وفى 67 يأتيه خبر تدمير أحد أهم مطارات مصر العسكرية وهو يدخن سيجارته فى شرفة منزله, فلم يعلق ولم يتغير وجهه, أى قائد عسكرى هذا, وأى زعيم يقود أمة لها تاريخها هذا الذى ينتظر فى بيته حتى تأتيه الأخبار بأن بلده يعتدى عليها, ثم لا يحرك ساكنا باتجاه ما يتناهى إليه من أخبار إلا أن يأمر بتسهيل مهمة العدو, وذلك بإعطاء أوامر بالانسحاب كل على مسؤوليته.
    يروى محمد صدقى محمود لمؤلف كتاب (إعترافات قادة يونيو) فى معرض دفاعه عن نفسه فيقول :
    (استدعانى عبد الحكيم عامر يوم الجمعة 2/6/67 بقوله (إن كنت فاضى تعالى شوية), فذهبت إلى حيث استدعانى فوجدت كل قواد الجيش ومعهم عبد الناصر, وعامر, فبادرنى عبد الناصر متسائلا : هل وصلت طلائع الجيش العراقى؟, فقلت : تصل بعد يومين أو ثلاثة, فقال بالحرف الواحد (لو عدوا اليومين تلاتة دول يبقى نفدنا بجلدنا) , أى لو مر يومان أو ثلاثة أيام دون قتال يكون فى ذلك سلامتنا, فقلت هل تتوقع هجوما إسرائيليا فى هذه الفترة, فقال نعم, فقلت فلِم لا نضرب نحن ضربتنا ونجهض هذا العدوان, فقال عبد الناصر : بل علينا بتلقى الضربة الأولى, فقلت : إنك تفرض علينا الهزيمة بِهذه الطريقة, فقال عبد الحكيم عامر هل تبدأ أنت القتال ثم تجد نفسك تحارب أمريكا, فقلت : إنى سوف أحارب أمريكا سواء أكنت البادئ بالقتال, أو تلقيت الضربة الأولى. فقال عبد الناصر : عليك بإطاعة الأمر, ولما قلت إن الطائرات بلا دشم تحميها قال : لم يعد لدينا وقت.)
    طبعا محمد صدقى محمود يحاول تبرئة نفسه, وهو يقاسى ويلات السجن, ولذلك ألقى بالتبعة على كل من عبد الناصر وعامر, فما حدث فى هذا الاجتماع برواية صدقى نفسه, والتى لا نشك كثيرا فى صحتها, لا يبرئه, ولا ينأى به عن المسؤولية التاريخية عن الهزيمة التى منيت بِها مصر فى ذلك الوقت, ولكن هذا الاجتماع يعطى فكرة واضحة عن تفكير القيادة السياسية, وهى تترقب هجوما وشيكا على أراضيها, وهو ما قصدت إليه فى إيراد رواية هذا الاجتماع, فالواضح أن القيادة السياسية كانت خاضعة لضغوط من جهة ما, وقد أقر عبد الناصر فى خطاب التنحى الشهير بأن السفير الأمريكى اتصل به وكذلك السفير السوفييتى, وطلبا منه ضبط النفس وألا يكون البادئ بالقتال. وفى رأيى أن هذا ليس مجرد إقرار من عبد الناصر بأنه تعرض لضغوط جعلته يأمر قادة القوات المسلحة بتلقى الضربة الأولى, ولكنه إقرار بوجود علاقة ما بينه وبين وأمريكا تصل إلى حد أنه من الممكن أن ينفذ لها أية أوامر حتى لو تسببت هذه الأوامر فى كارثة أو كوارث تُمنى بِها البلاد. هذه العلاقة تفسر لنا مواقف قد تدعو إلى الاستغراب, وتجيب عن أسئلة قد تستعصى على الفهم, وبالطبع سنعود إلى تحديد كنه هذه العلاقة من خلال ما وقع بين يدينا من وثائق, أيضا من خلال بعض الأحداث التى تقطع بوجود هذه العلاقة.
    هذا وبعد أن مهدت إسرائيل سياسيا لمخططها العدوانى, أغارت صباح الخامس من يونيو بطائراتِها المقاتلة على مطارات مصر, فدكتها , ودمرت ما بِها من طائرات, فى غضون سويعات قلائل, وأصبحت مصر فى لحظات بدون سلاح جوى, وجيشها فى سيناء مكشوفا للعدو, والقتال يزداد ضراوة ساعة بعد أخرى, ولكن كان كل شىء معدا قبل ذلك, فقد تم تسليم سيناء للعدو عندما صدر قرار الانسحاب كل رجل على مسؤوليته, وبعد أن تقطعت الأسباب بالقوات المقاتلة فى سيناء فى عدم وجود حماية جوية لها,

    الإعلام وهزيمة يونيو :
    وقعت هزيمة يونيو والشعب يعيش انتصارات وهمية يتحدث عنها الإعلام فى وسائله المختلفة, صباح مساء, كانت البيانات تتوالى منذ فجر الخامس من يونيو بأعداد طائرات العدو التى أسقطت, والانتصارات التى يحققها الجيش المصرى, حتى أنّه قيل إن طلائع من الجيش المصرى تقترب من تل أبيب, وفى مساء الثامن من يونيو طلع علينا عبد الناصر فى تَمثيلية- قيل إنّها معدة من قبل وقيل غير ذلك - يعلن مسؤوليته عن الهزيمة التى حاقت بالجيش, أو بالأحرى يعلن استعداده أن يتحمل مسؤولية الهزيمة التى مُنى بِها الجيش المصرى, وكأنه غير مسؤول عنها, كما يعلن أنه يتنحى عن كل المناصب السياسية التى يتقلدها (لأخيه) زكريا محيى الدين, وما أن انتهى عبد الناصر من إلقاء خطابه, حتى تدفقت جموع الشعب من كل المحافظات صوب القاهرة تعلن رفضها لتنحى (الزعيم) وتطالبه بالبقاء فى الحكم.
    قيل أيضا إن تدفق هذه الجموع كان معدا من قبل وقيل بل كان تلقائيا, ورأيى أن بعضه كان معدا من قبل من قِبل أعضاء الاتحاد الاشتراكى, والغالبية خرجت من تلقاء نفسها, ربّما تأثرا بِمن خرجوا فى إطار التمثيلية المعدة سلفا, وقد روى لى أحد مدرسى مدرسة جمال عبد الناصر الثانوية بالمنصورة, أنه تلقى أوامر من قيادات الاتحاد الاشتراكى بالمنصورة بالاستعداد للسفر إلى القاهرة مساء ذلك اليوم الذى أعلن فيه عبد الناصر تنحيه عن الحكم, وكانت الأتوبيسات معدة من قبل لهذه الرحلة التى سوف تضم كل أعضاء الاتحاد الاشتراكى بالمحافظة, وما أن أعلن (الزعيم) تنحيه حتى صدرت الأوامر بالذهاب إلى القاهرة, لتشارك جموع أعضاء الاتحاد الاشتراكى بالقاهرة والمحافظات فى مظاهرة تطالب (الزعيم) بالبقاء فى الحكم. وإذا كان ما يرويه هذا المدرس قد حدث بالفعل فى المنصورة, فلا شك أنه حدث فى كل المحافظات بنفس الطريقة, والنتيجة كانت تراجع (الزعيم) عن قراره وبقى فى الحكم حتى وافاه الأجل المحتوم بعد ثلاث سنوات تقريبا. بالطبع رواية هذا المدرس الذى التقيت به مصادفة لا تعد توثيقا لما حدث, فربّما تكون هذه الرواية حقيقية, وربّما تكون غير ذلك, ولكن لا شك أن كثيرين يؤكدون أن أعضاء الاتحاد الاشتراكى لعبوا دورا كبيرا فى هذه الصدد.
    على أية حال لقد كوفئ صانع الهزائم بالبقاء على كرسى الرئاسة, ليكتب كبير المضللين إن ما حدث يعد انتصارا لإرادة الشعب, وما سيناء إلا حبات من الرمال, المهم بقاء الزعيم فى منصبه, ويدعى أن الغرض الذى من أجله شن الأعداء هذه الحرب كان إقصاء عبد الناصر عن سدة الحكم, ولكن الشعب فوّت عليه هذه الفرصة, وهكذا تجرع الشعب الهزيمة وهو يعيش لحظات انتشاء كاذبة, صنعها الإعلام المضلل قبل المعركة وأثناءها, وأيضا بعد وقوع الهزيمة, وإعلان عبد الناصر استعداده لتحمل المسؤولية كاملة.
    وهكذا طمست معالم الهزيمة التى حاقت بِمصر والجيش المصرى فى غفلة من الزمان, وتوزعت المسؤولية على قواد الجيش, وراح أحدهم (عبد الحكيم عامر) كبش فداء, فقيل انتحر, وقيل بل قتلوه, ولم يعرف أحد ربّما إلى الآن حقيقة ما حدث, وتوارت جل وثائق حرب يونيو, ولم يسمح حتى الآن بتداول إلا النذر اليسير منها. وأتحدى أن تظهر وثائق حقيقية بخصوص هذه الكارثة فى ظل هذا الوضع السياسى المتردى الذى تعيشه مصر والأمة العربية .
    سؤال يطرح نفسه على الساحة
    وهنا نطرح سؤالا هاما لعلنا نقف على بعض الحقائق التى طمست عمدا مع سبق الإصرار :
    هل كان عبد الناصر متواطئا حقا مع الأعداء كما جاء فى معرض حديثنا عن الحربين اللتين أدار دفتهيْما فى فى خضم الصراع العربى الإسرائيلى عامىْ 56 , 67 ؟
    وللإحابة على هذا السؤال نعرض فى البداية لعلاقة عبد الناصر بإسرائيل والمخابرات المركزية الأمريكية..
    فى كتابه (مع عبد الناصر) يتساءل أمين هويدى : (هل تحرشت مصر بإسرائيل حينما قامت بغاراتِها الوحشية فى غزة, وأتبعتها بغاراتِها فى مناطق عديدة ؟ هل تحرشت بِها حينما انضمت إلى بريطانيا وفرنسا فى العدوان الثلاثى ؟ والجواب على الفور أبدا) وقد وضح لنا ذلك ونحن نعرض للصراع العربى الإسرائيلى إبان فترة حكم عبد الناصر .
    وهذا مقال لأحمد حمروش كانت جريدة (الشرق الأوسط) قد نشرته فى عددها رقم 6205 الصادر بتاريخ 16/5/2001 :
    ( تَمت إتصالاتٌ سريّة عبر سفارة مصر فى باريس, حينما كان موشى شاريت وزيرا لخارجية إسرائيل, ثم رئيسا لوزرائها وكان ثروت عكاشة ملحقا عسكريا بالسفارة.
    تَمت الاتصالات أيضا عبر نائبين بريطانيين هما : ريتشارد كروسمان, وموريس أورباخ. ولقد أعاق بن جوريون هذه الإتصالات بافتعالِه فضيحة لموشى شاريت عُرفت باسم فضيحة لافون عاد بن جوريون على إثرِها إلى منصب وزير الدفاع.
    قام الإسرائيليون بغارة وحشية على غزة قتلوا فيها 29 من رجال الجيش وعددا من المدنيين.. علّق عبد الناصر بقوله : "إنَّها كانت ناقوس الخطر الذى جعلنا نبحث فى تعريف السلام ومعنى السلام وتوازن القوى بالمنطقة .
    لم تتوقف الإتصالات السرية التى قام بِها روبرت أندرسون وزير خارجية أميركا, والصديق الشخصى لأيزنَهاور.
    عبد الناصر يعلن فى مارس 1957 أن الجلاء (جلاء الإسرائيليين) عن غزة وشرم الشيخ, يضع نِهاية لعملية غزو مصر, ومصر الآن مستعدة لحل أى مشكلة معلقة بوسائل سلمية.
    إستمرت الإتصالات السرية بين عبد الناصر وإسرائيل عبر الرئيس الأميركى جون كندى, ثم بينه وبين جونسون فى الأعوام الأولى من الستينيات كما استمرت بعد هزيمة 1967, وذلك مع عناصر السلام داخل إسرائيل, ثم مع ناحوم جولدمان الذى كُلفتُ بالاتصال به (الكلام لأحمد حمروش) بعد الإتفاق مع تيتو على أن يوجِّه عبد الناصر له الدعوة لزيارة مصر, وعندما علمت جولدمائير رئيسة وزراء إسرائيل بذلك رفضت التصريح له. أخيراً وافق عبد الناصر على مبادرة روجرز التى تقضى فى أحد بنودها بوقف إطلاق النار بين الجانبين لمدة ثلاثة أشهر. وقد توفى عبد الناصر بعد خمسين يوما من إعلان وقف إطلاق النار.)
    هذا المقال الذى لا أعرف بالتحديد سبب نشره فى ذلك الوقت, يعطى فكرة سريعة وإن كانت مؤكدة عن موقف عبد الناصر من الصراع العربى الإسرائيلى, أو موقفه من العدو المرابط على حدود مصر الشرقية فالواضح أن عبد الناصر كان يجنح إلى مهادنة إسرائيل, وعدم التحرش بِها, ومسالمتها إن أمكن, ومع اتضاح نوايا إسرائيل فى عدم جنوحها للسلم, إلا أن عبد الناصر كان مصرا على عدم الدخول فى مواجهة عسكرية مع إسرائيل, مهما كانت الأسباب, وهذا ما أكده الواقع كما رأينا . والسؤال لماذا؟
    وهذه مقتطفات وردت فى كتاب ثورة يوليو الأمريكية, لمؤلفه محمد جلال كشك, ننقلها ههنا بحرفها, على اعتبار أنّها وثائق أتيح لنا أن نطلع عليها من خلال هذا الكتاب .
    يقول محمد حسنين هيكل فى كتابه (قصة السويس) "إنه (أى هيكل) قضى ليلة كاملة فى السفارة البريطانية مع (أنورين بيفان) النجم الساطع فى حزب العمال والسردار بانيكار سفير الهند وقتها, وهو يحاول إقناع (بيفان) بأن ينصح الإسرائيليين بالاهتمام بِما يجرى فى مصر, حتى ضاق بيفان به ذرعا, وراح بيفان يسأله باستنكار أمام بانيكار: لماذا تريدهم هناك فى إسرائيل أن يحسبوا حسابا لما يجرى هنا, لست أرى أمامى فى مصر هنا ثورة, ما أراه هو واجهة ثورة وليس مضمون ثورة, وهذه هى البيانات الصادرة عن النظام الجديد وهذه وثائقه أمامنا فأرنى فيها أية اتجاهات ثورية تخيف العدو, أو تثير لجد اهتمام صديق."
    هل كان هيكل مكلفا من قبل عبد الناصر بِهذا الأمر, أم أنه أراد أن يستطلع مدى اهتمام الإسرائيليين بِما يجرى فى مصر فى أيام الثورة الأولى, لينقل ذلك إلى عبد الناصر, وهل اهتمام الإسرائيليين بعبد الناصر أو بِما يجرى فى مصر هو غاية المراد, أم أن ما يجرى فى مصر كان فى صالح إسرائيل وهذا هو الأغلب, لذا أراد هيكل لفت نظر الإسرائيليين إلى ما يجرى فى مصر, وإلا لو كان فى غير صالح إسرائيل لكان الأولى العمل على أن تعمى أبصار الإسرائيليين عما يجرى بِمصر .. أليس كذلك؟ أعتقد أنه لا مجال لشك فى صحته .. فهذه بعض التصريحات التى تؤكد ذلك :
    - فى لقاء تم بين عبد الناصر وكيرميت روزفلت فى منزل عبد المنعم أمين قال عبد الناصر إنه يريد مساعدة الولايات المتحدة فى إقناع بريطانيا بالجلاء, كما طلب مساعدة اقتصادية وسلاحا, أما عن إسرائيل فقال: إن إسرائيل ليست شاغله الآن ونظرته إليها على أية حال أنّها ليست خطرا على مصر.
    (هيكل : ملفات السويس, وكان قد روى هذه الواقعة فى كتاب قصة السويس على أن اللقاء تم مع كافرى سفير الولايات المتحدة الأمريكية )
    - ويقول هيكل إن عبد الناصر فى لقائه مع ريتشارد كروسمان قال له : إنه لا يشغل نفسه بإسرائيل وإنّما يركز على التنمية الداخلية فى مصر لذلك خفض ميزانية القوات المسلحة بخمسة ملايين جنيه عن السنة الماضية. وحينا نقل ريتشارد كروسمان هذا النبأ إلى بن جوريون هرش الأخير شعره المنكوش وتَمتم بصوت خفيض وهو يهز رأسه : ( هذه أنباء سيئة .. أنباء سيئة جدا ) هيكل : ملفات السويس
    الواضح أن عبد الناصر منذ تولى الحكم وهو لا يشغل باله بإسرائيل, العدو المرابط على حدود مصر الشرقية, وقد خفض الميزانية العسكرية بِمقدار خمسة ملايين جنيه, وهذه أنباء سيئة للغاية بالنسبة لبِن جوريون (لعله كان يريد أن ينشغل به كما كان هو منشغلا به) ما علينا ... فإذا كان الأمركذلك .. لماذا كان عبد الناصر يصر على تصعيد المواجهة فى تصريحاته العلنية, وفى خطاباته التى لم تكن تخلو من ألفاظ التهديد والوعيد لإسرائيل, ثم لإسرائيل ومن هم وراء إسرائيل, فى سنوات ما قبل كارثة يونيو, وكانت قد علت نبرة التهديد إلى حد التبجح فى خطاباته وفى أبواق إعلامه.
    فهل كان هيكل يريد من الإسرائيليين أن يعرفوا أن القيادة فى مصر مستعدة لمهادنتهم أو مسالمتهم ؟ وماذا يقصد من وراء ذلك ؟ أعتقد أن الأمر ليس فيه لبس .. فالسياسة المصرية آنذاك كانت تقوم على أساس (قل ولا تفعل) أو (افعل عكس ما تقول) كما أثبتنا فى مواضع عدة على هذه الصفحات ..
    وهذه حكاية لها مدلول آخر لعلها تفسر لنا بعض ما استبهم علينا :
    يقول هيكل (إن بن جوريون بدأ يطلب معلومات عن عبد الناصر, فتقدم إليه اثنان فى إسرائيل كلاهما قابل عبد الناصر على نحو أو آخر , أولهما ضابط مخابرات إسرائيلى اسمه (يوريهان كوهين), والثانى ضابط إسرائيلى كبير أصبح الآن نائبا لرئيس الوزراء, ووزيرا للخارجية وهو إيجال آلون. وقال إن ضابط المخابرات كوهين اتصل عدة مرات بعبد الناصر الذى لفت نظره خصوصا عندما سأله عبد الناصر فى أثناء استراحة للجنة الاتصالات عن الأساليب التى استعملتها الجماعات الإسرائيلية المقاتلة ضد الإنجليز فى فلسطين ما بين عامى 1946 و 1948. ثم يؤكد هيكل أنّهما التقيا مرة ثانية داخل إسرائيل حيث قضى عبد الناصر هناك 24 ساعة فى الأرض المحتلة فى النقب. والسبب أن عبد الناصر ذهب إلى هناك ليرشد اليهود إلى مقبرة كانت قواته قد دفنت فيها أكثر من 450 جثة. (هيكل قصة السويس)
    ولم يذكر هيكل على أى نحو كان لقاء عبد الناصر بإيجال آلون, ولا على أى شكل كانت علاقته به, وهذا فى حد ذاته يشير إلى متانة هذه العلاقة, وعدم وجود تبرير لها لدى هيكل, ولا حتى تبرير واهٍ كهذا التبرير الذى فسر به علاقة عبد الناصر بكوهين, ويدل أن هذه العلاقة كانت ذات مغزى يصب فى مستنقع الخيانة, فلم يفصح عنها, وقد ذكر هيكل هذه الرواية التى تفسر علاقة عبد الناصر بكوهين فى الصفحة التالية للصفحة التى تضمنت لقاءه مع أنورين بيفان, فهل سؤال بن جوريون دليل اهتمام الإسرائيليين بعبد الناصر, وما فى ذلك ؟ أليس من الطبيعى أن يعرف القائد كل شىء عن عدوه (إذا كان عدوه), ومع هذا ففى رواية هيكل ما يدعو للاستغراب, فهل السبب الذى دعا عبد الناصر لأن يذهب إلى إسرائيل هو إرشادهم إلى مقبرة اليهود, هل يقوم بِهذه المهمة أركان حرب الكتيبة السادسة مشاة ؟ ألا يكفى لهذه المهمة أن يقوم بِها ضابط برتبة ملازم أو حتى صف ضابط ؟ وهل العلاقة بين أركان حرب مصرى, وضابط مخابرات يهودى تصل إلى حد أن يسأله عن الأساليب التى استعملها اليهود ضد الإنجليز فى فلسطين ؟ ألا يدل ذلك على علاقة من نوع خاص كانت تربط بين عبد الناصر وهذا اليهودى ؟ ألا يقطع هذا بصحة ما قيل عن ذهاب عبد الناصر إلى إسرائيل بصفة منتظمة أثناء حصار الفالوجا ؟
    على أية حال قال بِهذا كثيرون, حتى ذهب بعضهم إلى القول بيهودية عبد الناصر, وحينما اقترح توفيق الحكيم صنع تِمثال لعبد الناصر, قال مصرى مقيم بألمانيا : ليكن مكان هذا التمثال أكبر ميادين تل أبيب, فما قدمه عبد الناصر لإسرائيل,لم تكن إسرائيل تتمنى أكثر منه فى هذه الفترة الوحيزة.
    ولكنى لا أقول مثل ما قالوا, ولا أذهب إلى ما ذهبوا إليه, وإن كنت لا أجد تعليلا يناسب هذه الفعال إلا أن يكون عبد الناصر يهوديا, فالتعليل الذى لدى وهو حب الزعامة, ربّما لا يكون دافعا لتقديم كل هذه التنازلات للعدو إلى هذا الحد, ولكن لأنه هو البديل الوحيد للقول بيهودية عبد الناصر, فإننا نسلم به متفقين على أن كلا التعليلين هو بِمثابة اتّهام صريح لعبد الناصر بالخيانة العظمى, وعلى أية حال كلا التعليلين لا ينفى الآخر قطعيا.
    صلة المخابرات الأمريكية بثورة يوليو
    أما صلة المخابرات الأمريكية بثورة يوليو فلم يعد فيها شك ولا مراء, وأسوق هنا بعض ما وقع فى يدى من شواهد هى فى الأصل عبارات اقتطفها محمد جلال كشك من المصادر التى أشار إليها فى كتابه (ثورة يوليو الأمريكية), وهى قليل من كثير جاء فى الكتاب, ولكنى أكتفى بِما قدمت هنا, وأدعو من يريد المزيد إلى قراءة كتاب جلال كشك, وكتاب (لعبة الأمم) لمؤلفه مايلز كوبلاند رجل المخابرات الأمريكى, ورأيى أن كثيرا من الأحداث التى وقعت فى عهد عبد الناصر تشير بِما لا يدع مجالا لشك إلى هذه العلاقة الغريبة التى تربط بين عبد الناصر والمخابرات الأمريكية .
    ( الصلة بين الضباط الأحرار والأمريكان بدأت فى مارس 1952, وقد شعرت أنا بذلك قبل أن أقرأ كتاب كوبلاند من موقف عبد الناصر من الإتجاه اليسارى فقد بدأ فى ذلك الوقت يطالبنا بالتخفيف من المنشورات, وبدأ يكتب المنشورات بنفسه بعد أن كنا نكتبها نحن, فعل ذلك مرة أو مرتين, وكنت أتصور أن هذا من تأثير جمال سالم عليه, فجمال سالم دخل القيادة فى يناير 1952 ومن يومها بدأنا نسمع كلاما عن الحكم الديكتاتورى وكلاما عن التفاهم مع أمريكا وعن خطر الشيوعية من جمال سالم, ولاحظت أن عبد الناصر بدأ يسكت. من هذا يتضح أن الضباط الأحرار لم تكن لهم أية علاقة بالأمريكان فى الفترة التى حدث فيها حريق القاهرة وإنّما بدأت هذه العلاقة فى مارس 1952 )
    (خالد محى الدين)
    - ساعدت الوكالة فى طرد فاروق فقد كانت تعرف عبد الناصر ومناوراته الخلفية .
    - إن عملاء المخابرات المركزية الأمريكية والبريطانية كانوا قريبين من الضباط الأحرار ودعموا قوتَهم.
    (تاللى : وكالة المخابرات المركزية الأمريكية)
    - فى أواخر مارس أصبح كيرميت روزفلت على علم بالثورة المتوقعة وبدور ناصر كزعيم للضباط الأحرار وهى مجموعة اعتبرتْها السفارة الأمريكية منظمة تصحيحية خالصة يقتصر اهتمامها على الشؤون العسكرية.
    (بارى روبين :أمريكا والثورة المصرية 1950 – 1957)
    - إن الوكالة ساعدت عبد الناصر فى الوصول إلى السلطة وقد ساعد كيرميت روزفلت قادة الانقلاب وموّلهم ضد السياسة البريطانية.
    (جون رافيلانج : إرتفاع وسقوط وكالة المخابرات الأمريكية)
    - إعترف رجل المخابرات الأمريكية ويلبور كرين إيفلاند باشتراك الوكالة فى الانقلاب .
    ( كتاب حبال من رمال)
    - قدم مايلز كوبلاند اقتراحا بإعطاء عبد الناصر مبلغ 3 مليون دولار (يذكر أن هذا المبلغ استغل فى بناء برج القاهرة) .
    (كتاب لعبة الأمم : مايلز كوبلاند)
    هذا وعلاقة عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية أصبحت فى غير حاجة إلى إثبات, بعدما أدلى كل من له صلة بِهذه القضية بدلوه فيها, واتفق عليها خصوم عبد الناصر ومؤيدوه, وبقى الخلاف على كنه هذه العلاقة ودورها فى صنع القرار السياسى فى فترة حكم عبد الناصر. وهو خلاف محسوم سلفا إذا وضعنا فى الاعتبار أن أمريكا لا يُمكن أن تؤيد إلا من يرعى مصالحها, وأن مصالحها لا تعلو عليها أية مصالح, كذلك إذا وضعنا فى الاعتبار ما آلت إليه سياسات عبد الناصر فى المنطقة, وأيضا القرارات التى أقدم على اتخاذها بشأن الصراع العربى الإسرائيلى, حتى موقف محمد صدقى محمود قائد سلاح الطيران فى الحربين يشير إلى هذه العلاقة, فإن السؤال الذى يفرض نفسه لماذا نفذ محمد صدقى محمود أمر عبد الناصر وعامر, وقبِل أن يُهزم, وعصى أمر بغدادى بضرب قوات العدو التى احتلت سيناء عام 56 ؟ الواضح أن علاقة ما, أو اتفاقا ما كان بينه وبين عبد الناصر, على ألا توجه ضربة باتجاه إسرائيل مهما كانت الظروف, وأيا كانت الأسباب, وهذا ما دعاه لأن يتباطأ فى تنفيذ أمر بغدادى فى 56, فى وجود عبد الناصر, بل يَمتنع عن تنفيذ هذا الأمر, وهذا أيضا ما دعاه لأن يطيع عبد الناصر فى 67 فى عدم توجيه ضربة مباغتة للعدو, ويقبل أن يهزم دون أن يحارب أو بحسب تعبيره تفرض عليه الهزيمة. تباطؤ وعصيان فى 56, وطاعة عمياء فى 67, والمحصلة فى الحالتين عدم توجيه أى ضربة لإسرائيل. ألا يفسر لنا هذا الموقف كنه العلاقة التى ربطت بين عبد الناصر والأعداء ممثلين فى إسرائيل والمخابرات المركزية الأمريكية cia .. وأن عبد الناصر كان متواطئا مع الأعداء, وقد قام هذا التواطؤ على أساس اتفاق على أيدلوجية واحدة, اقتنع بِها عبد الناصر أشد الاقتناع, وعمل على تنفيذها فى المنطقة, مقابل أن يبقى فى السلطة زعيما لمصر والأمة العربية, بل أكثر من ذلك إذا أراد. وهنا يلتقى حب الزعامة, وهو ما جُبل عليه عبد الناصر مع تواطؤه مع الأعداء الذى لم يعد محل شك أو مراء ..
    ربّما كان عبد الناصر محبا لوطنه, ولكن كان حبه لنفسه أشد من أى حب آخر, لذا لم تأت فرصة يثبت فيها حبه لوطنه أكثر من حبه لنفسه إلا وأثبت العكس, وآثر المصلحة الشخصية على مصالح البلاد والعباد. وقد قال بِهذا مايلز كوبلاند حينما سئل مرة إذا خير عبد الناصر بين التنازل عن السلطة أو دمار مصر فماذا يختار ؟ فقال بلا تردد : سيختار البقاء فى السلطة.) كتاب لعبة الأمم .
    أعتقد أننا من خلال هذه العلاقة, ومن خلال علاقة عبد الناصر بيهود إسرائيل نستطيع أن نفسر, ما استبهم علينا ونحن نعرض لقضية الصراع العربى الإسرائيلى, وما بعث فينا بعض الحيرة :
    أولا : ما قبل حرب السويس 1956 :
    1- تصريحات عبد الناصر بأنه غير منشغل بإسرائيل, ومحاولاته المتكررة لمهادنتها, ومسالمتها إن أمكن.
    2- عدم الرد على اعتداءات إسرائيل المتكررة على الحدود المصرية, وإيثاره تجنب المواجهة العسكرية.
    ثانيا : فى حرب 1956
    1- اطمئنان اليهود إلى أن عبد الناصر لن يستخدم سلاح الطيران ضدهم, فقاموا بعملية إنزال لقواتِهم فى قلب سيناء, كخطوة أولى فى سبيل احتلالها.
    2- تردد محمد صدقى محمود واضطرابه حينما ألقيت إليه الأوامر بدك هذه القوات, ودك المدن الإسرائيلية, وعدم تنفيذ هذه الأوامر, وذلك على مرأى ومسمع من عبد الناصر.
    2- قرار عدم اشتراك سلاح الطيران فى المعركة ,كما جاء فى خطة الانسحاب.
    4- قرار عدم اشتراك القوات السورية, والقوات الأردنية فى المعركة, مع ارتباط هاتين الدولتين بِمعاهدة دفاع مشترك مع مصر.
    5- قرار الانسحاب كل رجل على مسؤوليته الذى سُلمت سيناء بِمقتضاه إلى إسرائيل.
    6- قبول عبد الناصر وخضوعه لشروط إسرائيل مقابل انسحابِها من سيناء عام 1957.
    ثالثا : فى حرب 1967
    1- استمرار محمد صدقى محمود فى موقع القيادة, وامتثاله لأمر عبد الناصر بعدم توجيه أية ضربة باتجاه إسرائيل,
    2- قرار تلقى الضربة الأولى الذى لا يعنى إلا فرض الهزيمة على القوات المسلحة.
    3- قرار الانسحاب كل رجل على مسؤوليته والذى سلمت سيناء بِمقتضاه إلى إسرائيل للمرة الثانية خلال فترة حكم عبد الناصر.
    كل هذه المواقف والقرارات لم تعد تدعو للاستغراب, أو تبعث على الحيرة, إذا وضعنا فى الاعتبار العلاقة الخاصة (المعقدة) التى ربطت بين عبد الناصر وكل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل, كذلك إذا وضعنا فى الاعتبار حبه المفرط للزعامة وشغفه, وولعه بِها إلى الحد الذى يجعله يضحى بكل شىء من أجلها.
    هل عمل عبد الناصر على هزيمة الجيش :
    قال بِهذا أحد المحللين السياسيين إستنادا إلى أن عبد الناصر كان يريد التخلص من عبد الحكيم عامر, بعدما تنامى نفوذه فى القوات المسلحة إلى الدرجة التى أقلقت عبد الناصر, منذ أوائل الستينييات فطفق يفكر فى طريقة للتخلص منه. ولكنى لا أؤيد هذا الكاتب فيما ذهب إليه, لأن كلاهما فى اجتماع الثانى من يونيو كانا متفقيْن على قرار تلقى الضربة الأولى بشهادة قادة القوات المسلحة فى كتاب (اعترافات قادة يونيو), إلا إذا كان فى زعم كل منهما أنه يُمكن التخلص من الآخر بإيقاع الهزيمة بالجيش. ولكن يبقى ذلك فى حيز التخمين الذى لا يدخل فى حساباتنا هنا, إذ أننا اتفقنا من البداية أن نستند إلى وثائق تاريخية أو ما يرقى إلى الوثائق التاريخية, أو نستند إلى أحداث واقعية لا يُمارى فيها أحد, وليست فى حاجة إلى وثائق.
    ما لا يستطيع أحد أن يفهمه هو قرار تلقى الضربة الأولى وما سبقه من أحداث, فإذا كان قرار سحب القوات الدولية من سيناء هو إعلان حرب على إسرائيل, فإن قرار تلقى الضربة الأولى هو قرار فرض الهزيمة على مصر والجيش المصرى, وهذا ما لم يقدم عليه قائد عسكرى فى أية بقعة من بقع العالم, ولا فى أية حقبة من حقب التاريخ. والأدهى أن عبد الناصر يعترف بذلك فى خطاب التنحى الشهير, والأدهى منه أن يتقبل الشعب منه هذا الاعتراف, ثم يطالبه الشعب ممثلا فى نوابه وإعلامييه بالبقاء فوق كرسى الرئاسة.
    طبعا هذه الأحداث التى توالت خلال عدة أيام تكشف عن أبعاد جديدة فى المواقف التى نحن بصددها, ويُمكن لكل من هو ذو اتجاه سياسى معين أن يستشف منها ما يريد, إلا أن يحاول أحدهم أن يبرر لعبد الناصر اتخاذ هذا القرار, أو حتى يلتمس له العذر فى تَهيئة القوات المسلحة بصفته قائدها الأعلى لكى تُمنى بِهذه الهزيمة مهما كان تصوره لحجمها, فهى فى أول الأمر وآخره هزيمة, وهى ضد ما جبل عليه الإنسان من حب للنصر والفوز والظهور على الأعداء, فما بالك بِهزيمة أمة, وكيف نصف من يُرتب لها, ويهيئ قواته المسلحة لتلقيها على نحو غير مسبوق فى تاريخ الحروب ؟ ثم ما بالك بِمعركة بِهذا الثقل العسكرى والسياسى لم يكن عدونا ليحلم أن يتحقق له فيها نصر, تنتهى إلى ما انتهت إليه, تحطمت قدرة مصر العسكرية, وواجهت قواتُها المسلحة انسحابا مهينا أودى بحياة عشرات الآلاف من الجنود على أرض سيناء, واحتلت سيناء, وهجر سكان مدن القناة؛ السويس والاسماعيلية وبورسعيد, وقبل هذا وبعده ضاعت قضية فلسطين والقضايا ذات الصلة كقضية القدس واللاجئين بعد أن انقلب الوضع السياسى رأسا على عقب جراء هذه الهزيمة الساحقة.
    نعود إلى أغرب قرار صدر عن قائد عسكرى فى التاريخ .. قرار تلقى الضربة الأولى , ونحاول أن ننفى تُهمة التآمر, أو التواطؤ, أو العمالة, أو الخيانة عمن أصدر هذا القرار .. فهذه التهم أو إحداها هى أول ما يتبادر إلى الذهن لدى سماع هذا القرار, والتيقن من اتخاذه من قبل أى قائد عسكرى .
    أخف الاتّهامات وطأة أن يكون عبد الناصر قد تعرض لضغوطات خارجية, اضطرته أن يقدم على اتخاذ مثل هذا القرار, وتحديدا ضغوطات أمريكية, ليست على شاكلة ما أقر به عبد الناصر نفسه فى خطاب التنحى الشهير حين قال إن السفير السوفييتى جاءه فجر الخامس من يونيو ورجاه ألا يكون البادئ بالقتال, والسفير الأمريكى أيضا كان قد جاءه مساء وطالبه بضبط النفس .., فإن قرار تلقى الضربة الأولى كان قد اتخذ قبل ثلاثة أيام من اندلاع القتال - وربّما قبل ذلك - باعتراف قادة القوات المسلحة فى كتاب (اعترافات قادة يونيو ) .
    هذه الضغوطات الأمريكية ليست إلا امتدادا للعلاقة غير الطبيعية التى قامت بين عبد الناصر والمخابرات الأمريكية منذ قيام الثورة , أو من قبلها كما بات معروفا من خلال ما جاء على لسان كثير من المحللين, بل أثبتها بعضهم بالوثائق التى لا تقبل الشك, كما قلنا من قبل . وإذا كانت العلاقة التى ربطت بين عبد الناصر والمخابرات الأمريكية غير طبيعية , فهذه هى النهاية الطبيعية لمثل هذه العلاقات, وعلاقة صدام حسين بأمريكا والمخابرات الأمريكية, والنهاية التى وصلت إليها هذه العلاقة ليست ببعيدة, فالتاريخ يعيد نفسه كما قلت من قبل. إن علاقة عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية, وما انتهت إليه ليست إلا صورة من صور الخيانة العظمى التى تعددت صورها فى هذه الأيام .
    كان أولى بعبد الناصر أن يرفض هذه الضغوطات, حتى لو أدى ذلك إلى تخليه عن السلطة لمن هو أشجع منه, ولمن هو أقدر منه على رد العدوان, أو على مباغتة العدو بالهجوم, ولكن هل من هو مثل عبد الناصر من يتخلى عن السلطة, أو الزعامة التى اصطنعها له الإعلام المضلل, والقرارات المتهورة ؟ هل من هو مثل عبد الناصر من يؤثر المصلحة العامة للبلد على مصالحه الشخصية ؟ لا أعتقد ..
    إننا وقد أردنا أن نرمى عبد الناصر بأخف التهم وطأة, وهى رضوخه للضغوطات الأمريكية, وجدنا أن هذه التهمة لا تقل عن تُهمة الخيانة العظمى, فإن فى رضوخ فرد فى موقع القيادة رضوخ لأمة كاملة, وبالفعل انتهت الحرب بإذلال الأمة, ووقوعها فى براثن عصر الخنوع, أو ما يسميه البعص بعصر الانبطاح.
    البديل عن هذه التهمة, هى تُهمة التواطؤ مع الأعداء, للوصول بِمصر والأمة العربية إلى هذه الحال من التردى والخنوع, فهيأ القوات المسلحة المنوطة بالدفاع عن البلد, ورد أى اعتداء على الأمة, لتلقى هزيمة بِهذا الثقل السياسى والعسكرى, ونحن لا نستبعد أن يكون عبد الناصر خائنا لأمته, ولا ننفى أن يكون متواطئا مع أعدائها, مستندين فى ذلك إلى اتصالات عبد الناصر بيهود إسرائيل فى بداية حكمه, واتصالاته شبه المستمرة بقيادات إسرائيلية على مدى حكمه كما قال بذلك أحمد حمروش فى كتبه وفى مقال أثبتناه من قبل, أيضا مستندين إلى اتصالات عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية كما قال بذلك هيكل فى كثير من كتبه, وقد أثبتنا ذلك أيضا .
    الخيانة هى التفسير الوحيد لكل ما جرى خلال فترة حكم عبد الناصر
    خلاصة ما يُمكن أن يقال فى هذا الشأن إن عبد الناصر قد صعد إلى سدة الحكم, وليس فى ذهنه محاربة العدو المرابط على الحدود الشرقية لمصر؛ إسرائيل التى زرعها الغرب شوكة فى حلق العروبة والإسلام قبل أن يرحل, بدليل الاتصالات التى بدأت بينه وبين تل أبيب عبر القنوات المختلفة منذ قيام الثورة, ولم تنته إلا قبيل وفاته عام 1970, على حسب ما جاء فى مقال أحمد حمروش, وعلى حسب ما ألمح إليه هيكل فى جل كتبه, ولو أن هذه الاتصالات كانت بغرض الوصول إلى حل سلمى لقضية فلسطين والقضايا ذات الصلة لما أخذت طابع السرية, ولما صاحبها تَهديد ووعيد فى كل خطاب له وفى كل تصريح.
    أما الأحداث التى سارت جنبا إلى جنب مع هذه الاتصالات, فتقطع بتواطؤ عبد الناصر مع العدو الإسرائيلى, وأن أغلب القرارات التى اتخذها عبد الناصر إن لم تكن كلها كانت بإيعاز من العدو الإسرائيلى عبر عملاء الموساد من الإعلاميين الذين أحاطوا بعبد الناصر, وكانوا قريبين منه حسب ما جاء على ألسنتهم, وفى كتاباتِهم المطولة فى هذا الشأن, وأول هؤلاء هو هيكل .. كبير المضللين فى أروقة الإعلام المصرى .
    كان عبد الناصر يطمح إلى مكاسب شخصية تتمثل فى زعامة سياسية, يتفرد بِها, ليس فى مصر وحدها, ولكن على امتداد الوطن العربى, بل على مستوى العالم من شماله إلى جنوبه, ومن شرقه إلى غربه, وقد حصل عليها كما أراد, حصل عليها لسبب بسيط جدا, هو تحالف الإعلام بأجهزته المختلفة مع الأعداء لتنفيذ مؤامرة معدة سلفا للوصول بِمصر والأمة العربية إلى هذه الحال من التردى والخنوع, وبسط نفوذ إسرائيل فى المنطقة, ما كان ليحدث لولا وجود شخص مثل عبد الناصر على استعداد للتضحية بكل شىء فى سبيل الوصول إلى ما يريد وما يطمح إليه من زعامة ترضى غروره.
    الخيانة إذاً هى التفسير الوحيد للنهج الذى سار عليه عبد الناصر طيلة فترة حكمه المديدة, وقد حاولنا جهدنا أن نبعد عنه هذه التهمة ولكننا لم نستطع إلى ذلك سبيلا, ذلك أن قرار تلقى الضربة الأولى يقطع الطريق أمام كل محاولة ويضعنا وجها لوجه أمام عميل, يتلقى الأوامر من أعداء الأمة, وينفذها حرفيا حتى لو كانت على شاكلة (عليك بتلقى الصربة الأولى), ومن ذا ينفذ مثل هذا الأمر إلا عميل متواطئ متآمر مع من يلقون إليه أوامرهم, ضد أمته التى ائتمنته على مصالحها, فإذا عدنا إلى الوراء وجدنا أن كل القرارات التى أصدرها عبد الناصر كانت تصب فى مصلحة الأعداء كما بينا من قبل .
    والآن ..
    يعود الناصريون الآن فى أثواب مختلفة, يروجون للنهج الذى سار عليه عبد الناصر, يبررون ما ارتكب من آثام فى حق أمة كاملة, ويحملون لواء فكره المعادى للإسلام, ويتقربون زلفى للأعداء بخطاياه القاتلة فى حق الأمة, ويلوّحون بالسير فى نفس الاتجاه الذى سار فيه قائدهم, لماذا ؟ هل حان تنفيذ مرحلة ثانية من مراحل بسط النفوذ الصهيونى على الأمة العربية ؟!! ربّما ..
    ألم أقل إن الخطر الذى يلوح من بعيد, أشد من أخطار التلويح بالتدخل العسكرى الأمريكى فى الأقطار العربية واحدة بعد الأخرى ..
    فهل تنهض الأمة وتتنبه إلى هذا الخطر الذى يهدد مستقبلنا القريب والبعيد ؟
    هيهات .. فالمناخ مهيأ لعودة عبد الناصر, والإعلام بأجهزته المختلفة على ما هو عليه, تضليل, وتعمية, وطمس لحقائق التاريخ, وتزوير لأحداثه, ومحاباة للحكام, وتأليه الحاكم أيا كان, والسير فى ركاب الأعداء, والتقرب إليهم, وغض الطرف عما يقومون به, وما يرتكبون من آثام فى حق الأمة, وما يصدرون من أفكار هدامة, وما يرمون به الدين الإسلامى من تُهم, بل من الإعلاميين الجدد من يشارك فى هذه الحملة التى يقودها أعداء الأمة ضد الدين الإسلامى, ولا حول ولا قوة إلا بالله . فهل تنهض الأمة وبتخلى الإعلام عن دوره فى التضليل سؤال يبحث عن إجابة بعد ثورة الشعب فى 25 يناير والثورات العربية الأخرى ؟؟؟؟؟؟

    د/محمود السيد الفخراني

    محمود الفخراني غير متواجد حالياً
    رد مع اقتباس
  5. تكبير الخط تصغير الخط
    بتاريخ : 25-08-11 الساعة : 09:07 AM رقم #5
    كاتب الموضوع : محمود الفخراني






    رقم العضوية : 1
    عضو منذ : Mar 2008
    الدولة : مصر
    المشاركات : 4,532
    بمعدل : 1.91 يوميا



    تأريخ هام جدا لأهم فترات تاريخنا الحديث حساسية
    أسلوب جذاب بعيد عن الملل والرتابة
    رغم قراءتي المتعددة عن هذه الفترة السوداء في تاريخ مصر
    إلا أني أشهد لك بزيادة استفادتي عبر قرائتي لما خطت يداك
    جزك الله عنا كل خير
    وأسأل الله عز وجل أن تكون ثورة الخامس والعشرين من يناير
    البداية لحقيقة للتخلص من كل ما تبقى من الآثار السلبية والكارثية لهذه الحقبة

    قريبـــا بإذن الله

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    د. أحمد مراد غير متواجد حالياً
    رد مع اقتباس
  6. تكبير الخط تصغير الخط
    بتاريخ : 25-08-11 الساعة : 04:13 PM رقم #6
    كاتب الموضوع : محمود الفخراني

    عضو متألق




    رقم العضوية : 59659
    عضو منذ : Mar 2011
    المشاركات : 4,794
    بمعدل : 3.75 يوميا


    وعليكم السلام اخى الله
    محمود الفخرانى
    وشكرا لكم على فتح صفحات التاريخ الاسود فى عالمنا العربى بداية من ارض الكنانة

    مما تفضلتم ان سبب هزيمة مصر فى حرب 56 هى القيادة
    المتمثلة فى رجال لا يعرفون قيمة تراب الوطن ولا قيمة الجندى ويفتقدون للخبرة العسكرية التى تؤهلهم لقيادة جيوش
    فكل ما عندهم الانسحاب الى ما وراء الممرات
    اخى بارك الله فيك
    لو تجولت فى ارض سيتاء بعد حرب 56 لوجدت حطام الاليات والدبابات والمدافع المجرورة حتى الخوذ التى يلبسها الجندى على راسه فى الحرب منتشرة حول الحطام مما يدل على جثث الجنود التى نهشتها الوحوش
    وفى بعد حرب 67 او النكسة كما يدعون لوجدت الحطام ولكن هذه المرة بكميات اكبر وخوذ اكثر وفى نفس المكان وكان القادة لا يقرأون الخطط العسكرية للعدو ولا يتعلمون من الاخطاء المميتة والموجود فى المكان يميز حطام 56 عن حطام 67 بنوع الدبابات التى اذابها واعتلاها الصدء
    ولا ابالغ او اكذب لو قلت لكم ان حطام الدبابات من الجانبين كان منتشرا شرق القناة قريبا من الحطام السابق ولكن بكميات لا توصف ولا تعد
    والنتيجة
    فى حرب56 اعتبرنا ان النتيجة نصرا رغم ( تدمير بور سعيد وتهجير اهلها منها وضياع سيناء وسقوط قطاع غزة) وكنا نقوم بالاحتفالات السنوية الاستعراضات العسكرية طيلة شهر ديسمبر فى بور سعيد
    وفى قطاع غزة التى انسحبت منه الحامية المصرة وسقوطه فى ايدى اليهود وارتكابهم افضع المجازر فى الاهالى وعودته الى الادارة المصرية اصبح هذا اليوم عيدا يسمى عيد التصر كما هو عيد النصر فى مصر
    واما الهزيمة الساحقة الماحقة فى 67 سميت نكسة او كبوه والقادة هم القادة والعقلية العسكرية هى هى ما تطورت عن الرئيس ولا المشير

    ولو تكلمنا عن حرب اكتوبر لقلتم اننى مريض ولا اعرف شئ عن النصر
    احبتى
    لا انكر بطولات الجيش المصرى وقيادته الشابة فى اجتياز المانع المائى قناة السويس بطريقة مذهلة وتحطيم التحصينات فى خط بارليف المنيع بزمن قياسى غير مسبوق وتدفق الدبابات والجنود الى الى ارض سيناء ورفعت الاعلام على مساحة شرق القناة بعمق 10الى 15 كم
    ولكن وبعدين رغم التفوق الجوى والمبادرة من طرفنا الا ان عدونا امتص الضربة الكبرى وشن هجومه الخاطف من بين الجيشين الثانى والثالت وصولا الى منطقة الدفرسوار وعبر القناة بسبعة دبابات كراس جسر الى الضفة الغربية ثم توسعت الثغرة حتى حاصروا جيوشنا شرق القناة وصولا الى مدينة السويس والى استراحة عثمان احمد عثمان على طريق الاسماعيلية القاهرة والى الكيلز 101 طريق السويس القاهرة
    بمعنى ان العدو المصاب المنهك من ضربات الطائرات والدبابات والمدفعية استطاع ان يحول الهزيمة الى نصر وبعشرة اضغاف ما اخذ الجيش المصرى فى اول ايام الحرب
    واجبر القيادة المصرية على القبول بوقف النار والجلوس للمفاوضات فى خيمة الكيلو 101 لرفع الذل والمهانة عن الجيش الثالث المحاصر
    وفى النهاية حرب اكتوبر المجيدة والمدن سميت باسمها العاشر من رمضان 6اكتوبر و العبور الخ
    وكانت نتيجة الانتصار الزائف كامب ديفيد وانسلاخ مصر العروبة عن الصف العربى

    هذه حروبنا هذه انتصاراتنا
    ولا نستثنى الجبهة السورية والاردنية

    بارك الله فيك
    فقد اطلت عليكم

    القعقاع2 غير متواجد حالياً
    رد مع اقتباس



معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

     

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك

Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية
Search Engine Optimization by vBSEO 3.6.0 PL2