صفحة 2 من 10 الأولىالأولى 12345678910 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 97

الموضوع: من براهين التوحيد في القرآن المجيد

  1. #11
    عضو متألق
    رقم العضوية : 27850
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    المشاركات: 1,492
    التقييم: 10
    الدولة : الأسكندرية
    العمل : طالبة بمعهد الدراسات الاسلامية
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    البرهان 11

    من سورة البقرة



    ثم ذكر الأدلة التفصيلية فقال:


    { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
    وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ

    وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا
    وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ
    وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ
    لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }

    سورة البقرة { 164 }


    أخبر تعالى أن في هذه المخلوقات العظيمة, آيات أي:

    أدلة على وحدانية الباري وإلهيته،

    وعظيم سلطانه ورحمته وسائر صفاته،

    ولكنها { لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي: لمن لهم عقول يعملونها فيما خلقت له،

    فعلى حسب ما منّ الله على عبده من العقل,

    ينتفع بالآيات ويعرفها بعقله وفكره وتدبُّره،

    ففي { خَلْقِ السَّمَاوَاتِ } في ارتفاعها واتساعها, وإحكامها, وإتقانها,

    وما جعل الله فيها من الشمس والقمر, والنجوم, وتنظيمها لمصالح العباد.


    وفي خلق { الْأَرْضِ } مهادا للخلق, يمكنهم القرار عليها والانتفاع بما عليها والاعتبار.

    ما يدل ذلك على انفراد الله تعالى بالخلق والتدبير,

    وبيان قدرته العظيمة التي بها خلقها, وحكمته التي بها أتقنها,

    وأحسنها ونظمها, وعلمه ورحمته التي بها أودع ما أودع,

    من منافع الخلق ومصالحهم, وضروراتهم وحاجاتهم.

    وفي ذلك أبلغ الدليل على كماله, واستحقاقه أن يفرد بالعبادة,

    لانفراده بالخلق والتدبير, والقيام بشئون عباده


    { و } في { اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } وهو تعاقبهما على الدوام,

    إذا ذهب أحدهما, خلفه الآخر، وفي اختلافهما في الحر, والبرد,

    والتوسط, وفي الطول, والقصر, والتوسط,

    وما ينشأ عن ذلك من الفصول, التي بها انتظام مصالح بني آدم وحيواناتهم,

    وجميع ما على وجه الأرض, من أشجار ونوابت،

    كل ذلك بانتظام وتدبير, وتسخير, تنبهر له العقول,

    وتعجز عن إدراكه من الرجال الفحول,

    ما يدل ذلك على قدرة مصرفها, وعلمه وحكمته,

    ورحمته الواسعة, ولطفه الشامل, وتصريفه وتدبيره,

    الذي تفرد به, وعظمته, وعظمة ملكه وسلطانه,

    مما يوجب أن يؤله ويعبد, ويفرد بالمحبة والتعظيم,

    والخوف والرجاء, وبذل الجهد في محابه ومراضيه.


    { و } في { وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ } وهي السفن والمراكب ونحوها,

    مما ألهم الله عباده صنعتها, وخلق لهم من الآلات الداخلية والخارجية ما أقدرهم عليها.

    ثم سخر لها هذا البحر العظيم

    والرياح, التي تحملها بما فيها من الركاب والأموال,

    والبضائع التي هي من منافع الناس,

    وبما تقوم به مصالحهم وتنتظم معايشهم.

    فمن الذي ألهمهم صنعتها, وأقدرهم عليها,

    وخلق لهم من الآلات ما به يعملونها؟

    أم من الذي سخر لها البحر, تجري فيه بإذنه وتسخيره, والرياح؟

    أم من الذي خلق للمراكب البرية والبحرية,

    النار والمعادن المعينة على حملها, وحمل ما فيها من الأموال؟


    فهل هذه الأمور, حصلت اتفاقا, أم استقل بعملها هذا المخلوق الضعيف العاجز,

    الذي خرج من بطن أمه, لا علم له ولا قدرة،

    ثم خلق له ربه القدرة, وعلمه ما يشاء تعليمه،

    أم المسخر لذلك رب واحد, حكيم عليم,

    لا يعجزه شيء, ولا يمتنع عليه شيء؟

    بل الأشياء قد دانت لربوبيته, واستكانت لعظمته, وخضعت لجبروته.


    وغاية العبد الضعيف, أن جعله الله جزءا من أجزاء الأسباب,

    التي بها وجدت هذه الأمور العظام,

    فهذا يدل على رحمة الله وعنايته بخلقه,

    وذلك يوجب أن تكون المحبة كلها له, والخوف والرجاء,

    وجميع الطاعة, والذل والتعظيم.


    { وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ } وهو المطر النازل من السحاب.


    { فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } فأظهرت من أنواع الأقوات,

    وأصناف النبات, ما هو من ضرورات الخلائق,

    التي لا يعيشون بدونها.

    أليس ذلك دليلا على قدرة من أنزله,

    وأخرج به ما أخرج ورحمته, ولطفه بعباده,

    وقيامه بمصالحهم, وشدة افتقارهم وضرورتهم إليه من كل وجه؟

    أما يوجب ذلك أن يكون هو معبودهم وإلههم؟

    أليس ذلك دليلا على إحياء الموتى ومجازاتهم بأعمالهم؟


    { وَبَثَّ فِيهَا } أي: في الأرض { مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ }

    أي: نشر في أقطار الأرض من الدواب المتنوعة,

    ما هو دليل على قدرته وعظمته, ووحدانيته وسلطانه العظيم،

    وسخرها للناس, ينتفعون بها بجميع وجوه الانتفاع.


    فمنها: ما يأكلون من لحمه, ويشربون من دره،

    ومنها: ما يركبون،

    ومنها: ما هو ساع في مصالحهم وحراستهم,

    ومنها: ما يعتبر به،

    ومع أنه بث فيها من كل دابة، فإنه سبحانه هو القائم بأرزاقهم,

    المتكفل بأقواتهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها,

    ويعلم مستقرها ومستودعها.


    وفي { تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ } باردة وحارة, وجنوبا وشمالا,

    وشرقا ودبورا وبين ذلك، وتارة تثير السحاب,

    وتارة تؤلف بينه, وتارة تلقحه, وتارة تدره,

    وتارة تمزقه وتزيل ضرره, وتارة تكون رحمة,

    وتارة ترسل بالعذاب.


    فمن الذي صرفها هذا التصريف, وأودع فيها من منافع العباد,

    ما لا يستغنون عنه؟

    وسخرها ليعيش فيها جميع الحيوانات,

    وتصلح الأبدان والأشجار, والحبوب والنوابت,

    إلا العزيز الحكيم الرحيم, اللطيف بعباده المستحق لكل ذل وخضوع,

    ومحبة وإنابة وعبادة؟.


    وفي تسخير السحاب بين السماء والأرض على خفته ولطافته يحمل الماء الكثير,

    فيسوقه الله إلى حيث شاء، فيحيي به البلاد والعباد,

    ويروي التلول والوهاد, وينزله على الخلق وقت حاجتهم إليه،

    فإذا كان يضرهم كثرته, أمسكه عنهم, فينزله رحمة ولطفا,

    ويصرفه عناية وعطفا، فما أعظم سلطانه,

    وأغزر إحسانه, وألطف امتنانه"


    أليس من القبيح بالعباد, أن يتمتعوا برزقه,

    ويعيشوا ببره وهم يستعينون بذلك على مساخطه ومعاصيه؟

    أليس ذلك دليلا على حلمه وصبره, وعفوه وصفحه,

    وعميم لطفه؟

    فله الحمد أولاً وآخراً, وباطناً وظاهراً.


    والحاصل, أنه كلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات,
    وتغلغل فكره في بدائع المبتدعات,

    وازداد تأمله للصنعة وما أودع فيها من لطائف البر والحكمة,

    علم بذلك أنها خلقت للحق وبالحق,

    وأنها صحائف آيات, وكتب دلالات,

    على ما أخبر به الله عن نفسه ووحدانيته,

    وما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر, وأنها مسخرات,

    ليس لها تدبير ولا استعصاء على مدبرها ومصرفها.

    فتعرف أن العالم العلوي والسفلي كلهم إليه مفتقرون,

    وإليه صامدون،

    وأنه الغني بالذات عن جميع المخلوقات،

    فلا إله إلا الله, ولا رب سواه.



  2. #12
    عضو متألق
    رقم العضوية : 27850
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    المشاركات: 1,492
    التقييم: 10
    الدولة : الأسكندرية
    العمل : طالبة بمعهد الدراسات الاسلامية
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    البرهان 12



    من سورة البقرة






    ثم قال تعالى:
    { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ
    أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ

    وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ

    وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا
    وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ *

    إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا
    وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ *

    وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا
    كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ }

    سورة البقرة { 165 - 167 }


    ما أحسن اتصال هذه الآية بما قبلها،

    فإنه تعالى لما بين وحدانيته وأدلتها القاطعة,

    وبراهينها الساطعة الموصلة إلى علم اليقين, المزيلة لكل شك،

    ذكر هنا أن { مِنَ النَّاسِ } مع هذا البيان التام

    من يتخذ من المخلوقين أندادا لله أي:

    نظراء ومثلاء, يساويهم في الله بالعبادة والمحبة, والتعظيم والطاعة.



    ومن كان بهذه الحالة - بعد إقامة الحجة, وبيان التوحيد -

    علم أنه معاند لله, مشاق له,

    أو معرض عن تدبر آياته والتفكر في مخلوقاته,

    فليس له أدنى عذر في ذلك, بل قد حقت عليه كلمة العذاب.


    وهؤلاء الذين يتخذون الأنداد مع الله,

    لا يسوونهم بالله في الخلق والرزق والتدبير,

    وإنما يسوونهم به في العبادة, فيعبدونهم، ليقربوهم إليه،



    وفي قوله: { اتخذوا } دليل على أنه ليس لله ند

    وإنما المشركون جعلوا بعض المخلوقات أندادا له,

    تسمية مجردة, ولفظا فارغا من المعنى،


    كما قال تعالى:

    { وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ

    أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ }


    { إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ

    مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ }



    فالمخلوق ليس ندا لله لأن الله هو الخالق, وغيره مخلوق,

    والرب الرازق ومن عداه مرزوق,

    والله هو الغني وأنتم الفقراء،

    وهو الكامل من كل الوجوه,

    والعبيد ناقصون من جميع الوجوه،

    والله هو النافع الضار,

    والمخلوق ليس له من النفع والضر والأمر شيء،

    فعلم علما يقينا, بطلان قول من اتخذ من دون الله آلهة وأندادا،

    سواء كان ملكا أو نبيا أو صالحا, صنما أو غير ذلك،

    وأن الله هو المستحق للمحبة الكاملة والذل التام



    فلهذا مدح الله المؤمنين بقوله:

    { وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } أي: من أهل الأنداد لأندادهم,

    لأنهم أخلصوا محبتهم له, وهؤلاء أشركوا بها،

    ولأنهم أحبوا من يستحق المحبة على الحقيقة,

    الذي محبته هي عين صلاح العبد وسعادته وفوزه،

    والمشركون أحبوا من لا يستحق من الحب شيئا,

    ومحبته عين شقاء العبد وفساده, وتشتت أمره.



    فلهذا توعدهم الله بقوله:

    { وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } باتخاذ الأنداد والانقياد لغير رب العباد

    وظلموا الخلق بصدهم عن سبيل الله, وسعيهم فيما يضرهم.



    { إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ } أي: يوم القيامة عيانا بأبصارهم،



    { أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ }

    أي: لعلموا علما جازما, أن القوة والقدرة لله كلها,

    وأن أندادهم ليس فيها من القوة شيء،

    فتبين لهم في ذلك اليوم ضعفها وعجزها,

    لا كما اشتبه عليهم في الدنيا, وظنوا أن لها من الأمر شيئا,

    وأنها تقربهم إليه وتوصلهم إليه،

    فخاب ظنهم, وبطل سعيهم, وحق عليهم شدة العذاب,

    ولم تدفع عنهم أندادهم شيئا,

    ولم تغن عنهم مثقال ذرة من النفع،

    بل يحصل لهم الضرر منها, من حيث ظنوا نفعها.



    وتبرأ المتبوعون من التابعين,

    وتقطعت بينهم الوصل, التي كانت في الدنيا,

    لأنها كانت لغير الله, وعلى غير أمر الله,

    ومتعلقة بالباطل الذي لا حقيقة له,

    فاضمحلت أعمالهم, وتلاشت أحوالهم،

    وتبين لهم أنهم كانوا كاذبين,

    وأن أعمالهم التي يؤملون نفعها وحصول نتيجتها,

    انقلبت عليهم حسرة وندامة,

    وأنهم خالدون في النار لا يخرجون منها أبدا،


    فهل بعد هذا الخسران خسران؟


    ذلك بأنهم اتبعوا الباطل، فعملوا العمل الباطل

    ورجوا غير مرجو, وتعلقوا بغير متعلق,

    فبطلت الأعمال ببطلان متعلقها،

    ولما بطلت وقعت الحسرة بما فاتهم من الأمل فيها,

    فضرتهم غاية الضرر،



    وهذا بخلاف من تعلق بالله الملك الحق المبين,

    وأخلص العمل لوجهه, ورجا نفعه،

    فهذا قد وضع الحق في موضعه,

    فكانت أعماله حقا, لتعلقها بالحق,

    ففاز بنتيجة عمله, ووجد جزاءه عند ربه, غير منقطع


    كما قال تعالى:

    { الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ

    وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ

    وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ

    ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ

    وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ

    كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ }



    وحينئذ يتمنى التابعون أن يردوا إلى الدنيا

    فيتبرأوا من متبوعيهم,

    بأن يتركوا الشرك بالله,
    ويقبلوا على إخلاص العمل لله،


    وهيهات,

    فات الأمر,



    وليس الوقت وقت إمهال وإنظار،

    ومع هذا فهم كذبة, فلو ردوا لعادوا لما نهوا عنه،

    وإنما هو قول يقولونه, وأماني يتمنونها,

    حنقا وغيظا على المتبوعين لما تبرأوا منهم والذنب ذنبهم،


    فرأس المتبوعين على الشر إبليس,

    ومع هذا يقول لأتباعه لما قضي الأمر



    { إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ

    وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ

    إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي

    فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ }


  3. #13
    عضو متألق
    رقم العضوية : 27850
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    المشاركات: 1,492
    التقييم: 10
    الدولة : الأسكندرية
    العمل : طالبة بمعهد الدراسات الاسلامية
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    البرهان 13

    من سورة البقرة


    { يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا

    وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ *

    إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ *

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ

    قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا

    أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ }

    سورة البقرة { 168 - 170 }

    هذا خطاب للناس كلهم, مؤمنهم وكافرهم،

    فامتن عليهم بأن أمرهم أن يأكلوا من جميع ما في الأرض،

    من حبوب, وثمار, وفواكه, وحيوانات, حالة كونها { حَلَالًا }

    أي: محللا لكم تناوله، ليس بغصب ولا سرقة,

    ولا محصلاً بمعاملة محرمة أو على وجه محرم،

    أو معينا على محرم.

    { طَيِّبًا } أي: ليس بخبيث, كالميتة والدم, ولحم الخنزير, والخبائث كلها،

    ففي هذه الآية, دليل على أن الأصل في الأعيان الإباحة، أكلا وانتفاعا,


    وأن المحرم نوعان:

    إما محرم لذاته, وهو الخبيث الذي هو ضد الطيب،

    وإما محرم لما عرض له,

    وهو المحرم لتعلق حق الله, أو حق عباده به, وهو ضد الحلال.

    وفيه دليل على أن الأكل بقدر ما يقيم البنية واجب, يأثم تاركه لظاهر الأمر،

    ولما أمرهم باتباع ما أمرهم به - إذ هو عين صلاحهم -

    نهاهم عن اتباع { خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } أي: طرقه التي يأمر بها,

    وهي جميع المعاصي من كفر, وفسوق, وظلم،

    ويدخل في ذلك تحريم السوائب, والحام, ونحو ذلك،

    ويدخل فيه أيضا تناول المأكولات المحرمة،

    { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } أي: ظاهر العداوة,

    فلا يريد بأمركم إلا غشكم, وأن تكونوا من أصحاب السعير،

    فلم يكتف ربنا بنهينا عن اتباع خطواته,

    حتى أخبرنا - وهو أصدق القائلين - بعداوته الداعية للحذر منه,

    ثم لم يكتف بذلك, حتى أخبرنا بتفصيل ما يأمر به,

    وأنه أقبح الأشياء, وأعظمها مفسدة فقال:

    { إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ }

    أي: الشر الذي يسوء صاحبه, فيدخل في ذلك, جميع المعاصي،

    فيكون قوله: { وَالْفَحْشَاءِ } من باب عطف الخاص على العام؛

    لأن الفحشاء من المعاصي, ما تناهى قبحه, كالزنا, وشرب الخمر,

    والقتل, والقذف, والبخل ونحو ذلك, مما يستفحشه من له عقل،

    { وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ }

    فيدخل في ذلك, القول على الله بلا علم, في شرعه, وقدره،

    فمن وصف الله بغير ما وصف به نفسه, أو وصفه به رسوله,

    أو نفى عنه ما أثبته لنفسه, أو أثبت له ما نفاه عن نفسه,

    فقد قال على الله بلا علم،

    ومن زعم أن لله ندا, وأوثانا, تقرب من عبدها من الله,

    فقد قال على الله بلا علم،

    ومن قال: إن الله أحل كذا, أو حرم كذا,

    أو أمر بكذا, أو نهى عن كذا, بغير بصيرة,

    فقد قال على الله بلا علم،

    ومن قال: الله خلق هذا الصنف من المخلوقات,

    للعلة الفلانية بلا برهان له بذلك,

    فقد قال على الله بلا علم،

    ومن أعظم القول على الله بلا علم,

    أن يتأول المتأول كلامه, أو كلام رسوله,

    على معان اصطلح عليها طائفة من طوائف الضلال,

    ثم يقول: إن الله أرادها،

    فالقول على الله بلا علم, من أكبر المحرمات, وأشملها,

    وأكبر طرق الشيطان التي يدعو إليها,

    فهذه طرق الشيطان التي يدعو إليها هو وجنوده,

    ويبذلون مكرهم وخداعهم على إغواء الخلق بما يقدرون عليه.

    وأما الله تعالى, فإنه يأمر بالعدل والإحسان, وإيتاء ذي القربى,

    وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي،

    فلينظر العبد نفسه, مع أي الداعيين هو, ومن أي الحزبين؟

    أتتبع داعي الله الذي يريد لك الخير والسعادة الدنيوية والأخروية,

    الذي كل الفلاح بطاعته, وكل الفوز في خدمته,

    وجميع الأرباح في معاملة المنعم بالنعم الظاهرة والباطنة,

    الذي لا يأمر إلا بالخير, ولا ينهى إلا عن الشر،

    أم تتبع داعي الشيطان, الذي هو عدو الإنسان,

    الذي يريد لك الشر, ويسعى بجهده على إهلاكك في الدنيا والآخرة؟

    الذي كل الشر في طاعته, وكل الخسران في ولايته،

    الذي لا يأمر إلا بشر, ولا ينهى إلا عن خير.

    ثم أخبر تعالى عن حال المشركين إذا أمروا باتباع ما أنزل الله على رسوله - مما تقدم وصفه - رغبوا عن ذلك وقالوا:


    { بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا } فاكتفوا بتقليد الآباء,

    وزهدوا في الإيمان بالأنبياء، ومع هذا فآباؤهم أجهل الناس,

    وأشدهم ضلالا وهذه شبهة لرد الحق واهية،

    فهذا دليل على إعراضهم عن الحق, ورغبتهم عنه, وعدم إنصافهم،

    فلو هدوا لرشدهم, وحسن قصدهم, لكان الحق هو القصد،

    ومن جعل الحق قصده, ووازن بينه وبين غيره,

    تبين له الحق قطعا, واتبعه إن كان منصفا.

  4. #14
    عضو متألق
    رقم العضوية : 27850
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    المشاركات: 1,492
    التقييم: 10
    الدولة : الأسكندرية
    العمل : طالبة بمعهد الدراسات الاسلامية
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    البرهان 14

    من سورة البقرة


    {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي

    فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ

    فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }


    سورة البقرة { 186 }

    هذا جواب سؤال،

    سأل النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه

    فقالوا: يا رسول الله,

    أقريب ربنا فنناجيه, أم بعيد فنناديه؟


    فنزل: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ }


    لأنه تعالى, الرقيب الشهيد, المطلع على السر وأخفى,

    يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور,

    فهو قريب أيضا من داعيه بالإجابة،


    ولهذا قال:

    { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ }

    والدعاء نوعان: دعاء عبادة, ودعاء مسألة.

    والقرب نوعان:

    قرب بعلمه من كل خلقه,

    وقرب من عابديه وداعيه بالإجابة والمعونة والتوفيق.


    فمن دعا ربه بقلب حاضر, ودعاء مشروع,

    ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء,

    كأكل الحرام ونحوه,

    فإن الله قد وعده بالإجابة،

    وخصوصا إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء,

    وهي الاستجابة لله تعالى

    بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية والفعلية,

    والإيمان به, الموجب للاستجابة،

    فلهذا قال:

    { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }


    أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة,

    ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة.


    ولأن الإيمان بالله والاستجابة لأمره,

    سبب لحصول العلم كما قال تعالى:

    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا }

  5. #15
    عضو متألق
    رقم العضوية : 27850
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    المشاركات: 1,492
    التقييم: 10
    الدولة : الأسكندرية
    العمل : طالبة بمعهد الدراسات الاسلامية
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    البرهان 15

    من سورة البقرة

    { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ

    فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ

    وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ }

    سورة البقرة { 210 }



    وهذا فيه من الوعيد الشديد والتهديد ما تنخلع له القلوب،

    يقول تعالى: هل ينتظر الساعون في الفساد في الأرض,

    المتبعون لخطوات الشيطان, النابذون لأمر الله إلا يوم الجزاء بالأعمال,

    الذي قد حُشي من الأهوال والشدائد والفظائع,

    ما يقلقل قلوب الظالمين, ويحق به الجزاء السيئ على المفسدين.

    وذلك أن الله تعالى يطوي السماوات والأرض, وتنثر الكواكب,

    وتكور الشمس والقمر, وتنزل الملائكة الكرام, فتحيط بالخلائق,


    وينزل الباري [تبارك] تعالى:

    { فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ } ليفصل بين عباده بالقضاء العدل.

    فتوضع الموازين, وتنشر الدواوين,

    وتبيض وجوه أهل السعادة وتسود وجوه أهل الشقاوة,

    ويتميز أهل الخير من أهل الشر، وكل يجازى بعمله،

    فهنالك يعض الظالم على يديه إذا علم حقيقة ما هو عليه.



    وهذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة,

    المثبتين للصفات الاختيارية,

    كالاستواء, والنزول, والمجيء,

    ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى عن نفسه,

    أو أخبر بها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم،

    فيثبتونها على وجه يليق بجلال الله وعظمته,

    من غير تشبيه ولا تحريف،



    خلافا للمعطلة على اختلاف أنواعهم,

    من الجهمية, والمعتزلة, والأشعرية ونحوهم, ممن ينفي هذه الصفات,

    ويتأول لأجلها الآيات بتأويلات ما أنزل الله عليها من سلطان,

    بل حقيقتها القدح في بيان الله وبيان رسوله,

    والزعم بأن كلامهم هو الذي تحصل به الهداية في هذا الباب،


    فهؤلاء ليس معهم دليل نقلي, بل ولا دليل عقلي،

    أما النقلي فقد اعترفوا أن النصوص الواردة في الكتاب والسنة,

    ظاهرها بل صريحها, دال على مذهب أهل السنة والجماعة,

    وأنها تحتاج لدلالتها على مذهبهم الباطل,

    أن تخرج عن ظاهرها ويزاد فيها وينقص،

    وهذا كما ترى لا يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من إيمان.



    وأما العقل فليس في العقل ما يدل على نفي هذه الصفات،

    بل العقل دل على أن الفاعل أكمل من الذي لا يقدر على الفعل,

    وأن فعله تعالى المتعلق بنفسه والمتعلق بخلقه هو كمال،



    فإن زعموا أن إثباتها يدل على التشبيه بخلقه،


    قيل لهم: الكلام على الصفات, يتبع الكلام على الذات،

    فكما أن لله ذاتا لا تشبهها الذوات,

    فلله صفات لا تشبهها الصفات،

    فصفاته تبع لذاته,

    وصفات خلقه, تبع لذواتهم,

    فليس في إثباتها ما يقتضي التشبيه بوجه.


    ويقال أيضا, لمن أثبت بعض الصفات, ونفى بعضا,

    أو أثبت الأسماء دون الصفات:

    إما أن تثبت الجميع كما أثبته الله لنفسه, وأثبته رسوله،

    وإما أن تنفي الجميع, وتكون منكرا لرب العالمين،

    وأما إثباتك بعض ذلك, ونفيك لبعضه,


    فهذا تناقض،


    ففرِّق بين ما أثبته, وما نفيته,

    ولن تجد إلى الفرق سبيلا،


    فإن قلت: ما أثبته لا يقتضي تشبيها،


    قال لك أهل السنة: والإثبات لما نفيته لا يقتضي تشبيها،


    فإن قلت: لا أعقل من الذي نفيته إلا التشبيه،


    قال لك النفاة: ونحن لا نعقل من الذي أثبته إلا التشبيه،

    فما أجبت به النفاة, أجابك به أهل السنة, لما نفيته.


    والحاصل أن من نفى شيئا وأثبت شيئا مما دل الكتاب والسنة على إثباته,

    فهو متناقض,

    لا يثبت له دليل شرعي ولا عقلي,

    بل قد خالف المعقول والمنقول.

  6. #16
    عضو متألق
    رقم العضوية : 27850
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    المشاركات: 1,492
    التقييم: 10
    الدولة : الأسكندرية
    العمل : طالبة بمعهد الدراسات الاسلامية
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    البرهان 16

    من سورة البقرة

    { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ


    أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }

    سورة البقرة { 218 }


    هذه الأعمال الثلاثة, هي عنوان السعادة وقطب رحى العبودية,
    وبها يعرف ما مع الإنسان, من الربح والخسران،


    فأما الإيمان, فلا تسأل عن فضيلته,

    وكيف تسأل عن شيء هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة,
    وأهل الجنة من أهل النار؟

    وهو الذي إذا كان مع العبد, قبلت أعمال الخير منه,

    وإذا عدم منه لم يقبل له صرف ولا عدل, ولا فرض, ولا نفل.


    وأما الهجرة: فهي مفارقة المحبوب المألوف لرضا الله تعالى،

    فيترك المهاجر وطنه وأمواله, وأهله, وخلانه, تقربا إلى الله ونصرة لدينه.


    وأما الجهاد: فهو بذل الجهد في مقارعة الأعداء,

    والسعي التام في نصرة دين الله, وقمع دين الشيطان،

    وهو ذروة الأعمال الصالحة, وجزاؤه, أفضل الجزاء،

    وهو السبب الأكبر, لتوسيع دائرة الإسلام وخذلان عباد الأصنام,

    وأمن المسلمين على أنفسهم وأموالهم وأولادهم.


    فمن قام بهذه الأعمال الثلاثة على لأوائها ومشقتها

    كان لغيرها أشد قياما به وتكميلا.


    فحقيق بهؤلاء أن يكونوا هم الراجون رحمة الله,

    لأنهم أتوا بالسبب الموجب للرحمة،

    وفي هذا دليل على أن الرجاء لا يكون إلا بعد القيام بأسباب السعادة،

    وأما الرجاء المقارن للكسل, وعدم القيام بالأسباب,

    فهذا عجز وتمن وغرور،

    وهو دال على ضعف همة صاحبه, ونقص عقله,

    بمنزلة من يرجو وجود ولد بلا نكاح,

    ووجود الغلة بلا بذر, وسقي, ونحو ذلك.


    وفي قوله: { أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ }

    إشارة إلى أن العبد ولو أتى من الأعمال بما أتى به

    لا ينبغي له أن يعتمد عليها, ويعول عليها,

    بل يرجو رحمة ربه, ويرجو قبول أعماله
    ومغفرة ذنوبه, وستر عيوبه.


    ولهذا قال: { وَاللَّهُ غَفُورٌ } أي: لمن تاب توبة نصوحا

    { رَحِيمٌ } وسعت رحمته كل شيء, وعم جوده وإحسانه كل حي.

    وفي هذا دليل على أن من قام بهذه الأعمال المذكورة,

    حصل له مغفرة الله,

    إذ الحسنات يذهبن السيئات وحصلت له رحمة الله.


    وإذا حصلت له المغفرة, اندفعت عنه عقوبات الدنيا والآخرة،

    التي هي آثار الذنوب, التي قد غفرت واضمحلت آثارها،

    وإذا حصلت له الرحمة, حصل على كل خير في الدنيا والآخرة؛

    بل أعمالهم المذكورة من رحمة الله بهم,

    فلولا توفيقه إياهم, لم يريدوها,

    ولولا إقدارهم عليها, لم يقدروا عليها,

    ولولا إحسانه لم يتمها ويقبلها منهم،

    فله الفضل أولا وآخرا,

    وهو الذي منّ بالسبب والمسبب.

  7. #17
    عضو متألق
    رقم العضوية : 27850
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    المشاركات: 1,492
    التقييم: 10
    الدولة : الأسكندرية
    العمل : طالبة بمعهد الدراسات الاسلامية
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    البرهان 17

    من سورة البقرة

    { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ

    لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ

    مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ

    يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ

    وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ

    وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا

    وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ }

    سورة البقرة { 255 }


    هذه الآية الكريمة أعظم آيات القرآن وأفضلها وأجلها،

    وذلك لما اشتملت عليه من الأمور العظيمة والصفات الكريمة،

    فلهذا كثرت الأحاديث في الترغيب في قراءتها

    وجعلها وردا للإنسان في أوقاته صباحا ومساء

    وعند نومه وأدبار الصلوات المكتوبات،



    فأخبر تعالى عن نفسه الكريمة بأن { لا إله إلا هو } أي:

    لا معبود بحق سواه،

    فهو الإله الحق الذي تتعين أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له تعالى،

    لكماله وكمال صفاته وعظيم نعمه،

    ولكون العبد مستحقا أن يكون عبدا لربه، ممتثلا أوامره مجتنبا نواهيه،


    وكل ما سوى الله تعالى باطل،

    فعبادة ما سواه باطلة،

    لكون ما سوى الله

    مخلوقا ناقصا مدبرا فقيرا من جميع الوجوه،

    فلم يستحق شيئا من أنواع العبادة،



    وقوله: { الحي القيوم } هذان الاسمان الكريمان

    يدلان على سائر الأسماء الحسنى دلالة مطابقة وتضمنا ولزوما،

    فالحي من له الحياة الكاملة المستلزمة لجميع صفات الذات،

    كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ونحو ذلك،

    والقيوم: هو الذي قام بنفسه وقام بغيره،

    وذلك مستلزم لجميع الأفعال التي اتصف بها رب العالمين

    من فعله ما يشاء من الاستواء والنزول والكلام والقول

    والخلق والرزق والإماتة والإحياء، وسائر أنواع التدبير،

    كل ذلك داخل في قيومية الباري،


    ولهذا قال بعض المحققين:

    إنهما الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى،

    ومن تمام حياته وقيوميته أن { لا تأخذه سنة ولا نوم } والسنة النعاس

    { له ما في السماوات وما في الأرض } أي: هو المالك وما سواه مملوك


    وهو الخالق الرازق المدبر

    وغيره مخلوق مرزوق مدبر لا يملك لنفسه ولا لغيره

    مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض


    فلهذا قال:

    { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } أي: لا أحد يشفع عنده بدون إذنه،

    فالشفاعة كلها لله تعالى، ولكنه تعالى إذا أراد أن يرحم من يشاء من عباده

    أذن لمن أراد أن يكرمه من عباده أن يشفع فيه،

    لا يبتدئ الشافع قبل الإذن،




    ثم قال { يعلم ما بين أيديهم } أي: ما مضى من جميع الأمور

    { وما خلفهم } أي: ما يستقبل منها،

    فعلمه تعالى محيط بتفاصيل الأمور، متقدمها ومتأخرها،

    بالظواهر والبواطن، بالغيب والشهادة،

    والعباد ليس لهم من الأمر شيء

    ولا من العلم مثقال ذرة إلا ما علمهم تعالى،




    ولهذا قال: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء

    وسع كرسيه السماوات والأرض }

    وهذا يدل على كمال عظمته وسعة سلطانه،

    إذا كان هذه حالة الكرسي أنه يسع السماوات والأرض

    على عظمتهما وعظمة من فيهما،

    والكرسي ليس أكبر مخلوقات الله تعالى،

    بل هنا ما هو أعظم منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلا هو،



    وفي عظمة هذه المخلوقات تحير الأفكار وتكل الأبصار،

    وتقلقل الجبال وتكع عنها فحول الرجال،

    فكيف بعظمة خالقها ومبدعها،

    والذي أودع فيها من الحكم والأسرار ما أودع،

    والذي قد أمسك السماوات والأرض أن تزولا

    من غير تعب ولا نصب،


    فلهذا قال:


    { ولا يؤوده } أي: يثقله { حفظهما

    وهو العلي } بذاته فوق عرشه،

    العلي بقهره لجميع المخلوقات،

    العلي بقدره لكمال صفاته


    { العظيم } الذي تتضاءل عند عظمته جبروت الجبابرة،

    وتصغر في جانب جلاله أنوف الملوك القاهرة،


    فسبحان من له العظمة العظيمة والكبرياء الجسيمة

    والقهر والغلبة لكل شيء،


    فقد اشتملت هذه الآية على توحيد الإلهية

    وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات،

    وعلى إحاطة ملكه وإحاطة علمه

    وسعة سلطانه وجلاله ومجده،

    وعظمته وكبريائه وعلوه على جميع مخلوقاته،


    فهذه الآية بمفردها عقيدة في أسماء الله وصفاته،

    متضمنة لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلا.


  8. #18
    عضو متألق
    رقم العضوية : 27850
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    المشاركات: 1,492
    التقييم: 10
    الدولة : الأسكندرية
    العمل : طالبة بمعهد الدراسات الاسلامية
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    البرهان 18

    من سورة البقرة

    { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ


    فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى

    لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *

    اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ

    وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ
    يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ

    أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }

    سورة البقرة { 256 - 257 }


    يخبر تعالى أنه لا إكراه في الدين لعدم الحاجة إلى الإكراه عليه،


    لأن الإكراه لا يكون إلا على أمر خفية أعلامه، غامضة أثاره،

    أو أمر في غاية الكراهة للنفوس،

    وأما هذا الدين القويم والصراط المستقيم فقد تبينت أعلامه للعقول،


    وظهرت طرقه، وتبين أمره، وعرف الرشد من الغي،

    فالموفق إذا نظر أدنى نظر إليه آثره واختاره،

    وأما من كان سيئ القصد فاسد الإرادة،

    خبيث النفس يرى الحق فيختار عليه الباطل،

    ويبصر الحسن فيميل إلى القبيح،

    فهذا ليس لله حاجة في إكراهه على الدين،

    لعدم النتيجة والفائدة فيه، والمكره ليس إيمانه صحيحا،

    ولا تدل الآية الكريمة على ترك قتال الكفار المحاربين،

    وإنما فيها أن حقيقة الدين من حيث هو موجب لقبوله

    لكل منصف قصده اتباع الحق،

    وأما القتال وعدمه فلم تتعرض له،

    وإنما يؤخذ فرض القتال من نصوص أخر،

    ولكن يستدل في الآية الكريمة على قبول الجزية من غير أهل الكتاب،

    كما هو قول كثير من العلماء،

    فمن يكفر بالطاغوت فيترك عبادة ما سوى الله وطاعة الشيطان،

    ويؤمن بالله إيمانا تاما أوجب له عبادة ربه وطاعته

    { فقد استمسك بالعروة الوثقى } أي: بالدين القويم الذي ثبتت قواعده ورسخت أركانه،

    وكان المتمسك به على ثقة من أمره،

    لكونه استمسك بالعروة الوثقى التي { لا انفصام لها }

    وأما من عكس القضية فكفر بالله وآمن بالطاغوت،

    فقد أطلق هذه العروة الوثقى التي بها العصمة والنجاة،

    واستمسك بكل باطل مآله إلى الجحيم

    { والله سميع عليم } فيجازي كلا منهما بحسب ما علمه منهم من الخير والشر،

    وهذا هو الغاية لمن استمسك بالعروة الوثقى ولمن لم يستمسك بها.


    ثم ذكر السبب الذي أوصلهم إلى ذلك فقال:

    { الله ولي الذين آمنوا } وهذا يشمل ولايتهم لربهم،

    بأن تولوه فلا يبغون عنه بدلا ولا يشركون به أحدا،

    قد اتخذوه حبيبا ووليا،

    ووالوا أولياءه وعادوا أعداءه،

    فتولاهم بلطفه ومنَّ عليهم بإحسانه،

    فأخرجهم من ظلمات الكفر والمعاصي والجهل

    إلى نور الإيمان والطاعة والعلم،

    وكان جزاؤهم على هذا أن سلمهم من ظلمات القبر والحشر والقيامة

    إلى النعيم المقيم والراحة والفسحة والسرور

    { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت } فتولوا الشيطان وحزبه،

    واتخذوه من دون الله وليا ووالوه وتركوا ولاية ربهم وسيدهم،

    فسلطهم عليهم عقوبة لهم فكانوا يؤزونهم إلى المعاصي أزا،

    ويزعجونهم إلى الشر إزعاجا،

    فيخرجونهم من نور الإيمان والعلم والطاعة

    إلى ظلمة الكفر والجهل والمعاصي،

    فكان جزاؤهم على ذلك أن حرموا الخيرات،

    وفاتهم النعيم والبهجة والمسرات،

    وكانوا من حزب الشيطان وأولياءه في دار الحسرة،

    فلهذا قال تعالى:

    { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }



  9. #19
    عضو متألق
    رقم العضوية : 27850
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    المشاركات: 1,492
    التقييم: 10
    الدولة : الأسكندرية
    العمل : طالبة بمعهد الدراسات الاسلامية
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    البرهان 19

    من سورة البقرة


    { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ


    إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ

    قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ

    قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ
    فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ

    وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }

    سورة البقرة { 258 }

    يقول تعالى: { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه }

    أي: إلى جراءته وتجاهله وعناده ومحاجته فيما لا يقبل التشكيك،

    وما حمله على ذلك إلا { أن آتاه الله الملك }

    فطغى وبغى ورأى نفسه مترئسا على رعيته،

    فحمله ذلك على أن حاج إبراهيم في ربوبية الله

    فزعم أنه يفعل كما يفعل الله،

    فقال إبراهيم { ربي الذي يحيي ويميت }

    أي: هو المنفرد بأنواع التصرف،

    وخص منه الإحياء والإماتة لكونهما أعظم أنواع التدابير،

    ولأن الإحياء مبدأ الحياة الدنيا والإماتة مبدأ ما يكون في الآخرة،


    فقال ذلك المحاج: { أنا أحيي وأميت }

    ولم يقل أنا الذي أحيي وأميت،

    لأنه لم يدع الاستقلال بالتصرف، وإنما زعم أنه يفعل كفعل الله ويصنع صنعه،

    فزعم أنه يقتل شخصا فيكون قد أماته، ويستبقي شخصا فيكون قد أحياه،

    فلما رآه إبراهيم يغالط في مجادلته

    ويتكلم بشيء لا يصلح أن يكون شبهة

    فضلا عن كونه حجة، اطرد معه في الدليل


    فقال إبراهيم: { فإن الله يأتي بالشمس من المشرق }

    أي: عيانا يقر به كل أحد حتى ذلك الكافر

    { فأت بها من المغرب } وهذا إلزام له بطرد دليله إن كان صادقا في دعواه،

    فلما قال له أمرا لا قوة له في شبهة تشوش دليله، ولا قادحا يقدح في سبيله

    { بهت الذي كفر } أي: تحير فلم يرجع إليه جوابا

    وانقطعت حجته وسقطت شبهته،

    وهذه حالة المبطل المعاند الذي يريد أن يقاوم الحق ويغالبه،
    فإنه مغلوب مقهور،


    فلذلك قال تعالى: { والله لا يهدي القوم الظالمين }

    بل يبقيهم على كفرهم وضلالهم،

    وهم الذين اختاروا لأنفسهم ذلك،

    وإلا فلو كان قصدهم الحق والهداية

    لهداهم إليه ويسر لهم أسباب الوصول إليه،

    ففي هذه الآية برهان قاطع على تفرد الرب بالخلق والتدبير،

    ويلزم من ذلك أن يفرد بالعبادة والإنابة والتوكل عليه في جميع الأحوال،

    قال ابن القيم رحمه الله:

    وفي هذه المناظرة نكتة لطيفة جدا،

    وهي أن شرك العالم إنما هو مستند إلى عبادة الكواكب والقبور،

    ثم صورت الأصنام على صورها،

    فتضمن الدليلان اللذان استدل بهما إبراهيم

    إبطال إلهية تلك جملة

    بأن الله وحده هو الذي يحيي ويميت،

    ولا يصلح الحي الذي يموت للإلهية

    لا في حال حياته ولا بعد موته،

    فإن له ربا قادرا قاهرا متصرفا فيه إحياء وإماتة،

    ومن كان كذلك فكيف يكون إلها

    حتى يتخذ الصنم على صورته، ويعبد من دونه،

    وكذلك الكواكب أظهرها وأكبرها للحس هذه الشمس

    وهي مربوبة مدبرة مسخرة،

    لا تصرف لها بنفسها بوجه ما،

    بل ربها وخالقها سبحانه يأتي بها من مشرقها فتنقاد لأمره ومشيئته،

    فهي مربوبة مسخرة مدبرة،

    لا إله يعبد من دون الله.

    " من مفتاح دار السعادة "

  10. #20
    عضو متألق
    رقم العضوية : 27850
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    المشاركات: 1,492
    التقييم: 10
    الدولة : الأسكندرية
    العمل : طالبة بمعهد الدراسات الاسلامية
    الجنـس : Woman

    افتراضي

    البرهان 20

    من سورة البقرة

    { أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا
    قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا
    فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ
    قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ


    قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ
    وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ
    وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا

    فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

    { 259 } سورة البقرة


    وهذا أيضا دليل آخر على توحد الله بالخلق والتدبير والإماتة والإحياء،

    فقال: { أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها } أي: قد باد أهلها وفني سكانها وسقطت حيطانها على عروشها،
    فلم يبق بها أنيس بل بقيت موحشة من أهلها مقفرة،
    فوقف عليها ذلك الرجل متعجبا


    و { قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها } استبعادا لذلك وجهلا بقدرة الله تعالى،

    فلما أراد الله به خيرا أراه آية في نفسه وفي حماره،

    وكان معه طعام وشراب،


    { فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت
    قال لبثت يوما أو بعض يوم }

    استقصارا لتلك المدة التي مات فيها
    لكونه قد زالت معرفته وحواسه وكان عهد حاله قبل موته،

    فقيل له { بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه }

    أي: لم يتغير بل بقي على حاله على تطاول السنين واختلاف الأوقات عليه،

    ففيه أكبر دليل على قدرته حيث أبقاه وحفظه عن التغير والفساد،

    مع أن الطعام والشراب من أسرع الأشياء فسادا


    { وانظر إلى حمارك }
    وكان قد مات وتمزق لحمه وجلده وانتثرت عظامه، وتفرقت أوصاله

    { ولنجعلك آية للناس } على قدرة الله وبعثه الأموات من قبورهم،

    لتكون أنموذجا محسوسا مشاهدا بالأبصار،

    فيعلموا بذلك صحة ما أخبرت به الرسل


    {وانظر إلى العظام كيف ننشزها }

    أي: ندخل بعضها في بعض، ونركب بعضها ببعض


    { ثم نكسوها لحما } فنظر إليها عيانا كما وصفها الله تعالى،

    { فلما تبين له } ذلك وعلم قدرة الله تعالى

    { قال أعلم أن الله على كل شيء قدير }



    والظاهر من سياق الآية أن هذا رجل منكر للبعث أراد الله به خيرا، وأن يجعله آية ودليلا للناس لثلاثة أوجه:

    أحدها قوله : { أنى يحيي هذه الله بعد موتها }
    ولو كان نبيا أو عبدا صالحا لم يقل ذلك،


    والثاني: أن الله أراه آية في طعامه وشرابه وحماره ونفسه
    ليراه بعينه فيقر بما أنكره،
    ولم يذكر في الآية أن القرية المذكورة عمرت وعادت إلى حالتها،
    ولا في السياق ما يدل على ذلك،
    ولا في ذلك كثير فائدة،
    ما الفائدة الدالة على إحياء الله للموتى
    في قرية خربت ثم رجع إليها أهلها أو غيرهم فعمروها؟!

    وإنما الدليل الحقيقي في إحيائه وإحياء حماره وإبقاء طعامه وشرابه بحاله،


    والثالث في قوله: { فلما تبين له } أي:
    تبين له أمر كان يجهله ويخفى عليه،
    فعلم بذلك صحة ما ذكرناه،
    والله أعلم.

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •