"تيسير الـزواج".. تُضمـد جراح غزة

علا عطا الله


"أمي سأتزوج"، حروفٌ أشعلت فتيل الفرح في قلب والدة "أكرم".. قرارٌ قابلته باحتضان قُرة عينها وتقبيله وإطلاق زغرودة السعادة.

دعواتٌ بالرضا انهالت على وحيدها المهندس صاحب الـ"30 عامًا"، لم تُصدّق أن أكرم العازف عن الزفاف سيفعلها أخيرًا ويطرق باب القفص الذهبي..

ما شعرت به أم أكرم من حبور وانتشاء تحول إلى سحاباتٍ من الحُزن والاستغراب حين انهمرت تفاصيل القرار: "شريكة حياتي زوجة شهيد.. ولها من الأبناء ثلاثة أصغرهم لم يتجاوز العام"..

بعد شهقات الصدمة وصمت الذهول و"لا كبيرة".. أقنع أكرم أمه وعائلته بخطوته وعظيم ما سيُقدم عليه.

لأجل واقع أجمل

بعد أيام كان له ما يُريد وبابتسامة هادئة تحدث لـ"إسلام أون لاين.نت" قائلاً: "بالصدفة استمعت لإعلان عن جمعية (تيسير الزواج).. بهرتني بأهدافها وجميل ما تحمله من عناوين... وجدت نفسي مقتنعًا بالارتباط بزوجة شهيد، أردت زواجًا إبداعيًّّا يهبني الأجر والثواب.. أبناء الشهداء أمانة بحاجة إلى من يرعاهم ويُربيهم التربية السليمة لا أن نتركهم لمتاهات الحياة".

أكرم واحد من مئات شباب غزة الذين اقترنوا بأرامل الشهداء باحثين عن حفظ أسماء زيّنت بدمها سماء الوطن، توجهوا نحو المؤسسات الخيرية الاجتماعية والتي زاد عددها بعد أن خلّف الاحتلال آلاف الشهداء والجرحى.

" جمعية تيسير الزواج".. لمع اسمها مؤخرًا كمؤسسة انطلقت تُداوي جُرح غزة النازف، خطّت بحروفٍ جميلة أنها وُلدت من أجل واقع اجتماعي أرقى وأجمل، نثرت أحلامها على ورق الواقع ورسمت أهداف الوصول.

"وائل الزرد" رئيس مجلس إدارة الجمعية عرّف في بطاقة سريعة هدف المؤسسة وقال: "وُجدت لإعادة تأهيل الجرحى وزوجات الشهداء، ودفعهم لقبول فكرة الزواج من جديد.. خرجنا للنور بعد ازدياد الأرامل والجرحى، فالاعتداءات الإسرائيلية القاسية لا تتوقف.. الجمعية جاءت كباكورة عمل وسهر لفترة طويلة".

عدد الشهداء الهائل وما خلفه من ازدياد في نسبة الأرامل، وتفاقم حالات الجرحى وذوي الاحتياجات الخاصة في غزة والحصار المُطبق بأذرعه على عنق المدينة... كُلها أسباب دفعت بتعجيل خروج الجمعية.

نؤهل ثم نُزوّج

وعما يُميز الجمعية عن المؤسسات الخيرية والمنتشرة في غزة أكد الزرد أن "تيسير الزواج أول مؤسسة متخصصة بالقطاع في هذا المجال.. الجمعيات الأخرى من ضمن عملها وأجندتها يكون مساعدة الشباب وحثهم على الزواج.. ثم إن الجمعية لا يقتصر دورها على الدعم المادي، بل تمتد أفكارها إلى إعطاء وتقديم دروس تثقيفية وشرعية والمتابعة قبل الزواج وبعده".

ولفت إلى أن الجمعية وبجانب ما تُقدمه من خدمات ولمسات وفاء لزوجات الشهداء لم تنسَ الجرحى والمُصابين: "هناك من أصيب بتشوّه بجسده أو بتر لأطرافه.. نربت على أكتافهم ونساعدهم في بدء حياة جديدة.. نُحبب إليهم الحياة ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.. نُخضعهم لجلسات نفسية تُساهم في تأهيلهم ومدّهم بالتوازن المطلوب؛ ليصلوا إلى قناعة تامة بأنهم كما الأصحاء قادرين على بناء أسرة سويّة وجميلة".

"تيسير الزواج" لا تُيسر فقط ماديًّّا وإنما تُبادر لأن يكون الزواج ميسرًا من ألفه إلى يائه، فتقوم بإعطاء المقبلين على الزفاف دورات شرعية وتثقيفية ومعرفة كل طرف لحقوقه وواجباته.

آلية التسجيل في الجمعية تبدأ بمُجرد تقديم الشاب استمارة زواج تشمل سيرته الذاتية، مرفقًا معها مواصفات الفتاة التي يرغب بالزواج منها، وهناك تبدأ اللجنة المختصة بالعمل من أجل الاستفسار عن الشاب، وأخلاقه ووضعه، وذات الشيء ينطبق على الفتاة الراغبة بالزواج، وبعد أسبوع من تعبئة الاستمارة يقوم الشاب أو الفتاة بمراجعة الجمعية، ثم تعطى لهم كشوفات بأسماء وأحوال شريك الحياة ويبدءوا باختيار ما يُناسبهم.

شجاعة وعطاء

"هاني الكحلوت" أحد الاختصاصيين الاجتماعيين في الجمعية أكد أن الجمعية تهدف إلى تغيير نظرة المجتمع نحو الكثير من القضايا المتعلقة بالزواج، كقضية المهور وقضية احترام الرجل للفتاة واحترام الفتاة للشباب.

ولفت إلى أن الجمعية استطاعت تزويج أكثر من 8 آلاف شخص، وأشار إلى أن العام الماضي شهد تزويج أكثر من 100 شاب وفتاة.

وتتواصل "مؤسسة تيسير الزواج" مع العديد من الجهات المانحة لدعم فكرتها وأهدافها، ووضع اللبنات السليمة لبناء أُسر جديدة تعوض الفلسطينيين آلامهم وما فقدته من أبناء.

وإيمانًا منهم بأهمية الجمعية وما تُقدمه التحق مئات المتطوعين للعمل في أروقة المؤسسة؛ لنقل فكرتها للمجتمع والتعاون الإيجابي مع أهداف "تيسير الزواج".

"لينا" في العقد الثاني من عمرها خريجة إحدى كُليات القمة لم تجد غضاضة في الارتباط بجريحٍ بُترت قدمه بفعل طائرات الموت الإسرائيلية تقول: "اقتنعت بهدف الجمعية.. في البداية لم يُوافق أهلي، ولكن مع إصراري على موقفي وإقناعي لهم بأن ما أُقدم عليه خطوة عظيمة تمت مباركة المشروع".

وتُشجع لينا الفتيات على الاقتران بالجرحى، وتتساءل: "لمن نتركهم؟؟ للعاهات النفسية، وتعقيدات الحياة.. هذا أقل ما نقدمه لهم".

الحاج "أبو بشير حمدان" أبدى تأييده لأن يتزوج أبناؤه من أرامل الشهداء، وأضاف "الفكرة جميلة.. لدينا عدد كبير وهائل من زوجات الشهداء نتيجة العدوان والاحتلال الإسرائيلي المُستمر، فلماذا لا نرعاهم ونحافظ على أبنائهم".

الشاب عامر لم يستبعد أن يقدم على الارتباط بجريحة قصف أحلامها الاحتلال. وتابع: "أتوقع أن أفعلها يومًا ما... نحتاج لشيء من الشجاعة والإيمان بأن التضحية عطاء".



--------------------------------------------------------------------------------

مكتب الجيل- فلسطين، ويمكنك التواصل معها عبر البريد الإلكتروني للصفحة adam@iolteam.com.