"مجتمع خالٍ من التحرش".. دعوة تتبناها 17 دولة عربية!

محمد جمال عرفة - آيات الحبال

أكد ممثلو 17 دولة عربية أن السبب في تفشي ظاهرة التحرش الجنسي في الدول العربية هو الصمت وتحميل الضحية المسئولية، وعدم البوح بحدوث واقعة تحرش؛ خوفا من الفضيحة، وعدم وجود نصير قوي يناصر المرأة في حالة المطالبة بحقوقها.
جاء ذلك في الإعلان الذي أصدره المشاركون في المؤتمر الإقليمي "التحرش الجنسي كعنف اجتماعي وتأثيره على النساء"، والذي عقد في الفترة من 13 -14 ديسمبر 2009 تحت رعاية مندوب الأمم المتحدة للسكان، بالتعاون مع المركز المصري لحقوق المرأة والوكالة السويدية للتنمية الدولية.

عول المشاركون على دور حيوي لوسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية لفضح هذه الممارسات غير الأخلاقية والتي تتنافى مع تعاليم الإسلام خاصة، والأديان بشكل عام، وتوعية الفتيات والنساء بسبل التصدي لظاهرة التحرش الجنسي، وذلك من خلال البرامج المتنوعة، إلى جانب التأكيد على البعد الأخلاقي وإحياء الوازع الديني كسلاح فعال لدى الجنسين في الحد من هذه الظاهرة الخطيرة؛ نظرا للدور الخطير الذي تلعبه وسائل الإعلام في التأثير على الجماهير العريضة.

كما طالبوا بضرورة إنشاء قاعدة بيانات تتضمن المعلومات الكاملة حول حوادث التحرش والعنف ضد النساء بشكل لا يخترق خصوصية أصحابها، وإتاحة هذه القاعدة للباحثين لدراسة أبعاد الظاهرة والوقوف على أهم أسبابها وأفضل طرق علاجها.

وشددوا على عدم إمكانية تحقيق أي مجتمع لتطور تنموي واقتصادي شامل في ظل الاستمرار في قهر المرأة وتوجيه الإهانات لها، داعين لأهمية إيجاد بيئة عمل في المجتمعات العربية خالية من التحرش الجنسي تستطيع المرأة من خلالها القيام بدورها التنموي بجانب الرجل في المجتمع.

قصور في القوانين

"في الطرقات.. هجمة حيوانية ضد الفتاة المصرية" هكذا بينت زينب رضوان عضوة مجلس الشعب، أن التحرش الجنسي صار أكثر ضراوة وبلغ أقصى حدوده، معربة عن حاجتنا إلى قانون يحمي المجتمع المصري من الانهيار، بعد أن تحول التحرش من سلوك فردي إلى سلوك جماعي مما يؤدي إلى اختفاء الجاني وسط المجموعة، وبالتالي صعوبة الوصول إليه.

ولفتت إلى أنه لا يوجد في القانون المصري نص يجرم "التحرش الجنسي"، وإنما يعاقب هذا الفعل على أنه من ضمن "أعمال الفحش" المحظورة، مستشهدة بما حدث في العام 2008 حين قضت محكمة مصرية بسجن رجل ثلاث سنوات لتحرشه بامرأة.


وأشارت فرخندة حسن الأمين العام للمجلس القومي للمرأة إلى أن "هناك قصورا أمنيا ملحوظا في الشارع المصري، مما يتطلب توفير مناخ آمن للفتيات والنساء، وتنفيذ عقوبات رادعة على مرتكبي جرائم التحرش الجنسي"، مطالبة بتزويد أقسام الشرطة بخطوط ساخنة لتلقي شكاوى النساء والفتيات تقوم عليها ضابطات الشرطة.

سلاح في دارفور

رشا عوض، صحفية بجريدة (أجراس الحرية) وناشطة حقوقية بالسودان، أكدت بدورها عدم وجود تشريع عربي يجرم التحرش أو يجرم العنف ضد المرأة في السودان برغم تفشي هذه الظاهرة في الفترة الأخيرة بسبب الحرب الأهلية الدائرة في إقليم دارفور، لافتة إلى أن التحرش بات واحدا من أسلحة الحرب المستخدمة بين القبائل هناك.

وأوضحت أن هناك قصورا واضحا في قانون العقوبات السوداني الذي يخلط بين الاغتصاب والزنا، مما يتسبب في تحول كثير من جرائم الاغتصاب إلى زنا يصعب الإثبات فيها، الأمر الذي دعا الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي إلى تقديم مشروع قانون لمكافحة العنف ضد المرأة ويتناول مواد تجرم التحرش.

في ليبيا هتك عرض.. وبالقانون

"ليس القانون السوداني وحده الذي يخلو من عقوبات هذه الظاهرة، فالقانون الليبي أيضا خلا تماما من التطرق للتحرش الجنسي".. بهذه العبارة بدأت المحامية والناشطة الحقوقية الليبية عزة المقهور حديثها، قائلة: الطبيعي أن يكون مكان هذا القانون ضمن نصوص القانون الجنائي؛ لأن الفعل أيًّا كان الشكل الذي اتخذه.. شفويا، غير شفوي، ماديا ملموسا، يجب أن يعاقب عليه جنائيا، ولكن بالعودة إلى قانون العقوبات الليبي الصادر في عام 1953 وما طرأ عليه من تعديلات، نجد أن النص التجريمي الأقرب إلى التحرش الجنسي هو ذلك المنصوص عليه في المادة 408 المتعلقة بهتك العرض، والذي لا يمكن أن يكون إلا فعلاً ماديًّا ملموساً لذلك الجزء من جسم الإنسان الذي يعد في حكم العورات، وهي أفعال في كل الأحوال ما دون فعل المواقعة، كما أن نص المادة 421 المتعلقة بالأفعال أو الأشياء الفاضحة تشترط لوقوع الجريمة أن تقع في محل عام مفتوح أو معروض على الجمهور، والمعروف أن حالة التحرش الجنسي تتميز بوقوعها في أماكن مغلقة (عمل/ دراسة...)، كما أنها تتميز بوقوعها من شخص له نوع من السلطة على مرءوسته، لذا فهي نادرة الحدوث في الأماكن العامة وفي أماكن تتساوى فيها قدرات المرأة والرجل في جو يكفل نوعاً من المساواة وتكافؤ الفرص.

في السعودية المحارم تكسب

أما في السعودية واستكمالا لمنظومة القصور التشريعي في هذا الشأن، فقد أشارت الإحصائيات، التي قدمتها الجوهرة بنت محمد الوابلي رئيسة مجلس إدارة جمعية الملك عبد العزيز الخيرية النسائية، إلى أن التحرش الجنسي للأطفال أكثر بكثير من النساء، ويدخل في هذا الإطار زنا المحارم حيث تشير الأرقام إلى أن 22.7% من أطفال المملكة العربية السعودية قد تعرضوا للتحرش الجنسي، وأن 62.1% منهم رفضوا الإفصاح عن الأشخاص الذين أساءوا إليهم لحساسية العلاقة التي تربطهم بهم، لكن 16.6% صرحوا بأن الأقرباء هم الذين أساءوا لهم جنسيا بينما قال 4.8% أن إخوتهم من فعلوا بهم ذلك و12.3 % أصدقاء و2.1% معلمون، بينما تنخفض النسبة إلى 1% لكل من الآباء والأمهات.

وأضافت أن التحرش الجنسي للنساء موجود، ولكن بنسبة أقل بكثير من أي دولة أخرى، ولكنه أيضا منتشر بين الأقرباء من الأسرة الواحدة.

في عمان التحرش لا يصل للقضاء

وفي سلطنة عمان يختلف واقع التحرش عن أي بلد عربي آخر، فبحسب ما قالت المحامية العمانية روزالين البلوشية فإن السلطنة مجتمع مغلق لا توجد به أي مؤسسات أهلية تحمي المعنفات، ولا اختصاصيون نفسيون لتقديم الدعم النفسي للأطفال والنساء ضحايا التحرش والاغتصاب؛ ولأنه مجتمع قبلي، يقوم شيوخ القبائل بإغلاق الموضوع فلا يصل إلى القضاء بأي حال.

وفي الدراسة التي أجرتها ميساء الهنائي في 2009، صحفية بجريدة فتون الأسبوعية العمانية، حول أوضاع المرأة في العمل وعرضتها مريم عبد الله النحوي الباحثة في شئون المرأة والطفل بجمعية الكتاب والأدباء العمانيين، تبين أن 11% من النساء يواجهن تحرشات بطرق مختلفة بالعمل (لفظية/جسدية/بالسمعة)، وأن أكثر النساء تعرضاً للتحرش اللفظي هن العاملات في الوظائف المكتبية 56%، أما المهنيات والعاملات في المحلات التجارية والقطاعات العسكرية والطبية (مناوبات) فهن أكثر عرضة لتشويه السمعة والنفور من المجتمع، بينما تعتبر العاملات في الوظائف الدنيا (أقل أجوراً) الأكثر تعرضاً للتحرشات الجسدية، إضافة إلى التحرش من قبل أرباب تلك الأعمال.

في دول الخليج.. التحرش إلكتروني

ولأن المجتمعات الخليجية أكثر رفاهية من المجتمعات العربية الأخرى، فقد كشف المشاركون أن التحرش في الإمارات والبحرين اتخذ شكلا مختلفا وصفته هناء كامل، ممثلة جمعية البحرين النسائية، بتحرش المرفهين، موضحة أن أكثر أنواع التحرش في البحرين تتم عن طريق الإنترنت إما في غرف الشات أو عبر الإيميلات، وأيضا عبر رسائل الموبيل والبلوتوث، حيث يتم إرسال صور إباحية أو كلمات بها إيحاءات مخلة، أو معاكسة ومغازلة، لافتة لعدم وجود أي قانون خاص بمسألة الجرائم الإلكترونية.

واختلافا مع الرأي السابق أشارت المحامية عائشة راشد إلى أن وجود شرطة نسائية في الإمارات لحماية النساء من التحرش ومن الابتزاز لم يفلح في القضاء على هذه الظاهرة أو حتى تقليصها، برغم صدور "قانون الحشمة" أيضًا الذي يمنع النساء بالظهور بملابس فاضحة، مرجعة السبب إلى تعدد الجنسيات التي تعج بها الإمارات، حيث ثبت أن أغلب حوادث التحرش تحدث من جنسيات أخرى.

الأمن في المغرب خرج ولم يعد

الحال في المغرب لم يكن بالأفضل.. فمعظم ضحايا الاستغلال الجنسي بكل أنواعه من القاصرات دون سن الرشد القانوني واللائي يمثلن 80% من حالات الاعتداءات الجنسية.

أرجعت الزهـــرة فرات، محامية ونائبة منسقة "جسور" ملتقى النساء المغربيات، السبب في ذلك غياب الأمن في الشارع المغربي، الذي تحدث فيه حوادث التحرش للرجال والنساء والأطفال دون تمييز وتحت سمع وبصر رجال الأمن.

ووصفت الإحصائيات في سوريا، والتي عرضتها صباح الحلاق الباحثة في قضايا المرأة، حالات التحرش بالإناث "بالعنف المسكوت عنه"، كونها تأتي في الغالب من ذكور العائلة، مما يقود إلى فضيحة عائلية، إلى جانب التهديد القائم على حياة الفتاة والمرأة من قبل المتحرش، وهذا ما بيّنته دراسة صدرت بالتشارك بين أربع جهات هي الاتحاد النسائي، والمكتب المركزي للإحصاء، والهيئة السورية لشئون الأسرة، وصندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة (اليونيفيم) في عام 2006 .

ثلث نساء لبنان متحرش بهن!

وفي عرض واقعي للمشكلة أشارت ممثلة الوفد اللبناني "ماغى عون" إلى أنّ ثُلث نساء لبنان تعرضن لحوادث التحرش أو الاعتداء أو الإساءة اللفظية، وأن المشكلة الأساسية تكمن في عدم وجود أي ضوابط اجتماعية، وعدم وجود وعي اجتماعي يحتم مواجهة تلك الإساءة التي تتعرض لها النساء، مع غياب التعريف الواضح لمصطلح التحرش اللفظي.

وأضافت أن معظم النساء لا يملكن الجرأة للتبليغ عن حالات التحرّش، بسبب نظرة المجتمع التي تحمّل المرأة غالباً مسئولية ما يقع عليها، مؤكدة أنّ معظم السيدات يلجأن إلى القضاء لرفع قضية ضد المتحرشين، ولكنهن لا يلبثن أن يتراجعن عنها عندما لا يصل التحرش حد الاغتصاب، إذ لا يمكن إثبات الواقعة دون دليل ملموس، وأشارت إلى أن القانون اللبناني يتساهل مع حوادث الاغتصاب، كما يعفي المعتدي من العقاب إذا تزوج بالمعتدى عليها.

من أسرة شبكة إسلام أون لاين.