صفحة 3 من 10 الأولىالأولى 12345678910 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 30 من 97

الموضوع: من براهين التوحيد في القرآن المجيد

  1. #21
    عضو متألق
    رقم العضوية : 27850
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    المشاركات: 1,492
    التقييم: 10
    الدولة : الأسكندرية
    العمل : طالبة بمعهد الدراسات الاسلامية
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    البرهان 21

    من سورة البقرة


    { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى


    قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي

    قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ

    ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا

    ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا

    وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }

    سورة البقرة {260 }


    وهذا فيه أيضا أعظم دلالة حسية على قدرة الله وإحيائه الموتى للبعث والجزاء،

    فأخبر تعالى عن خليله إبراهيم أنه سأله أن يريه ببصره كيف يحيي الموتى،

    لأنه قد تيقن ذلك بخبر الله تعالى،

    ولكنه أحب أن يشاهده عيانا ليحصل له مرتبة عين اليقين،

    فلهذا قال الله له:

    { أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي }

    وذلك أنه بتوارد الأدلة اليقينية مما يزداد به الإيمان ويكمل به الإيقان

    ويسعى في نيله أولو العرفان،

    فقال له ربه { فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك }

    أي: ضمهن ليكون ذلك بمرأى منك ومشاهدة وعلى يديك.

    { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا }

    أي: مزقهن، اخلط أجزاءهن بعضها ببعض،

    واجعل على كل جبل، أي: من الجبال التي في القرب منه، جزء من تلك الأجزاء

    { ثم ادعهن يأتينك سعيا } أي: تحصل لهن حياة كاملة،

    ويأتينك في هذه القوة وسرعة الطيران،

    ففعل إبراهيم عليه السلام ذلك وحصل له ما أراد

    وهذا من ملكوت السماوات والأرض الذي أراه الله إياه

    في قوله { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين }

    ثم قال: { واعلم أن الله عزيز حكيم } أي:

    ذو قوة عظيمة سخر بها المخلوقات،

    فلم يستعص عليه شيء منها،

    بل هي منقادة لعزته خاضعة لجلاله،

    ومع ذلك فأفعاله تعالى تابعة لحكمته،

    لا يفعل شيئا عبثا.


  2. #22
    عضو متألق
    رقم العضوية : 27850
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    المشاركات: 1,492
    التقييم: 10
    الدولة : الأسكندرية
    العمل : طالبة بمعهد الدراسات الاسلامية
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    البرهان 22

    من سورة البقرة


    { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ
    وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
    فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ
    وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ { 284}

    آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ
    كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
    وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ{ 285} }

    سورة البقرة { 284- 285 }


    هذا إخبار من الله أنه له ما في السماوات وما في الأرض،
    الجميع خلقهم ورزقهم ودبرهم لمصالحهم الدينية والدنيوية،

    فكانوا ملكا له وعبيدا،
    لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا
    ولا موتا ولا حياة ولا نشورا،

    وهو ربهم ومالكهم الذي يتصرف فيهم بحكمته وعدله وإحسانه،
    وقد أمرهم ونهاهم وسيحاسبهم على ما أسروه وأعلنوه،



    { فيغفر لمن يشاء } وهو لمن أتى بأسباب المغفرة،
    ويعذب من يشاء بذنبه الذي لم يحصل له ما يكفره


    { والله على كل شيء قدير } لا يعجزه شيء،
    بل كل الخلق طوع قهره ومشيئته وتقديره وجزائه.


    [ ثم ] يخبر تعالى عن إيمان الرسول والمؤمنين معه،
    وانقيادهم وطاعتهم وسؤالهم مع ذلك المغفرة،

    فأخبر أنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله،
    وهذا يتضمن الإيمان بجميع ما أخبر الله به عن نفسه،

    وأخبرت به عنه رسله من صفات كماله ونعوت جلاله
    على وجه الإجمال والتفصيل،

    وتنزيهه عن التمثيل والتعطيل وعن جميع صفات النقص،



    ويتضمن الإيمان بالملائكة الذين نصت عليهم الشرائع جملة وتفصيلا،

    وعلى الإيمان بجميع الرسل والكتب،

    أي: بكل ما أخبرت به الرسل وتضمنته الكتب من الأخبار والأوامر والنواهي،

    وأنهم لا يفرقون بين أحد من رسله، بل يؤمنون بجميعهم،

    لأنهم وسائط بين الله وبين عباده،

    فالكفر ببعضهم كفر بجميعهم بل كفر بالله



    { وقالوا سمعنا } ما أمرتنا به ونهيتنا

    { وأطعنا } لك في ذلك، ولم يكونوا ممن قالوا سمعنا وعصينا،


    ولما كان العبد لا بد أن يحصل منه تقصير في حقوق الله تعالى

    وهو محتاج إلى مغفرته على الدوام،

    قالوا { غفرانك } أي: نسألك مغفرة لما صدر منا من التقصير والذنوب،

    ومحو ما اتصفنا به من العيوب


    { وإليك المصير } أي:

    المرجع لجميع الخلائق فتجزيهم بما عملوا من خير وشر.


  3. #23
    عضو متألق
    رقم العضوية : 27850
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    المشاركات: 1,492
    التقييم: 10
    الدولة : الأسكندرية
    العمل : طالبة بمعهد الدراسات الاسلامية
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    البرهان 23

    من سورة البقرة



    { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا
    مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ
    رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
    رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا

    رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ
    وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا
    أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }

    سورة البقرة { 286 }

    لما نزل قوله تعالى: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله }
    شق ذلك على المسلمين لما توهموا أن ما يقع في القلب
    من الأمور اللازمة والعارضة المستقرة وغيرها مؤاخذون به،

    فأخبرهم بهذه الآية أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها أي:
    أمرا تسعه طاقتها، ولا يكلفها ويشق عليها،

    كما قال تعالى:{ ما جعل عليكم في الدين من حرج }

    فأصل الأوامر والنواهي ليست من الأمور التي تشق على النفوس،

    بل هي غذاء للأرواح ودواء للأبدان، وحمية عن الضرر،

    فالله تعالى أمر العباد بما أمرهم به رحمة وإحسانا،

    ومع هذا إذا حصل بعض الأعذار التي هي مظنة المشقة

    حصل التخفيف والتسهيل، إما بإسقاطه عن المكلف،

    أو إسقاط بعضه كما في التخفيف عن المريض والمسافر وغيرهم،


    ثم أخبر تعالى أن لكل نفس ما كسبت من الخير،

    وعليها ما اكتسبت من الشر،

    فلا تزر وازرة وزر أخرى ولا تذهب حسنات العبد لغيره،

    وفي الإتيان بـ " كسب " في الخير

    الدال على أن عمل الخير يحصل للإنسان بأدنى سعي منه

    بل بمجرد نية القلب

    وأتى بـ " اكتسب " في عمل الشر

    للدلالة على أن عمل الشر لا يكتب على الإنسان حتى يعمله ويحصل سعيه،

    ولما أخبر تعالى عن إيمان الرسول والمؤمنين معه

    وأن كل عامل سيجازى بعمله،

    وكان الإنسان عرضة للتقصير والخطأ والنسيان،

    وأخبر أنه لا يكلفنا إلا ما نطيق وتسعه قوتنا،

    أخبر عن دعاء المؤمنين بذلك،

    وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قال: قد فعلت.

    إجابة لهذا الدعاء،

    فقال :{ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } والفرق بينهما:

    أن النسيان: ذهول القلب عن ما أمر به فيتركه نسيانا،

    والخطأ: أن يقصد شيئا يجوز له قصده ثم يقع فعله على ما لا يجوز له فعله:

    فهذان قد عفا الله عن هذه الأمة ما يقع بهما رحمة بهم وإحسانا،

    فعلى هذا من صلى في ثوب مغصوب، أو نجس،

    أو قد نسي نجاسة على بدنه، أو تكلم في الصلاة ناسيا، أو فعل مفطرا ناسيا،

    أو فعل محظورا من محظورات الإحرام التي ليس فيها إتلاف ناسيا،

    فإنه معفو عنه،

    وكذلك لا يحنث من فعل المحلوف عليه ناسيا،

    وكذلك لو أخطأ فأتلف نفسا أو مالا فليس عليه إثم،

    وإنما الضمان مرتب على مجرد الإتلاف،

    وكذلك المواضع التي تجب فيها التسمية إذا تركها الإنسان ناسيا لم يضر.

    { ربنا ولا تحمل علينا إصرا } أي: تكاليف مشقة

    { كما حملته على الذين من قبلنا } وقد فعل تعالى

    فإن الله خفف عن هذه الأمة في الأوامر

    من الطهارات وأحوال العبادات ما لم يخففه على غيرها

    { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } وقد فعل وله الحمد

    { واعف عنا واغفر لنا وارحمنا } فالعفو والمغفرة يحصل بهما دفع المكاره والشرور،

    والرحمة يحصل بها صلاح الأمور

    { أنت مولانا } أي: ربنا ومليكنا وإلهنا

    الذي لم تزل ولايتك إيانا منذ أوجدتنا وأنشأتنا

    فنعمك دارة علينا متصلة عدد الأوقات،

    ثم أنعمت علينا بالنعمة العظيمة والمنحة الجسيمة،

    وهي نعمة الإسلام التي جميع النعم تبع لها،

    فنسألك يا ربنا ومولانا تمام نعمتك

    بأن تنصرنا على القوم الكافرين،

    الذين كفروا بك وبرسلك،

    وقاوموا أهل دينك ونبذوا أمرك،

    فانصرنا عليهم بالحجة والبيان والسيف والسنان،

    بأن تمكن لنا في الأرض وتخذلهم

    وترزقنا الإيمان والأعمال التي يحصل بها النصر،

    والحمد لله رب العالمين.

  4. #24
    عضو متألق
    رقم العضوية : 27850
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    المشاركات: 1,492
    التقييم: 10
    الدولة : الأسكندرية
    العمل : طالبة بمعهد الدراسات الاسلامية
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    البرهان 24

    من سورة آل عمران


    { الم* اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ*

    نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ*
    مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ
    إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ *
    إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ*

    هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }
    { 1 - 6 }


    افتتحها تبارك وتعالى بالإخبار بألوهيته،
    وأنه الإله الذي لا إله إلا هو الذي لا ينبغي التأله والتعبد إلا لوجهه،

    فكل معبود سواه فهو باطل،

    والله هو الإله الحق المتصف بصفات الألوهية التي مرجعها إلى الحياة والقيومية،


    فالحي من له الحياة العظيمة الكاملة المستلزمة لجميع الصفات
    التي لا تتم ولا تكمل الحياة إلا بها كالسمع والبصر
    والقدرة والقوة والعظمة والبقاء والدوام والعز الذي لا يرام


    { القيوم } الذي قام بنفسه فاستغنى عن جميع مخلوقاته،
    وقام بغيره فافتقرت إليه جميع مخلوقاته في الإيجاد والإعداد والإمداد،
    فهو الذي قام بتدبير الخلائق وتصريفهم،
    تدبير للأجسام وللقلوب والأرواح.


    ومن قيامه تعالى بعباده ورحمته بهم
    أن نزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب،
    الذي هو أجل الكتب وأعظمها المشتمل على الحق في إخباره وأوامره ونواهيه،
    فما أخبر به صدق، وما حكم به فهو العدل،


    وأنزله بالحق ليقوم الخلق بعبادة ربهم ويتعلموا كتابه { مصدقا لما بين يديه } من الكتب السابقة، فهو المزكي لها،
    فما شهد له فهو المقبول، وما رده فهو المردود،
    وهو المطابق لها في جميع المطالب التي اتفق عليها المرسلون،
    وهي شاهدة له بالصدق،
    فأهل الكتاب لا يمكنهم التصديق بكتبهم إن لم يؤمنوا به،
    فإن كفرهم به ينقض إيمانهم بكتبهم،


    ثم قال تعالى { وأنزل التوراة } أي: على موسى { والإنجيل } على عيسى.

    { من قبل } إنزال القرآن { هدى للناس } الظاهر أن هذا راجع لكل ما تقدم،

    أي: أنزل الله القرآن والتوراة والإنجيل هدى للناس من الضلال،
    فمن قبل هدى الله فهو المهتدي، ومن لم يقبل ذلك بقي على ضلاله

    { وأنزل الفرقان } أي: الحجج والبينات والبراهين القاطعات
    الدالة على جميع المقاصد والمطالب،

    وكذلك فصل وفسر ما يحتاج إليه الخلق حتى بقيت الأحكام جلية ظاهرة،
    فلم يبق لأحد عذر ولا حجة لمن لم يؤمن به وبآياته،


    فلهذا قال { إن الذين كفروا بآيات الله } أي: بعد ما بينها ووضحها وأزاح العلل

    { لهم عذاب شديد } لا يقدر قدره ولا يدرك وصفه

    { والله عزيز } أي: قوي لا يعجزه شيء

    { ذو انتقام } ممن عصاه.


    { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء }
    وهذا فيه تقرير إحاطة علمه بالمعلومات كلها،
    جليها وخفيها، ظاهرها وباطنها،

    ومن جملة ذلك الأجنة في البطون
    التي لا يدركها بصر المخلوقين، ولا ينالها علمهم،

    وهو تعالى يدبرها بألطف تدبير، ويقدرها بكل تقدير،


    فلهذا قال: { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء }
    من كامل الخلق وناقصه، وحسن وقبيح، وذكر وأنثى

    { لا إله إلا هو العزيز الحكيم }


    تضمنت هذه الآيات

    تقرير إلهية الله وتعينها،
    وإبطال إلهية ما سواه،

    وفي ضمن ذلك رد على النصارى
    الذين يزعمون إلهية عيسى ابن مريم عليه السلام،

    وتضمنت إثبات حياته الكاملة وقيوميته التامة،
    المتضمنتين جميع الصفات المقدسة كما تقدم،

    وإثبات الشرائع الكبار، وأنها رحمة وهداية للناس،

    وتقسيم الناس إلى مهتد وغيره،

    وعقوبة من لم يهتد بها،

    وتقرير سعة علم الباري ونفوذ مشيئته وحكمته.



  5. #25
    عضو متألق
    رقم العضوية : 27850
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    المشاركات: 1,492
    التقييم: 10
    الدولة : الأسكندرية
    العمل : طالبة بمعهد الدراسات الاسلامية
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    البرهان 25

    من سورة آل عمران



    { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
    وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ
    قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *

    إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ
    وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ *

    فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ

    وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ
    فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا
    وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ }

    { 18 - 20 }



    هذا تقرير من الله تعالى للتوحيد بأعظم الطرق الموجبة له،
    وهي شهادته تعالى وشهادة خواص الخلق وهم الملائكة وأهل العلم،


    أما شهادته تعالى فيما أقامه من الحجج والبراهين القاطعة
    على توحيده، وأنه لا إله إلا هو،
    فنوع الأدلة في الآفاق والأنفس على هذا الأصل العظيم،

    ولو لم يكن في ذلك إلا أنه ما قام أحد بتوحيده
    إلا ونصره على المشرك الجاحد المنكر للتوحيد،

    وكذلك إنعامه العظيم الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه،
    ولا يدفع النقم إلا هو،

    والخلق كلهم عاجزون عن المنافع والمضار لأنفسهم ولغيرهم،
    ففي هذا برهان قاطع على وجوب التوحيد وبطلان الشرك،




    وأما شهادة الملائكة بذلك فنستفيدها بإخبار الله لنا بذلك وإخبار رسله،

    وأما شهادة أهل العلم فلأنهم هم المرجع في جميع الأمور الدينية
    خصوصا في أعظم الأمور وأجلها وأشرفها وهو التوحيد،

    فكلهم من أولهم إلى آخرهم قد اتفقوا على ذلك ودعوا إليه
    وبينوا للناس الطرق الموصلة إليه،
    فوجب على الخلق التزام هذا الأمر المشهود عليه والعمل به،


    وفي هذا دليل على أن أشرف الأمور علم التوحيد

    لأن الله شهد به بنفسه وأشهد عليه خواص خلقه،

    والشهادة لا تكون إلا عن علم ويقين، بمنزلة المشاهدة للبصر،

    ففيه دليل على أن من لم يصل في علم التوحيد إلى هذه الحالة

    فليس من أولي العلم.



    وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من وجوه كثيرة،

    منها: أن الله خصهم بالشهادة على أعظم مشهود عليه دون الناس،

    ومنها: أن الله قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وكفى بذلك فضلا،

    ومنها: أنه جعلهم أولي العلم، فأضافهم إلى العلم،
    إذ هم القائمون به المتصفون بصفته،

    ومنها: أنه تعالى جعلهم شهداء وحجة على الناس،
    وألزم الناس العمل بالأمر المشهود به،
    فيكونون هم السبب في ذلك،
    فيكون كل من عمل بذلك نالهم من أجره،
    وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء،

    ومنها: أن إشهاده تعالى أهل العلم يتضمن ذلك تزكيتهم وتعديلهم
    وأنهم أمناء على ما استرعاهم عليه،
    ولما قرر توحيده قرر عدله،

    فقال: { قائمًا بالقسط } أي: لم يزل متصفا بالقسط في أفعاله وتدبيره بين عباده،
    فهو على صراط مستقيم في ما أمر به ونهى عنه،
    وفيما خلقه وقدره، ثم أعاد تقرير توحيده
    فقال { لا إله إلا هو العزيز الحكيم }




    واعلم أن هذا الأصل الذي هو توحيد الله وإفراده بالعبودية
    قد دلت عليه الأدلة النقلية والأدلة العقلية،
    حتى صار لذوي البصائر أجلى من الشمس،


    فأما الأدلة النقلية

    فكل ما في كتاب الله وسنة رسوله،
    من الأمر به وتقريره، ومحبة أهله

    وبغض من لم يقم به وعقوباتهم، وذم الشرك وأهله،
    فهو من الأدلة النقلية على ذلك،
    حتى كاد القرآن أن يكون كله أدلة عليه،




    وأما الأدلة العقلية

    التي تدرك بمجرد فكر العقل وتصوره للأمور

    فقد أرشد القرآن إليها ونبه على كثير منها،

    فمن أعظمها:


    الاعتراف بربوبية الله، فإن من عرف أنه هو الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور

    أنتج له ذلك أنه هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له،

    ولما كان هذا من أوضح الأشياء وأعظمها أكثر الله تعالى من الاستدلال به في كتابه.


    ومن الأدلة العقلية

    على أن الله هو الذي يؤله دون غيره

    انفراده بالنعم ودفع النقم،

    فإن من عرف أن النعم الظاهرة والباطنة
    القليلة والكثيرة كلها من الله،

    وأنه ما من نقمة ولا شدة ولا كربة
    إلا وهو الذي ينفرد بدفعها

    وإن أحدا من الخلق لا يملك لنفسه
    - فضلا عن غيره-

    جلب نعمة ولا دفع نقمة،

    تيقن أن عبودية ما سوى الله من أبطل الباطل

    وأن العبودية لا تنبغي
    إلا لمن انفرد بجلب المصالح ودفع المضار،

    فلهذا أكثر الله في كتابه
    من التنبيه على هذا الدليل جدا،



    ومن الأدلة العقلية أيضا على ذلك:

    ما أخبر به تعالى عن المعبودات التي عبدت من دونه،

    بأنها لا تملك نفعا ولا ضرا،
    ولا تنصر غيرها ولا تنصر نفسها،

    وسلبها الأسماع والأبصار،

    وأنها على فرض سماعها لا تغني شيئا،

    وغير ذلك من الصفات الدالة على نقصها غاية النقص،


    وما أخبر به عن نفسه العظيمة

    من الصفات الجليلة والأفعال الجميلة،

    والقدرة والقهر،

    وغير ذلك من الصفات التي تعرف بالأدلة السمعية والعقلية،




    فمن عرف ذلك حق المعرفة

    عرف أن العبادة لا تليق ولا تحسن
    إلا بالرب العظيم

    الذي له الكمال كله،
    والمجد كله،

    والحمد كله، والقدرة كلها،
    والكبرياء كلها،

    لا بالمخلوقات المدبرات الناقصات

    الصم البكم الذين لا يعقلون،



    ومن الأدلة العقلية على ذلك

    ما شاهده العباد بأبصارهم من قديم الزمان وحديثه،

    من الإكرام لأهل التوحيد، والإهانة والعقوبة لأهل الشرك،

    وما ذاك إلا لأن التوحيد جعله الله موصلا إلى كل خير

    دافعا لكل شر ديني ودنيوي،

    وجعل الشرك به والكفر سببا للعقوبات الدينية والدنيوية،



    ولهذا إذا ذكر تعالى قصص الرسل مع أمم المطيعين والعاصين،

    وأخبر عن عقوبات العاصين ونجاة الرسل ومن تبعهم،

    قال عقب كل قصة: { إن في ذلك لآية }

    أي: لعبرة يعتبر بها المعتبرون فيعلمون أن توحيده هو الموجب للنجاة،

    وتركه هو الموجب للهلاك،

    فهذه من الأدلة الكبار العقلية النقلية الدالة على هذا الأصل العظيم،

    وقد أكثر الله منها في كتابه وصرفها ونوعها

    ليحيى من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة

    فله الحمد والشكر والثناء.




    ولما قرر أنه الإله الحق المعبود،

    بين العبادة والدين الذي يتعين أن يعبد به ويدان له،

    وهو الإسلام الذي هو الاستسلام لله بتوحيده وطاعته

    التي دعت إليها رسله، وحثت عليها كتبه،

    وهو الذي لا يقبل من أحد دين سواه،


    وهو متضمن للإخلاص له في الحب والخوف والرجاء

    والإنابة والدعاء ومتابعة رسوله في ذلك،

    وهذا هو دين الرسل كلهم، وكل من تابعهم فهو على طريقهم،



    وإنما اختلف أهل الكتاب بعد ما جاءتهم كتبهم تحثهم على الاجتماع على دين الله،

    بغيا بينهم، وظلما وعدوانا من أنفسهم،

    وإلا فقد جاءهم السبب الأكبر الموجب أن يتبعوا الحق ويتركوا الاختلاف،
    وهذا من كفرهم،


    فلهذا قال تعالى :{ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب
    إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم
    ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب }

    فيجازي كل عامل بعمله، وخصوصا من ترك الحق بعد معرفته،

    فهذا مستحق للوعيد الشديد والعقاب الأليم،


    ثم أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عند محاجة النصارى وغيرهم

    ممن يفضل غير دين الإسلام عليه أن يقول لهم:

    قد { أسلمت وجهي لله ومن اتبعن }
    أي: أنا ومن اتبعني قد أقررنا وشهدنا وأسلمنا وجوهنا لربنا،

    وتركنا ما سوى دين الإسلام، وجزمنا ببطلانه،

    ففي هذا تأييس لمن طمع فيكم، وتجديد لدينكم عند ورود الشبهات،
    وحجة على من اشتبه عليه الأمر،


    لأنه قد تقدم أن الله استشهد على توحيده بأهل العلم من عباده

    ليكونوا حجة على غيرهم،

    وسيد أهل العلم وأفضلهم وأعلمهم هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم،

    ثم من بعده أتباعه على اختلاف مراتبهم وتفاوت درجاتهم،

    فلهم من العلم الصحيح والعقل الرجيح
    ما ليس لأحد من الخلق ما يساويهم أو يقاربهم،

    فإذا ثبت وتقرر توحيد الله ودينه بأدلته الظاهرة،
    وقام به أكمل الخلق وأعلمهم،
    حصل بذلك اليقين وانتفى كل شك وريب وقادح،
    وعرف أن ما سواه من الأديان باطلة،



    فلهذا قال: { وقل للذين أوتوا الكتاب } من النصارى واليهود

    { والأميين } مشركي العرب وغيرهم

    { أأسلمتم فإن أسلموا } أي: بمثل ما أمنتم به

    { فقد اهتدوا } كما اهتديتم وصاروا إخوانكم، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم

    { وإن تولوا } عن الإسلام ورضوا بالأديان التي تخالفه

    { فإنما عليك البلاغ } فقد وجب أجرك على ربك، وقامت عليهم الحجة،
    ولم يبق بعد هذا إلا مجازاتهم بالعقاب على جرمهم،

    فلهذا قال { والله بصير بالعباد }

  6. #26
    عضو متألق
    رقم العضوية : 27850
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    المشاركات: 1,492
    التقييم: 10
    الدولة : الأسكندرية
    العمل : طالبة بمعهد الدراسات الاسلامية
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    البرهان 26

    من سورة آل عمران


    { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ

    وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ

    إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ *

    قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ

    وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ

    وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *

    يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا

    وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا

    وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ }

    { 28 - 30 }

    وهذا نهي من الله تعالى للمؤمنين عن موالاة الكافرين

    بالمحبة والنصرة والاستعانة بهم على أمر من أمور المسلمين،

    وتوعد على ذلك فقال:

    { ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء }

    أي: فقد انقطع عن الله، وليس له في دين الله نصيب،

    لأن موالاة الكافرين لا تجتمع مع الإيمان،

    لأن الإيمان يأمر بموالاة الله وموالاة أوليائه

    المؤمنين المتعاونين على إقامة دين الله وجهاد أعدائه،

    قال تعالى: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض }

    فمن والى - الكافرين من دون المؤمنين

    الذين يريدون أن يطفئوا نور الله ويفتنوا أولياءه

    خرج من حزب المؤمنين، وصار من حزب الكافرين،


    قال تعالى: { ومن يتولهم منكم فإنه منهم }


    وفي هذه الآية دليل على الابتعاد عن الكفار وعن معاشرتهم وصداقتهم،

    والميل إليهم والركون إليهم،

    وأنه لا يجوز أن يولى كافر ولاية من ولايات المسلمين،

    ولا يستعان به على الأمور التي هي مصالح لعموم المسلمين.

    قال الله تعالى: { إلا أن تتقوا منهم تقاة }

    أي: تخافوهم على أنفسكم فيحل لكم أن تفعلوا ما تعصمون به دماءكم من التقية باللسان وإظهار ما به تحصل التقية.


    ثم قال تعالى: { ويحذركم الله نفسه }

    أي: فلا تتعرضوا لسخطه بارتكاب معاصيه فيعاقبكم على ذلك


    { وإلى الله المصير } أي: مرجع العباد ليوم التناد،
    فيحصي أعمالهم ويحاسبهم عليها ويجازيهم،

    فإياكم أن تفعلوا من الأعمال القباح ما تستحقون به العقوبة،
    واعملوا ما به يحصل الأجر والمثوبة،

    ثم أخبر عن سعة علمه لما في النفوس خصوصا،

    ولما في السماء والأرض عموما، وعن كمال قدرته،


    ففيه إرشاد إلى تطهير القلوب واستحضار علم الله كل وقت

    فيستحي العبد من ربه أن يرى قلبه محلا لكل فكر رديء،

    بل يشغل أفكاره فيما يقرب إلى الله

    من تدبر آية من كتاب، أو سنة من أحاديث رسول الله،

    أو تصور وبحث في علم ينفعه،

    أو تفكر في مخلوقات الله ونعمه، أو نصح لعباد الله،

    وفي ضمن إخبار الله عن علمه وقدرته

    الإخبار بما هو لازم ذلك من المجازاة على الأعمال،

    ومحل ذلك يوم القيامة، فهو الذي توفى به النفوس بأعمالها فلهذا قال :

    { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا } أي: كاملا موفرا لم ينقص مثقال ذرة،

    كما قال تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره }

    والخير: اسم جامع لكل ما يقرب إلى الله
    من الأعمال الصالحة صغيرها وكبيرها،

    كما أن السوء اسم جامع لكل ما يسخط الله
    من الأعمال السيئة صغيرها وكبيرها


    { وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا }

    أي: مسافة بعيدة، لعظم أسفها وشدة حزنها،

    فليحذر العبد من أعمال السوء
    التي لا بد أن يحزن عليها أشد الحزن،
    وليتركها وقت الإمكان قبل أن يقول:

    { يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله } ،

    { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض }،

    { ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانًا خليلا }،

    { حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين }

    فوالله لترك كل شهوة ولذة

    وإن عسر تركها على النفس في هذه الدار

    أيسر من معاناة تلك الشدائد واحتمال تلك الفضائح،

    ولكن العبد من ظلمه وجهله لا ينظر إلا الأمر الحاضر،

    فليس له عقل كامل يلحظ به عواقب الأمور

    فيقدم على ما ينفعه عاجلا وآجلا،

    ويحجم عن ما يضره عاجلا وآجلا،

    ثم أعاد تعالى تحذيرنا نفسه

    رأفة بنا ورحمة لئلا يطول علينا الأمد فتقسو قلوبنا،

    وليجمع لنا بين الترغيب الموجب للرجاء والعمل الصالح،

    والترهيب الموجب للخوف وترك الذنوب،

    فقال { ويحذركم الله نفسه والله رءوفٌ بالعباد }


    فنسأله أن يمن علينا بالحذر منه على الدوام،

    حتى لا نفعل ما يسخطه ويغضبه.

  7. #27
    عضو متألق
    رقم العضوية : 27850
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    المشاركات: 1,492
    التقييم: 10
    الدولة : الأسكندرية
    العمل : طالبة بمعهد الدراسات الاسلامية
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    البرهان 27

    من سورة آل عمران



    { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
    يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
    وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *


    قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ
    فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ }
    { 31 - 32 }

    وهذه الآية فيها وجوب محبة الله، وعلاماتها، ونتيجتها، وثمراتها،

    فقال : { قل إن كنتم تحبون الله }

    أي: ادعيتم هذه المرتبة العالية، والرتبة التي ليس فوقها رتبة

    فلا يكفي فيها مجرد الدعوى، بل لابد من الصدق فيها،

    وعلامة الصدق

    اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله،

    في أقواله وأفعاله، في أصول الدين وفروعه، في الظاهر والباطن،

    فمن اتبع الرسول دل على صدق دعواه محبة الله تعالى،

    وأحبه الله وغفر له ذنبه، ورحمه وسدده في جميع حركاته وسكناته،


    ومن لم يتبع الرسول فليس محبا لله تعالى،

    لأن محبته لله توجب له اتباع رسوله،

    فما لم يوجد ذلك دل على عدمها وأنه كاذب إن ادعاها،

    مع أنها على تقدير وجودها غير نافعة بدون شرطها،

    وبهذه الآية يوزن جميع الخلق،

    فعلى حسب حظهم من اتباع الرسول

    يكون إيمانهم وحبهم لله،

    وما نقص من ذلك نقص.

    { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ
    فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ }

    وهذا أمر من الله تعالى لعباده بأعم الأوامر،

    وهو طاعته وطاعة رسوله التي يدخل بها الإيمان والتوحيد،

    وما هو من فروع ذلك من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة،

    بل يدخل في طاعته وطاعة رسوله اجتناب ما نهى عنه،

    لأن اجتنابه امتثالا لأمر الله هو من طاعته،

    فمن أطاع الله ورسوله، فأولئك هم المفلحون

    { فإن تولوا } أي: أعرضوا عن طاعة الله ورسوله

    فليس ثم أمر يرجعون إليه إلا الكفر وطاعة كل شيطان مريد

    { كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير }

    فلهذا قال: { فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين }

    بل يبغضهم ويمقتهم ويعاقبهم أشد العقوبة،

    وكأن في هذه الآية الكريمة بيانا وتفسيرا لاتباع رسوله،

    وأن ذلك بطاعة الله وطاعة رسوله،

    هذا هو الاتباع الحقيقي.

  8. #28
    عضو متألق
    رقم العضوية : 27850
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    المشاركات: 1,492
    التقييم: 10
    الدولة : الأسكندرية
    العمل : طالبة بمعهد الدراسات الاسلامية
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    البرهان 28

    من سورة آل عمران
    { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ
    خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *

    الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ }
    { 59 - 60 }


    يخبر تعالى محتجا على النصارى الزاعمين بعيسى عليه السلام ما ليس له بحق،
    بغير برهان ولا شبهة،

    بل بزعمهم أنه ليس له والد استحق بذلك أن يكون ابن الله
    أو شريكا لله في الربوبية،



    وهذا ليس بشبهة فضلا أن يكون حجة،
    لأن خلقه كذلك من آيات الله الدالة على تفرد الله بالخلق والتدبير
    وأن جميع الأسباب طوع مشيئته وتبع لإرادته،

    فهو على نقيض قولهم أدل،
    وعلى أن أحدا لا يستحق المشاركة لله
    بوجه من الوجوه أولى،



    ومع هذا فآدم عليه السلام خلقه الله من تراب
    لا من أب ولا أم،
    فإذا كان ذلك لا يوجب لآدم ما زعمه النصارى في المسيح،
    فالمسيح المخلوق من أم بلا أب من باب أولى وأحرى،

    فإن صح إدعاء البنوة والإلهية في المسيح،
    فادعاؤها في آدم من باب أولى وأحرى،



    فلهذا قال تعالى
    { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم
    خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك }

    أي: هذا الذي أخبرناك به من شأن المسيح عليه السلام هو الحق الذي في أعلى رتب الصدق،
    لكونه من ربك الذي من جملة تربيته الخاصة لك ولأمتك
    أن قص عليكم ما قص من أخبار الأنبياء عليهم السلام.

    { فلا تكن من الممترين }
    أي: الشاكين في شيء مما أخبرك به ربك،




    وفي هذه الآية وما بعدها دليل على قاعدة شريفة

    وهو أن ما قامت الأدلة على أنه حق وجزم به العبد من مسائل العقائد وغيرها،

    فإنه يجب أن يجزم بأن كل ما عارضه فهو باطل،

    وكل شبهة تورد عليه فهي فاسدة،

    سواء قدر العبد على حلها أم لا،

    فلا يوجب له عجزه عن حلها القدح فيما علمه،

    لأن ما خالف الحق فهو باطل،

    قال تعالى
    { فماذا بعد الحق إلا الضلال }



    وبهذه القاعدة الشرعية تنحل عن الإنسان إشكالات كثيرة
    يوردها المتكلمون ويرتبها المنطقيون،

    إن حلها الإنسان فهو تبرع منه،

    وإلا فوظيفته أن يبين الحق بأدلته ويدعو إليه.



  9. #29
    عضو متألق
    رقم العضوية : 27850
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    المشاركات: 1,492
    التقييم: 10
    الدولة : الأسكندرية
    العمل : طالبة بمعهد الدراسات الاسلامية
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    البرهان 29

    من سورة آل عمران


    { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ


    أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا

    وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ

    فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }
    { 64 }

    أي: قل لأهل الكتاب من اليهود والنصارى
    { تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم }
    أي: هلموا نجتمع عليها وهي الكلمة التي اتفق عليها الأنبياء والمرسلون،
    ولم يخالفها إلا المعاندون والضالون،
    ليست مختصة بأحدنا دون الآخر، بل مشتركة بيننا وبينكم،
    وهذا من العدل في المقال والإنصاف في الجدال،


    ثم فسرها بقوله
    { ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا }

    فنفرد الله بالعبادة ونخصه بالحب والخوف والرجاء
    ولا نشرك به نبيا ولا ملكا ولا وليا
    ولا صنما ولا وثنا ولا حيوانا ولا جمادا

    { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله }

    بل تكون الطاعة كلها لله ولرسله،
    فلا نطيع المخلوقين في معصية الخالق،
    لأن ذلك جعل للمخلوقين في منزلة الربوبية،


    فإذا دعي أهل الكتاب أو غيرهم إلى ذلك،
    فإن أجابوا كانوا مثلكم، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم،
    وإن تولوا فهم معاندون متبعون أهواءهم فأشهدوهم أنكم مسلمون،

    ولعل الفائدة في ذلك أنكم إذا قلتم لهم ذلك
    وأنتم أهل العلم على الحقيقة،
    كان ذلك زيادة على إقامة الحجة عليهم
    كما استشهد تعالى بأهل العلم حجة على المعاندين،


    وأيضا فإنكم إذا أسلمتم أنتم وآمنتم
    فلا يعبأ الله بعدم إسلام غيركم لعدم زكائهم ولخبث طويتهم،

    كما قال تعالى
    { قل آمنوا به أو لا تؤمنوا
    إن الذين أوتوا العلم من قبله
    إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا } الآية

    وأيضا فإن في ورود الشبهات على العقيدة الإيمانية
    مما يوجب للمؤمن أن يجدد إيمانه ويعلن بإسلامه،
    إخبارا بيقينه وشكرا لنعمة ربه.


  10. #30
    عضو متألق
    رقم العضوية : 27850
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    المشاركات: 1,492
    التقييم: 10
    الدولة : الأسكندرية
    العمل : طالبة بمعهد الدراسات الاسلامية
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    البرهان 30

    من سورة آل عمران


    { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ


    ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ

    وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ
    وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ *

    وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا

    أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }

    { 79 - 80 }



    وهذه الآية نزلت ردا لمن قال من أهل الكتاب للنبي صلى الله عليه وسلم لما أمرهم بالإيمان به ودعاهم إلى طاعته:

    أتريد يا محمد أن نعبدك مع الله،


    فقوله { ما كان لبشر }
    أي: يمتنع ويستحيل على بشر منَّ الله عليه بإنزال الكتاب
    وتعليمه ما لم يكن يعلم وإرساله للخلق

    { أن يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله }
    فهذا من أمحل المحال صدوره من أحد من الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام،


    لأن هذا أقبح الأوامر على الإطلاق،
    والأنبياء أكمل الخلق على الإطلاق،
    فأوامرهم تكون مناسبة لأحوالهم،
    فلا يأمرون إلا بمعالي الأمور
    وهم أعظم الناس نهيا عن الأمور القبيحة،

    فلهذا قال { ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون }

    أي: ولكن يأمرهم بأن يكونوا ربانيين، أي:
    علماء حكماء حلماء معلمين للناس ومربيهم،
    بصغار العلم قبل كباره، عاملين بذلك،
    فهم يأمرون بالعلم والعمل والتعليم التي هي مدار السعادة،
    وبفوات شيء منها يحصل النقص والخلل،


    والباء في قوله { بما كنتم تعلمون } إلخ، باء السببية،
    أي: بسبب تعليمكم لغيركم المتضمن لعلمكم ودرسكم لكتاب الله وسنة نبيه،
    التي بدرسها يرسخ العلم ويبقى، تكونون ربانيين.

    { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا }

    وهذا تعميم بعد تخصيص،
    أي: لا يأمركم بعبادة نفسه ولا بعبادة أحد من الخلق من الملائكة والنبيين وغيرهم


    { أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون }

    هذا ما لا يكون ولا يتصور أن يصدر
    من أحد من الله عليه بالنبوة،


    فمن قدح في أحد منهم بشيء من ذلك

    فقد ارتكب إثما عظيما وكفرا وخيما.

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •