بسم الله الرحمن الرحيم
قصة جريج الراهب مع أُمه
الحمد لله العليم الحكيم، والصلاة والسلام على النبي الكريم، وعلى كل من سار على نهجه القويم، أما بعد:
فهل يجوز للأبناء إذا استوى عودهم واشتدّ ساعدهم أن يقابلوا الإحسان بالإساءة والرحمة بالقسوة والعناية بالإهمال؟ هل يجوز للأبناء أن ينسوا معروف الأم ولا يذكروا جميل صنعها ولا يكافئوا عظيم إحسانها؟ هل يجوز للأبناء أن يقلبوا ظهر المجن على أمهاتهم بتأثير من زوجاتهم أو جريًا خلف دنياهم أو سعيًا على شهواتهم وأهوائهم؟ وقال الشاعر أمية بن أبي الصلت حينما تنكّر له ولده بعد هرَمه وشيخوختهِ ، فقال لهُ :
غَذَوتُك مولودًا وعلتُك يافعا … تُعلّ بِما أجني عليك وتَنهلُ
إذا ليلةٌ ضاقتك بالسقم لم أبِت … لسُقمك إلا ساهرًا أتَململ
كأنِّي أنا المطروقُ دونك بالذي … طُرقتَ به دونِي فعيناي تَهملُ
تخاف الردى نفسي عليك وإنها … لتعلم أن الموت حتمٌ مؤجل
فلما بلغت السن والغاية التي … إليها مدى ما كنتُ فيك أؤمّل
جعلت جزائي غلظةً وفظاظة … كأنك أنت الْمنعم المتفضل
أين هذا وأمثاله من حديث جريج العابد الذي عاقبه الله تعالى لانشغاله عن أُمهِ بعبادة ربه فما بالكم بمن ينشغل عن أمه بزوجته أو تجارته ودنياه؟! فما بالكم بمن ينشغل عن أمه بمعصيته وهواه؟
فهذهالقصة التي بين أيدينا هي قصة مِن أنباء مَن قد سبق، قصها علينا النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي لا ينطق عن الهوى، وهي قصة جريج الراهب( إِنْ هُوَ إِلاَّوَحْيٌ يُوحَى ) النجم:4]، التي حدثنا بها النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء عنهفي الحديث الصحيح.
وهذه القصة رواها الشيخان ، وكذلك رواها الإمام أحمد رحمه الله.
ورواية الإمام مسلم قال (1): حدثنا ‏ ‏زهير بن حرب،قال: ‏ ‏حدثنا ‏ ‏يزيد بنهارون ،قال:‏ ‏أخبرنا ‏ ‏جرير بن حازم قال:‏ ‏حدثنا ‏ ‏محمد بن سيرين، ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جريج ، وكان جريجرجلاً عابداً، فاتخذ صومعة فكان فيها، فأتته أمه وهو يصلي، فقالت: يا جريج ! فقال: يا رب! أمي وصلاتي -أيهما أقدم؟- فأقبل على صلاته، فانصرفت أي: أمه- فلما كان منالغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج ! فقال: أي ربِّ، أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته،فلما كان من الغد أتته وهو يصلي فقالت: يا جريج ! فقال: أي ربِّ! أمي وصلاتي، فأقبلعلى صلاته، فقالت: اللهم لا تمتهُ حتى ينظر إلى وجوه المومسات.(2)
فتذاكر بنوإسرائيل جريجا وعبادته، وكانت امرأة بغي يُتَمَثَّل بحسنها، فقالت: إن شئتملأفْتِنَنَّه، فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعياً كان يأوي إلى صومعتهفأمكنته من نفسها، فوقع عليها -الراعي- فحملت.
فلما ولدت قالت: هو من جريج -الولد ولد الزنا من جريج - فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيتَ بهذه البغي، فولدت منك، قال: أين الصبي؟ فجاءوا به، فقال: دعوني حتى أصلي، فصلى فلما انصرف أتى الصبيَّ فطعن في بطنه وقال: يا غلام! من أبوك؟قال: فلان الراعي، فأقبلوا على جريج يقبِّلونه ويتمسحون به وقالوا: نبني لك صومعتكمن ذهب، قال: لا.
أعيدوها من طين كما كانت، ففعلو. وفي رواية: فردوها كما هي فرجع في صومعته، فقالواله: بالله مِمَّ ضحكت؟ فقال: ما ضحكت إلا من دعوة دعتها أمي) وبينا صَبيّ يرضَعُ من أُمِّه ، فمرَّ رَجُل راكب على دابَّة فَارِهَة وشارة حَسنَة ، فقالت أُمُّه : اللهم اجعل ابني مثل هذا ، فترك الثديَ ، وأقْبَلَ إليه ، فنظر إليه ، فقال : اللهم لا تجعلني مثله ، ثم أقبل على ثديه ، فجعل يرتضع - قال : فكأني أنظر إِلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم- وهو يحكي ارتضاعه بإِصبعه السبابة في فيه ، فجعل يَمُصُّها - قال : ومَرُّوا بجارية وهم يضربونها ، ويقولون : زنيتِ ، سَرَقْتِ ، وهي تقول : حسبي الله ونعم الوكيل ، فقالت أُمُّه : اللهم لا تجعل ابني مثلها ، فترك الرضاع ، ونظر إِليها ، فقال : اللهم اجعلني مثلها .(3)
وقال الأمام النووي في شرحه لهذا الحديث
قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ الصَّوَابُ فِي حَقِّهِ إِجَابَتَهَا لِأَنَّهُ كَانَ فِي صَلَاةِ نَفْلٍ ، وَالِاسْتِمْرَارُ فِيهَا تَطَوُّعٌ لَا وَاجِبٌ ، وَإِجَابَةُ الْأُمِّ وَبِرُّهَا وَاجِبٌ ، وَعُقُوقُهَا حَرَامٌ ، وَكَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُخَفِّفَ الصَّلَاةَ وَيُجِيبَهَا ثُمَّ يَعُودَ لِصَلَاتِهِ ، فَلَعَلَّهُ خَشِيَ أَنَّهَا تَدْعُوهُ إِلَى مُفَارَقَةِ صَوْمَعَتِهِ ، وَالْعَوْدِ إِلَى الدُّنْيَا وَمُتَعَلِّقَاتِهَا وَحُظُوظِهَا ، وَتُضْعِفُ عَزْمَهُ فِيمَا نَوَاهُ وَعَاهَدَ عَلَيْهِ . (4)
فهذا حيوة بن شريح، وهو أحد أئمة المسلمين وفقهائهم، كان رحمه الله يجلس في حلقته ويأتيه الطلاب من كلّ مكان ليسمعوا عنه، فتقول له أمه وهو بين طلابه: قم ـ يا حيوة ـ أعلف الدجاج، فيقوم ويترك التعليم.
وهذا أويس بن عامر القرني الذي أخبر الرسول عن علوّ منزلته عند الله، وأمر صحابته الأخيار بالتماس دعوته وابتغاء القربى إلى الله بها، وما كانت آيته إلا بره بأمه. روى الإمام مسلم في صحيحه أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إذا أتى أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى أويس، فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: كان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: لك والدة؟ قال: نعم، قال عمر: سمعت رسول الله يقول: ((يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من قرن، كان به أثر برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بار بها، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعتَ أن يستغفر لك فافعل))، قال عمر: استغفر لي، فاستغفر له.
وعن أصبغ بن زيد قال: إنما منع أويسًا أن يقدم على النبي برّه بأمه. فأويس القرني تابعي وليس صحابيًا، مع أنه عاش في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لم يرَه، وما منعه من مجيئه للرسول إلا بره بأمه، فقدم برّه بأمه على طلبه الصحبةَ مع عظيم فضلها وأجرها، وما ذاك إلا لأن البر بالوالدة أكثر منها أجرًا، فجزاه الله عز وجل بما سمعتم من الحديث.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبٍ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ عَنْ سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ قَالَا حَدَّثَنَا حَبِيبٌ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ ( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ أَحَيٌّ وَالِدَاكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِد) رواهُ مسلم رقم الحديث (2549)
وقد جاء في الحديث الصحيح أن رجلاً قال للنبي : أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك، فقال: ((هل لك أم)) قال: نعم، قال: ((فالزمها؛ فإن الجنة تحت رجليها)). وقوله
((فإن الجنة تحت رجليها)) يوحي لنا بضرورة التذلّل والتضرع والتمسكن بين يدي الأم مهما بلغ الواحد منا من منزلة أو منصب أو جاه أو مال في هذه الدنيا، فهذا محمد بن سيرين التابعي الجليل والفقيه والمحدث كان إذا كلّم أمه كان يتضرع, قال ابن عوف: دخل رجل على محمد بن سيرين وهو عند أمّه، فقال: ما شأن محمد؟! أيشتكي شيئًا؟ قالوا: لا، ولكن هكذا يكون إذا كان عند أمه. وهذا زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم كان من سادات التابعين، وكان كثير البر بأمه، حتى قيل له: إنك من أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة واحدة! فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها فأكون قد عققتها. هذا البر وأكثر منه لا يساوي فضل الأم ولا يجازي صنيعها، فلا يعجبن أحد ببره بأمه أو يتعاظم ما يسديه لها.

روى البخاري في الأدب المفرد أن ابن عمر شهد رجلاً يمانيًا يطوف بالبيت حمل أمه وراء ظهره، ويقول:
إني لها بعيرُها المذلّلُ … إن أذعرت ركابُها لم أذعرِ
الله أكبر، ذو الجلال الأكبرِ، حملتها أكثر مما حملتني، فهل ترى جازيتها يا ابن عمر؟ قال: لا، ولا بزفرة من زفراتها.
هذه هي الأم، وهذا فضلها، وهذا هو البر ومكانته.
أيها الأخ الحبيب، أيها الأخ المؤمن ، فإذا كانت والدتك صحيحة نشيطة فعليك باحترامها وتقديرها وطاعتها والاستجابة لأمرها وتنفيذ كلامها قبل أن يرتدّ إليها طرفها، ولا تتهاون أو تتكاسل فتكون عاقًا فتمسك النار.
وإذا كانت والدتك كبيرة مريضة عاجزة ليس أمامك إلا الصبر عليها وخدمتها، والإحسان إليها والتذلّل لها والتضرع بين يديها، ولا تتأفّف أو تضجر من وجودها، واحرص على أن تفارق الدنيا وهي راضية عنك، فإنها أوسع الأبواب المؤدّية إلى الجنة، ((رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما ثم لم يدخل الجنة)) رواه مسلم.
وإذا كانت أمك ميتة فعليك ببرها؛ وذلك بإنفاذ عهدها والدعاء لها، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق .
ــــــــــــــــــ
(1) رواهُ مسلم / كتاب البر والصلةوالآداب - بابتقديم برالوالدين على التطوع بالصلاةرقم الحديث 2550
(2) : الزواني ، جمع مومسة ، وهي الفاجرة ، والمياميس كذلك .
(3)الكتاب/ جامع الأصول في أحاديث الرسول/ باب المتكلمون في المهد /الجزء 10/ ص 310 /المؤلف مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير (المتوفى : 606هـ) الناشر : مكتبة الحلواني - مطبعة الملاح - مكتبة دار البيان
(4) الأمام النووي في شرح صحيح الأمام مسلم بابتقديم برالوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها (ص82)

فوائد حديث جريج (1)
بعد ذكرنا للحديث وشرحه هناك بعض الفوائد للحديث وهي كالأتي
أولا: إيثار إجابة الأم على صلاة التطوع
إيثار إجابة الأم على صلاة التطوع إذا نادته أمه: الواحد منا إذا نادته أمه أو ناداه أبوه، وهو يصلي صلاة نافلة، فإن كان يعلم أن أمه ستغضب إذا لم يجبها فإنه يقطع الصلاة ويجيبها، وإذا علم أنها تتحمل لو أتمها خفيفة، أتم النافلة خفيفة وأجاب أمه وأباه وإذا كانت صلاةَ فريضة خَفِّفْ الفريضة، قَصِّر القراءة والركوع والسجود ثم سلم وأجب أمك أو أباك.
إذاً: يؤخذ من هذا الحديث: - تقديم إجابة الأم على صلاة النافلة، وإذا أمكن التخفيف فليخفف ثم يُجب.
- الفرض يخففه ويجيب أمه: وهذا سبق بيانهُللنووي في شرح صحيح الأمام مسلم بابتقديم برالوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها.
أن الأم لا ينبغي أن تدعو على ولدها بشر: لأن دعاء الأم مستجاب، ولو دعت عليه بشر ربما وقع ذلك فتتأسف وتقول: يا ليتني لم أدعُ عليه: { وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } [يونس:11] من رحمة الله أنه لا يستجيب لنا كل دعاء دعونا به على أنفسنا أو على أولادنا، ولو أن الله يستجيب لنا كل دعاء ندعو به على أنفسنا أو أولادنا لهلكنا وهلك أولادنا منذ زمن بعيد، ولكن قد توافِق الدعوة وقت استجابةٍ وسماءٍ مفتوحةٍ فيقع المكروه بسبب الغضب والاستعجال.
ولذلك فإنه لا ينبغي للأب أو الأم الدعاء على الولد، إنما يدعو للولد بالهداية والصلاح.( هناك حديث للنبي صلى الله علية وسلم بهذا الباب يجب ذكره وكذلك ذكر أقوال لإهل العلم )
ثم إن أم جريج كان دعاؤها أن يجري على ولدها ما يؤدبه، دعت دعاء خاصاً، ما دعت عليه بأن يقع في الفاحشة، وما دعت عليه بأن يقتل ويموت، دعت عليه بأن يريه الله وجوه المومسات، حتى ينتبه ويعي ويرجع ويعرف قدر الأم ودعوة الأم إلى أين تصل.
ثالثا: دعوة الوالدة على ولدها مستجابة
والفائدة الثالثة: أن دعوة الوالدة مستجابة: يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( دعوة الوالد لولده ودعوة الوالد على ولده كلاهما مستجاب) أين تخريج هذا الحديث )
رابعا: صاحب الصدق مع الله لا تضره الفتن
أن صاحب الصدق مع الله لا تضره الفتن: فنلاحظ أن جريجاً لما كان متفرغاً للعبادة مقبلاً على الله كان صاحب قلب قوي، وإيمان سوي، ولذلك ما ضرته المرأة لما تعرضت له، والإنسان لو كان إيمانه ضعيفاً، فدعته امرأة وهي ذات جمال ربما يقع، لكن عندما يكون الإنسان صاحب دين وصاحب عبادة، ليس فقط لا يقع، وإنما لا يلتفت أصلاً، ولذلك جاء في القصة أن جريجاً رحمه الله تعالى لم يلتفت إليها، قال في الحديث: ( وكانت امرأة بغي يُتَمَثَّل بحسنها فقالت: إن شئتم لأفتننه، فتعرضت له فلم يلتفت إليها ) فلم يلتفت، فالإنسان إذا كان صاحب دين قوي عصمه الله من الفتن.
خامساً: سد الذرائع
سد الذرائع: لا يكفي أن الإنسان ينظر بعينه ويقول: لا.
أنا أخاف الله رب العالمين، وإنما لا يلتفت أصلاً.
فيستفاد من القصة: غض البصر، وأن الدفع أسهل من الرفع، يعني: إذا دفعتَ عنك المنكر من أوله، فقد قطعت الطريق من أوله، وذلك أسهل من أن تتمادى فيه ثم تريد أن تخرج ولا تستطيع ولذلك ينبغي قطع الطريق عن الوقوع في المعصية من أولها بمسألة غض البصر .
فإن قال لك قائل: هذه الشهوات طرائق وسبل، على كل سبيل شيطان، يدعونا للدخول في هذه الشهوات.
ما هي الطريقة لكي ننقذ أنفسنا من الشهوات، فلا نستجيب للشهوات، ولا نتأثر بها، ولا نجري وراءها، ولا تستقر في نفوسنا وقلوبنا، ولا تتشرب قلوبنا هذه الشهوات؟ نقول: أسهل طريقة أن تغض بصرك، ولذلك الأعمى من منة الله عليه في كثير من الأحيان أنه لا يرى، يعني: لا يُفْتَن بالنظر؛ لأنه لا يرى، والمبصر مبتلى بالنظر، ولذلك كلما قوي الإيمان كان حجز النفس عن المعصية أقوى، ولذلك جريج لم يلتفت إليها أصلاً.
سادساً: الفزع إلى الصلاة عند حدوث المكروه
الفزع إلى الصلاة عند حدوث المكروه: فإن جريجاً لما ضربوه وسبوه وشتموه واتهموه بأنه هو الذي زنى بالمرأة قال: ( دعوني أصلي ) فصلى حتى تقوى الصلة بالله، ويكون الدعاء أحرى بالإجابة، ثم دعا الله. أن الفزع إلى الصلاة عند الملمات من الأمور المهمة، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ } [البقرة:153] ، ( كان إذا حزبه أمر صلى )
سابعاً: قوة اليقين والرجاء بالله تعالى
قوة اليقين والرجاء بالله تعالى، وأن الإنسان إذا كان يقينه بالله قوياً خرق الله له العادة: وقد انخرقت العادة من قوة يقين جريج قال: ( يا غلام! من أبوك؟ ) ما أنزل عليه وحي بأن الغلام سينطق: { اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ } [البقرة:60] ! { اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ } [الشعراء:63]! لا.
هو أقبل عليه وقال: ( يا غلام! من أبوك؟ ) بكامل اليقين بالله والتوكل على الله، فأنطق الله الولد، وانخرقت العادة بقوة إيمان جريج ويقينه بالله تعالى، ولولا صحة رجاء جريج بالله وتعلقه به ورجائه من الله أن ينقذه ما نطق الغلام، ولكن لصحة رجاء جريج نطق الغلام.
ثامناً: بعد كل شدة مخرج
أن الله يجعل لأوليائه عند الابتلاء مخارج :-
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرِجت وكنت أظنها لا تُفْرَجُ
ولرُبَّ نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرجُ
فإذا استحكمت حلقاتها وضاقت يأتي الفرج، متى يأتي الفرج؟ حين يظن الشخص أنه لا حيلة، { حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا } [يوسف:110] فيأتي الفرج عندما تضيق الأمور وتصل إلى القمة في الشدة، وعند ذلك يأتي الفرج، ضربوه وشتموه وسبوه وكسروا صومعته واتهموه وبعدها جاء الفرج.
تاسعاً: مرتكب الفاحشة لا تبقى له حرمة
أن مرتكب الفاحشة لا تبقى له حرمة: ولذلك ضربوه وسبوه وشتموه وكسروا صومعته، ولكن كان بريئاً، لكن لو عُثِر عليه وهو يرتكب الفاحشة فيشتم ويُسَب ويُضْرَب ويُهان ويُذَل؛ لأنه ارتكب فاحشة.
عاشراً : كيد النسوة عظيم
أن كيد النسوة عظيم: والدليل على هذا أن هذه البغي خططت وذهبت إلى راعٍ يأوي إلى صومعة جريج ، ما ذهبت إلى شخص بعيد لا.
بل إلى راعٍ عند صومعة جريج ، وأمكنته من نفسها، وأتت بالغلام بعد ولادته، ومرت به عند بني إسرائيل وقالوا: من أبوه؟ قالت: ذاك الرجل الذي في الصومعة، يعني: كأنها لا تعرف اسمه، فهذا من كيدهن، (إن كيدهن عظيم) وإذا استخدمت المرأة كيدها في الشر، فإنها تأتي بما لا يستطيعه الرجال طبعاً، مع أنها ضعيفة؛ لكن إذا كادت ابتعد عنها.
فهذه المرأة كادت له لتغويه، وتعرضت له، أول شيء قامت به أنها تزينت وتعطرت وتجملت وكشَفت وتعرضت له، يعني: وقفت في مكان يراها.
ولما لم يلتفت إليها انتقلت إلى الخطة رقم [2] أمكنت نفسها من الراعي، ولما حملت وولدت جاءتهم، ما قالت: أنا أحمل جنيناً، لا.
وإنما انتظرت حتى تلد، وهذا كله من أجل الكيد لهذا الرجل الصالح وتشويه سمعته.
وهذه القضية من القضايا المعاصرة، أن بعض الفاجرات تريد تشويه سمعة داعية أو رجل صالح، أو كذا، فتسارع إلى اتهامه، وتخطط لإيقاعه في حبائل الشر، فعلى الصالحين أن يحذروا، ولا يكون الإنسان مغفلاً.
أُنظر إلى المرأة الصالحة بنت الرجل الصالح، لما جاءت إلى موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام. ماذا قالت له؟ هل قالت: تفضل معي، أريدك في موضوع؟ لا.
وإنما قالت: { إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } [القصص:25] من هو صاحب الدعوة؟ أبوها، ما هو السبب؟ ليجزيك أجر ما سقيت لنا، إذاً جاءت بكل وضوح، لو كان الرجل الصالح قادراً على الإتيان لأتى، لكنه كبير في السن وعاجز، فجاءت البنت، ما قالت له بوقاحة وقلة حياء: تعال معي، أريدك في موضوع، تفضل عندنا في البيت بل قالت: { إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ } [القصص:25] ولِمَ الدعوة؟!ما هو الهدف؟! حتى يكون كل شيء واضحاً{ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } [القصص:25] ولذلك قيل: إنه لما مشى وراءها وهبت الريح قال: سيري خلفي وانعتي لي الطريق، أو قال: ارمي بحصاة، يعني: إن كنت تريدين مني أن ألف يميناً ارمي الحصاة يميناً، وإن تريدين أن ألف شمالاً ارمي الحصاة شمالاً، حتى لا يراها ولا يسمع شيئاً.
وينبغي أن أقول: هذا درس مهم جداً؛ لأن هذه سبب مصائب كبيرة، أن الإنسان لا يُسْتَدْرج إلى الفخ الذي تنصبه الفاجرة، ثم تلبسه التهمة فتقول: هو الذي تعرض لي، هو الذي جاءني، مع أنها هي التي جاءته، لكن تقول: هو الذي جاءني.
وكذلك هناك من الشياطين من الرجال من يوقعون النساء بطرق ملتوية، وربما يزينون لهن الفجور، وكما أن المرأة تكيد للرجل فكذلك الرجل أيضاً كما هو مُشْتَهَر الآن، ويُسجل لها مكالمات ويهددها بإرسال الأشرطة إلى أبيها حتى تعطيه مفتاح البيت، وغيرها من القصص التي تسمعونها.
لكن المقصود: أن الإنسان يحذر أن يُسْتَدْرَج، ثم لو أنه وقع في أول الفخ لا يكمل الطريق؛ لأن العودة أسهل من الفضيحة التي ستكون بعد ذلك، سواء كان في الدنيا عندما يستفحل الأمر ويصل إلى الفاحشة والعياذ بالله، أو في الآخرة. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
الكتاب سلسلة القصص / المؤلف محمد صالح المنجد /الباب فوائد حديث جريج / الجزء11/ ص4







يمكنك الرد هنا عبر حسابك في فيس بوك دون الحاجة للتسجيل بالمنتدى ( انتظر التحميل )