النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: الرد على ما أثير من شبهاتٍ في مقال الكاتب الصحفي / بلال فضل .

  1. #1
    عضو مميز
    رقم العضوية : 52467
    تاريخ التسجيل : Oct 2010
    المشاركات: 195
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    Lightbulb الرد على ما أثير من شبهاتٍ في مقال الكاتب الصحفي / بلال فضل .

    بسم الله الرحمن الرحيم .
    إن الحمد لله نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (صلي الله عليه وسلم)، أما بعد .....

    فإن ما جاء من شبهاتٍ في هذا المقال، هي مما ينكره قلب كل مسلم سليم الفطرة لم تدنسه شبهات العالمانيين، وأفكارهم الخبيثة، فقلب المسلم الخالي من الشبهات ينكر ما جاء من بطلان واستدلالات باطلة في هذا المقال، ورغم ذلك فقد قررت الرد على ما جاء فيه من باطل، ولم يدفعني إلى ذلك إلا ما وجدته من افتتان بعض المسلمين من إخواننا وأخواتنا بهذا الكلام، وظنوا أن فيه شيء، وأنه يمكن الاتكال عليه لتمرير ما أراده الكاتب من الرضا بحال مجتمعنا وما عليه من الذنوب والمعاصي والفواحش وهذا ما سوف يتضح لكم من خلال عرض الشبهات والرد عليها بإذن الله تعالى .


    ولنشرع الآن في الرد على تلك الشبهات، والله الموفق والمستعان .

    الشبهة الأولى :

    « لا يهم الإيمان بالله لقيام الحضارات وتقدمها ... من وجهة نظري، ما يهم حقاً هو مقدار العدالة والمساواة المتوافر بين الناس . لذلك فإني أعتقد أن الأولى أن نهتم بإقامة دولة عادلة على أن نقيم دولة مؤمنة بالله ... بالطبع أنا أؤمن بالله ولكنى أعتقد أن العدل أهم من الإيمان إذا أردنا التقدم والرفعة لدولتنا ».
    - قائل هذه المقولة شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في رسالة الحسبة، والمدرجة في مجموع الفتاوى : « ج28 / 146 »، وهذا نصها : (وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق، وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل : إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال : الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام .

    الرد :


    أولًا : يحاول الكاتب في هذه الجزئية إثبات أن الإيمان ليس بهام وأن الأهم هو العدل، وأننا إن أردنا إقامة دولة لها شأن فالواجب علينا أن نجعلها دولة عادلة ولا يهم أن تكون دولة مؤمنة، وهذا باطل ولا شك، فإن أهمية الإيمان يعرفها كل مؤمنٍ بالله (سبحانه وتعالى) ومعلومٌ أن الإيمان بالله هو أهم شيء في هذا الكون كله، ولا ينجو العبد إلا بالإيمان، قال تعالى : " وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ " وما أرسل الرسل إلا لتعبيد النَّاس لخالقهم، ومحاربة الشرك والكفر، وهذه رسالة الأنبياء جميعًا . والحق أن العدل من الإيمان وقد أمر الله عباده المؤمنين بالعدل مع جميع الخلق حتى كافرهم، والأدلة في ذلك كثيرة، والأدلة على أهمية الإيمان بالله (سبحانه وتعالى) كثيرة ومستفيضة ومن طالع مقدمة أي كتاب من كتب العقيدة، أو باب الإيمان من أي كتاب من كتب الأحاديث علم أهمية الإيمان، وأنه أهم ما في الكون والوجود كله . ومن ذلك قول الله تعالى : " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ "، وقول الله تعالى : " أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ "، وقول الله تعالى : " وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ "، وقول الله تعالى : " هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ " .
    وهذه الآيات فيها التشبيه للإيمان بالنَّور الذي يستضيء به المؤمن، فما أحوج الدول لمثل هذا النُّور كي تقوم وتزدهر !
    فالحق أن العدل من الإيمان، وليس أهم من الإيمان كما قيل .


    ثانيًا : العدل هو إعطاء كل شيءٍ حقه، ولا نعرف حق الأشياء إلا بما عرَّفنا الله تعالى، ومثال ذلك إذا كان عندنا أرضٌ بور وأرضٌ صالحة فهل يُعقل أن يضع الإنسان البذور في الأرضين بالتساوي ؟! هل يكون من فعل ذلك عاقلًا ؟! أم أن العدل هنا هو وضع البذور في الأرض الصالحة ؟! والله (سبحانه وتعالى) لم يسوِّ بين المؤمن والكافر، ولا بين البر والفاجر، قال تعالى : " أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ "، وقال تعالى : " أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ "، وقال تعالى : " أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ "، وقال تعالى : " أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ "، وقال تعالى : " وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ "، وقال تعالى : " أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ "، وقال تعالى : " أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ " . بل الحق هو التعامل بالعدل وأن يأخذ كل إنسان حقه الذي قسمه الله له، ولا يمكن الجمع بين العدل والمساواة كما فعل الكاتب، لأن تطبيق هذه المساواة هو نقص في العدل فالعدل هو أن يُعطي كل إنسان ما يستحقه، فإذا سوَّيت بين النَّاس بدون وجه حق، فقد ظلمت بعضهم وهذا مما ينافى العدل . وتاريخنا الإسلامي مليءٌ بالأمثلة المشرقة التي تدل على عدل النبي والخلفاء الراشدين حين كانت دولة الإسلام هي السائدة والحاكمة، فمن ذلك أن النبي (صلي الله عليه وسلم) كان يوزع الغنائم علي المجاهدين بالعدل، ثم يربط على بطنه الحجر (صلي الله عليه وسلم)، ومن ذلك أنه حين ضرب صحابي ضربًا خفيفًا، قال للصحابي أن يقتص منه وهو رسول الله (صلي الله عليه وسلم)، وما عدل عمر بن الخطاب يخفي عندكم يا أهل مصر، فكلكم يعمل ما فعله عمر بن الخطاب مع عمرو بن العاص حين ضرب ابنه قبطي . والأمثلة على ذلك كثيرة لا يسع المقام لذكرها، فليطالع كتب السير من أراد أن يظفر بتلك الأمثلة .


    ثالثًا : مقولة شيخ الإسلام " ابن تيمية " ليس المقصود منها ما استدل به الكاتب مطلقًا، وقائل المقولة نفسه ما استدل بقوله على مثل هذا الكلام الذي قاله الكاتب، فكيف له هو أن يستدل به على مثل ما قال ؟!
    بل مَنْ مِن أهل العلم قال بمثل هذا الكلام منذ نزول الوحي حتى وقتنا هذا ؟ ولماذا جاهد النبي إذن ؟ ألم يؤمر النبي بالجهاد حتى لا تكون راية الدول إلا راية الإسلام ؟ فقال تعالى : : " وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ " . والفتنة هنا الشرك .
    فهل نقول الآن : لا يهم الإيمان للدولة، بل الأهم فقط هو العدل ؟!


    رابعًا : قول شيخ الإسلام : إن الله يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة، فهذا لما قامت به هذه الدول من تطبيق لبعض ما في الإيمان وهو العدل، فالله ربنا هو العدل، وهو الذي أمر بالعدل، وليس المقصود من ذلك القيام الكامل لهذه الدولة .
    وقول شيخ الإسلام : ولا يقيم الظالمة ولو كانت مسلمة، فهذا لما قامت به هذه الدولة من عصيان لأمر من أوامر الله وهو ظلمها إذ أمرها الله تعالى بالعدل، كذلك فإنها لا تنهار بشكل نهائي وتزول، وخير شاهد على ذلك ما حدث في مصرنا الحبيبة بعد الثورة، فقد أهلك الله الظالمين والطغاة، وزال الظلم، لكن الدولة بقيت، وبقى المسلمون لم يحدث لهم شيء، ولم تزال الدولة بأكملها .


    خامسًا : ذكر شيخ الإسلام الدولة المسلمة، ولم يقل الدولة المؤمنة، والكاتب استدل بكلام شيخ الإسلام على الدولة المؤمنة لا الدولة المسلمة، ومعلوم أن الإيمان حين يجتمع مع الإسلام فإنه يقصد به شيء أخر غير الإسلام، ويقصد به درجة أرفع من الإسلام، ولهذا قال أهل العلم " الإسلام والإيمان إذا اجتمعا تفرقا، وإذا تفرقا اجتمعا " أي : أننا إن ذكرنا الإسلام وحده، وذكرنا الإيمان وحده، فكلامها يكون بمعنى الأخر، أما إن تم ذكرهما معًا فيفترقان من حيث المعنى، ويكون الإيمان في هذه الحالة منزلة أكبر من منزلة الإسلام، وهذا ما نجده في قوله الله تعالى : " قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ "، لذلك فالإيمان لابد أن يشتمل على العدل، والدولة المؤمنة لابد أن تكون دولة عادلة، ولا يمكن التفريق بين الإيمان والعدل كما فرق بينهما الكاتب، فالدولة المؤمنة دولة عادلة، ولا يقال دولة مؤمنة وهي غير عادلة .
    وليس المقصود من إقامة الدول قوتها في حد ذاتها، إنما المقصود هو تعبيد النَّاس لربهم، ورفعة دين الله (سبحانه وتعالى) لا مجرد قوة الدولة وضعفها، فكيف يستوي هذا بدون الإيمان .
    وإذا نظرنا إلى الخلافة الإسلامية حين كانت تحكم العالم بأسره وتطبيق دين الله وتحكم بشرعه، فهل تقاس قوة الدول الوضعية اليوم بقوة دولة الخلافة الإسلام حين حكمت بشرع الله، انظر إلى دولة الخلافة حين كانت تحكم ما يقرب من نصف الكرة الأرضية حين حكمت بشرع الله، وانظر إلى أمريكا اليوم التي تهفو لها قلوب كثير من المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهي لا تستطيع أن تسيطر على دولة واحدة كأفغانستان مثلًا، فأي قوة هذه التي يظنها بني قومنا ؟!
    فالحق أنه لا وجه للمقارنة بين الدول التي تحكم بشرع الله، وبين الدول الوضعية التي تنحى شرع الله حتى وإن حكمت بالعدل .
    علاوة على أن قائل المقولة نفسه لم يستدل بمقولته على مثل ما استدل عليه الكاتب، وما قال بقول الكاتب أي أحد ممن يعتد بعلمه من لدن نزول الوحي حتى يومنا هذا .
    فاستدلال الكاتب باطلٌ من كل وجه .

    الشبهة الثانية :


    « على الرغم من إيماني التام والكامل بكل ما جاء بكتاب الله لكنى أعتقد أنه من الأولى الآن ألا يتم تطبيق ما جاء به فيما يخص عدة مواضيع أرى من وجهة نظري أنها مهمة وشديدة الخطورة على المجتمع في المرحلة الراهنة وسوف تحدث عواقب وخيمة للدولة ما إذا تم تطبيق الشريعة في تلك الموضوعات، بحسب علمي فإن اختلاف الزمان والأحوال هو في حد ذاته سبب كاف لعدم تطبيق بعض ما جاء بالقرآن حتى يتغير الزمان وتتبدل الأحوال وتتيح الظروف تطبيق ما تم إيقافه
    - هذه المقولة ما هي إلا لسان حال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهى مجرد وصف بسيط الله - لاجتهاده مع النصوص الشرعية مثل عدم قطع يد السارق في عام الرمادة وإيقاف إعطاء مال الدولة للمسلمين الجدد (سهم المؤلفة قلوبهم) .

    الرد :



    أولًا : قال تعالى : " إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ " فتحكيم غير شرع الله عبادة لغير الله كما تنص هذه الآية، وقال تعالى : " وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ "، وقال تعالى : " وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ "، وقال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ "، وقال تعالى : " وَلا تُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا" في قراءة أخرى . والآيات في ذلك مستفيضة، بوجوب تحكيم شرع الله ولم يأتِ تقييد بهذا الحكم لمكانٍ دون أخر، أو لزمانٍ دون أخر، فمن كان يؤمن حقًا بكل ما جاء في كتاب الله فعليه أن يقر بكل ما جاء في كتاب الله ويعمل به ولا يخالفه بآرائه أو بهواه . وجيد أن الكاتب نسب هذا الفهم لنفسه وقال أن هذا من وجهة نظره، فإذا ما تبين له خطأ وجهة نظره هذه فعليه الرجوع إلى الحق لا أن يظل عليها، إن كان حقًا يؤمن بكل ما جاء في كتاب الله كما قال .


    ثانيًا : ظن الكاتب أن تطبيق شرع الله في بعض المواضيع سوف يكون له عواقب وخيمة في هذه الفترة، ولا أدرى هل نسي الكاتب حديث رسول الله (صلي الله عليه وسلم) : " ما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة " ؟!
    أم أنه أول مرة يسمع بهذا الحديث . وسوف نفصل القول في هذه الجزئية في الرد على الشبهة الرابعة .


    ثالثًا : ما قام سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) بفعله، واستدل به الكاتب على جواز عدم التحاكم لشرع الله في هذه الفترة، ما هو إلا من شرع الله (عز وجل) ولم يجتهد عمر (رضي الله عنه) مع النصوص ولم يخالفها ولم يعطل الحدود كما ظن الكاتب .
    1- بالنسبة لعدم قطع يد من سرق في عام الرماده، فهذا كان من شرع الله (عز وحل) وليس تعطيلًا للحدود من قبل عمر (رضي الله عنه) فليس لعمر أن يعطل حدًا من حدود الله، وليس لأي أحدٍ بعده من باب أولى تعطيل أي حدٍ من حدود الله .
    لماذا إذن لم يقطع عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يد من سرق في عام الرماده ؟
    لقد أصاب من سرقوا الناقة جوعٌ شديدٌ وقد كان سيدهم بخيلًا لا يطعمهم، والجوع الشديد شبهة يدرأ بها حد السرقة، إذا سرق من أصابه هذا الجوع، وهذا نص حديث النبي (صلي الله عليه وسلم) : " أدرؤوا الحدود بالشبهات "، فما كان فعل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) إلا فهمًا لحديث النبي (صلي الله عليه وسلم) وعملًا به، فقد درأ حد السرقة، بشبهة الجوع الشديد، وهذا من شرع الله وليس اجتهادًا يخالف النصوص من عمر (رضي الله عنه) .

    2- أما بالنسبة لإيقاف سهم المؤلفة قلوبهم فإن عمر لم يجتهد مع النصوص في هذا أيضًا، فسهم المؤلفة قلوبهم فيه خلاف في تطبيقه ابتداءً، وهذا الخلاف على قولين :
    أ‌- أنه فرض في بداية الإسلام لضعف الدولة الإسلامية وقلة عدد المسلمين وليس مفروضًا حتى تقوم الساعة وهذا القول هو ما رجحه عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، وهو مذهب الحنفية فلما أن قويت شوكة المسلمين واتسعت دولتهم وزاد عدد المسلمين ودخلوا في دين الله أفواجًا، فوقتها من دخل في الإسلام فهو الناجي ومن أباه فلن يضعف الإسلام بسببه . لذلك انتهى العمل بهذا الحكم وسقط سهم المؤلفة قلوبهم شرعًا، لا اجتهادًا يخالف النصوص من عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) .

    ب‌- أنه مستمرٌ حتى تقوم الساعة وهذا القول كان مرجوحًا عند عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ولم يعمل به .
    ومعلوم أن مسائل الخلاف السائغ _ التي من جنسها هذه المسألة _ لا إنكار فيها . فعمر لم يأتِ بجديدٍ حين لم يخرج سهم المؤلفة قلوبهم، ولم يكن فعله اجتهادًا مع النصوص كما ظن الكاتب .
    وبذلك بطل استدلال الكاتب بفعلي عمر على ما أراده من إسقاطه للتحاكم بشرع الله في بعض المسائل والمواضيع .

    الشبهة الثالثة :


    - سؤالي الأخير الذي يبقى بلا إجابة : ترى لو كان يعيش بيننا سيدنا عمر بن الخطاب وأوقف العمل بحد السارق أو بصريح القرآن في حالة (سهم المؤلفة قلوبهم)، كيف كان سيستقبل الإخوة السلفيون اجتهادات عمر؟ لقد أمر بإيقاف ما أمر به الله فهل تعتقدون أن الإخوة السلفيين أو مَن سار على منهجهم الفكري كان سيقبل هذا أم سيعترض عليه ويقول لعمر (لا اجتهاد مع النص)، أو سيصرخ في وجهه قائلا: ?وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ?[المائدة:44]؟.
    - أترك لكم أنتم الإجابة.

    الرد :


    لقد أجيب على سؤالك في الشبهة السابقة، وقلنا أن عمر لم يفعل ما فعله اجتهادًا مع النصوص أو تعطيلًا لصريح القرآن الكريم، بل ما فعله عمر من شرع الله (عز وجل) في كلا الأمرين، وكفي بقولك هذا في عمر من سوء ظن به، وهو من هو ولا حول ولا قوة إلا بالله .
    أما عن السلفيين فهم أنفسهم ما قاموا بتطبيق الحدود الآن، ولكن السبب في ذلك هو عجزهم عن تطبيق تلك الحدود، لا أن الحدود سقطت في هذه الفترة أو أنه يستحيل تطبيقها في هذه الفترة كما تظن، وإلا فلما قال (صلي الله عليه وسلم) : " إن الله يزع بالسلطان، ما لا يزع بالقرآن " . أليس في هذا الحديث دليل على وجوب تطبيق شرع الله وحمل النَّاس على العمل بشرع الله بالقوة، وإلا فما هو دور السلطان وقتها ؟
    ولكن لعدم وجود هذا السلطان، وللعجز عن تطبيق الحدود فهم لا يطبقونها، ولكنهم يسعون لتطبيقها بكل سبيل، من تعليم الناس لدينهم، وتعريف النَّاس بعظمة هذا الدين ووجوب التحاكم لشريعته، وهذا كله من الأسباب التي ستؤدي بإذن الله إلى تطبيق شرع الله في جميع جوانب الحياة في الحدود وغيرها، فنحن لا ندعو فقط لتطبيق الحدود، ولكننا ندعو لتطبيق شرع الله بأكمله، ولا أدرى لماذا يخاف النَّاس من كلمة الحدود، المعلوم أنه لا يخاف من هذه الكلمة إلا سارق ستقطع يده، أو زاني سيرجم أو يجلد، أو شاربٍ للخمر سيجلد، أو كاره لدين الله ... إلي غير ذلك .

    ونحن متفقون جميعًا على مبدأ العقوبة، وأن من أخطأ يعاقب، فهل تفضل عقوبة المخلوق على عقوبة الخالق وهو أرحم الراحمين ؟!

    الشبهة الرابعة :



    « يعلم الله كم أحبه وكم أتمنى أن ألقاه وهو راضٍ عنى ولكنى أرى أن يتم السماح بشرب الخمر وإباحة القمار والجهر بالزنى في بلدي ... قد يتهمني البعض بالتقصير ولكنى لا أريد أن أحدث فتنة بين الناس وأدمر وطني إذا أجبرتهم على ترك تلك المنكرات ... أنا أعلم أن الله سيحاسبني على سماحي وتهاوني في إيقاف هذه المعاصي، ولكن أرى أن المصلحة الآن تقتضى ألا يتم إيقافها حتى تتم تهيئة المجتمع وتسمح الظروف والأحوال بهذا ولكن الآن ... لا ».
    - هذه المقولة هي لسان حال رجب طيب أردوغان، رئيس وزراء تركيا، منذ 14 مارس 2003، رئيس حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إلى التيار الإسلامي .

    الرد :


    أولًا : بالله عليكم هل هذا كلام رجل يحب أن يلق الله ؟! والله أنا أتعجب من مثل هذا الكلام، وأين هو من قول الله تعالى : " إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ " ؟!
    هل سيرد أحدكم ويقول لي : أنت تتهم الرجل بما ليس فيه، فأقول له : هل هناك ما هو أوضح على كلامي عنه من قوله : " بشرب الخمر وإباحة القمار والجهر بالزنى " ؟!
    هذا انتكاسٌ في الفطر ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد سبق وذكرتُ حديث رسول الله (صلي الله عليه وسلم) : " ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة " فالبلاء والنقم لا تحل بالبلاد والعباد إلا لوجود الذنوب والمعاصي، ولا يرفع البلاء إلا إذا تاب النَّاس من هذه الذنوب، فكيف للكاتب أن يكون فهمه معكوسًا لحديث رسول الله (صلي الله عليه وسلم) ويظن أن خراب البلاد ودمارها لا يكون إلا في إزالة هذه المنكرات وهذه الذنوب ؟! أليس هذا من الانتكاس في الفهم لكلام النبي والفقه به ؟!
    ثم ليخبرني الكاتب وليخبرني من وافق على كلامه في هذه المقالة، هل ترضون لأمهاتكم وأخواتكم وبناتكم ونساءكم أن يجاهرن بالزنا ؟! ولا حول ولا قوة إلا بالله .


    ثانيًا : لقد أقر الكاتب أن الله سيحاسبه على تقصيره في عدم النهي عن هذه المنكرات، وهذا اعتراف منه _ قصد أو لم يقصد _ على بطلان قوله وسوء فهمه، وليخبرني الكاتب ما فائدة الآيات والأحاديث المستفيضة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟! أليست لنا ؟! ألم تتقيد خيرية هذه الأمة بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، قال تعالى : " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ "، فكيف نرجو العزة والفلاح والخيرية بعد هذه الآية في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسكوت على الفواحش والمعاصي ؟! هل يستوي هذا الفهم مع كلام ربنا وكلام نبينا (صلي الله عليه وسلم) ؟!


    ثالثًا : لقد استدل الكاتب على كلامه هنا بفعل رجب طيب أوردغان، ولا أدري هل أصبح هذا الرجل حجة على الإسلام لمجرد أنه ينتمي لتيارٍ إسلامي ؟! ولماذا وقع الكاتب فيما يتهموننا به ليل نهار من إعطاء العصمة لمشايخنا والتسليم بكل ما يقولون ؟! وبالطبع هذا اتهامٌ باطل فنحن لا نعرف معصومًا بعد النبي (صلي الله عليه وسلم) فقد دفنت العصمة يوم أن دفن النبي (صلي الله عليه وسلم) ولا نعرف كذلك أي رجل هو حجة على الإسلام، يُستدل بقوله وإن خالف الأدلة الصحيحة من كتاب ربنا وسنة نبينا، حتى ولو كان أعلم أهل الأرض، فما بالك برجل لا يُعرف له في العلم سهم، هل نسلم لكلامه مع مخالفته للنصوص لمجرد أنه ينتمي لتيارٍ إسلامي ؟! بالطبع لا، لا هو ولا غيره، وإن كنا نحسن الظن بالرجل أنه رأي نفسه _ وإن كان مخطئًا في ذلك _ مكرهًا على فعل ذلك الأمر، فإننا نتبع النصوص لا الأشخاص مهما بلغوا من العلم، نقبل أقوال أهل العلم لما وافقوه من الحق وما أتوا به من الأدلة الصحيحة، لا لمجرد أقوالهم فقط، ونقول قول سيدنا على بن أبي طالبٍ (رضي الله عنه): " الحق لا يعرف بالرجال، إنما الرجال هم من يعرفون بالحق " . والله المستعان .

    الشبهة الخامسة :


    « كيف لشخص سليم وطبيعي ألا يستمع ويتفاعل مع الموسيقى؟ فالموسيقى تصفى النفوس وتحيى القلوب وتجعل الجسد يتمايل مع الأنغام ولا يلبث المستمع إلا أن يرقص طرباً من وجد الموسيقى.. أما مَن لا يستمع إلى الموسيقى ولا يستطيع أن يشعر بها فهو شخص لا يعرف معنى الروحانية وأقول إنه كالبهيمة، بل أقول إنه أدنى من البهيمة حيث إن البهائم نفسها تتفاعل مع الأنغام وتتأثر بها ».
    - هذه مقولة الإمام أبو حامد الغزالي في مصنفه المشهور «إحياء علوم الدين» والنصوص الأصلية المذكورة في باب « آداب السماع والوجد» هي : «اعلم أنّ السماع هو أول الأمر، ويثمر السماع حالة في القلب تسمى الوجد، ويثمر الوجد تحريك الأطراف، إمّا بحركة غير موزونة فتسمى الاضطراب، وإمّا موزونة تسمى التّصفيق والرقص
    - ومن لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال بعيد عن الروحانية، زائد عن غلظ الطبع وكثافته على الجمال والطيور، بل على جميع البهائم، فإنّها جميعاً تتأثر بالنغمات الموزونة ».

    الرد :



    أولًا : سبق وأن بينا في الرد على الشبهة الرابعة في الجزئية الثالثة من الرد أنه لا معصوم بعد النبي (صلي الله عليه وسلم)، وأننا لا نقبل ولا نسلم بقول أي عالمٍ إلا لما أصابه من الحق، ولما استدل به من الأدلة الصحيحة . وهذا يقال في كل عالم مهما بلغ علمه، لأنه لا أحد معصوم غير النبي (صلي الله عليه وسلم) . فهل كلام الإمام أبو حامد الغزالي السابق فيه ولو رائحة دليل على ما قاله ؟! بالطبع ليس فيه أي دليل، فهو ما استدل إلا بالذوق كما يراه، ومعلوم أن أذواق النَّاس تختلف من شخصٍ لأخر، والدليل الذي يؤخذ منه الأحكام هو دليل الكتاب والسنة والإجماع، لا تفضيل الأذواق واستحسانها .
    فالفيصل في كلام أبي حامد الغزالي هو الموافقة أو المخالفة للأدلة الصحيحة، فهل وافق أبو حامدٍ الغزالي فيما ذهب إليه الأدلة الصحيحة أم لا ؟
    لنري الآن أدلة تحريم الموسيقى من الكتاب والسنة والإجماع :

    أ_ أدلة تحريم الموسيقى من الكتاب :


    1- قال تعالى: "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ" (لقمان: 6) . قال حبر الأمة ابن عباس رضي اللهعنهما: هو الغناء، وقال مجاهد (رحمه الله): اللهو: الطبل (تفسير الطبري).وقالالحسن البصري (رحمه الله): نزلت هذه الآية في الغناء والمزامير(تفسير ابنكثير). قال ابن القيم (رحمه الله): ويكفي تفسير الصحابةوالتابعين للهوالحديث بأنه الغناء فقد صح ذلك عن ابن عباس وابن مسعود،قال أبو الصهباء:سألت ابن مسعود عن قوله تعالى: { ومن الناس من يشتري لهوالحديث }، فقال:والله الذي لا إله غيره هو الغناء - يرددها ثلاث مرات -وصح عن ابن عمر(رضي الله عنهما) أيضا: أنه الغناء (إغاثة اللهفان لابنالقيم). وكذلك قالجابر وعكرمة وسعيد بن جبير ومكحول وميمون بن مهرانوعمرو بن شعيب وعلي بنبديمة و غيرهم في تفسير هذه الآية الكريمة. قالالواحدي رحمه الله: وهذهالآية على هذا التفسير تدل على تحريم الغناء (إغاثة اللهفان).

    2- قال تعالى: "وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا" (الإسراء: 64). جاء في (تفسير الجلالين (واستفزز: استخف، (صوتك): بدعائكبالغناء والمزامير وكل داع إلى المعصية وهذا أيضا ما ذكره ابن كثيروالطبري عن مجاهد، وقال القرطبي في تفسيره:في الآية ما يدل على تحريمالمزامير والغناء واللهو، وما كان من صوتالشيطان أو فعله وما يستحسنهفواجب التنزه عنه.

    3- قال تعالى: "وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا" (الفرقان: 72). ذكر ابن كثير في تفسيره ما جاء عنمحمد بن الحنفية أنه قال:الزور هنا الغناء، وجاء عند القرطبي والطبري عنمجاهد في قوله تعالى: {والذين لا يشهدون الزور} قال: لا يسمعون الغناء.وجاء عن الطبري فيتفسيره: "قال أبو جعفر: وأصل الزور تحسين الشيء، ووصفهبخلاف صفته، حتىيخيل إلى من يسمعهأو يراه، أنه خلاف ما هو به، والشركقد يدخل في ذلك لأنهمحسن لأهله، حتى قد ظنوا أنه حق وهو باطل، ويدخل فيهالغناء لأنه أيضا ممايحسنه ترجيع الصوت حتى يستحلي سامعه سماعه" (تفسيرالطبري). وفي قوله عزوجل: {و إذا مروا باللغو مروا كراما} قال الإمامالطبري في تفسيره:وإذا مروا بالباطل فسمعوه أو رأوه، مروا كراما،مرورهم كراما في بعض ذلكبأن لا يسمعوه، وذلك كالغناء.

    ب_ أدلة تحريم الموسيقى من السنة :

    1- قالرسول الله صلى الله عليهوسلم: « ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحرَ والحرير و الخمر و المعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحةلهم، يأتيهم لحاجة،فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم،ويمسخ آخرين قردةوخنازير إلى يوم القيامة » (رواه البخاري تعليقا برقم 5590، ووصلهالطبراني والبيهقي، وراجع السلسلة الصحيحة للألباني 91). وقدأقرّ بصحةهذا الحديث أكابر أهل العلم منهم الإمام ابن حبان، والإسماعيلي،وابنصلاح، وابن حجر العسقلاني، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والطحاوي، وابنالقيم،والصنعاني، وغيرهم كثير. وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: "ولميصنع منقدح في صحة هذا الحديث شيئا كابن حزم نصرة لمذهبه الباطل في إباحةالملاهي، وزعم أنه منقطع لأن البخاري لم يصل سنده به". وقال العلامة ابنصلاح رحمه الله: "ولا التفات إليه (أي ابن حزم) في رده ذلك... وأخطأ في ذلكمن وجوه... والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح" (غذاء الألباب في شرحمنظومة الآداب لإمام السفاريني) وفي الحديث دليل على تحريم آلات العزفوالطرب من وجهين:

    أولاهما: قوله صلى الله عليهوسلم: "يستحلون"، فإنه صريح بأن المذكورات ومنها المعازف هي في الشرعمحرمة، فيستحلها أولئك القوم.


    ثانيهما: قرن المعازف مع ما تم حرمته وهو الزناوالخمر والحرير، ولو لم تكن محرمة - أى المعازف - لما قرنها معها" (السلسلةالصحيحة للألباني 1/140-141 بتصرف). قال شيخ الإسلام ابن تيميةرحمه الله: "فدل هذا الحديث على تحريم المعازف، والمعازف هي آلات اللهوعند أهلاللغة، وهذا اسم يتناول هذه الآلات كلها".

    2- وروىالترمذي في سننه عن جابررضي الله عنه قال: « خرج رسول الله صلى الله عليهوسلم مع عبد الرحمن بنعوف إلى النخيل، فإذا ابنه إبراهيم يجود بنفسه،فوضعه في حجره ففاضتعيناه، فقال عبد الرحمن: أتبكي وأنت تنهى عن البكاء؟قال: إني لم أنه عنالبكاء، وإنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عندنغمة لهو ولعبومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة: خمش وجوه وشق جيوب ورنة » (قال الترمذي: هذا الحديث حسن، وحسنه الألباني صحيح الجامع 5194). وقال صلىالله عليه وسلم: « صوتان ملعونان، صوت مزمار عند نعمة، و صوت ويل عندمصيبة » (إسنادهحسن، السلسلة الصحيحة 427).

    3- وعنرسول الله صلى الله عليهوسلم أنه قال: « ليكونن في هذه الأمة خسف، وقذف،ومسخ، وذلك إذا شربواالخمور، واتخذوا القينات، وضربوا بالمعازف » (صحيحبمجموع طرقه، السلسلةالصحيحة 2203)قال صلى الله عليه وسلم: « إن الله حرمعلى أمتي الخمر،والميسر، والمزر، والكوبة، والقنين، وزادني صلاة الوتر » (صحيح، صحيحالجامع 1708). الكوبة هي الطبل، أما القنين هو الطنبوربالحبشية (غذاءالألباب).


    فلينظر الكاتب ما في هذا الحديث من وعيد، وأن الدمار لن يصيب البلاد إلا بترك هذه الفواحش كما هي وعدم النهي عنها والقضاء عليها .

    ج_ أدلة تحريم الموسيقى من الإجماع :

    نقل الاتفاق علىتحريم استماع المعازف جميعها إلا الدف، وممن حكي الإجماععلى ذلك القرطبيوأبو الطيب الطبري، وابن الصلاح، وابن القيم، وابن رجبالحنبلي، وابن حجرالهيتمي. قال القرطبي رحمه الله: أما المزامير والأوتاروالكوبة فلا يختلففي تحريم استماعها، ولم أسمع عن أحد ممن يعتبر قوله منالسلف وأئمة الخلفمن يبيح ذلك. وكيف لا يحرم وهو شعار أهل الخمور والفسق،ومهيج الشهواتوالفساد والمجون، وما كان كذلك لم يشك في تحريمه، ولا تفسيقفاعلهوتأثيمه. انتهى. نقلا عن " الزواجر عن اقتراف الكبائر" لابن حجرالهيتمي: الكبيرة السادسة والسابعة والثامنة والتاسعة والأربعون والخمسونوالحاديةوالخمسون بعد الأربعمائة: ضرب وتر واستماعه، وزمر بمزمارواستماعه، وضرببكوبة واستماعه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، رداعلى ابن مطهرالشيعي في نسبته إلى أهل السنة إباحة الملاهي: قال: هذا منالكذب علىالأئمة الأربعة، فإنهم متفقون على تحريم المعازف التي هي آلاتاللهو،كالعود ونحوه، ولو أتلفها متلف عندهم لم يضمن صورة التالف، بل يحرمعندهماتخاذها. اهـ. وقال ابن الصلاح في الفتاوى: وأما إباحة هذا السماعوتحليله، فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا اجتمعت، فاستماع ذلك حرامعند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين، ولم يثبت عن أحد ممن يعتدبقوله في الإجماع والاختلاف أنه أباح هذا السماع. إلى أن قال: فإذا هذاالسماع غير مباح بإجماع أهل الحل والعقد من المسلمين.

    وهذه بعض الأدلة على تحريم الموسيقى وليست كل الأدلة ومن أراد أن يستزيد فليطالع هذا البحث .

    المعازف (الموسيقى) والغناء في ميزان الشريعة .
    http://www.nourislamna.com/vb/t32936.html
    ثالثًا : بعد هذا العرض لأدلة تحريم الموسيقى من الكتاب والسنة والإجماع، فهل سنترك كل هذه الأدلة الصحيحة ونأخذ بقول عالم لم يأتِ بدليلٍ واحد على ما ذهب إليه من إباحة الاستماع إلى الموسيقى ؟!
    ثم أقول لمن سيقول ليست كل الموسيقى حرامًا كما يقول السلفيون، أقول له : لقد عرضت لك الأدلة على تحريمها والأدلة عامة لم تفرق بين موسيقى وأخرى، فعلى أي أساسٍ فرقت؟! أنت الآن المطالب بدليل يخصص أنواع الموسيقى التي تظنها حلالًا فإن أتيت بدليلٍ على ذلك فسأسلم لك، وإلا فلا حجة لك فيما تقول .


    وبهذا يكون قد تم الرد على أبرز ما أثير من شبهات في مقال الأستاذ / بلال فضل، فنصيحة لكل من فتن بهذا المقال أن يقرأ هذا الرد وألا يدعه، ليتضح له الحق من الباطل .
    اللهم قد بلغت، اللهم فأشهد .
    والله الموفق والمستعان .


    كتبه الفقير إلى عفو الله ومرضاته .
    أبو حفصٍ السلفي (علي منصور) .
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

  2. #2

    مدير الأقسام العامة
    رقم العضوية : 9778
    تاريخ التسجيل : Feb 2009
    المشاركات: 8,010
    التقييم: 10
    الدولة : الاسكندريه
    العمل : باحث عن الحقيقة
    الجنـس : Man

    افتراضي

    ردود مفحمة
    بارك الله فيك

  3. #3
    عضو مميز
    رقم العضوية : 52467
    تاريخ التسجيل : Oct 2010
    المشاركات: 195
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    وفيك بارك الله أخي .
    وجزاك الله كل خير .

  4. #4

    مشرف اقسام التقنية و الكمبيوتر
    رقم العضوية : 9811
    تاريخ التسجيل : Feb 2009
    المشاركات: 1,426
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Man

    افتراضي

    جزاه الله خيرا لرده الشافي الكافي وبارك الله فيك اختنا الكريمة لنقلك المميز جعله الله في ميزان حسناتك

  5. #5
    عضو مميز
    رقم العضوية : 52467
    تاريخ التسجيل : Oct 2010
    المشاركات: 195
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    بارك الله فيك أخي .
    ولكن أنا أخوك حفيد الصحابة، وأنا صاحب الرد .
    وجزاك الله خيرًا .

  6. #6

    مشرف اقسام التقنية و الكمبيوتر
    رقم العضوية : 9811
    تاريخ التسجيل : Feb 2009
    المشاركات: 1,426
    التقييم: 10
    الدولة : مصر
    الجنـس : Man

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حفيد الصحابة مشاهدة المشاركة
    بارك الله فيك أخي .
    ولكن أنا أخوك حفيد الصحابة، وأنا صاحب الرد .
    وجزاك الله خيرًا .
    بارك الله فيك اخي الكريم وزادك الله علم وجعله في ميزان حسناتك وعذرا العتب علي النظر ظننت ان الموضوع للاخت الكريمة حفيدة الصحابة ولكن عذرا مرة اخري وبارك الله فيك وجزاك كل خيرا اخونا الكريم ابو حفص

  7. #7
    عضو مميز
    رقم العضوية : 52467
    تاريخ التسجيل : Oct 2010
    المشاركات: 195
    التقييم: 10
    الجنـس : Man

    افتراضي

    لا عليك أخي الكريم .
    وخيرًا جزاك الله .
    وبارك فيك .

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •